السبت، ١٢ شوال ١٤٤٥ هـ ، ٢٠ أبريل ٢٠٢٤
بحث متقدم

فاعتبروا يا أولي الأبصار (خطبة مقترحة)

الاعتبار والاتعاظ من قصة أصحاب السبت الذين سقطوا في الامتحان؛ لما فرطوا في دينهم لأجل

فاعتبروا يا أولي الأبصار (خطبة مقترحة)
سعيد محمود
الأربعاء ٠٦ يونيو ٢٠١٢ - ١٨:٠٦ م
5569

فاعتبروا يا أولي الأبصار (خطبة مقترحة)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالغرض من الخطبة:

الاعتبار والاتعاظ من قصة أصحاب السبت الذين سقطوا في الامتحان؛ لما فرطوا في دينهم لأجل شيء من متاع الدنيا، فكانت العقوبة.

المقدمة: لماذا قصة أصحاب السبت؟

- للاعتبار والاتعاظ لأجل وجود شَبه في بعض معانيها بيْن مَن سقط منهم في الامتحان في عدم تحملهم وصبرهم على الأزمات، ومَن يسقطون في هذه الأيام في الامتحان.

- للاعتبار والاتعاظ للذين يثبطون الدعاة والمصلحين عن إصلاح الدنيا بالدين.

- للاعتبار والاتعاظ للدعاة والمصلحين أن يثبتوا وألا يتنازلوا عن ثوابتهم؛ ليكونوا من الناجين مِن عقاب الله في الدارين.

قصص القران عبرة وعظة:

- هداية ورحمة، وصدق وعبرة: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف:111).

- تأثر الصحابة واتعاظهم من ذلك: كان أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه- يتورع عن كثير من الطيبات من المآكل والمشارب، ويقول: "إني أخاف أن أكون كالذين قال الله لهم: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا... ) (الأحقاف:20)".

- علموا أن مَن شاركهم في الفعل استحق ما استحقوا من العقوبة: سمع حذيفة -رضي الله عنه- مَن يقول في قوله -تعالى-: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة:44): "نزلت في بني إسرائيل". فقال له متهكمًا: "نِعْم الإِخْوَةُ لَكُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، إِنْ كَانَتْ لَهُمْ كُلُّ مُرَّةٍ، وَلَكُمْ كُلُّ حُلْوَةٍ! كَلا وَاللَّهِ لَتَسْلُكُنَّ طَرِيقَهُمْ قَدَّ الشِّرَاكِ".

موعظة للمتقين... فاعتبروا يا أولي الأبصار:

- قال -تعالى-: (وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ . وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ . فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ . وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (الأعراف:163-167).

قال الله -تعالى-: (وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ):

- هي قرية على ساحل البحر، كان عملهم صيد السمك، ولما فرطوا في الطاعات وقصروا؛ جعل لهم يوم مخصوص للعبادة يتضرعون فيه -وكان يوم الجمعة-، فاختلفوا بعد ما عصوا أنبياءهم فصرفوا عنه إلى السبت، قال -تعالى-: (إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ) (النحل:124)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هَدَانَا اللَّهُ لَهُ -يَوْمُ الْجُمُعَةِ- فَالْيَوْمَ لَنَا، وَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى) (متفق عليه).

- جعل السبت كله عليهم تشديدًا، وجعلت ساعة الجمعة لنا تيسيرًا: قال -تعالى-: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة:10).

- فائدة: حرمة تعظيم السبت أو الأحد مخالفة لهم: قال -صلى الله عليه وسلم-: (خَالِفُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى) (رواه أبو داود وابن حبان، وصححه الألباني). "صور مِن التشبه: التدين بالليبرالية، والعالمانية".

قال -تعالى-: (إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ):

- لما ازدادوا فسوقًا وانحرافًا نزل البلاء بمنع السمك في البحر، فلا يجدون أرزاقهم: قال -تعالى-: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) (الشورى:30).

- ازدياد الفتنة بأن يظهر السمك يوم العبادة، ويختفي أيام العمل: قال: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم:41).

- وهكذا ضُيق عليهم الحلال مع أنه الأكثر في الأصل: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) (البقرة:29).

- امتحان... الرزق كثير يوم سبتهم: قال -تعالى-: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ . وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) (الأعراف:182-183).

- التوبة والعمل الصالح وطاعة الله سبب للرزق الواسع الحلال: قال -تعالى-: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف:96)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلأْ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِلا تَفْعَلْ مَلأْتُ يَدَيْكَ شُغْلاً وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ) (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني).

التحايل على شرع الله:

- بدلاً من أن يتوبوا إلى الله ازدادوا عصيانًا بالتحايل: (فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام:43).

- السقوط والانهيار وعدم التحمل: قالوا: نتحايل للسمك، فنصبوا الشباك يوم الجمعة، وأخذوها يوم الأحد. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ) (أخرجه ابن بطة في جزء إبطال الحيل، وحسنه الألباني). "إصرار كثير من الناس على كتابة كلمة مبادئ الشريعة في الدستور الجديد؛ تحايلاً على تفريغ الكلمة من محتواها، وأن تفسير المحكمة الدستورية لها يساعدهم على ذلك".

الفتنة تفرِّق المجتمع:

انقسموا إلى ثلاث طوائف:

الأولى: معتدون عصاة: (إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ)، (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ) (البقرة:65).

الثانية: دعاة إلى الله يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر: (قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ).

الثالثة: كارهون للمنكر ولكنهم ساكتون عليه، بل مثبطون للدعاة: (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا). "هل أنتم الذين ستصلحون المجتمع؟! خليكم في المساجد ولا تتدخلوا في الحياة!".

مصير كل فئة:

قال -تعالى-: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).

فئة الدعاة المصلحين:

- لما وجدوا من العصاة الإصرار والجرأة، قالوا لهم: "لا نساكنكم، وجعلوا بينهم وبينهم سورًا"، قال -تعالى-: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) (النساء:140)، (فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (المائدة:25).

- نجاهم الله بعملهم الصالح: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ).

- قالوا معذرة إلى ربكم: قال -صلى الله عليه وسلم-: (إنّ النَّاسَ إِذا رَأوُا المنْكَرَ وَلا يُغَيّرُونَهُ أوْشَكَ أَن يَعُمَّهُم الله بِعِقابِهِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

- ولعلهم يتقون: قال الله -تعالى-: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) (الذاريات:55)، وفي حديث السفينة: (فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا) (رواه البخاري).

فئة العصاة المعتدين:

قال الله -عز وجل-: (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (الأعراف:166). وقال -تعالى-: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (البقرة:65). قال قتادة: "صار الشبان قردة، والشيوخ خنازير": قال -تعالى-: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) (المائدة:60).

أين الفئة الساكتة عن الإنكار؟!

- قيل: هلكوا مع الفئة العاصية لسكوتها "روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما-".

- وقيل: سكتوا على الباطل فسكت القرآن عنهم، وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: "لا أدري ما فعل بهم!".

- كان ابن عباس -رضي الله عنهما- يبكي إذا سمع هذه الآية ويقول: "رأينا أشياءً وسكتنا!".

الخلاصة: نجزم بنجاة الطائفة الناهية، وفي شك من نجاة الساكتة. فأيهما خير؟!

فاعتبروا يا أولي الأبصار:

تذكير في نهاية القصة من الوقوع في مثل ما وقع فيه أصحاب السبت من سقوطهم بسبب الشهوات، ففرطوا في دينهم فاستحقوا العقوبة.

- لسنا من ذلك ببعيد: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فِي هَذِهِ الأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ). فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَتَى ذَاكَ؟ قَالَ: (إِذَا ظَهَرَتِ القَيْنَاتُ وَالمَعَازِفُ وَشُرِبَتِ الخُمُورُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

- احذروا أشر المسخ "مسخ الباطن": قال الله -تعالى-: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) (المائدة:60). "أنهم عبيد الشيطان وجنده من الكفار والمشركين، واليهود والنصارى، ينفذون مخططاتهم في بلاد المسلمين".

نسأل الله أن ينفعنا بما فيها مِن موعظة، وأن ينجينا مِن مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن.

www.anasalafy.com

موقع أنا السلفي

تصنيفات المادة