الأربعاء 23 شهر ربيع الأول 1441هـ الموافق 20 نوفمبر 2019م

القائمة الرئيسية

Separator
ختمة مرتلة من صلاة التراويح- رمضان 1438ه

بحث

Separator

القائمة البريدية

Separator

أدخل عنوان بريدك الالكتروني

ثم أدخل رمز الأمان واضغط إدخال

ثم فعل الاشتراك من رسالة البريد الالكتروني

كتاب
الفاتح. د/ أحمد خليل خير الله
مؤلفات الدعوة السلفية في الميزان

طول الأمد وعلاجه

المادة

Separator
طول الأمد وعلاجه
1408 زائر
28-12-2014
محمد إسماعيل المقدم

طول الأمد وعلاجه

محاضرة للدكتور/ محمد إسماعيل المقدم

لقد نهانا الله عز وجل عن أن نتشبه باليهود الذين أوتوا الكتاب فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم، وطول الأمد تنتج عنه أمور: منها البعد عن الله وعدم العمل بالقرآن، وترك تحكيم شرع الله، ولكن على الإنسان أن يبحث عن علاج لهذه الأسباب والأمراض التي بدأت تستشري في قلوب كثير من الناس وإلا وقع في المصيبة، نسأل الله العافية.

الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم! بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أخي المسلم! نحن نعرف أن كلمة (ملتزم) شاعت في بداية الصحوة الإسلامية كمهرب يهرب به الإخوة من وصف الناس بالكفر، وأيضاً للتمييز بين المسلم الذي يدخل في اسم عموم الإسلام مع أنه مقصر ومفرط في دينه، فكأنها صارت تعبيراً عن مسلم حسن إسلامه، فراراً من تكفير المسلمين بالمعاصي والتقصير، وفراراً أيضاً من وصف المسلم العام الذي يفرط ويقصر في دينه، والذي كنا جميعاً نلحظه أن كلمة (ملتزم) هذه كانت كلمة لها شأن عظيم جداً؛ لأنها كانت تعبر عن نقطة تحول كاملة في كل السلوك الحياتي والفكري والحد الفاصل بين ما مضى وبين الأمس، وبين اليوم وبين الغد، كانت نقطة تحول يتحول الإنسان فيها ويعيد تخطيط حياته كاملةً في ضوءِ ما يمليه عليه دينه الذي جدد العهد مع الله تبارك وتعالى أن يلتزم به، وينبغي أن نشتغل بدعوة الناس عموماً إلى الالتزام بدينهم، وأن نقوم بتحسين إسلامهم، ويتوجب علينا بين الحين والآخر أن لا ننسى أنفسنا، فنحن محتاجون إلى تصحيح إسلامنا وتجديد إيماننا، مع الاهتمام بالفقرة العددية والانتشار الأفقي في ساحة الدعوة، وربما كان هذا على حساب التغذية الفردية والسلوكية في بعض الناس، وخاصة إذا ضممنا إلى ذلك أن إنساناً يكون في أغلب عمره قد قضى هذا العمر من طفولته إلى صباه إلى أوائل شبابه طبقاً لنظام معين في المجتمع، وفي تعاملاته وأخلاقه وسلوكه، فإذا أراد تغيير بعض الصفات في الكبر فإنه يكون فيه شيء من الصعوبة، وربما حمل الإنسان على فعل ما كان عليه من قبل هذا الالتزام أو أن يترخص فيما لا يجوز له فيه الترخص أنه لم ينشأ على طاعة الله منذ الصغر، فنرجو أن تكون الأجيال القادمة بإذن الله أسعد حظاً منا.

وأكثر ما نعانيه الآن أنه بطول الأمد وبمرور الوقت يحصل فينا تغير وتحول، وهذا التحول الذي بقي يصيب المظهر أحياناً، وليس في الأمر كبير خطورة، لكن المشكلة أن هذا التحول مع الوقت يصيب الجوهر لا المظهر فقط، وينفذ إلى الصفات، ويعدل القيم والموازين التي ما كنا نتصور أنه في يوم من الأيام أن نتنازل عنها أو نمعن التفكير فيها.

أيضاً التحول في ترتيب الأولويات التي تشغل الإنسان في حياته، فبعد أن كان الأخ يعاهد الله تبارك وتعالى حينما يلتزم على أنه إذا تزوج سيفعل كذا، وأنه إذا رزق بأولاد سيربيهم على كذا، وسيجعلهم يحفظون القرآن في سن كذا... إلى آخر هذه الخطط والآمال إذ أنه يغير هذا كله، والواقع أننا نكون قد تنازلنا عن هذه الأشياء أو قصرنا أو فرطنا، وربما تغيرت نظرة الناس إلى أشياء كثيرة حتى يجوز أن يسمى حالهم بالافتتان، وقد قال بعض السلف في حد الفتنة: أن تستحل ما كنت تراه حراماً. يحمل هذا على أن الإنسان يترخص في شيء كان يراه حراماً، ولا يكون تحوله هذا عن زيادة علم ورسوخ في الفقه، وإنما مجرد جريان وراء الهوى والشهوات، وضعف أمام الفتن والمغريات، فنحن الآن ينبغي أن نلتفت إلى ضرورة أن نسعى لتحقيق صحوة جيدة أو زيادة الصحوة، فتوبتنا تحتاج الآن إلى توبة، والتزامنا يحتاج إلى التزام، وعلينا أن نجدد العهد مع الله تبارك وتعالى، وليس في هذا معرة أو أي نقص، وإنما هذه طبيعة البشر، إننا في الطريق إلى الله بصفتنا البشرية قد نتعثر، وليس الخطأ أن تتعثر ولكن الخطأ أن تتخذ الحفرة التي وقعت فيها مستقراً ومقيلاً، وتأوي إليها، وتخضع وترضخ لهذا الأمر، والواجب على الإنسان أن ينهض من العثرة ويجدد التوبة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق، إن المؤمن خلق مفتناً تواباً نسياً، إذا ذكر ذكر) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

ونفس هذا المعنى الذي يشير إليه عبر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، حتى لا ينزعج بعض الناس من هذا التعبير الذي نقوله، وهو أننا ينبغي أن نبحث عن تحقيق الصحوة، وتجديد الإيمان، وتحقيق الالتزام من جديد، وتجديد التوبة، وقد ألفنا خيراً من شيخ الإسلام ومجدد شباب الإسلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تبارك وتعالى، حكا عنه ابن القيم رحمه الله في أواخر حياته المباركة يقول: هذا كلام شيخ الإسلام : والله منذ أن احتلمت وبلغت وعقلت إلى الآن ما أعلم أني أسلمت إسلاماً جيداً، وإني أجدد إسلامي إلى الآن. فما هناك شك في أن أمثالنا أحوج إلى تصحيح الإسلام وتجديد العهد مع الله تبارك وتعالى من وقت إلى آخر.

الله تبارك وتعالى أمرنا بتجديد هذا الإيمان والإسلام، والتقصير طبيعة البشر، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم) أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم، ولما سأله بعض الصحابة الوصية قال: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) مع أنه سيحرص على تحقيق التقوى، لكن لا يمنع أنه يقع في تقصير، والمهم أنه لا يستسلم للشيطان، ينهض من العثرة، ويجدد توبته، ويستأنف المسير إلى الله عز وجل.

(وأتبع الحسنة السيئة تمحها) لأن الإنسان غير معصوم، (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون)، وقال عز وجل في مدح المؤمنين {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً }[آل عمران:135] ولم يقل: هم معصومون من فعل المعاصي. لكن قال: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ }[آل عمران:135]، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون) شبههم بالقمع، وهو الذي يوضع فيه السائل فيخرج من أسفله، فمعنى ذلك أن هؤلاء لا ينفعلون بالنصيحة، وإنما تدخل فيهم من أعلى وتخرج من أسفل كأنها لا فائدة منها، وكأنهم لا يستفيدون ولا ينتفعون بها، والله تبارك وتعالى هو الذي يأمرنا أن نستجيب له فقال تعالى: {اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ * فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ }[الشورى:47-48]، والله عز وجل ينادينا إلى التوبة، وهو أرحم بنا من أنفسنا تبارك وتعالى، ليس هذا فحسب، بل هو يأمرنا بالمبادرة والمسارعة والمسابقة، فيقول: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ }[الذاريات:50] هذه هي الروح التي ينبغي أن تحكمنا في مسيرنا إلى الله، أننا نحقق في قلوبنا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، فنفر من الله إلى الله (أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك) كما كان يدعو صلى الله عليه وآله وسلم.

ويقول تبارك وتعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }[البقرة:186]، ويقول عز وجل: {وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ }[يونس:25] هذه دعوة الله، هذه هي دعوة الحق، فهو يدعو إلى دار السلام.

وقال عز وجل في شأن المشركين: {أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ }[البقرة:221]، ويقول تبارك وتعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا }[النساء:27-28] ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في تنبئه في فتن آخر الزمان: (دعاةٍ على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها)، ونحن اليوم تتخطفنا دعوات الشر من كل جانب، ومن كل حدب وصوب، فلا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، ومثل هذه الفتن التي تحيط بنا من كل مكان ليس لها من دون الله كاشفة، فينبغي أن نعتصم بالله عز وجل، ونجتهد في النجاة، ولا تغرنا تلك القوافل أو الكتل التي تهوي إلى جهنم وهي غافلة عن هذا المصير ولا تهتم به، ولا تنظر فيما يكون فيما بعد الموت أو بعد الحياة.

ومما يقوي همتنا على ذلك أن الله عز وجل عظم ثواب التدين في وقت غفلة الناس وانخراطهم عن دين الله عز وجل، فالجزاء من جنس العمل، فكما أنه بالقدر الذي تعاني من الفتن حولك وتصبر لوجه الله بقدر ما يعظم ثوابك عند الله، كما قال عليه الصلاة والسلام لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (أجرك على قدر نفقتك ونصبك) فبقدر ما تعاني في طريق الاستقامة في سبيل الله بقدر ما يعظم أجرك عند الله تبارك وتعالى، ويقول صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي رواه مسلم : (العبادة في الهرج كهجرة إليَّ) الذي يعبد الله وقت الهرج ووقت الفتن ووقت اختلاط أمور الناس وكثرة القتل ووقت انصراف الناس عن الدين إلى الدنيا، فإن هذه هجرة تكون في القلب، فهو ربما يعجز، إذ قد لا توجد طريق للهجرة إلى دار إسلام أو إلى بلد أخف شراً، فإذا عمت الفتن فليهاجر الإنسان بقلبه، ويهجر السوء وأهله إلى الخير وأهله، يكون ثوابه حينئذ كهجرة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيعظم ثواب التدين وقت الغفلة، لذلك لما سئل أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه عن تفسير قوله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ }[المائدة:105] فقال للسائل: سألت عنها خبيراً، أنا سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلاً فقال: (مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم هوىً متبعاً، وشحاً مطاعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه عليكم أنفسكم، لا يضركم ضلال غيركم) لا تغتر بكثرة الهالكين، كما قال الفضيل بن عياض : الزم طريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة! ولا تغتر بكثرة الهالكين.



* أسباب طول الأمد

وهناك أسباب لهذا المرض كما أن هناك علاجاً له، فما من شك في أن أعظم أسباب طول الأمد وضعف الدين وقسوة القلوب هو (حب الدنيا)، كما جاء في بعض الآثار أن حب الدنيا سبب كل خطئية، تأمل في أي ذنب يمكن أن الإنسان يقع فيه تجد أصله وأسه هو (حب الدنيا) كما قال عز وجل: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ }[القيامة:20-21]، وقال عز وجل: {إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا }[الإنسان:27]، فمن أحب شيئاً شغل به وقدمه على غيره، ويقول عليه الصلاة والسلام: (من أصبح والآخرة همه جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن أصبح والدنيا همه شتت الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له) فالناس إذا أصبح الصباح وردت إلى أبدانهم الأرواح ينقسمون إلى قسمين:

هناك إنسان يبيت على عد الأموال وحسابها، وهناك إنسان يبيت على الخصومات التي بينه وبين الآخرين، وهناك إنسان يبيت على الشهوات والمعاصي ويصحو أيضاً على طلب الدنيا، والإنسان إذا أراد أن يعرف ما هو أحب شيء إليه فلينظر ما هو الشيء الذي يقفز إلى ذهنه عندما ينام، أحب شيء إليك هو الشيء الذي عندما تأوي إلى فراشك تجده قد طغى على تفكيرك حتى تنام وأنت مشغول به.

كذلك الشيء الذي هو أحب الأشياء إليك، والشخص الذي هو أحب الأشخاص إليك هو من يخطر في ذهنك بمجرد أن تنتبه، كما يقول الشاعر في حق من يحبه:

وآخر شيء أنت في كل هجعةٍ وأول شيء أنت عند هبوبي

فكذلك من كان مشغولاً بالآخرة وكان محباً لله عز وجل أو رسوله حباً صادقاً أكثر من حبه لأهله وماله وولده وكل شيء في الدنيا قفز إلى قلبه دائماً حُب الله وحُب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحب ما يحبه الله ويرضاه، إذا أصبح يقفز إلى قلبه هم الآخرة فيصحو على ذكر الله، وينام على ذكر الله، ويشغل قلبه دائماًً: ما الذي يرضي الله؟ فإذا نظر حكّم شرع الله: هل النظر هذا حلال أم حرام؟ وإذا لبس حكّم شرع الله، وإذا أكل وإذا شرب وإذا عمل، في كل حركاته وسكناته يبحث عما يرضي الله، فهذا هو الشخص الذي يكون من أصحاب الآخرة، كل شيء في الدنيا يذكره بالآخرة، وهذا هو العاقل، فإن الله تبارك وتعالى ما جعل كل ما في الدنيا إلا لكي ينبهنا على الآخرة، الدنيا لذاتها لا تشتهى ولا تطلب، فإن نعيمها عذاب، ولا بد أن يكون نعيم الدنيا مخلوطاً بالآفات والمكدرات، كما يقول الله عز وجل في شأن أصحاب الجنة: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }[البقرة:25] (وأتوا به متشابها) نعيم الدنيا إنما خلق لكي يذكرك بالآخرة، وما في الجنة من الدنيا إلا الأسماء، فعنب الجنة ليس كعنب الدنيا، وثمر الجنة ليس كثمر الدنيا، إنما هو الاتفاق في الأسماء للتقريب فقط، أما الإنسان إذا حرم تماماً في الدنيا من النعيم فلن يستطيع أن يتخيل نعيم الآخرة، فمثلاً يحس بعينيه متعة النظر إلى الجمال الذي بثه الله تبارك وتعالى في هذا الخلق وفي الأشجار والحدائق والثمار ونحو ذلك، فهذا الشخص الذي فقد نعمة البصر لن يستطيع أن يتذوق نعمة النظر، وإذا كان الإنسان ليس له لسان -جدلاً- لن يحس بطعم ما يأكله، فأعطانا الله هذا النعيم في الدنيا لا لذاته، ولكن لينبهنا على نعيم الآخرة، ولكن خلط كل نعيم في الدنيا بالمكدرات والشوائب، فلا يوجد نعيم إلا ولا بد أن يكون مكدراً من عند أقل الأشياء إلى أكثرها. فمثلاً: إذا كان يحب أنواعاً معينة من الفواكه كالبطيخ والبرتقال فإنه يجد ما يكدره عليه، فالقشرة يجب أن تزيلها أولاً، ولا بد في البذر أن تتضايق فتجد بعض التعب في تخليصه، وربما إذا أسرفت فيه يترتب عليه أضرار صحية، وهكذا حتى النكاح، فتجد المكدرات والعناء الشديد، وأما في الآخرة فإنه لا يوجد شيء من هذا، لكن وجدت هذه الأمور في الدنيا، وقصّر الله عز وجل وقتها وخلطها بالآفات تنبيهاً على أنها ليست مقصودة بذاتها، إنما المقصود أن نتنبه إلى ما يكون في الآخرة من النعيم الذي لا يضاهى ولا يقارن بما في الدنيا، هذا في جانب النعيم.

أيضاً في جانب العذاب، وقد نص القرآن على ذلك كما في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ }[الواقعة:71-74] فبين الله عز وجل من خلق النار أمرين:

الأمر الأول -وقدمه لأنه أهم-: (نحن جعلناها) يعني: خلقناها (تذكرة ومتاعاً للمقوين) والمتاع معروف، تستدفئون بها وتطبخون بها الطعام، وتستضيئون بها، أما الهدف الأول من خلق النار في الدنيا فهو أن تكون تذكرة، إذا رأيتموها ذكرتم نار الآخرة فتعوذتم بالله منها، وحرصتم على أن لا تقعوا فيها، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: (اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب! أكل بعضي بعضاً. فأذن لها بنفسين: نفس في الصيف، ونفس في الشتاء، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير)، وألوان العذاب متنوعة ليست كما يتخيل الناس أن العذاب فقط بالحرارة المرتفعة التي هي سبعون ضعفاً من نار الدنيا، فهناك عذاب بالبرد الشديد الذي لا يقارن ببرد الدنيا وهو الزمهرير، وهذا أيضاً من أنواع ما يعذب به، يعذبون بالبرد كما يحرقون بالنار، والشاهد في قوله عز وجل: {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ }[الواقعة:73] النار خلقت كي نتذكر بها نار الآخرة، ونتعوذ بالله إذا رأيناها، ونتخيل ما يصيبنا إذا وقعنا فيها، والزيارة إلى عنبر الحرائق في أي مستشفى يفسر للشخص معنى (نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين)، فهذا أول إنذار من حب الدنيا وانشغالنا بها، وانصراف قلوبنا عما خُلقت له من محبة الله ورجاء الله والخوف من الله، صارت الدنيا تغلب وتطغى على قلوبنا حتى صرنا من أصحاب هم الدنيا، وصاحب هم الدنيا يعاقب بتشتيت همه فيعامل بنقيض قصده؛ لأن الله لما فتح عليه باب الخير والعلم الشرعي وباب العمل بطاعة الله فآثر الهوى على ما يرضي الله عوقب بعكس مراده، فأنت تريد الراحة في الدنيا، وتريد أن تجد لنفسك الراحة بدلاً من أن يقولوا: متطرف وتصبح الحكاية نكداً في نكدٍ، تتهاون قليلاً وتترخص وتبحث عن زلة عالم هنا ورخصة هناك، وتفتش في الكتب لعلك تجد شيئاً يثبت ما تفعله، نتعامل مع البنوك، نترخص في الكلام مع النساء، أو أي شيء من هذه الأشياء التي يستدرجنا الشيطان بها رويداً رويداً حتى يخلعنا من الدين، فإذا حصل مثل هذا وهو يريد الراحة فيعاقب بالتعب والنكد، لا في الدين فقط، لكن في الدنيا يعامل بنقيض قصده، والجزاء من جنس العمل، لما هان الله عليك هنت عليه وتركك ونفسك، ورفع عنايته عنك، وأرسلك للشيطان، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم! رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين، وأصلح لي شأني كله) الله عز وجل وهو مدرك الحال، وهذا يقين عند كل إنسان راسخ في قلبه، فالله لو تخلى عنك طرفة عين ما أفلحت أبداً، فالشاهد في هذا كله أن من أراد الدنيا وأصبحت الدنيا هي همه وشغله الشاغل وقدمها على الدين انحصر التعارض، فهذا يعاقب كما بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم (من أصبح والدنيا همه شتت الله عليه شمله) وما أدراك ما تشتيت الشمل! لا تقضى له حاجة، لا يستريح، فهو في نكد وهم وذل دائم في الليل والنهار.

(وجعل فقره بين عينيه) هو يريد الدنيا، وقدمها على الدين حتى يغنى ويجمع المال، لكن عومل بنقيض قصده، فلو جمع الملايين فهو فقير؛ لأن الغنى غنى القلب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام : (ليس الغنى بكثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس) فإذا احتجت إلى شيء فأنت فقير إليه.

وينبغي أيضاً أن يكون الإنسان على يقين من هذا المعنى، أن الغنى ليس بكثرة العرض، والراحة لا تكون بالمال، إنما الراحة بطاعة الله تبارك وتعالى، والسعادة في ذلك، فرب رجل غني تقي -أعني غني النفس- قانع بما يعطيه الله يبارك الله له في هذا القليل، وإذا أوى إلى فراشه يبيت هادئ البال حتى لو نام على صخرة، ما ينام على ريش النعام، ولا على الفرش الوثيرة، ولا القصور الفخمة، لكنه ينام ولو على قش ولو على صخرة يتوسدها هادئ البال مرتاحاً، بينما تجد ملوك ورؤساء الدنيا إذا نام أحدهم يهُم بالليل ويهُم بالنهار، وربما يكون اجتلاب النوم عنده شيء عسير جداً، حتى لا يستطيع أن ينام، وربما يتعاطى المنومات حتى ينعم بلحظات الراحة، ورب رجل معه المال الكثير سلطه على هلكته في الباطل والمعاصي، فهو ما بين شراء الفيديو والتلفاز والأفلام والمسرحيات وأكل الحرام وشرب الخمر والمخدرات والربا، ويسلط الله عليه الأمراض، فمعه مال كثير لكن ليس فيه بركة، وأما الرجل الفقير التقي الصالح الغني فبالعكس من ذلك، فأولاده فيهم بركة يحفظون القرآن، ويطيعون الله.

فالشاهد أن من آثر الدنيا على الآخرة عوقب بنقيض قصده، وحرم من الدنيا، وأيضاً حرم من الآخرة، قال تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ }[الشورى:45]، {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }[البقرة:201].

وأما من جعل همه الآخرة فإنه يجعل الله غناه في قلبه، فهذا أعلى درجات الغنى، الغنى غنى النفس والقلب، يقنع بالقليل فيبارك الله له فيه.

غنيت بلا مال عن الناس كلهم وإن الغنى العالي عن الشيء لا به

من أسباب ظاهرة طول الأمد وضعف التدين عند كثير من الناس التأثر بعمليات الحملات الإعلانية التي لا ييأس أعداء الله في وسائل الإعلام ليل نهار من التشويه والتحريض على المتدينين ووصفهم بالصفات المنفرة، كالتطرف والتزمت والرجعية وغير ذلك، خاصة إذا كان الإنسان يُعرض نفسه لهذه الإشعاعات المدمرة، ولو أنه جعل بينه وبين وسائل الإعلام الخبيثة سوراً لحمى نفسه من تأثيرها، لكن إذا كان يلتفت إليها فلا شك أنه سوف يتأثر برؤية وجوه الظالمين، وبرؤية وجوه العصاة والمجرمين، ألا ترى إلى قصة جريج العابد حينما نادته أمه وهو يصلي ثلاثاً فلم يجبها، وكان في كل مرة يقول: أي رب! أمي وصلاتي! فيقبل على صلاته، فدعت عليه أن لا يموت حتى يعاقب بعقوبة معينة، فقالت: (اللهم! لا تمته حتى يرى وجوه المومسات) أي: الزانيات من النساء. فهذه عقوبة أن تقع عين الإنسان على هؤلاء المجرمين والمجرمات، فكيف بتعمد ذلك؟!

وهكذا القلب السليم يحس بذلك، فنحن الآن ندفع الأموال حتى نجلب سخط الله ونشتري النار بالنقود، عذاب وفقدان مال، نشتغل بالأفلام والفيديو والتلفاز، ونجلس أمامه خاشعين صامتين كأننا في محراب العبادة والتبتل، وبأنفسنا نجلب ما يغضب الله ويسخطه، ونفتح على المجلات والجرائد، وننظر إلى ما حرم الله عز وجل النظر إليه، ثم نقول: إننا من أحسن الناس، وليس بعد التزامنا التزام.

فمن آثار هذه الظاهرة استجابة بعض الناس وخضوعهم أمام هذه الحملات، وتأثرهم بها، خاصة الأوساط المنفرة، فإن من أساليب الشيطان وأوليائه أن ينفروا من الحق بتغيير الألفاظ والتعبير عن الحق بالألفاظ المنفرة القبيحة المذمومة، يقول الشاعر:

تقول هذا مجاج النحلِ تمدحه وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير

مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعبير

فيعبرون عن الحق ويلبسونه ثوباً منفراً، حتى يصدوا به الناس عن دين الله تبارك وتعالى، فما هو التطرف؟

التطرف: الأخذ بأطراف الأمور. أي: الابتعاد عن الوسط.

وكلا طرفي قصد الأمور ذميم.

الحق وسط، والأمة هذه هي أمة الوسط، والدين هو دين الوسط: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا }[البقرة:143] عدولاً، وخير الأمور الوسط، لكن أي وسط؟ ما هو المقياس الثابت؟ وما هو هذا الوسط؟

الوسط: هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن حاز عنه يمنةً أو يسرةً فهذا هو المتطرف الذي انحرف عن الميزان الوسط المعتدل القوام، فالشخص الذي ينحرف عن هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإفراط أو تفريط بغلو أو جفاء هو المتطرف، ففي الحقيقة هم المتطرفون حينما يستحلون ما حرم الله، وحينما يزينون المعاصي للناس، وحينما يخالفون هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

أيضاً من هذه الأسباب التي أضعفت إلى حدٍ ما التزام كثير من الناس أن هناك بعض الجماعات المنسوبة إلى الدعوة الإسلامية تقدم للناس نماذج ممسوخة لهذا الالتزام، إرضاءً لأهواء الناس، وربما تكثيراً للأعداد دون مبالاة بالكيف والتربية، فيحصل التسيب الفقهي، ويحصل الاستهتار ببعض الأشياء من السنة أو من الدين، فما من شك أن الإنسان إذا فرط في الشيء الصغير أو اليسير فالصغير إلى الصغير يصيره كبيراً كما قال الشاعر:

لا تحقرن شيئاً من الذنوب صغيراً إن الصغير غداً يعود كبيراً

إن الصغير وإن تقادم عهده عند الإله مفصل تفصيلاً

وقال عليه الصلاة والسلام: (إياكم ومحقرات الأعمال! فإن لها من الله قالباً) وقال أنس : (إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الموبقات).

كذلك من هذه الأسباب هجر القرآن والمخاصمة فيه، فهجر القرآن على أنواع، فهناك هجر القرآن بعدم الإيمان به، وهجر القرآن بترك التحاكم إليه، وعدم تصديق شريعة القرآن، وهجر القرآن بهجر تلاوته حتى تتراكم عليه أكوام الأتربة، قال تعالى:{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا }[الفرقان:30].

ومن هذه الأسباب أيضاً الانفتاح على رفقاء السوء وهجر الصالحين من عباد الله تبارك وتعالى؛ لأن الصالحين حتى لو لم يتكلموا تنتفع برؤيتهم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أولياء الله الذين إذا رءوا ذُكر الله) وربما يمشي الإنسان أحياناً في الطريق ويكون غافلاً عن ذكر الله، فيجد رجلاً ماشياً في الطريق يذكر الله، أو له هيئة تدل على الصلاح والسمت الصالح، أو بمجرد أن تقع عينك عليه تتذكر وترى فمه لا يفتر عن ذكر الله فتقتدي به، وإذا رأيته تذكر الله، فهذا رجل ممن يذكرون الله، فتجد بركته تعود على كل من يقترن به ويتحقق فيه الدعاء أو الوصف: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ }[مريم:31] ينتفع به الناس حيث كان، فهؤلاء هم الذين إذا رءوا ذُكر الله تبارك وتعالى، فالإنسان يهجر إخوانه الصالحين الذين ينبهونه إذا غفل، ويذكرونه إذا نسي، وكثير من الناس يقول: أنا أريد أن أعتزل الإخوة؛ لأن فيهم عيوب كذا، وفيهم أناس يقصرون في كذا. لكن ما من شك أن الملتزمين بدينهم أقرب إلى الحق من غيرهم، الخير غالب عليهم، وبعض التقصير الذي يوجد في أحد من الناس لسبب أو لآخر إنما هو من آثار صفة البشرية، فهم ليسوا معصومين، والإنسان إذا هجر إخوانه الذين يعينونه على العلم وطاعة الله، وذكر الله، وصلاة الجماعة والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فما من شك أن هؤلاء كالماء بالنسبة للسمك، إذا خرج منه ربما لا تبقى فيه حياة، فهذه حقيقة الأخوة في الله تبارك وتعالى، فإذا هجر إخوانه هل سيذهب ويعتزل في الجبال أم ينغمس تماماً في مجتمع كل ما فيه يبعده عن الله ويقصيه عن طريق الله؟! فإذا استبدل صحبة الخير بأناس لا يعظمون الدين فينضح ذلك عليه، ويضعف التزامه إذا أحاط نفسه بمن لا يعظمون ما يعظمه الله تبارك وتعالى.

أيضاً ضعف الهمة والفتور الذي يصيب الناس بمرور الوقت، وهذا سنزيده إيضاحاً إن شاء الله فيما بعد.

من الأسباب التهاون في قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعلل بحجج باردة لا تغني عن صاحبها شيئاً، والإنسان إذا قصّر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاصة إذا وجب عليه فهذا يضعف الغيرة في القلب على الحرمات، فالشيطان يلبس على الناس فيقول المرء: أنا آمر وأنهى ولم أتعلم علماً كثيراً من العلم. لكن تستطيع أن تأمر وتنهى فيما هو معلوم في الدين من الضرورة وما أكثره في مجتمعنا! رجل يضيع الصلاة هل هذا يحتاج إلى أن تتفقه عشر سنوات حتى تأمره بصلاة الجمعة التي يهجرها أو صلاة الجماعة أو الصلاة أصلاً إذا كان تاركاً للصلاة؟

والربا والخمر ونحو هذه الأشياء لا يسع مسلماً أن يجهلها، ولا تحتاج إلى مراجع كبيرة وسنوات كثيرة حتى تتعلمها لتنكرها، والتبرج والتهتك الذي يحصل من النساء، كل هذه الأشياء لا بد للإنسان من أن ينكرها، وكلما مررت على المنكر ولم تنكره أو المعروف ولم تأمر به ففي هذه الحالة لا تظن أن قلبك في حالة سكون، لا بد أن يتأثر بكل ما يراه، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (تُعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً) يعني: الفتن تعرض على نفس الشكل على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً. ولم يقل: تُعرض على العين وإنما: على القلوب. وربما تكون الوسيلة هي العين وربما تكون هي الأذن، لكن في النهاية تصل إلى القلب ويتأثر شئت أم أبيت، ومعنى (تُعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير) أنه إذا نام الإنسان وقد كشف جنبه على الحصير فبعدما يستيقظ يجد أثراً لهذا الحصير في جنبه على هيئة خطوط في لحمه وجلده، فهذا هو عرض الحصير، فمعنى ذلك أن الفتن مثل الحصير، والجنب مثل القلب، فما دام الإنسان يتعرض للفتن ويعيش في جو فيه فتن لا بد أن قلبه سيتخذ موقفاً من هذه الفتنة، ويتأثر سلباً أو إيجاباً، زيادةً أو نقصاناً، فإن القلب يتأثر بالفتن كما يتأثر الجنب بالحصير إذا نام عليه، ولا بد أن ينطبع في قلبك شيء إزاء كل فتنة، يقول عليه الصلاة والسلام: (تُعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأيما قلبٍ أُشربها-تشرب بها وقبلها- نُكتت فيه نكتةٌ سوداء) إذا مرت عليك فتنة لم تنكرها بدرجة الإنكار الواجبة عليك سواء الإنكار باليد إن كنت قادراً على ذلك وبشروطه، أو الإنكار باللسان أو الإنكار بالقلب الذي هو فرض عين على كل مسلم، أما إنكار المنكر بالقلب فليس فرض كفاية، وليس بعده شيء اسمه استطاعة، والحديث فيه: (فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه) ولم يقل: (فإن لم يستطع) بعد إنكار القلب؛ لأن القلب لا سلطان لأحد عليه، حتى الإكراه، فقد قال تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ }[النحل:106]، فالقلب إذا رضي بالمنكر فإنه يموت ويخرج منه الإيمان؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبةٍ من خردل)، فينتفي الإيمان من القلب في هذه الحالة.

(وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتةٌ بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين) تنقسم القلوب بعد حصول هذه الفتن والتعرض لها إلى نوعين: قلب أسود مرباد - معكر- كالكوز مجخياً. أي: كالكوز المنكوس المقلوب الذي قاعدته إلى أعلى فلا يستوعب الخير، فإذا وضعت فيه أي شيء كسائل أو حبوب فإنه سيقع لأنه منكوت، كذلك هذا القلب إذا ابتلي -والعياذ بالله- بالاستجابة وقبول الفتن وتشربها فإنه يمرض ويعتل، ولا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً إلا ما أُشرب من الهوى.

وقلب أبيض لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، فإذاً الشيطان يزين للإنسان كما يزين لبعض الناس الجهلة، يقول: أنا سأحج لكن حين يقوى إيماني، وسألتحي لكن لما يقوى إيماني قليلاً، وتقول المرأة: سأتحجب لكن لما يقوى إيماني. كلا، الطاعة هي التي تقوي الإيمان، والإيمان يزيد وينقص كما هو مقرر عند أهل السنة، يزيد بأسباب وينقص أيضاً بأسباب، فعليك أن تأخذ بهذه الأسباب وتستعين بالله، وتجتنب أسباب النقص، فيزيد الإيمان بالطاعات وينقص بالمعاصي، فمن أعظم الطاعات التي ترضي الله عز وجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ }[العصر:1-2] كل إنسان دب على وجه هذه الأرض فهو في خسر، فهذه قاعدة {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ }[العصر:3] حتى الإنسان ولو كان مقصراً فإنه يجب عليه -ما دام يستطيع- أن ينهى عن المنكر، يقول بعض العلماء: فرض على شاربي الكئوس أن يعظ بعضهم بعضاً، فالذين جلسوا في منتزه يشربون الخمر عليهم وزران:

الوزر الأول: أنهم يشربون الخمر.

الوزر الثاني: وزر ترك الإنكار؛ لأنهم مجموعة، والواجب أن يتواصوا بالحق، ويتواصوا بالصبر على هذا الحق، فهم يقصرون أولاً بمعصية شرب الخمر، ويقصرون ثانياً أنهم لم ينه بعضهم بعضاً عن هذا المنكر، قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ }[المائدة:78-79] لماذا؟ لأنهم لم ينه بعضهم بعضاً عن المنكر، فبعض الناس يقول: كيف أنهى وأنا مقصر؟

نعم أنت مأمور بالأمرين: أن لا تقصر وأن تنهى عن المنكر، لكن أن تضيع أمراً واحداً أهون من أن تضيع أمرين، ولعلك إذا أخلصت النية لله ونويت فلعل الله يقوي إيمانك، وببركة هذا الإخلاص لوجه الله يصلح الله حالك وقلبك، ويعالجه من علله، ففي هذه الحالة تكون فيه بركة عظيمة، فلو لم يوعظ إلا من كان نقياً من الذنوب فمن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان سيعظ الناس؟ من كان سيحمل رسالة الإسلام ويجاهد في سبيلها؟ فالإنسان لا يستسلم للشيطان بسبب ذنوبه وتقصيره، لكن عليه أن ينهض من العثرة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يسوف. ولا يؤجل، ولا يعتذر بالتقصير والمعاصي بقوله: حينما يقوى إيماني سأنهى عن المنكر. كلا، إذا أردت أن تقوي إيمانك فمن أعظم أسباب قوة الإيمان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والآن وأنت خارج من المسجد، وأنت تسير في الشارع توجد منكرات -والعياذ بالله- كثيرة، فجرب نفسك أسبوعاً كاملاً، إذا رأيت منكراً تُنكر باللسان، وسوف تحسها في نفسك، وتجد حلاوتها في قلبك، فأنت منتفع على كل الأحوال، أنت لا يحاسبك الله بأن تحول قلوب الناس {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ }[الغاشية:21-22] يعني: لا تصطدم ولا تيأس ولا تفتر وتضعف همتك إذا لم يستجب الناس لك، وإذا آذاك الناس، وإذا ردوا عليك رداً سيئاً.

ومع ذلك كثير من الناس ما زال فيهم خير لا يؤذون من يأمرهم وينهاهم، لكن نحن الذين نقصر ونبتعد عن الناس، وربما الإنسان عندما يقرأ في بعض الجرائد أو المجلات الإسلامية قصص توبة بعض هؤلاء الملقبين بالفنانين والممثلين والمغنين يعجب، فعلى ما هم فيه من الغفلة لا نتصور أن فيهم شيئاً من الخير أبداً، لكن عندما تسمع القصص والحوار، وكيف بدأت توبة فلانة وتقول مثلاً: أول من هنأتني على التوبة فلانة وفلانة وفلانة. وتذكر أسماء أناس كانوا رواد الفسق والمعاصي والتمثيل، إذاً تحس من خلال واقع هؤلاء التائبين أن هناك تقصيراً من الدعاة، لكن ضالة الداعية إلى الله الشخص الكافر، وإلا يكون الأمر تحصيل حاصل إذا كان من نخاطبهم ونوصل دعوتنا إليهم هم الملتزمون، فهذه ليست ضالة الداعية، ضالة الداعية هو الفاسق والمقصر والعاصي، تبحث عنه وتزين له بضاعتك كما يزين التاجر بضاعته، اصبر على أذى الذين يرفعون شعار (الزبون دائماً على حق) لماذا؟ حتى يحصل على مال، وحتى يحسن علاقته مع الزبون، ويخاف العمال الذين يعملون في المتجر من أن يسيئوا أخلاقهم مع الزبائن، فهذا أسلوب منفر، فيرفع شعار (الزبون دائماً على حق)، ويزين المحل، ويعمل له ديكوراً في الخارج، ويعلن عن تخفيض الأسعار، ويعمل كل شيء من أجل أن يزين بضاعته ولا ينفر منها من يدعوه إلى الشراء، ولماذا نحن نقصر في هذا؟ لماذا لا نزين دعوتنا للناس؟ لماذا لا نحاول أن نبحث عن أفضل ثوب ونعرضها فيه؟

لماذا لا نصبر على من يؤذينا؟ التاجر يصبر لأجل العيش وأنت تصبر وتقول: أريد الجنة التي هي أوسع من السماوات والأرض، هذا عرضها فكيف بطولها؟ ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة! {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ }[التوبة:111]، فلماذا سلعة الله تريدها وأنت مقصر ومفرط؟!

فالشاهد أنك تسلك هذا المسلك بل تكون أعظم اجتهاداً؛ لأنك تريد أعظم مما يريده ذلك التاجر.

أيضاً من أسباب طول الأمد موت الغيرة على الحرمات في القلوب؛ لأنه كلما كان الإنسان منكراً للمنكر آمراً بالمعروف يبقي قلبه حياً حساساً إزاء المنكرات، فبعض الناس يكون عندهم حساسية من نوع من الأدوية، فإذا أخذه تحصل له هذه الحساسية، كذلك قلب المؤمن إذا رأى المنكر ينفعل ويثور دمه ويغلي، وكان عليه الصلاة والسلام لا يغضب إلا لله، كان لا ينتصر لنفسه صلى الله عليه وآله وسلم، فكذلك الإنسان على الأقل فيما يخص نفسه، يقول النبي عليه الصلاة والسلام في إحدى علامات حياة القلب التي يجد فيها الإنسان حلاوة الإيمان: (أن يكره أن يعود إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) فتكره الكفر والمعاصي، فالفساد ينبغي أن تكرهه وتبغضه بقلبك؛ لأن الله يبغضه فضلاً عن أن تفتن به أو تستجيب لفتنته، فالإنسان يكره ويبغض بقلبه ما يكرهه الله تبارك وتعالى، حتى يتحقق فيه قوله عز وجل: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ }[الحجرات:7]، فهل الإيمان وأفعال الإيمان مزينة في قلبك؟ هل الذي لا يغض بصره يعرف أن الله مطلع عليه وأن الله يبغض منه هذه المعصية حين ينظر إلى ما حرم الله؟! وهل هذا يكره المعصية كما يكره أن يقذف في النار؟ كلا.

أيضاً من هذه الأسباب التركيز على الجانب العقلي أو الجانب النظري مع إهمال الجانب السلوكي والتربوي، إهمال الروح والنفس مع أن تزكية النفس من أعظم الوظائف التي بُعث رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم من أجل تحقيقها، يقول الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ }[الجمعة:2]، {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا }[الشمس:9] أي: النفس {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا }[الشمس:10].

ويقول تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى }[الأعلى:14] فالفلاح منوط بالتزكية، وهي تطهير القلب بالتوحيد والعقيدة الصحيحة، أي: مراعاة حرمات الله واجتناب ما يسخطه عز وجل. يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الإيمان ليَخلقُ في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم).

اللهم! إنا نسألك أن تجدد الإيمان في قلوبنا.

فقوله عليه الصلاة والسلام: ( إن الإيمان ليخلق) يعني: يبلى (كما يخلق الثوب) إذا كان عندك ثوب فيه ألوان أو خطوط فمع كثرة الغسيل والمواد الكيماوية وتعرضه للشمس والاستعمال تجد الثوب يدرس وجهه وتنمحي معالمه رويداً رويداً، فيخبر الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى بهذه الحقيقة، وينبغي أن نصدق بما يخبرنا عليه الصلاة والسلام.

(إن الإيمان يَخلقُ في جوف أحدكم) أي: يضعف، ومع طول الوقت تنمحي معالمه كما يخلق الثوب. ويرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أسباب معينة لا بد من أن نلاحق بها هذا البِلى، فلا بد من أن يحصل عامل مضاد نواجه به هذا البِلىَ وهذا الانجراف، ويذكر هنا عليه الصلاة والسلام دعاءً معيناً لزوال هذا المرض، فهذا هو المضاد لعملية ضعف الإيمان في القلوب (فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم) يعني: حتى لا يبقى في قلوبكم رغبة في غير الله عز وجل.

حذرنا الله من طول الأمد فقال تبارك وتعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ }[الحديد:16] يعني أن طول الأمد وطول العهد يقسي القلب، فتعود قلبه أن يسمع الأحاديث والآيات ولا ينفعل بها، وتعود أن يعرف أدلة غض البصر وأدلة وجوب الحجاب وتحريم مصافحة الأجنبية ثم نتيجة كون السلوك ينفصم عن الالتزام بهذه الأشياء تجد قلبه يموت، فهل ينفع الضرب في حديد بارد؟ لا ينفع، لا بد من أن ينصهر هذا الحديد ويلين، فهذا القلب القاسي لا ينتفع بالمواعظ، ولا ينفعل بها، والموعظة مثل الصقر لا يسقط على جيفة بل لا بد من أن يصطاد الشيء الحي، فكذلك الموعظة لا تسقط إلا على القلب الحي فينتفع بها، فلذلك من أخطر الأشياء مرض القلب، والإنسان لا بد أن يتحرى أسباب مرض القلب ويقوم بعلاج هذا القلب، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسياً لهذه القاعدة: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) ويقول عليه الصلاة والسلام (إن الله لا ينظر إلى أجسادكم وصوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، وقال: (التقوى هاهنا التقوى هاهنا) ويشير إلى صدره الشريف صلى الله عليه وآله وسلم، ويقول عليه الصلاة والسلام: (لا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه).

ويقول تبارك وتعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }[المطففين:14] يعني: الذنوب تغطي القلب وتحول بينه وبين الهدى. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن العبد إذا أخطأ خطيئةً نُكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران)، أي: الذي ذكره الله تعالى فقال: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }[المطففين:14].

فالشاهد أن هذا هو أثر الذنوب، فلا بد من أن القلب يتأثر، ولا يعرف القلب حالة السكون أبداً، إما أن يكون في ازدياد، وإما أن يكون في نقص حسب تجاوبه مع ما يعرض عليه من الفتن، حسب القاعدة التي ذكرها الله عز وجل في سورة الرعد {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ }[الرعد:11]، فإذا وصل الإنسان إلى حالة الرضا عن نفسه والقناعة بما هو فيه لن يسمح أبداً إلى إحداث تغيير في حياته وقلبه، فأول البداية أن الإنسان يفيق قلبه ويبعث من جديد وتدب إليه الحياة، لذلك بعد ما رغب الله عز وجل المؤمنين في التوبة قال تبارك وتعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا }[الحديد:17] كذلك الله يحيي القلوب بعد موتها، فالله يحيي موتى الأبدان ويحي الأرض بدبيب الحياة فيها من جديد فينزل عليها المطر، ويحي القلوب أيضاً بعد موتها وهو على كل شيء قدير.

وهناك أسباب لابد من أن يسلكها الإنسان، والإنسان مادام غير راضٍ عن نفسه فإنه يوجد فيه بقية من خير، لذلك لما سئل عليه الصلاة والسلام عن المؤمن قال: (إذا غرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن) فهذا اختبار للقلب، فننظر هل يفرح بالسيئة ويمرح وتزين له أم أن القلب يتألم ويكتئب ويحزن ويندم على ما فرط، (إذا غرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن) لأن هذه علامة أن القلب ما زال حيَّاً ينفعل بالخير ويكره الشر، وكما قال تبارك وتعالى في شأن أهل الكهف: {إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ }[الكهف:14] (قاموا) في قيام للقلب، أي: انتباه ويقظة من الغفلة. هذا الانتباه في حد ذاته قد يأتي من أسباب، وقد يلقيه الله في قلب العبد فتتحول حياته تماماً إلى طريق الله عز وجل.

ليس المطلوب أن لا ترضى عن الواقع الذي أنت فيه، ليس هذا فحسب بل تسعى إلى تغييره: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ }[الرعد:11] أتريد أن يغير الله ما بك من ضعف في الإيمان، ومن تقصير وتفريط؟ اشرع أولاً بأن تبحث وتفكر في نفسك: ما الذي فعلته؟ وما التقصير الذي ارتكبته؟ واجتهد في إرضاء الله عز وجل وتحريك خطة من جديد لتجديد الإيمان وتصحيح الإسلام حتى يأتيك وعد الله فيتغير حالك إلى أحسن حال، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد، ورضيتم بالزرع سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم) ويقول تبارك وتعالى في بعض المصائب التي ألمت بالمسلمين في بعض الغزوات: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ }[آل عمران:165] ، {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ }[النساء:79].

ويروى أن بعض الناس لما أتى إليه أحد السلف وفتح له الباب آذاه أذية شديدة بالكلام، فقال له: أستاذنك برهة يسيرة. ثم دخل إلى بيته فسجد لله عز وجل، وأخذ يتوب ويستغفر، ثم عاد إلى هذا الرجل فقال له: ما أخرك عني؟ قال: علمت أن الله سلطك علي بذنب أحدثته. رحمهم الله أجمعين، يقول: إن الرجل إذا عصى الله عرف ذلك في خلق زوجته ودابته. فعقوبة المعاصي تنعكس عليك وتجدها مع الناس من تسلطهم وتجرئهم عليك، كل هذا من الذنوب والمعاصي، فبعض السلف كان يقول: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق زوجتي ودابتي. حتى الحمار الذي يركبه يستعصي عليه لأنه مسخر، والعقوبات تتنوع، فهناك عقوبات شرعية، وعقوبات كونية قدرية كالزلازل وكالمسخ... إلى آخر هذه العقوبات التي ينزلها الله تبارك وتعالى، أما العقوبات الشرعية فمعروفة، كقطع يد السارق، ورجم الزاني، وجلد الشارب وهكذا، فهذه عقوبات شرعية.

والعقوبة قد تتغلظ وقد تخف، وقد تظهر وقد تخفى، وأخطر أنواع العقوبات هي العقوبة الخفية، وضربة العقوبة الخفية هي التي يعاقب بها الإنسان وهو لا يشعر أنه معاقب، بل زُين له سوء عمله: {زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ }[التوبة:37]، فإذا وقع إنسان في هذا فإنه يكون فرحاً جداً، فهو يفرح بأن المعاصي ميسرة له، وهو مسرور وسعيد لما هو فيه، فلا يرى القبيح قبيحاً والحسن حسناً، بل تنعكس وتنقلب في قلبه هذه الموازين، وهذه أخطر عقوبة يعاقب الله بها العبد؛ لأن هذا العبد -أولاً- راضٍ عن نفسه، وهو بعكس المؤمن، أي: تسره سيئته وتسوءه حسنته، وينقبض من ذكر الله، فإذا ذكر الله اشمأز قلبه {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ }[الحج:72] إذا ذكرته بالله سخط وغضب واشمأز، وإذا ذكر غير الله فدعوته إلى المعاصي وإلى اللهو والفساد ينشرح صدره ويهم، وإذا دعوته إلى الطاعة يحزن ويبطر ويقول ما لا ينبغي.

فالشاهد أن هذا الإنسان الذي زين له سوء عمله لن يتوب، ولذلك جاء في بعض الأحاديث (إن الله احتجر التوبة عن كل صاحب بدعة) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

فكيف يتوب المبتدع؟! المبتدع أصلاً زُين له سوء عمله، هو يرى أن السيئ حسناً والحسن قبيحاً، فلا يتوب إلا إذا شاء الله هداية قلبه بأسباب أخرى، فكذلك هذا الإنسان المفرط العاصي الذي زُين له سوء عمله يحب المعاصي ويفخر بها، فهذا معاقب بأشد أنواع العقاب، أشد من الزلازل، وأشد من الخسف، وأشد من الصيحة، وأشد من الصاعقة، وأشد من قطع اليد، وأشد من الرجم، وأشد من الجلد، فهذا معاقب بأشد عقوبة يعاقب الله بها عبده، وهي أن يسلط الله الغفلة على قلبه {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ }[التوبة:67] لما نسوا الله وضيعوا أمر الله عاقبهم الله بأن نسيهم، أي: تركهم فلا يفيقون من غفلتهم، بل يستمرون على الغفلة حتى يختم لهم -والعياذ بالله- بسوء الخاتمة، وقال تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ }[الحشر:19] أنساهم أنفسهم فلا يتفكرون في عاقبتها ومصيرها، وكيف ستكون الحياة الخالدة فيما بعد الموت أو في الدنيا.

الله تبارك وتعالى وصانا بوصية هي وصيته للأولين والآخرين، وصيته التي وصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ }[الأحزاب:1]، كان الواحد من السلف إذا قيل له: اتق الله يصفر وجهه، لا كما يحصل الآن، إذا قيل لإنسان: اتق الله يركبه الشيطان ويقول: أنا أتقي الله أحسن منك. فتقوى الله معناها أن يراجع الإنسان نفسه وينزجر، فإذا قيل له: اتق الله لا يكون كمن إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم، فقد أمرنا بتقوى الله: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ }[النساء:131] ولم يوصنا فقط بتقوى الله، بل اشترط معها شرطاً آخر، وهذا الشرط هو أن تتقي الله وتثبت على هذه التقوى حتى الموت، فالتقوى أمر والثبات عليها إلى الموت أمر زائد، ويمكن التعبير عنهما بعبارة واحدة هي (الاستقامة) كلمة تركب من معنيين: التقوى والثبات على التقوى، فكل عمل حتى يكون مقبولاً عند الله عز وجل لابد فيه من النية والإخلاص وحُسن الخاتمة، فإنما الأعمال بالخواتيم، وأدلة هذا كقوله عليه الصلاة والسلام: (وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة) إلى آخر الحديث المعروف، فنحن أمرنا بملازمة التقوى، قال بعض السلف رحمهم الله: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة.

وليس أعظم الكرامة أن يطير الإنسان في الهواء ويمشي على الماء وتخرق له العادات، بل كان السلف يخافون من مثل هذا، فربما يكون لهذا تأثيراً سيئاً على الإيمان، والكرامة العظمى التي هي أعظم كرامة ينالها ولي الله هي الثبات حتى الممات، والوفاة على الإسلام، هذه التي هي كانت دعوة الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، أمر الله عز وجل بهذا الأمر في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ }[آل عمران:102] قال ابن مسعود : (أن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يطاع فلا يعصى) فقوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }[آل عمران:102] أمر بالتقوى والثبات على التقوى حتى الممات.

وقد ذكرنا من قبل أن الموت على الإسلام والوفاة على الإسلام وختم الحياة بكلمة الشهادة ليس أمراً إرادياً، وإنما هو محض توفيق من الله تبارك وتعالى، إذاً السؤال: ما الحكمة في أن الله أمرنا بشيء هو ليس في أيدينا؟

والجواب: إن الله عز وجل يقول لنا: {وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }[آل عمران:102]، وهذا التوفيق ليس بأيدينا، فالله هو الذي يوفق، وإنما تأخذ بالأسباب التي شرعها الله عز وجل حتى يمن عليك بحسن الخاتمة والثبات على الدين حتى الممات، فهذا يتضمن الأخذ بأسباب الثبات حتى الممات، فالقلب الذي يقنع ويرضى بالله عز وجل حاله كحال ذلك القلب الذي سئل عنه بعض السلف: أيسجد القلب؟ قال: نعم. يسجد لله سجدةً لا يرفع بعدها رأسه أبداً. فبدن الإنسان قد يسجد أحياناً وقد لا يسجد، أما القلب الصادق في تقوى الله الثابت على طريق الله فإنه لا يحيد ولا يتحول ولا ينصرف إذا ذاق حلاوة الإيمان، قال تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }[آل عمران:200]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (احفظ الله يحفظك) احفظ أوامر الله يحفظك الله بأن يثبتك على دينه حتى الممات، ولذلك جاء في بعض الآثار أن العبد إذا استقبل القبلة في الصلاة، وتوجه بقلبه وبوجهه إلى الله عز وجل وإلى القبلة، فإذا التفت في صلاته قال الله عز وجل: إلى خير مني؟ فهل هناك شيء خير من الله حتى تلتفت عن الله إليه؟ لا شيء أبداً خير من الله عز وجل، فلذلك هذه الكلمة نفسها نقولها لمن يحيد عن الطريق إلى الله، لمن كان يرى الأمر حراماً بالأمس ويستبيحه اليوم، لمن كان يقبض على الجمر واليوم رضي بجنة الدنيا التي هي مثل جنة المسيح الدجال من يدخلها يجدها ناراً، ويفتن بهذا المظهر الخادع ولا يلتفت إلى حقيقته.

من ترك صلاة الجماعة، وقصر في غض البصر، وتهاون في تعاطي الربا وغير ذلك مما حرمه الله بعد ما جرب وذاق حلاوة الطريق إلى الله هل وجد ذلك خيراً وأفضل من طريق الله؟ كلا.

كان صلى الله عليه وآله وسلم يقول في دعاء السفر: (وأعوذ بك من الحور بعد الكور) يعني: من أن تبدل أحوالي في الدين والطاعة إلى انفكاك هذه العروة والتفريط في حق الله عز وجل. وأصل ذلك مأخوذ من تكوير العمامة، عندما يدور الإنسان العمامة على رأسه حتى تكبر وتمسك برأسه فهذا هو التكوير، فإذا نقض هذه العروة وحلها فهذا هو الحور بعد الكور، أي: فك العمامة بعد تثبيتها. فهذه هذا المقصود بهذا التعبير، يعني: انحلال عرى الدين، وضعف وازع الإيمان في قلب الإنسان بعد أن كان ثابتاً وبعد أن كان قوياً، كان يقول صلى الله عليه وسلم: (اللهم! إني أعوذ بك من الحور بعد الكور) ولذلك قال السلف: لا تعجب ممن يحور، ولكن اعجب ممن يستقيم. وكان صلى الله عليه وآله وسلم يدعو في دعائه أيضاً: (ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا) لماذا؟ لأن مصيبة الدين لا تجبر، بعكس كل مصائب الدنيا، فإن فيها عوضاً، وقد يخلف الله عليك ما فاتك، لكن مصيبة الدين لا تعوض، وجرح الدين لا يعالج إلا أن يشاء الله، كما يقول بعض الشعراء:

من كل شيء إذا ضيعته عوض وليس في الله إن ضيعته عوض

فلا يوجد شيء يعوضك عن الله، لكن الله يعوضك عن كل شيء، لذلك يقول بعض الصالحين:

فليتك تحلو والحياة مريرةً وليتك ترضى والأنام غضاب

إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب

ويقول شريح : إني أصاب بالمصيبة فأحمد الله تعالى أربع مرات، أحمده إذ لم تكن أعظم منها، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده، إذ وفقني لاسترجاع ما أرجو فيه من الثواب، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني.

وقال حاتم الأصم : مصيبة الدين أعظم من مصيبة الدنيا -وحاتم الأصم رجل مشهور من السلف-، ولقد ماتت لي بنت فعزاني أكثر من عشرة آلاف، وفاتتني صلاة الجماعة فلم يعزني أحد. وكان السلف إذا الواحد منهم فاتته صلاة الجماعة تدفق المسلمون وأهل المسجد إليه يعزونه في هذه المصيبة.

نمر مروراً سريعاً على بعض هذه الأسباب كما ذكرها فضيلة الشيخ محمد صالح المنجد في محاضرة له بنفس هذا العنوان (وسائل الثبات على دين الله تبارك وتعالى)، أولها: الإقبال على القرآن الكريم، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو فيقول: (أسألك -اللهم- أن تجعل القرآن ربيع قلبي) يحيي قلبي كما تحيا الأرض بالمطر حين ينزل عليها، فأنت تدعو وتقول: (اللهم! إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي) فكيف يكون ربيع قلبك وأنت لا تعرض قلبك لهذا المطر، بل جعلت حاجزاً وسقفاً بين قلبك وبين المطر؟! كيف سيرتوي أصل القلب؟! ولنفرض أن شخصاً ذهب إلى الطبيب، فكتب له الدواء، وجمع مجموعة من الأدوية النافعة بإذن الله، ثم إنه وضع بروازاً من المجوهرات الثمينة مزخرفاً وغالي الثمن، فعطره بأطيب العطور، ووضع الدواء في هذا البرواز الأنيق الجميل، فحفظ الأدوية داخل هذا لبروازه؛ فهذا إنسان سفيه ناقص العقل؛ لأن الدواء ينبغي أن يتعاطاه بجرعات منتظمة، وبطريقة محددة حتى يؤثر مع مرور الزمن، كذلك القلب القرآن دواؤه وشفاؤه، لكن شفاء لمن يتعاطاه، فكونك تقصر في تعاطي الدواء هذا جهل منك وتفريط، فهو دواء، وكل دواء ينبغي أن تتعاطاه، ولن يعالج قلبك دفعةً واحدة، لا بد من توالي القطرات على القلب حسب قوة المرض، وبحسب ما تحتاج إليه من الزمن في التداوي على جرعات مستمرة حتى تؤثر في القلب، ألا ترى أنك لو أتيت إلى عشرين لتراً من الماء ثم صببته على هذه الصخرة دفعة واحدة لا يؤثر فيها شيئاً، لكن لو أن نفس هذا الماء موجود في صفيحة، وفيها ثقب من أسفلها، وينزل منها نفس الكمية من الماء على هيئة قطرات متوالية فإنك تجد مع الوقت أن الماء يحدث فيها تأثيراً، كذلك القلب لا يتأثر ولا يتحول إلا بتوالي العلاج باستمرار لفترة طويلة، وهناك نقطة ضعف عند الناس في الرقية، فعندما يعالج بالرقية يتصور أن الرقية لا تؤتي ثمرتها حتى يقف الذي يدعو ويرقي المريض على رجليه وانتهى كل شيء، كلا، هناك أسباب مطلوبة كأي دواء، فلا بد من الاستمرار في الرقية والصبر عليها والمداومة حتى يحصل الانفعال بهذا الدواء.

وأعظم وسيلة لتثبيت الإيمان في القلب وزيادته هي التعامل باستمرار مع القرآن الكريم، فهو أعظم دواء وشفاء لما في الصدور و(ما أنزل الله داءً إلا وأنزل معه دواء)، و(داءً) نكرة في سياق النفي تعم كل الأدواء، سواء أدواء القلب أو أدواء البدن، والقلب دواؤه القرآن، فهو شفاء ينبغي أن تتعاطاه دائماً، فما أنزل الله القرآن حتى نضعه في السيارات، ويهديه الرؤساء والملوك والوزراء والمسئولون بعضهم لبعض ثم يظن أن هذا هو تكريم القرآن!

تكريم القرآن تصديقه والعمل به وتلاوته، وعدم هجره وهجر أحكامه: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا }[يس:70]، وما أُنزل لنتلوه على المقابر أو على الموتى في التراب، ثم نمضي وننصرف وكأن شيئاً لم يكن، ما أُنزل القرآن لأجل هذا، إنما أُنزل ليكون منهاجاً في حياتنا، بين الله تبارك وتعالى أن الغاية التي من أجلها أنزل القرآن مفصلاً منجماً مقسماً على نجوم وأجزاء أنها هي تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا }[الفرقان:32] القرآن يزرع في النفس الإيمان، ويحيي القلوب بعد موتها، فالقلب تنزل آيات القرآن عليه برداً وسلاماً فلا تعصف به رياح الفتنة، ويطمئن قلبه بذكر الله، ولن يتقرب الإنسان إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه وهو كلامه تبارك وتعالى، يقول عليه الصلاة والسلام: (من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف) أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم.

كذلك نحن نعيش في جو مليء بالفتن والشبهات، وبطعن أعداء الإسلام وحملات الإعلام وغيره، فهذه الفتن مع تكاثرها إن لم نتعاط ما يضاد هذه السموم والشبهات والشهوات ستطغى علينا.

والقرآن هو المحطة التي تأتيك بالوقود باستمرار، فإذا قطعت الصلة بينك وبين هذا المصدر -مصدر التزويد بالمفاهيم الصحيحة- فلا شك أنك ستنفعل لهذه الفتن وتؤثر في قلبك شئت أم أبيت، فاستمرار القرآن يعطيك المقاييس حتى تحكم على الأشخاص أهل المبادئ ولا تقع في الاضطراب.

أيضاً القرآن يرد على شبهات الكائدين للإسلام وأعداء الإسلام من المنافقين والكافرين بكل ألوانهم، فالارتباط بالقرآن يحبط كيد أعداء الله تبارك وتعالى، فإنه يكسر طعن أعداء الإسلام وتشويه مفاهيم المؤمنين في قضية الولاء والبراء، وفي قضية أن النصراني أخو المسلم فيما يسمى بالوحدة الوطنية، فهذه المفاهيم الوثنية المضللة الإنسان يتعرض لها ليل نهار على لسان علماء السوء قطع الله ألسنتهم، ودعاة السوء من الشرق والغرب في كل مكان، في الجرائد، في الإذاعة، في كل شيء.

فنحن سنتأثر بهذا إن لم نرتبط بالقرآن، وآية واحدة من القرآن كفيلة في أن تحبط كل كيد هؤلاء: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا }[البقرة:217] ، {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ }[البقرة:120] هذا خبر الله، ونحن نصدق خبر الله عز وجل، وهكذا تجد آية واحدة من القرآن تحبط كل كيد هؤلاء المجرمين.

فمثلاً: حينما يكثر التشويش على تعدد الزوجات والطعن في هذا الحكم الإلهي أو التطاول عليه فإن المسلم الموحد الذي يتلو كتاب الله ويحافظ على الصلة الوثيقة بينه وبين القرآن آية واحدة في كل ختمة يقرؤها تكفي لأن يتلاشى كل هذا كأن لم يكن، وهي قوله: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ }[النساء:3] إلى آخر الآيات، آية واحدة تكفي، ولا ينشغل الإنسان بعد ذلك بالمحاورة والمجادلة في حيل أعداء الله تبارك وتعالى، والأسماء فقط هي التي تتغير، لكن جنس المنافقين والكائدين للدين ما زال قائماً، نعم لقد مات أبو جهل ومات أبو لهب ومات أبي بن خلف ومات فرعون ومات قارون ومات النمرود، لكنهم يتجددون ويظهرون الآن في صور أخرى وتحت أسماء مختلفة، والحقيقة واحدة، فالقرآن يخاطب هؤلاء كما خاطبهم من قبل، ويخاطب أمور التزامنا كما كان يخاطب الذين مضوا من أهل الإيمان، فتجد الشخص إذا ربط حياته بالقرآن وأقبل عليه تلاوة وحفظاً وتدبراً تجد أن ذلك ينعكس في حياته، بعكس ذلك الذي قطع الصلة بينه وبين القرآن، وحرم من هذا المصدر العظيم من مصادر الطاقة، والوقود الذي يحفظ عليه إيمانه.

أيضاً مما يعين الإنسان على الثبات على دين الله تبارك وتعالى التزام الشرع، والمحافظة علي الأعمال الصالحة، والمثابرة عليها، يقول الله تبارك وتعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ }[إبراهيم:27].

وبعض الناس تنطلق أذهانهم إلى أن التثبيت فقط يكون عند الموت، ولا يتأملون أن التثبيت حال الحياة مطلوب أيضاً، فقوله تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا) عام، فيثبتهم وهم أحياء بالأعمال الصالحة (بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين)، قال قتادة : أما في الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح، وفي الآخرة في القبر.

ويقول تبارك وتعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا }[النساء:66] فما توعظ وتؤمر به من الأعمال الصالحات خير لك، ويثبتك على دين الله تبارك وتعالى، فإذا أطلت الفتنة برأسها فهل يثبت الكسالى القاعدون المفرطون في حق الله؟ لا، لا يثبت إلا من ثابر على العمل الصالح، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملاً أثبته، وكان أحب الأعمال إليه أدومه وإن قل، ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: (من حافظ على ثنتي عشرة ركعة وجبت له الجنة) وهي السنن الرواتب في اليوم والليلة، قال: (من حافظ) يعني: ليس من عملها يوماً وقطعها شهراً، لكن من واظب، وهذا هو معنى الاستقامة، ويقول عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي: (قال الله تبارك وتعالى: ولا يزال -تفيد الاستمرار والثبات- عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به...) إلى آخر الحديث. فانظر إلى كلمة (ولا يزال) فهي تفيد الثبات والاستمرار على ذلك.

من بركات قراءة القرآن تدبر قصص الأنبياء، ودراستها للتأسي والعمل، يقول تبارك وتعالى: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ }[هود:120]، فإذا تأمل الإنسان قصة إبراهيم عليه السلام وتخيل الموقف: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ }[الأنبياء:68-70].

فيتساءل: ماذا فعل إبراهيم لما ألقي في النار؟ إذا هدد الإنسان بالقتل أو التعذيب ماذا يفعل؟ ويتذكر إذا كان يقرأ القرآن قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ }[آل عمران:173] نفس الكلمة التي قالها إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار، لقد قال: حسبي الله ونعم الوكيل. يعني: الله سوف يكفيني شركم.

وإذا تدبر الإنسان موقف موسى عليه السلام لما حصلت المطاردة بين موسى وقومه وفرعون وجنوده، كما قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ }[الشعراء:61] لأنه ما بقي شيء يمشون عليه، فقد انتهوا إلى ساحل البحر فقالوا: (إنا لمدركون)، و(إن) فيها توكيد، وفي (اللام) أيضاً توكيد أنهم هالكون لا محالة، فماذا قال موسى عليه السلام الذي وعده الله بقوله: {قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى }[طه:46]؟

الله معه، وهو يعلم أنه لا بد من فرج، وكما قال في مناسبة أخرى: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ }[القصص:24]، فهو واثق أن الخير نزل، لكنه فقط يريد تيسير السبيل إليه، فانظر: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ }[القصص:25].

فعند البحر يقول تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ }[الشعراء:61-62]، فأمره الله أن يشق البحر بالعصا، وهذا الأمر عجيب لو أن الإنسان تخيله! فالبحر لم يوضع جسر عليه فوق الماء حتى مشوا عليه، لا، الذي حصل أن البحر انفلق: {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ }[الشعراء:63] صار الماء من الجانبين مثل الجبل العالي، فالماء بقدرة الله وقف وانكشف قاع البحر، فمشوا على قاع البحر، ووقف الماء بقدرة الله في الجانبين، ومشى موسى وقومه، وفرعون الغبي حينما رأى ذلك كان ينبغي أن يعرف أن هذا لا يكون إلا بقدرة الله، لا يكون إلا بقوة الله الذي خلق هذا السبب، ولكن أعماه الله عن أن يدرك هذه الحقيقة: {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا }[يونس:90] فأطبق الله عليهم البحر فغرقوا وهلكوا.

أيضاً الإنسان لو تأمل موقف فرعون -لعنه الله- حينما توعد المؤمنين: {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى }[طه:71] ماذا أجاب المؤمنون؟ وكم كان عمر إيمانهم؟ كان عمر إيمانهم لحظات، فأجابوا: {لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا }[طه:72].

كذلك الإنسان لو تأمل قصة مؤمن آل ياسين أو أصحاب الأخدود وغير ذلك من المواقف، كل ذلك مما يعين على الثبات.

من أعظم وسائل تثبيت الإيمان في القلب الدعاء، يحافظ الإنسان على ورد ثابت من الدعاء يخلو فيه بربه، ويكثر من دعاء الله عز وجل، خاصة الأدعية التي فيها سؤال التثبيت على الدين، فالدعاء من أنفع الأسباب في حصول هذه الثمرات، كمثل قوله تبارك وتعالى حين علمنا: {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا })[آل عمران:8] ، {رَبَّنَاْ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا }[البقرة:250].

وكان صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء: (يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك) فسأله الصحابة عن كثرة دعائه وسؤاله هذا السؤال فقال علية الصلاة والسلام: (إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها كيف يشاء) حتى رسول الله عليه الصلاة والسلام يدعو بهذا الدعاء (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)! وفي الدعاء الآخر: (يا مصرف القلوب صرف قلبي إلى طاعتك)، وكان صلى الله عليه وسلم يدعو أيضاً: (يا ولي الإسلام وأهله مسكني الإسلام حتى ألقاك عليه)،وهذا أيضاً سؤال في الثبات على الدين، فالإنسان يثابر قدر استطاعته على الأعمال الصالحة، ويغتنم أوقات الإجابة وأماكن الإجابة وساعات الإجابة الكثيرة، وهي معروفة، سواء في جوف الليل أو في يوم عرفة مثلاً أو في يوم الجمعة؛ لأن في يوم الجمعة حديثاً يرجح أن ساعة الإجابة ترجى في آخر ساعة بعد صلاة العصر، وصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أخبر أن هذه الساعة هي آخر ساعة بعد صلاة العصر وقال: (إن في هذا الوقت ساعة لا يوافقها عبد مسلم قائم يصلي إلا أجاب الله دعوته) ومعنى الحديث (قائم يصلي) ليس المراد به صلاة النافلة -مثلاً- بعد العصر؛ لأنه معروف الخلاف في ذلك وأن هذا وقت الكراهة، لكن (يصلي) أي: يدعو. ولذلك كان بعض السلف يستحبون أن يمكث الإنسان في المسجد أو في المصلى ويدعو الله تبارك وتعالى في هذه الساعة، كقوله عليه الصلاة والسلام: (لأن أقعد مع قوم يذكرون الله حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعةً من ولد إسماعيل، ولأن أجلس مع قوم يذكرون الله بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة).

كذلك من هذه الأسباب كثرة ذكر الله تبارك وتعالى، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا }[الأنفال:45].

كذلك من هذه الأسباب أن يحرص الإنسان على أن يصحح عقيدته، وأن يهتم جداً بتصحيح العقيدة، وأن يستقيم قلبه على عقيدة السلف الصالح رضي الله عنهم، لا يحيد عن ذلك قيد أنملة، فالإنسان لأن يصاب بمعصية أو يقصر في طاعة أو يرتكب شيئاً مكروهاً أهون من أن يؤول صفة من صفات الله، فهذه مصيبة عظيمة، يؤول صفة من صفات الله ويجحد الخبر، ويلحد في أسماء الله وصفاته تبارك وتعالى، وتلوث عقيدته بأي مظهر من مظاهر انحراف العقيدة، فهذا أخطر بكثير من الوقوع في المعاصي، وأكثر الناس إذا ذكر الالتزام أمامهم تلتفت أذهانهم إلى ترك المعاصي لا إلى هذه الشبهات، فتنقية القلب من العقائد الفاسدة الخربة من أعظم أسباب التثبيت، والدليل أنك إذا تأملت حال أهل البدع الذين انحرفوا عن منهج الفرقة الناجية -أهل السنة والجماعة- تجدهم في حالة تقلب وتلون، تجد الواحد يتنقل من فرقة إلى أخرى، كل يوم يتلون، لكن نادر جداً -أو لا يكاد يوجد- أن تقف على واحد عرف طريق أهل السنة والجماعة عن علم وخبرة ووعي ثم حاد عنه وآثر عليه غيره، ونفس هذه الخصلة صفة أهل الحق في كل زمان، وآية ذلك أن هرقل سأل أبا سفيان عن أتباع النبي عليه الصلاة والسلام فقال: هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فقال أبو سفيان : لا. فقال هرقل : كذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.

فالشاهد أن الإنسان إذا تنقل بين أهل الفرق والضلال خارج دائرة أهل السنة والجماعة فإنه يخشى عليه سوء الخاتمة وعدم الاستقامة والثبات، يقول بعض السلف: أكثر الناس شكاً عند الموت أهل الكلام. فتجد أهل البدع يتنقلون، ثم ينتهي بهم الأمر أن يكونوا ساخطين على كل شيء تعلموه، أما أهل الحق فبخلاف ذلك، فعلى الإنسان أن يسلك سبيل المؤمنين.

أيضاً من وسائل الثبات على الدين التربية الإيمانية الواعية العلمية المتدرجة، فالتربية الإيمانية العلمية الواعية هي التي تكون بصيرة بأعداء الإسلام وحيل شياطين الإنس والجن، وهي التي تثمر وقت المحن الثبات على دين الله تبارك وتعالى، تربية لا تقوم على الإمعية ولا على التقليد المذموم للآخرين، إنها تربية واعية تعرف سبيل المجرمين فكشف سبيل المجرمين، وفضح خطط أعداء الإسلام هدف أو غاية من غايات هذه البعثة وهذه الرسالة: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ }[الأنعام:55]، فالإنسان لا يكن مغفلاً، لا بد أن يعايش عصره بأن يدرك ويكون واعياً لخطط أعداء الإسلام ووسائلهم في استدراجه إلى طريق الشيطان، وكلما ثقلت جرعة التربية وطال أمدها رجي منها الثبات أكثر عند المحن، لذلك تجد في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الصحابة الذين تربوا على العقيدة وحصلوا على أكبر قدر من التربية النبوية كانوا أكثر ثباتاً من غيرهم، بخلاف حديثي العهد بالإسلام كما حصل -مثلاً- في غزوة حنين، هؤلاء الذين نفروا وفروا كانوا من حديثي العهد بالإسلام، لم يحظوا بقدر وافر من تربية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لكن انظر إلى بلال وإلى خباب وإلى آل ياسر وإلى مصعب بن عمير ، فـخباب بن الأرت كانت مولاته تحمي أسياخ الحديد حتى تحمر ثم تطرحه عليها عارياً فلا تنطفئ الأسياخ إلا من ودك ظهره -أي: شحم ظهره- حين يسيل وينصهر، فما الذي جعله يصبر على هذا كله؟ ما الذي جعل بلالاً يصبر في الرمضاء، وسمية تصبر في الأغلال والسلاسل على العذاب؟ هو أنهم حظوا بقدر أكبر من تربية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي حنين -كما ذكرنا- الذين انهزموا كانوا ممن هم حديثوا عهد بالإسلام؛ لأنهم لم يكونوا قد حظوا بقدر أكبر من هذه التربية، ولذلك مدح الله السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.

كذلك من هذه الوسائل أن تكون واثقاً من الطريق الذي تسلكه، وأن تعرف أنك لست وحدك في هذا الطريق، فقد سلكه من قبلك أُناس كثيرون منهم الأنبياء والرسل والصالحون والعلماء، لا في الأمة المحمدية فقط ولكن في كل الأمم، فإن في كل أمة من الزمان فرقة ناجية وفيها فرق ضالة {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ }[آل عمران:113] إلى آخر الآيات، أن تستشعر أن الله عز وجل من عليك واصطفاك بأن وفقك ودلك على هذا الطريق: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا }[فاطر:32].

كذلك من أعظم وسائل زيادة الإيمان والثبات عليه أن تمارس الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، ولا تقصر في ذلك، فإن الارتباط بالدعوة وسيلة من وسائل تثبيت الإيمان وزيادته باستمرار، فتحمد الله عز وجل أنه لم يخلقك جماداً ولا خشبة ولا شجرة ولا حيواناً بهيمياً، وإنما كرمك وجعلك إنساناً، ثم بعد ذلك كرمك بأن جعلك مسلماً وامتن عليك بأعظم نعمة وهي نعمة الإسلام، وليس هذا فحسب، بل إنه عصمك من البدع والضلالات التي اشتهر بها بعض المسلمين، ودلك على طريق أهل السنة والجماعة، ثم جعلك داعياً إلى الله تبارك وتعالى، فتستحضر هذه النعمة وتشكر الله حتى يعينك بالثبات عليها.

كذلك من هذه الأسباب أن تبحث عمن يعينك على هذا الطريق وهذا الدين وتستمسك بغرزه، فهؤلاء الناس الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (إن من الناس ناساً مفاتيح للخير مغاليق للشر) ابحث عن الذين هم مفاتيح الخير من أهل العلم والدعوة والعبادة والنسك، وتمسك بهم والتف حولهم.

كذلك من هذه الأسباب أن تكون واثقاً بنصر الله، وأن المستقبل للإسلام، كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا شكا له أصحابه ما يعانون من أعداء الله يثبتهم بأن المستقبل للإسلام، وهذا في أشد أوقات المحنة، كما يقول خباب بن الأرت رضي الله عنه: (أتينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا: يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا! فقال صلى الله عليه وآله وسلم: لقد كان من قبلكم يؤتى بالرجل يُحفر له حفرة في الأرض، ثم يوضع فيها، ثم يوضع المنشار في مفرق رأسه ويشق نصفين، ويمشط بأمشاط من حديد ما دون لحمه وعظمه وما يرده ذلك عن دينه، والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)، فلابد من تبشير الناس باستمرار بأن المستقبل للإسلام حتماً شئنا أما أبينا، كما جاء في الحديث الذي ذكرناه آنفاً، وقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر) وبشر النبي صلى الله عليه وسلم أن القسطنطينية ستفتح، وأن روما أيضاً ستفتح، ووقعت البشارة الأولى بعد ما يزيد على سبعمائة سنة من نطق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها، أما الثانية -وهي فتح روما- فهي حادثة بلا شك في ذلك: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ }[ص:88]، وقال تبارك وتعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ }[التوبة:33]، ولا شك في ذلك أن الإسلام سوف يصل إلى كل ما طلعت عليه الشمس كما أخبرنا بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا شك أن هذا التبشير وتلاوة هذه النصوص تثبت الناس خصوصاً في وقت المحن والغربة وتزيل وحشة هذه الغربة، وهي مما يجدد لهم بأن دعوتهم ونشاطهم لا بد من أن يكون له أثر حتى ولو ظهرت ثمرته بعد أمد يعلمه الله تبارك وتعالى.

كذلك من هذه الأسباب أن الإنسان لا يغتر بما عليه الكفار: {لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ }[آل عمران:196]، لا يغتر بما عليه الكفار من الزينة والبغي في الأرض والعلو فيها، ينبغي أن يستحضر دائماً أن العاقبة للتقوى وللمتقين {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ }[الرعد:17].

كذلك استجماع الأخلاق المعينة على الثبات، خصوصاً خلق الصبر على دين الله تبارك وتعالى.

كذلك من هذه الأسباب الحرص على وصية الرجل الصالح حتى تنتفع بها وقت المحنة، والإمام أحمد لما حمل إلى المأمون في الأغلال وقد توعده المأمون وعيداً شديداً قبل أن يصل إليه في الأغلال، حتى قال القادم للإمام أحمد : يا أبا عبد الله ! إن المأمون قد سل سيفاً لم يسله قبل ذلك، وإنه يقسم بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بذلك السيف. لما حصل ذلك قفز أهل البصرة إلى الإمام أحمد يثبتونه في هذه المحنة، يقول أبو جعفر الأنباري : لما حمل أحمد إلى المأمون أخبرت فعبرت الفرات فإذا هو جالس في الخان فسلمت عليه، فقال: يا أبا جعفر ! تعنَّيت -أي: أتعبت نفسك حتى أتيت- فقْلت: يا هذا! أنت اليوم رأس، والناس يقتدون بك، فوالله لأن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن خلق، وإن لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك لا بد من الموت، فاتق الله ولا تجب. فجعل الإمام أحمد يبكي ويقول: ما شاء الله! ثم قال: يا أبا جعفر ! أعد فأعدت عليه وهو يقول: ما شاء الله!

وقال أيضاً الإمام أحمد في سياق رحلته إلى المأمون: سرنا إلى الرحبة ورحلنا منها في جوف الليل، فعرض لنا رجل فقال: أيكم أحمد بن حنبل ؟ فقيل: إنه هذا. فقال للجمال: على رسلك انتظر. ثم قال: يا هذا -يخاطب الإمام أحمد!- ما عليك أن تقتل هاهنا وتدخل الجنة! ثم قال: أستودعك الله فمضى، ثم سألت عنه فقيل: هذا رجل من العرب من ربيعة يعمل الصوف في البادية يقال له جابر بن عامر يذكر بخير.

أيضاً يقول الإمام أحمد : ما سمعت كلمةً منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة سوق، قال: يا أحمد! إن يقتلك الحق مت شهيداً، وإن عشت عشت حميداً. يقول: فقوي قلبي.

حتى أهل السجن الذين كان يصلي بهم الإمام أحمد ساهموا في تثبيته في وقت المحنة، فقد قال الإمام أحمد مرةً في الحبس، لست أبالي بالحبس ما هو ومنزلي إلا واحد، ولا قتلاً بالسيف، إنما أخاف فتنة السوط، فسمعه بعض أهل الحبس فقال: لا عليك يا أبا عبد الله، فما هو إلا سوطان ثم لا تدري أين يقع الباقي، فكأنه سلي عنه رحمه الله، فعلى الإنسان أن يحرص على طلب الوصية من الصالحين ومن أهل العلم والصلاح حتى ينتفع بها خصوصاً في وقت المحن إذا خشي أن يقع منه تفريط في دينه أثناء الابتلاء.

كذلك من هذه الأسباب استحضار الهدف، ما هو الهدف؟ الجنة هي الهدف، فلا تطلب الالتزام بالدين لأن تنال الراحة في الدنيا، ولا تطلب الدنيا نفسها، فالصحابة لما بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام ما بايعهم على أن يقسم عليهم المناصب، أنت ستكون وزيراً، وأنت رئيس وزراء، وأنت سنعطيك كذا. كان الثمن الجنة، بايعوه على أن يبنوا له هذا الدين ويكون الثمن الجنة، قالوا: (وما لنا إن نحن فعلنا ذلك؟ قال: الجنة قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل) لن نطلب منك أن ترفض هذا العهد، ولن نقبل منك إذا طلبت أن نقيلك، فربح البيع. فالإنسان إذا أخبره الطبيب الكافر النصراني -مثلاً- أن حياته مهددة وأنه لا يوجد أمل أن يبقى في الحياة إلا إذا بترت ساقه -مثلاً- والطبيب أكثر خبرة منه بالعافية التي ستحصل فإنه يسلم نفسه للطبيب يخدره ويقطع رجله، ويصبر على الألم بكل أنواعه من أجل هذه العافية، وهو خبر رجل كافر، فكيف إذا أتانا الخبر من الله عز وجل ومن رسل الله عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام أن العاقبة للتقوى، وأن العاقبة للمتقين، وأن الآخرة خير وأبقى: {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى }[الضحى:4]، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يعد الصحابة بأن الوطن هو الجنة وليس غير الجنة موطناً، لذلك مر بآل ياسر وهم يعذبون، فبماذا ثبتهم؟ بأن يلمحوا حلاوة العافية فيما بعد، فهو ألم قليل ومرارة ساعة خير من الخلود الأبدي في العذاب: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة)، وأيضاً قال للصحابة والأنصار رضي الله عنهم: (إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض) موعدنا هناك، فالإنسان إذا تأمل القبر وما يكون في القبر وأهوال الحشر والحساب والميزان والصراط ومنازل الآخرة، ولمح حلاوة العافية في الآخرة والثبات على الدين فلا شك يهون عليه ما يعانيه. كذلك كثرة ذكر الموت من أعظم ما يعين على ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: (أكثروا من ذكر هادم اللذات، فإنه ما ذكره عبد في ضيق إلا وسعه عليه، وما ذكره في سعة إلا ضيقها عليه). هذا بعض ما تيسر من أسباب الثبات على هذا الدين، نقولها كي ننتفع بها ونعمل بها ونجتهد في تحصيلها، فإذا كنا صادقين وكنا نحرص على أن نغير أحوالنا فلا بد من أن نغير أولاً ما بأنفسنا، فيجدد كل واحد من الآن ولا يسوف ولا يؤجل، ويعاهد الله عز وجل فيما يأتي من أيامه على أنه لن يجد موطناً فيه رضاً لله إلا فعله، ولا موطناً فيه شيء يسخط الله إلا اجتنبه، وأنه سيعود ويستأنف الطريق إلى الله عز وجل مجدداً التوبة، ناهضاً من الكبوة، قائماً من هذه العثرة، حتى لو وقع في عثرة في الطريق من جديد سوف ينهض من جديد إلى أن يثبته الله تبارك وتعالى حتى الممات، ويتوفاه على الإسلام. اللهم! اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا -اللهم- بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا، اللهم! يا ولي الإسلام وأهله! مسكنا الإسلام حتى نلقاك عليه، يا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على دينك، يا مصرف القلوب! صرف قلوبنا على طاعتك وطاعة رسولك، ربنا! لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا لدنك رحمةً إنك أنت الوهاب، يا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على دينك. اللهم! إنا نسألك أن تجدد الإيمان في قلوبنا، اللهم! إنا نسألك أن تجدد الإيمان في قلوبنا، اللهم! إنا نسألك أن تجدد الإيمان في قلوبنا، اللهم! صلِّ على محمد وعلى آل محمدٍ كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم! بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. سبحانك -اللهم- ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

رابط المحاضرة:

http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=20151

المصدر: islamweb.net

   طباعة 
2 صوت
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
الفكر الصوفي الفلسفي وأثره السيىء في الأمة

جديد المواد

Separator

روابط ذات صلة

Separator
المادة السابق
المواد المتشابهة المادة التالي

القرآن الكريم- الحصري

القرآن الكريم- المنشاوي

القرآن الكريم- عبد الباسط

القرآن الكريم- البنا

سلسلة مقالات (ذكريات). د/ ياسر برهامي