الأربعاء 19 محرم 1441هـ الموافق 18 سبتمبر 2019م

القائمة الرئيسية

Separator
(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ). د/ ياسر برهامي

بحث

Separator

القائمة البريدية

Separator

أدخل عنوان بريدك الالكتروني

ثم أدخل رمز الأمان واضغط إدخال

ثم فعل الاشتراك من رسالة البريد الالكتروني

شهر الله المحرم و براءة موسي من فرعون وقومه
يوم عاشوراء. الشيخ/ محمود عبد الحميد
وقفات مع عاشوراء. د/ سعيد الروبي

أدب التعامل مع الكفار

المادة

Separator
أدب التعامل مع الكفار
2116 زائر
06-04-2015
محمد إسماعيل المقدم

أدب التعامل مع الكفار

محمد إسماعيل المقدم

الإسلام دين اليسر ورفع الحرج والمشقة، وقد اختص الإسلام بخصائص كثيرة عن غيره من الأديان السابقة، ومن تلك الخصائص أحكام معاملة الكفار وأهل الكتاب، فقد وضع الشرع آداباً وأسساً تقوم عليها العلاقة مع الكفار، والتعامل معهم، وهي أسس وضوابط مبنية على العدل وعدم الظلم، وهذا هو اللائق بهذا الدين العظيم، الذي فيه الدعوة إلى كل خير، والتحذير والنهي عن كل شر وضرر ومكروه.

الأسس العامة في علاقة المسلمين بغيرهم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فقد كثر سؤال الإخوة في الحلقات السابقة عن كثير من الأحكام التي تتعلق بأدب التعامل مع الكافرين، والسلوك الذي ينبغي أن يسلكه المسلم مع الكفار باختلاف أنواعهم، وكنت أرجئ جميع هذه الأسئلة إلى مثل هذه الفرصة حتى نحاول أن نستوفي الموضوع من شتى جوانبه. وقد وجدت دراسة من أفضل الدراسات في هذا الموضوع، سبق أن مررنا بشيء يسير منها في أثناء فتنة الخليج، وهي في كتاب الدكتور عبد الله بن إبراهيم بن علي الطريقي المسمى: الاستعانة بغير المسلمين في الفقه الإسلامي. ونحن نعلم أن دين الإسلام هو الرسالة الخاتمة الكاملة، جاء الإسلام بتشريع دقيق واف شمل كل أمور الحياة البشرية في الدين والدنيا، ومن جملة ما شمله الإسلام: تنظيم العلاقات بين الناس بعضهم ببعض، سواء كان بين الراعي والرعية، أو بين الوالد وأولاده، أو بين الزوج وزوجته، أو بين الأقارب أو الجيران، أو بين المسلم والمسلم، أو بين المسلم وغير المسلم، أو بين الدولة وغيرها من الدول في حالتي السلم والحرب. لقد وضع الإسلام لكل ذلك حدوداً وشرع شرائع وأحكاماً بينة، ولعل من أهمها هي العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، فإننا إذا تحرينا وجدنا أن هذه المسألة قامت عليها أدلة كثيرة جداً، ولذلك قال بعض العلماء: إنها أعظم مسألة قامت عليها أدلة من القرآن والسنة بعد مسألة توحيد الله تبارك وتعالى، وسوف نجتزئ من الفصل الأول من الرسالة من الباب الأول: الأسس العامة في علاقة المسلمين بغيرهم. وقد ذكر الدكتور الطريقي حفظه الله بعض الأسس التي تقوم عليها هذه العلاقة بين المسلمين وغيرهم. الأساس الأول: سماحة الإسلام والمظاهر الإنسانية. سبق التنبيه على استعمال كلمة الإنسانية في نفس هذا السياق، وأن كلمة الإنسانية أحياناً لا تذكر في سياق المدح، فيكون بذلك إذاً مخالفة للقرآن الكريم، أو مخالفة لأسلوب القرآن وألفاظ القرآن؛ لأن القرآن لم يستعمل لفظ الإنسان إلا في سياق الذم، بحيث يشير القرآن إلى أن هذا المخلوق البشري من حيث هو مخلوق قبل أن ينتفع بهداية الله تبارك وتعالى إياه، فالمخلوق العاري عن التوفيق والهداية يسمى إنساناً، ولذلك نجد صفاته دائماً مذموماً؛ لأنه لم ينتفع بعد ولم يستجب لهداية الله تبارك وتعالى، لم يهتد ولم يوفق لذلك، فانظر إلى أي صفة للإنسان في القرآن: إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:2]، وقوله: خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء:37] وقوله: إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ [العاديات:6]، إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72] وهكذا. الأساس الثاني: أن الإسلام دين خاتم عالمي. الأساس الثالث: العدل. الأساس الرابع: الوفاء بالعهود والمواثيق. الأساس الخامس: منع الفساد في الأرض. الأساس السادس: منع موالاة الكفار. الأساس السابع: القاعدة في معاملة الكافر وتوثيقه وقبول خبره. ......

سماحة الإسلام ومظاهر ذلك

الإسلام دين اليسر ورفع الحرج والمشقة، فلا عسر فيه ولا أغلال ولا آصار، هذه الميزة خاصة بدين الإسلام أنه دين يسر، قال عز وجل: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78] فهذه الميزة اختصت بها الأمة المحمدية، لم يشاركها في هذه الميزة أمة من الأمم أو دين آخر، حتى كانت الأمم السابقة تكلف بتكاليف عسيرة، وتفرض عليها فرائض شديدة، وربما حظر الله عليها بعض المباحات والطيبات، وهذا ليس من طبيعة هذا الدين المنزل من عند الله تبارك وتعالى؛ ولكن لأن بعض تلك الأمم كانت مجبولة على العناد، والشقاق، والشكوك، وكثرة السؤال، والتعنت في معاملة أنبيائهم، فكانوا يشددون على أنفسهم فيشدد الله تبارك وتعالى عليهم، كما حصل مع بني إسرائيل في قصة البقرة التي أمروا بذبحها؛ لهذا جازاهم الله عز وجل بأن عسر عليهم بعض هذه الأمور جزاء تعنتهم وعتوهم، ولا يظلم ربك أحداً. والدليل على هذا الذي ذكرنا قوله تبارك وتعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا [النساء:160] فحصل تحريم لبعض الطيبات لأمرين: الأول: ظلم من الذين هادوا وهم اليهود لعنهم الله. الثاني: بصدهم عن سبيل الله تبارك وتعالى كثيراً. أما هذه الأمة المرحومة، الأمة المحمدية، الأمة الوسط، فبما رحمة من الله سمعت وأطاعت واستجابت لكل ما طلب منها، فخفف الله تبارك وتعالى عنها، ووضع عنها الآصار والأغلال التي كانت على الأمم السابقة، ولهذا فالمسلم يدعو دائماً بهذا الدعاء العظيم، الذي ختمت به سورة البقرة: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة:286]، وجاء في الحديث الصحيح: (أن الله جل وعلا قال: قد فعلت) يعني: استجبت دعاءكم ووهبتكم ذلك الذي سألتموني إياه. فرفع الآصار والأغلال والتخفيف هذا من رحمة الله عز وجل بهذه الأمة؛ لكونها الأمة الخاتمة، صاحبة الرسالة الخاتمة إلى أن تقوم الساعة. فاختصت هذه الأمة بكثير من هذه الخصائص التي يتجلى فيها جانب الرفق والسماحة، فمثلاً: بعض الأحكام في الأمم السابقة كأحكام الطهارة، كان عند تلك الأمم إذا أصابت الثوب نجاسة فإنه يحرق، أما في شريعة الإسلام فمعلوم ما في ديننا من التيسير الكثير في شأن الطهارة والعبادات ومن رفع الحرج، بحيث إنه متى ضاق الأمر اتسع. كذلك كانوا لا يعذرون بالإكراه، وهذه الأمة عذرت بالإكراه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، فهذا يدل على أن هذا من خصائص هذه الأمة، في حين أن الأمم السابقة كما في قصة أصحاب الكهف: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف:20]، فنفى عنهم الفلاح إلى الأبد، وهذا يبين أنه لم يكن لهم رخصة في النطق بكلمة الكفر، إما أن يثبتوا فيفلحوا أو يرتدوا فيهلكوا. أما الترخيص في النطق بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان، فهي من خصائص هذه الأمة المرحومة، كما هو معلوم من قوله تبارك وتعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106] وهكذا كثير من الأحكام تولى فيها سبحانه رفع الإصر والأغلال عن هذه الأمة المرحومة، يقول عليه الصلاة والسلام: (دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم)، وقال عليه الصلاة والسلام: (إني أرسلت بحنيفية سمحة) فالحنيفية: هي الميل عن الأديان الباطلة إلى دين الإسلام. من هذه القاعدة انطلق الإسلام، وشمل بيسره ورفقه الناس حتى غير المسلمين، فقد كانت بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين، كما وصفه الله عز وجل بقوله: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، فبعثته شملت كل العالمين، حتى عالم الطيور وحتى عالم الأسماك، وحتى عالم الكفار والمشركين، فلكل أمة نصيب من صفة الرحمة التي اختص بها رسول الرحمة صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. تسامح الإسلام حتى مع هؤلاء الكفار غير المسلمين في كثير من القضايا والأحكام، ومنحهم كثيراً من الحقوق حتى أصبحت هذه الأمور قضايا عامة، وكل هذا بفضل رحمة الله بعباده ولطفه بهم، يقول عليه الصلاة والسلام: (إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخر الله تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة) رواه مسلم . ......

مشروعية الرحمة العامة

من أهم جوانب التسامح في هذا الدين مع غير المسلمين: مشروعية الرحمة العامة، هنالك رحمة عامة يرحم بها المسلم الخلق كافة، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله لا يضع رحمته إلا على رحيم، قالوا: كلنا يرحم يا رسول الله! قال: ليس رحمة أحدكم صاحبه، ولكن يرحم الناس كافة) فأول مظاهر هذا التسامح الرحمة العامة؛ بل إن من أسماء الله عز وجل الحسنى المقدسة: اسمه عز وجل الرحمن واسمه الرحيم، ومعلوم اختلاف العلماء في تفسير هاتين الصفتين، وكيف أن الرحيم يختص بالمؤمنين، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة يشمل كل المخلوقات، فالرأفة والرحمة من صفات الله عز وجل. أيضاً أرسل الله تبارك وتعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للخلق، قال عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، ومن هنا حض الإسلام على هذه الرحمة العامة للخلق كافة ورأف بهم، فمن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يرحم الله من لا يرحم الناس)، الناس بكل أبعادها، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: (من لا يرحم لا يرحم). قال ابن بطال في هذا الحديث: فيه الحض على استعمال الرحمة لجميع الخلق، فيدخل المؤمن والكافر، والبهائم المملوك منها وغير المملوك. إذاً: الرحمة شاملة لكل الخلق وليست خاصة بالمؤمنين أو بالمسلمين، وسبب هذه الرحمة ظاهر؛ فإن الحياة بمعنى الحيوانية في الشيء، فكلمة الحيوان مذكر الحياة، والدليل قوله تعالى: وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ [العنكبوت:64] أي: هي الحياة الحقيقية الباقية. وعندما نقسم المملكة الحيوانية يدخل فيها الإنسان، ويدخل فيها غيره من الدواب والطيور وغير ذلك، فوجود معنى الحيوانية في الشيء سواء كان هذا الشيء إنساناً أم حيواناً من أسباب الدعوة إلى الرحمة، ولهذا لما سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (هل في الإحسان إلى البهائم أجر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لك في كل ذات كبد رطبة أجر) ومعلوم حديث الرجل الذي رأى الكلب وهو يلهث أو يلعق التراب من شدة العطش، فنزل البئر وأحضر له الماء في نعله أو في موقه فسقاه، فغفر الله له بذلك. إذاً: الرحمة العامة لكل المخلوقات، سواء كان مسلماً أو كافراً أو من البهائم: (في كل كبد رطبة أجر). أيضاً وجود الكفر أو الفسوق أو العصيان في واحد من الناس هو أمر أصلاً يدعو إلى الرحمة والتأسف، أنت إذا تذكرت ما ينتظره من العذاب الأليم تشعر بالرحمة له والشفقة عليه من هذا العذاب، وتتأسف على حاله؛ لأنه إنسان مبتلى، فالمبتلى لا ينبغي إظهار التعالي عليه، بل على المسلم التقي الذي عافاه الله عز وجل أن يحمد ربه على العافية: كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا [النساء:94] أي: كذلك كنتم قبل أن تدخلوا في الإسلام. فالإنسان المسلم لا ينظر إلى أن هذه الهداية أو التوفيق جاءت من كده وكدحه، إنما هي برحمة الله إياه وبتوفيقه الذي حرمه ذلك الكافر، فلا تنظر للكافر بتعالٍ، فإنما الأعمال بالخواتيم، لكن انظر له بعين الرحمة العامة، فتحمد ربك على العافية وترحم هذا المبتلى، وما معنى رحمته؟ معنى رحمته أن تنصحه وتدعوه إلى الحق بالأسلوب المناسب. روى الترمذي عن عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من رأى صاحب بلاء فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً، إلا عوفي من ذلك البلاء كائناً ما كان ما عاش)، وكما ذكرنا من قبل فضيلة الدعاء (أعجز الناس من عجز عن الدعاء) فالإنسان لو دعا بهذا الدعاء حينما يرى مبتلى بأي مرض من الأمراض، وتذكره ووفقه الله لاستحضاره ساعتها بإخلاص واستوفت شروط الإجابة، فإن الجائزة هي أن يعافى من هذا المرض مدة حياته كلها، فانظر إلى هذه الرحمة والناس في غفلة عنها. عندما ترى واحداً مشلولاً، أعمى، مريضاً بالسرطان، مريضاً بأي نوع من الأمراض، فإذا رأيته بهذا المرض وقلت هذا الدعاء، فهذا ضمان وتأمين من النبي عليه الصلاة والسلام أنك تعافى من هذا المرض ما عشت. أيضاً صاحب البلاء، لا ينبغي أن نقصر هذه الرحمة على البلاء الذي يتبادر إلى أذهاننا كفقدان الصحة والعافية وغير ذلك، لكن من أشد البلاء الذي يبتلى به الإنسان ويصاب به المصيبة في دينه، وأخطر ذلك الوقوع في الكفر والعياذ بالله، كذلك البلاء بالمعاصي، كأن ترى حاكماً رئيساً أو ملكاً أو قائداً عسكرياً كبيراً وكل هؤلاء قد سخروا سلطانهم في الصد عن سبيل الله تبارك وتعالى، والتعالي على خلق الله والتكبر عليهم، وتعذيب الناس وأذيتهم في دينهم، وصدهم عن دين ربهم، فلا تنظر إلى ما هم فيه من المناصب المرموقة، أو أن معهم مالاً أو كذا وكذا من الأمور الدنيوية، وإنما تنظر إلى البلاء الحقيقي الذي هم فيه، وتحمد الله أن عافاك من حالهم، وجعلك مسلماً مؤمناً موحداً تقياً. فالإنسان المسلم يستحضر نعمة العافية من البلاء إذا رأى مكاساً، وإذا رأى أي واحد من الظلمة. لماذا لا نتذكر الداء فقط إلا عند الأمراض البدنية؟! إذا رأيت من يضيع وقته في الأفلام والتلفاز والمسرحيات والمباريات وكل هذه الضلالات، فإن عليك أن تستحضر نعمة الله عليك أن صرف عنك هذه الأشياء في حين زينها لغيرك: زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا [فاطر:8]، فتحمد الله أن عافاك من هذا وجعلك من أهل تعمير المساجد، وتعمير حلق الذكر، وطاعة الله تبارك وتعالى والدعوة إليه، فهذه كلها من النعم وعكسها من البلاء، فينبغي إذا رأينا صاحب البلاء أن نقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به. وهل يظهر الإنسان هذا الدعاء ويجهر به أمام المبتلى؟ يذكر العلماء في الآداب الشرعية: أن البلاء إذا كان في الدين، كالمعاصي والكفر والعياذ بالله أو غير ذلك، ويرجى من الجهر به أن ينزجر ذلك الشخص المبتلى بالمعصية أو بالكفر أو المخالفة فلا بأس، لكن لا على سبيل الشماتة ولا على سبيل التعالي، وإنما استحضار لنعمة الله، وطلب للعافية، ثم تذكير لهذا المبتلى بالمعصية لعله إذا سمعه ينزجر. إذاً: إذا كان يرجى من وراء الجهر بهذا الدعاء أن ينزجر هذا المبتلى فلا بأس أن تجهر بهذا الدعاء، أما إذا كان ذلك يدعو إلى إصراره فلا، وكذلك إذا كان الإنسان المبلتى مريضاً فلا تسمعه هذا الدعاء؛ لأن هذا ليس من الأدب الشرعي، لكن تسر به في نفسك حتى لا تؤذيه، فهذا مما ينبغي أن يلتفت إليه، وهذا الحديث رواه الترمذي و ابن ماجة ورمز له السيوطي بالحسن: (من رأى صاحب بلاء فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً، إلا عوفي من ذلك البلاء كائناً ما كان ما عاش). إذاً: هذه فرصة عظيمة جداً، وفعلاً كما قال عليه الصلاة والسلام: (أعجز الناس من عجز عن الدعاء) ، وهذا مما يلفت أنظارنا إلى أن كثيراً من أبواب الخير مفتوحة، ولكن الناس في غفلة عنها، ولذلك يحرمون، فمثل هذا هو محض توفيق من الله، قد تجد الناس تتذكر هذا الدعاء، لكن ليس كل الناس يكرمهم الله باستحضاره: وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ [التوبة:46]. فمن توفيق الله عز وجل للعبد أن يلهمه أن يستحضر هذا الدعاء في هذا الموضع، حتى يمتن الله عليه بالمعافاة من هذا الداء. إذاً: دائماً نكرر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أعجز الناس من عجز عن الدعاء) بتحريك الشفتين بألفاظ قليلة سهلة ميسورة في وقت قصير تنال أعظم المطالب في الدين والدنيا والآخرة، تنال الجنة والفردوس الأعلى بالدعاء، ومن عجز عن الدعاء مع سهولته وعظم الثمرة المرجوة من ورائه؛ فهذا أعجز الناس لا شك في ذلك.......

رحمة الداعية بمن يدعوهم إلى الله تعالى

الرسول عليه الصلاة والسلام في دعوته لقومه هو المثل الأعلى في مجال رحمة الخلق، فينبغي أن تكون نظرتنا إلى من ندعوهم إلى الإسلام نظرة الرحمة العامة، نظرة الرحمة والشفقة لا نظرة الاستعلاء أو التكبر أو التشفي أو غير ذلك، بل إذا تأملنا القرآن الكريم فسنجد أنه قد بلغ من شفقته عليه الصلاة والسلام على أمته -أمة الدعوة وتشمل الكفار أيضاً -وصل حزنه وشفقته عليهم ونصيحته لهم إلى أنه كاد أن يهلك نفسه الشريفة صلى الله عليه وسلم، يقول الله تبارك وتعالى: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ [الكهف:6] أي: مهلك نفسك. عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6] أنت تهلك نفسك أسفاً عليهم، وفي الآية الأخرى يقول عز وجل: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر:8]، فالداعية إلى الله المقتدي بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يرحم الناس ويهتم بهم، لكن لا ينبغي أن تصل به هذه الرحمة وهذا الاهتمام إلى حد الأسى وتعذيب النفس وإرهاقها، لكن يعزي نفسه بأن الهداية بيد الله عز وجل، وما على الداعي إلا البلاغ المبين، ورسول الله عليه الصلاة والسلام الذي بعث رحمة للعالمين بالرغم مما كان يعانيه في سبيل الله من المشقة والجهد والتحدي، لما طُلِبَ من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو على المشركين أن يهلكهم الله وأن ينزل عليهم بأسه وعقابه، ماذا كان جوابه عليه الصلاة والسلام؟ يقول صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح مسلم : (إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة) صلى الله عليه وآله وسلم. ويقول صلى الله عليه وسلم: (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقعن فيه، -فأخذ يردهن بيده وهن يتقحمن في النار، وأنا آخذ بحجزكم من النار وأنتم تفلتون من يدي) رغماً عنه عليه الصلاة والسلام، يعني: كأن هناك ناراً والناس واقفون على شفير هذه النار ويقذفون أنفسهم فيها، وهو رحمة بهم يريد أن ينجيهم، فيمسك ما أمكنه أن يمسك، يمسك هذا من ذيل ثوبه، وهذا من أكمامه فيحاول أن يبعدهم عن النار رحمة بهم ونصيحة لهم، فمن هلك يهلك رغماً عنه، الذي يستطيع أن ينجيه يجتهد في ذلك، لكن ما الحيلة فيمن قضى الله عليهم بالشقاء والعذاب والتعاسة؟! إذاً: المسلم هو رحمة ورأفة وعطف وتواضع، وليس أبداً بحال من الأحوال هذا الوضع للمسلم هو عنوان الاستكانة أو الذل أو الضعف، لكن هذه الرحمة هي الرحمة التي هي طبع الأقوياء الأعزاء بالله وبدين الله تبارك وتعالى، قال الله تبارك وتعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:29]. فإن قيل: وصف الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه بأنهم أشداء على الكفار غلاظ عليهم، هل يتنافى هذا مع الرحمة؟ فالجواب: أن هذه الآية يفسرها قوله تبارك وتعالى: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الممتحنة:7-9]. هذه الآيات توضح لنا أن من أبدى عداء للمسلمين وأضمر شراً لهم، فلابد أن يكون المسلمون أشداء عليهم جزاءً وفاقاً، فهذا هو المقصود بقوله عز وجل: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ [الفتح:29]، وبقوله عز وجل: إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ [الممتحنة:9]، فالكفار الذين أمرنا أن نكون أشداء عليهم هم من جاءت صفاتهم في قوله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ [الممتحنة:9]، مقاتلة المسلمين، فتنتهم عن دينهم، الاعتداء على المسلمين في ديارهم وإخراجهم منها، كذلك مظاهرة هؤلاء ومساعدتهم، أي: من لم يفعل بنفسه هذه الأشياء من الكفار لكنه عاون الكفار الآخرين وساعدهم على فعل هذه الجرائم فهو أيضاً له حكمهم. ثم إن الشدة لا تتنافى مع الرحمة، فالطبيب الذي يأتيه المريض الذي حصلت به مثلاً الغرغرينة، إذا تركه ولم يبتر هذا العضو الميت من بدنه فسوف يزحف هذا المرض على بدنه ويتلفه كله، فتضيع حياته، فمن الرحمة بهذا المريض بتر هذا العضو الميت وفصله عن جسده، حتى ينقذ باقي الجسد، فكذلك أيضاً مشرط الجراح حينما يعمل في جسم الإنسان من أجل إنقاذه من خطر أكبر، فهذا في الحقيقة ظاهره أنه مؤلم، لكن هو في الحقيقة سبب إلى العافية وسبب إلى الرحمة، فالشدة لا تتنافى مع الرحمة، والأب الرحيم المحب لأولاده قد يشتد عليهم، لا يشتد من منطلق أنه يريد أن يقضي عليهم أو يغلظ عليهم، لكن يشتد ويتحكم في أبوته وعاطفته التي تدعوه إلى عدم الشدة، ويعمل عقله ويريد مصلحة هذا الولد حتى يقوّم خلقه، وحتى يستفيد من التجارب، وحتى يحسن تربيته وأخلاقه، فإنه ربما يحتاج إلى الشدة، كما سبق أن ذكرنا ذلك في مشكلة ضرب الأولاد. فالشاهد أن الشدة لا تتنافى مع الرحمة، كما قال الشاعر: فقسا ليزدجروا ومن يك حازماً فليقس أحياناً على من يرحم فهذه الشدة من أجل مصلحة الإنسان نفسه، أما من أبدى تعاطفاً وسلماً من الكفار، أو كان له عهد وذمة، فالمشروع في حقه أن يحسن إليه، علاوة على هذه الرحمة، ولعل هذا ما أشار إليه قوله عز وجل: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ [الممتحنة:8]، وكما قال عز وجل: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [الأنفال:61] فهذا فيما يتعلق بالمظهر الأول من مظاهر تسامح الإسلام مع الناس كافة، وهو مشروعية الرحمة العامة، وهي التي يحتاج إليها كثير من الناس، مثلاً: الطبيب إذا وجد مريضاً من الكفار يحتاج إلى مساعدته أو إنقاذه، ما لم يكن هذا الرجل حربياً معادياً للإسلام في وقت من الأوقات التي ذكرناها آنفاً؛ فإنه يرحم بالرحمة العامة، ولا يتحرج الطبيب المسلم من معالجته من باب أنه ذو كبد رطبة، وأنه مخلوق فيه روح، وهذه حرمة تجعل له حقاً أو نصيباً في الرحمة العامة ما لم يكن محارباً لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

مشروعية البر والإحسان إلى المسالمين من الكفار

المظهر الثاني من مظاهر سماحة الإسلام: مشروعية البر والإحسان إلى المسالمين من الكفار، فالإسلام حث على البر والإحسان وبذل المعروف والنصح لجميع الناس، إلا من حارب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتربص بالمسلمين الدوائر، وهؤلاء هم الذين يسمون بالحربيين، فمن لم يكونوا حربيين يجوز أن يبروا وأن يسالموا؛ لأن الإسلام لا يمانع من برهم والعطف عليهم ما داموا مسالمين موادعين، كحال أهل الذمة الذين لهم عهد مع الخليفة أو الحاكم المسلم، فتراعى ذمتهم ويحسن إليهم، كذلك أيضاً أهل الصلح ونحوهم، يقول تبارك وتعالى: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الممتحنة:8-9]. يقول شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله: أولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: عنى بذلك: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ [الممتحنة:8] من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم؛ لأن الله عز وجل عمهم في الحكم، وذلك بقوله: الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ [الممتحنة:8] لأن (الذين) اسم موصول يفيد العموم، فتعم جميع من كانت تلك صفته، فلم يخصص به بعضاً دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ. ويقول الشوكاني أيضاً حول هذه الآية: ومعنى الآية: أن الله سبحانه لا ينهى عن بر أهل العهد من الكفار الذين عاهدوا المؤمنين على ترك القتال، وعلى ألا يظاهروا الكفار عليهم. وخلاصة الكلام: أن الإحسان وحسن الخلق وبذل المعروف مرغب فيه لكل أحد ولو كان لغير المسلمين، يقول ابن المرتضى اليمني: المخالفة والمنافعة وبذل المعروف، وكظم الغيظ، وحسن الخلق، وإكرام الضيف ونحو ذلك يستحب بذله لجميع الخلق، إلا ما كان يقتضي مفسدة كالذمة، فلا يبذل للعدو في حال الحرب. يعني: إظهار المودة للكافر الحربي مما يجعلك في صورة المتذلل له المضطهد له حتى لا يؤذيك، أو يؤدي إلى نوع من الاعتزاز على المسلم، فمثل هذا لا يشرع، لكن فيما عدا ذلك كما أشرنا من قبل أن التسامح الإسلامي هو تسامح القوي، ورحمة الإسلام رحمة العزيز بلا ذل ولا هوان. إذاً: حسن الخلق مطلوب مع كل الناس، بعض الناس يتكلف إساءة الخلق مع الكافر غير الحربي، يظن أن هذا هو حقيقة الولاء والبراء، لكن إذا تأملنا موقف موسى عليه السلام من فرعون، وفرعون لا يرتاب أحد في أنه من أشد الناس كفراً، وأنه قال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38] وقال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24] ومع ذلك أمر الله عز وجل موسى وهارون أن يقولا له قولاً ليناً قال عز وجل: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44]، فإلانة القول وحسن الأسلوب في الكلام والأدب وحسن الخلق هذا مرغوب مع كل أحد. أقول: وهذا القيد الذي ذكره ابن المرتضى قيد في محله، ففعل البر كله لابد أن يكون من يد عليا عزيزة، فإذا كان يفضي إلى ذل واستكانة فلا ينبغي فعله لغير المسلم.....

البر والإحسان إلى الأقارب إذا كانوا غير مسلمين

إن من أهم الذين يتعين برهم والإحسان إليهم من غير المسلمين هم الوالدان، ثم الأقربون على حسب درجات قربهم، يقول الله عز وجل مقرراً حق الوالد المشرك: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:15] وإن كان هذا الوالد المشرك لم يكتف بكونه مشركاً، ولم يكتف بدعوة ابنه إلى الشرك فقط؛ بل إنه يجاهده حتى يشرك بالله، ومع ذلك حفظ الله لهذين الأبوين الكافرين حقهما: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:15]، وهذا فيه تعظيم شديد جداً لحق الوالدين المسلمين، فإذا كان هذا مع الكافر فكيف بالوالدين المسلمين؟! وقد ثبت عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (قدمت أمي علي وهي راغبة أفأصلها؟ قال: نعم، صلي أمك) (قدمت أمي علي راغبة) أي: ترغب صلتي، أو ترغب أن تسألني شيئاً من المال، فأم أسماء غير أم عائشة رضي الله عنها، فأم أسماء هي قتيلة ، قدمت من مكة إلى المدينة حتى تصل بنتها. قولها: (راغبة) إما في الصلة أو في أن تسألها شيئاً، (أفأصلها؟ قال: نعم صلي أمك)، فصلة الرحم هدف متفق عليه، وصلة الرحم مأمور بها لكل الأقارب أيضاً، وإن كانوا غير الأبوين، كما قال الله عز وجل: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ [النساء:1] أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، هذا هو المقصود من قوله: (واتقوا الله الذي تساءلون به) حين يقول أحدكم للآخر: أسألك بالله أو أسألك بوجه الله. قال ابن العربي رحمه الله تعالى: واتفقت الملة أن صلة ذوي الأرحام واجبة، وأن قطيعتها محرمة، ولتأكيد صلة الرحم المؤمنة ذكر الفضل في صلة الرحم الكافرة، وهذا يسمى: قياس الأولى أو القياس الجلي، إذا كان هذا في حق الرحم الكافرة فأولى أن يكون الصلة في حق الرحم المؤمنة، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم سأبلها ببلالها) أي: أصلها بصلتها، مع أن هؤلاء من أقاربه، لكن لا يعدهم له أولياء، وإنما يصلهم لأجل صلة الرحم فقط. فصلة الرحم من أبرز جوانب البر والإحسان المقدمة لغير المسلمين، لكن بشرط أن لا يكون الأب أو الأم أو الرحم محارباً لدين الإسلام، معارضاً محاداً لله ورسوله وللمؤمنين، فمثل هذا لا يلزم بره ولا صلته.

حسن الجوار مع غير المسلمين

أما موضوع حقوق الجار فهو موضوع مستقل بذاته، والأدلة فيه كثيرة جداً، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) أي من شدة حق الجار ووجوب حفظ حقه. فحسن الجوار من علامات الإيمان أو من شعب الإيمان بالله واليوم الآخر، وجاء في الأثر: أن عبد الله بن عمر رضي الله تبارك وتعالى عنهما دخل بيته فوجد أهل بيته قد ذبحوا ذبيحة، فسألهم: هل أعطيتم جارنا اليهودي؟ تكلم بلهجة الغضبان عليهم، هل أعطيتم جارنا اليهودي؟ وظل يعنفهم على عدم إعطائهم الجار اليهودي، وهذه صورة من صور الإحسان إلى الجار غير المسلم، إعطاؤه أو إهداؤه شيئاً من الطعام. إن الإحسان لغير المسلم قد يكون بمعنى المواساة، إذا أصابته مصيبة فيواسيه فيها كأن يموت ابنه أو أبوه، فإنه يعزيه ولا يدعو له بالرحمة؛ لأنه لا يستحق الرحمة، أي: الرحمة في الآخرة. كذلك أيضاً أقل الإحسان للجار أن تكف أذاك عنه، وكذلك حسن العشرة، كذلك نصرته إن كان صاحب حق.. وهكذا. وكما أن الإخوة الملتزمين يتميزون في مظهرهم بإعفاء اللحية وبالقميص غير المسبل، وبالمحافظة على الشعائر الإسلامية كصلاة الجماعة وغيرها، فينبغي أيضاً أن يتميز المسلمون الملتزمون بحفظ الجوار، وذلك بأن يحسنوا إلى جيرانهم ولا يسيئوا إليهم، هذا أيضاً من الشعائر الإسلامية التي ينبغي أن يتميز بها الملتزمون بدينهم، وينبغي أيضاً أن يتذكر الإخوة الملتزمون حكم الجوار وحكم الإحسان إلى جيرانهم. فالبر والإحسان إلى أهل الذمة ونحوهم والعطف عليهم، سواء كانوا أقارب أم أجانب لابد منه، ما لم يكن المحسن إليه منهم حربياً.

البر والإحسان إلى غير المسلمين لا يعني مودتهم ونصرتهم

ولابد أن نستذكر هنا أمراً آخر: وهو أن الإحسان إليهم والبر بهم وأداء المعروف إليهم لا يعني بأي حال من الأحوال حبهم ولا مودتهم ولا موالاتهم، فهناك فرق شاسع بين ذلك وبين الإحسان وبذل المعروف لهم كما في قصة أم أسماء التي ذكرناها، وفيها الأمر بالصلة والإحسان، وهذا لا يؤدي إلى محبتهم أو موالاتهم التي نهى الله تبارك وتعالى عنها. فالمؤمن الحقيقي لا يمكن أن يحب كافراً، أما من كان يحب كافراً فذاك ضعف في إيمانه وآفة ومرض في قلبه، فالذي يجد في قلبه حباً للكافر ورضىً عنه ومودة قلبية له، فهذا لابد أن يصحح إيمانه ويصحح إسلامه من جديد، فكل ما ذكرنا لا علاقة له بالمودة والمحبة والموالاة. يقول الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى في تفسير قوله عز وجل: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ [الممتحنة:8] إلى آخر الآية. قال: وهذه الآية رخصة في صلة الذين لم ينصبوا الحرب للمسلمين وجواز برهم، وإن كانت الموالاة منقطعة عنهم. الموالاة والنصرة والود والحب هذا للمؤمن فقط، لكن الكافر حتى وإن كان أباك أو أخاك أو أمك فهو ليس من أهلك، كما قال عز وجل: يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود:46] أو (إنه عَمِلَ غيرَ صالح) كما في قراءة أخرى، فقوله: (ليس من أهلك) ليس معناه كما يفهم بعض الناس أنه ولد زنا؛ لأنهم يربطون هذه الآية بقوله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا [التحريم:10] كلا! لا يمكن أبداً لأزواج الأنبياء أن يخنّ بالفسق والفجور، لا يمكن ذلك أبداً؛ لأن الأنبياء منزهون من أن يقع ذلك من زوجاتهم، كما قال عز وجل: وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ [النور:26] أي: الطيبات بالصفات الحميدة من العفة والطهر للطيبين. فالمقصود من خيانة زوجة لوط هو أنها كانت تدل قومها على ضيفانه، ومعونتهم على ما كانوا عليه من الحال الفاسدة أو الشرك والكفر، لكن لا يمكن أبداً أن يحصل الزنا من زوجة نبي؛ لأن هذا طعن في النبي نفسه، والله تعالى حفظ أنبياءه من أن تفجر نساؤهم بهذه الأفعال. والشاهد من الكلام أن ابن نوح هو ابنه من صلبه، وذلك لمن تأمل قوله عز وجل: فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي [هود:45] أي: من صلبي ومن عشيرتي، وقد وعدتني من قبل أنك ستنجيني وأهلي. فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود:45-46]، فأهلك هم أهل الإيمان وأهل التقوى والإسلام، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود:46].

مشروعية الرفق بأهل الذمة

أيضاً من مظاهر سماحة الإسلام: الرفق بأهل الذمة، من اليهود والنصارى الذين عاشوا تحت كنف الخلافة الإسلامية، ولهم عقد ذمة حدد ما لهم من الحقوق وما عليهم من الواجبات، ونظم العلاقة بينهم وبين المسلمين، أما من عدا ذلك فليسوا بأهل ذمة. إذاً: يشرع في حق أهل الذمة أن يعاملوا معاملة حسنة، لا أذى فيها ولا ريبة، دون سب وشتم، أو قهر ونهر، أو إذلال وإهانة؛ لأن في كل هذه الأشياء إلحاق الأذى بهم، والدين لا يبيح أذيتهم بحال، فقد روى مسلم : (أن هشام بن حكيم رضي الله عنه مر على أناس من الأنباط -والأنباط: هم فلاحو العجم- قد أقيموا في الشمس، فقال: ما شأنهم؟ قالوا: حبسوا في الجزية -يعني: حبسوا بسبب أنهم عجزوا عن أداء الجزية فلم يؤدوها- فقال هشام رضي الله عنه: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا)، فيا ويل الذين يعذبون الناس في الدنيا! فانظر ما قاله الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حق الكفار من العجم، فكيف بمن يعذب المسلمين الموحدين! ليس لغرض دنيوي؛ بل يعذبهم بسبب تمسكهم بدينهم، يقول صلى الله عليه وآله وسلم: (فويل لهم ثم ويل لهم، إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا). ولا شك أن المعاملة السيئة لمثل هؤلاء الذميين وإلحاق الأذى بهم يزهدهم في الإسلام، ويرغبهم عنه، وتسوء نظرتهم إلى الإسلام، وبذلك قد يحجبهم عن الدخول فيه، مع أن الإسلام قد حقن دماءهم، واكتفى منهم بأخذ الجزية؛ من أجل أن تكون لهم فسحة وقت، يتركون أحياء في وسط المجتمع الإسلامي، ويعايشون المسلمين عن قرب فيرون أخلاق الإسلام، وهذا حكمة عظيمة جداً، وباب من أبواب الرحمة؛ لأن كثيراً من المسلمين الملتزمين بدينهم، والذين حسنت أخلاقهم، تجده يتزوج مثلاً امرأة كتابية يهودية أو نصرانية في بعض الدول في الخارج، وفي النهاية تعجب هذه المرأة بحسن خلقه وحسن معاملته والتزامه بدينه مما يؤدي إلى أن تتبعه على دين الإسلام. وأنا لا أدعو إلى التزوج منهم مطلقاً، لكن الشاهد: أن حسن الخلق مع المخالفين في الدين بالذات من أهل الذمة له آثار طيبة في ترغيبهم في الإسلام، فالله عز وجل إنما شرع حقن دمائهم والإبقاء عليهم حتى يعطوا فرصة؛ لأن الكتابي هو الأقرب إلى الدخول في الإسلام من المشرك الوثني؛ لأن هذا لا يحتاج لجهد حتى تثبت له التوحيد أو النبوة والرسالة، أو أمور اليوم الآخر والقضاء والقدر، وغير ذلك من الأحكام الشرعية التي قد تقترب من شريعة إلى أخرى، فالقضية أساساً هي في إثبات نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، وإثبات أن القرآن كلام الله، فالمهم أنه أقرب من الملحد أو الوثني والمشرك. ......

كيفية مجادلة أهل الكتاب وضوابطها

يقول الله عز وجل: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت:46] يقول القرطبي : قوله: (إلا بالتي هي أحسن) أي: بالجميل من القول، إذا تناقشتم معه فتناقشوا بالجميل من القول، وهو الدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حججه، وهذا في الحقيقة قول مهم جداً؛ لأن أحسن القول هو كلام الله كما جاء في الحديث: (أحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم) فإذا كنا نجادلهم بالتي هي أحسن فنستحضر أحسن الحديث الذي هو القرآن، بعض الناس يقول: كيف نخاطب الكفار والمشركين بالقرآن وهم لم يؤمنوا به؟ نقول: نعم نخاطبهم به كما خاطبهم به النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا يرتعشون أحياناً خوفاً من العذاب الذي تنذرهم به آيات القرآن، فقد كانت تنزل على قلوبهم كالصاعقة؛ لما للقرآن من سلطان على النفوس. إذاً: فأول ما ينبغي الاهتمام به إقامة الحجة على الكافر بتلاوة كلام الله عز وجل الحق وقرآنه المجيد، ومن الخطأ الانصراف عن أحسن الكلام إلى ما عداه من كلام البشر، والزهد في الاستدلال بآيات القرآن عند مخاطبة الكفار بحجة أنهم لم يسلموا بعد، علينا أن نخاطبهم بآيات القرآن، إنما أنزلت لإنذارهم وإقامة الحجة عليهم؛ لما للقرآن من سلطان خفي مع الكفار، فنجد الواحد منهم إذا سمع القرآن تملكته الهيبة والرعدة ويقول: هذا الكلام ليس بكلام مخلوق. ما سر سلطانه وقوته؟ إنه يعطي صورة حية مع المسلمين الأعاجم كالهنود والباكستانيين، فالشعب الباكستاني يعتبر من أكثر الشعوب الإسلامية عاطفة دينية وحمية للإسلام، وكذلك عاطفة الهنود المسلمين، فتجد أحدهم يمسك القرآن وينظر فيه وهو لا يعرف حرفاً واحداً من اللغة العربية، ولا يستطيع القراءة، سوى أنه يمسك القرآن ويبكي ويضمه إليه ويقول: كلام ربي كلام ربي! وحدثني أحد الإخوة عن واحد من هؤلاء الأعاجم -وهو كردي- كان في مجلس فيه بعض الشيوخ، وفي أثناء حديثهم يأتي ذكر أبي هريرة فإذا ذُكِرَ أبو هريرة خاض في البكاء الشديد، مجرد أن يسمع ذكر أبي هريرة يبكي، ما أقسى قلوبنا، هذا الرجل يرق قلبه لذكر اسم الصحابي أبي هريرة راوية الإسلام، وحامل أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، فكيف سيكون حاله إذا سمع حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام أو كلام الله عز وجل؟!! حكى لي أحد إخواننا أن مجموعة من الكفار السواح مروا بأحد المحلات بعد العصر، وكان صاحب المحل فاتحاً لإذاعة القرآن الكريم، والشيخ يقرأ بترتيل، فوقف هؤلاء السواح مشدوهين منجذبين بشدة إلى هذا الكلام، وعبروا عنه تعبيراً له دلالة، قالوا بالإنجليزي: هذا موسيقى! فقد لفت نظرهم هذا الوقع الجميل للقرآن الكريم. الشاهد: أن القرآن له وقع على القلوب نحن لا نستطيع بأن نصفه، لكننا نحس بأثره حتى مع الكافر. فالقرآن له سلطان على قلبك، ونجد كذلك كثيراً من النصارى إذا تليت عليهم آيات من القرآن لا يقوون على الطعن في القرآن الكريم، خاصة النصارى الذين عاشوا مع المسلمين؛ لأنهم عرفوا حقيقة القرآن، بخلاف إخوانهم من الكفار في البلاد البعيدة، فمن رحمة الله عز وجل أن عاشوا في وسط المسلمين، فصاروا أقرب للدخول في الإسلام، فتجد النصراني الذي يعيش في أوساط المسلمين يقول: أنا أقر أن القرآن كلام الله لكن محمد هو نذير إلى العرب خاصة؛ حتى يسوغ لنفسه عدم الدخول في الإسلام، فهذا أقصى ما يصل إليه كثير من النصارى؛ لأنه لا يملك أن يكذب محمداً عليه الصلاة والسلام أبداً ولا يكذب القرآن؛ لأنه عاش مع القرآن، وقد سمعنا كثيراً من الكفار أسلموا منذ زمن بسبب صوت الشيخ محمد رفعت رحمه الله، بغض النظر عن الطريقة في التلاوة ففيها نظر، لكن هذا له دلالة على أن إسلامهم كان بسبب سماع القرآن من بعض الشيوخ الذين يقرءون بخشوع وبصوت حسن؛ فيؤدي ذلك إلى دخول الكثير في الإسلام. إذاً: ينبغي أن نقدم كلام الله على ما عداه من الكلام عندما ندعو غير المسلمين إلى الإسلام، ولا نصغي ولا نلتفت إلى هؤلاء الذين يقولون: كيف نقرأ لهم القرآن وهم لم يؤمنوا بأنه كلام الله؟ نقول: وإن لم يؤمنوا فمن باب إقامة الحجة عليهم بكلام الله فإنه أحسن الحديث. فينبغي أن نتذكر ذلك إذا تلونا قوله عز وجل: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت:46]، فأولى الكلام الحسن في ذلك هو كلام الله عز وجل. وقوله: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت:46] أي: الذين امتنعوا عن أداء الجزية، ورفضوا أن يدخلوا الإسلام، وأصروا على نصب الحرب ضد المسلمين، فهؤلاء ليس لهم هذه الحقوق كما ذكرنا.

إحسان النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل الذمة

روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: السام عليكم، ففهمتها)، السام: هو الموت، والخبثاء كانوا يجتهدون في إخراج أي نوع من الأذية يستطيعون توصيله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا مثلاً كما جاء ذكره في من القرآن يقولون: يا محمد راعنا، هم يريدون -والعياذ بالله- وصفه بالرعونة، فيلحنون في القول، ويصرفون الكلام عن أصله، فيستخدمون العبارات الموهمة، فلذلك نزل القرآن محذراً المؤمنين من استعمال هذه العبارات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا [البقرة:104] هنا هذه المجموعة من اليهود دخلوا على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالوا: (السام عليكم) يدعون على رسول الله عليه الصلاة والسلام ومن حضره بالموت والعياذ بالله قالت عائشة : (ففهمتها فقلت: وعليكم السام واللعنة! -أخذتها الغيرة رضي الله عنها- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلاً يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله). انظر إلى هذا الأدب النبوي الرفيع في الرفق وحسن الخلق في كل المواضع بقدر المستطاع (مهلاً يا عائشة ! إن الله يحب الرفق في الأمر كله، قالت: فقلت: يا رسول الله! أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: قد قلت: وعليكم) ردها عليهم بالمثل (وعليكم) أي: إن كان المقصود بها الدعاء فيرد الدعاء لهم جزاء وفاقاً، وإن كان المقصود حملها على السام يعني الموت، فالموت مكتوب عليكم، فهكذا كانت معاملة الرسول عليه الصلاة والسلام مع غير المسلمين، ولنا فيه أسوة حسنة. ذكر ابن إسحاق في مغازيه (أن وفد نصارى نجران لما وفدوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخلوا عليه في مسجده بعد صلاة العصر، فحانت صلاتهم فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الصحابة منعهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوهم، فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم). ويؤكد الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى على هذه الحادثة مستنبطاً فقهها فيقول: فيها جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين، وفيها تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم أيضاً، إذا كان ذلك عارضاً، ولا يمكنون من اعتياد ذلك. أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم وهو يذكر لأصحابه علامة من علامات نبوته، ودليلاً من دلائل نبوته صلى الله عليه وآله وسلم يقول للصحابة رضي الله عنهم: (إنكم ستفتحون مصر) وقد وقع كما أخبر عليه الصلاة والسلام، ولم يقع أن تنبأ النبي صلى الله عليه وسلم بشيء ولم يقع كما أخبر أبداً، وهذا من أعظم آيات نبوته، غاية ما في الأمر أن هناك أشياء لم تحصل بعد، لكنه تنبأ بفتح القسطنطينية التي هي (إسلام بول) أو (إستانبول) وقد وقع ذلك بعدها بثمانمائة سنة، وتنبأ أيضاً بأن المسلمين سيفتحون رومية ولم يقع هذا حتى اليوم، وهو لابد واقع كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم، يقول عليه الصلاة والسلام: (إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط؛ فاستوصوا بأهلها خيراً فإن لهم ذمة ورحماً) هذا الحديث رواه مسلم عن أبي ذر رضي الله تبارك وتعالى عنه. ذكر بعض العلماء في شرح الحديث: أن أهلها فيهم شيء من الإمساك في الناحية المالية، حتى إن القيراط وهو الشيء اليسير يسمونه ويهتمون به، والله أعلم. والمسلمون لما دخلوا مصر وشرف الله مصر بالفتح الإسلامي كان أهلها نصارى كفاراً، ومع ذلك يوصي عليه الصلاة والسلام بهم خيراً، (فإن لهم ذمة ورحماً) أي: أن هاجر زوج إبراهيم عليه السلام وأم إسماعيل من مصر، كذلك أيضاً مارية القبطية التي أهداها إليه المقوقس حاكم مصر أيضاً مصرية، وهي أيضاً أم ولده إبراهيم عليه الصلاة والسلام. فهذه هي وصايا الإسلام حول أهل الذمة ونحوهم، وهي وصايا تنبئ بلا شك عن تسامح كبير معهم، كما هو معلوم أن سبب نزول قوله تبارك وتعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا [الإنسان:8] امتدحهم الله بأنهم يحسنون إلى المسكين واليتيم والأسير مع احتياجهم لهذا الطعام ومحبتهم له.

معنى الإحسان إلى أهل الذمة

يقول القرافي في معنى الإحسان إلى أهل الذمة: الرفق بدعوتهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وإكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل التلطف لهم والرحمة، لا على سبيل الخوف والذلة، واحتمال أذيتهم في الجوار مع القدرة على إزالته رفقاً بهم؛ بشرط ألا يكون ذلك عن مذلة أو عن ضعف، لكن عن قوة واقتدار على تأديبه. ثم يقول: واحتمال أذيتهم في الجوار مع القدرة على إزالته لطفاً مما بهم لا خوفاً منهم، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم، وحفظ حرمتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم، وصون أموالهم وأعيانهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم وإيصالهم لجميع حقوقهم، هذه وصايا الإسلام في أهل الذمة.

توجيه النصوص التي تفيد التعارض مع الإحسان إلى أهل الذمة

هذه مجموعة أخرى من النصوص قد نفهم منها خلاف ذلك، نمر عليها حتى ننهي هذه الجزئية، منها: قوله عز وجل: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29] يفهم منه معارضة الكلام الذي قدمناه آنفاً، فقوله: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ جاء في تفسيرها أقوال كثيرة: منها: أن الذمي يدفع الجزية وهو قائم والآخذ يكون جالساً، لكن المقصود من هذه المظاهر العامة التي شرعها الإسلام بالنسبة لوضع هؤلاء الذميين -المقصود منها تبغيض الكفر إلى الذمي، وإشعاره أن هذا الكفر أداه إلى هذا الذل والصغار، فهذا نوع من تنفيره من الكفر بحيث يرغب في عزة المسلمين وأخلاق المسلمين وعقيدة المسلمين، فيكون ذلك من وجهين: ينفر من الكفر، ويرغب في الإسلام، هذا هو الشاهد وهذا هو المقصود. كذلك لا ينبغي أن يكونوا في موضع من التعظيم والتبجيل والتقدير والاحترام كمظهر عام في المجتمع الإسلامي؛ لأن العزة لا تكون إلا لله ولرسوله وللمؤمنين. تفسير آخر للآية قال بعضهم: أن يأتي بالجزية ماشياً لا راكباً، ويطال وقوفه عند إتيانه بها، ويجر إلى الموضع الذي تؤخذ إليه بالأنف ثم تجر يده ويمتهن. وبعض أهل العلم أنكر مثل هذه التفسيرات، يقول الدكتور الطريقي : نحن لو تفكرنا ملياً لأدركنا أن ذلك كله مما لا دليل عليه، كما يقول ابن القيم ، حكى ابن القيم هذه التفسيرات في معنى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29] وقال: إن هذا كله مما لا دليل عليه من الكتاب والسنة، ولا هو مقتضى الآية، ولا نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة أنهم فعلوا ذلك. يقول: والصواب في الآية أن معنى قوله: (وهم صاغرون): أن الصغار هو التزامهم بجريان أحكام الذمة عليهم، ورجوعهم إلى حكم الإسلام، هذا هو معنى الصغار؛ لأن الدار إذا حكمت بالإسلام صارت دار إسلام، حتى ولو كان كل أهلها مثلاً نصارى أو يهوداً، ما داموا يؤدون الجزية فهم صاروا في حالة خضوع لحكم الله وصار الحكم لله في هذه البلاد. فالصواب في الآية: أن الصغار هو التزامهم بجريان أحكام الذمة عليهم بإعطاء الجزية، فإن التزام ذلك هو الصغار. ونحن نعتبر أنفسنا الآن تحت ظل القوانين الوضعية -ولا حول ولا قوة إلا بالله- في حالة إذعان وذل لهذه القوانين الكافرة. وقوله: (عن يد) أي: عن قدرة، بحيث لا يكون عاجزاً، بل إن كان عاجزاً فإنه يعطى من بيت المال، كما حكم بذلك عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، فلا شك أن خضوع الكفار لدولة الإسلام ودفعهم الجزية للمسلمين هو في ذاته صغار لهم. يقول الإمام الشافعي رحمه الله: إذا أخذ الإمام منهم الجزية أخذها بإدلال -يعني بإحسان- ولا يضرب منهم أحداً، ولا يناله بقول قبيح. فهذه كلمة الإمام الشافعي في هذه القضية. يقول الدكتور الطريقي : فلا داعي إذاً لتلك الأمور التي ظن بعضهم أن الصغار لا يتحقق إلا بها، مثل: الأخذ بتلابيبهم، وذمهم، وسبهم، أو كونهم يدفعون الجزية قياماً والآخذ جالساً.. ونحو ذلك. ومن الأدلة التي قد يفهم منها التعارض مع ما قدمنا: حديث رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه) في هذا الحديث نهي عن بدء النصارى واليهود بالسلام، وأمر بأن يضطر الواحد منهم إلى أضيق الطريق عند اللقاء. وهنا مسألتان:

أحكام السلام على الكفار

الأولى: عدم البداءة بالسلام، وهذه مسألة مشهورة، والخلاف فيها أيضاً مشهور وفيها نحو أربعة أقوال: أحدها: تحريم بدء النصراني أو اليهودي بالسلام. ثانيها: كراهة بدء اليهودي أو النصراني بالسلام. ثالثها: الإباحة. رابعها: أنه لا يجوز السلام إلا في حالة ضرورة أو حاجة أو سبب. وقد حكى هذه الأقوال الإمام النووي رحمه الله وغيره، واختار التحريم، وقال: إنه قول أكثر العلماء؛ لأن ظاهر النهي التحريم. ويرجح الدكتور الطريقي هنا المنع من البداءة بالسلام، إلا إذا كان ثمة حاجة. يقول: ولتقريرنا رجحان المنع فإن ذلك ليس فيه إخلال بالوصايا السابقة، فعدم البداءة بالسلام لا يعني سباً ولا سخرية ولا نحواً منهما، ولا يعني ذلك أنك تكف عن الإحسان إلى أهل الذمة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (من خاصم ذمياً أو ظلمه فأنا حجيجه يوم القيامة) أي: أنا أجادل وأخاصم عنه يوم القيامة؛ لأن هذا اعتداء على من هم في أمان الله وأمان رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالمسلم يحترم عهد الله وعهد رسول الله وعهد إمام المسلمين، وذلك بأن لا يؤذي من صار تحت حمايته، فلا يخفر هذه الذمة ولا ينقض هذا العهد، ما داموا ملتزمين بضوابط هذه العهود. يقول الدكتور الطريقي : وعدم البداءة بالسلام لا يعني سباً ولا سخرية ولا نحواً منهما، لكن الذي قد يعطي نوعاً من هذا هو عدم رد السلام، والإسلام يأمر برده على كل أحد. وهناك فرق بين البدء بالسلام وبين رد السلام، فإن الله عز وجل يقول في القرآن الكريم: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86]، ومعلوم أن البدء بإلقاء السلام حتى للمسلم حكمه سنة، لكن رد السلام واجب، رد السلام فريضة، لكن البداءة بالسلام سنة مستحبة، وهذه من الحالات الاستثنائية التي يكون فيها ثواب النافلة السنة أكبر من ثواب الفرض، وهي حالات محدودة تكون النوافل فيها ثوابها أعظم من ثواب الفرض. الشاهد من الكلام: أن الإسلام يأمر برد السلام على كل أحد، لكن مع النصراني أو مع الكافر تختلف صورة الرد، فإذا قال لك: السلام عليكم، فترد وتقول له: وعليكم؛ لأنه يحتمل أن يلحن بها ويلوي بها كما كان يفعل اليهود، فقد كانوا يقولون: السام عليك، لكن للأسف الشديد من المبكي والمحزن أن كثيراً من المسلمين الآن إذا ألقى السلام يقول: السام عليكم كما كان يقول اليهود، وهذه الطريقة مع أنها لغة عامية بريئة، لكن للأسف فيها تشبه باليهود وإن لم يقصد ما قصدوا من قولهم: السام عليكم، نسمع كثيراً من الناس لا يرد رداً شرعياً كاملاً، ولعل هذا أخف ممن يبدأ بصباح الخير أو مساء الخير، وغير ذلك من تحايا الجاهلية التي أبدلنا الله خيراً منها، فيستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، فالصورة بالنسبة للكافر إذا شك المسلم باللحن في السلام من قبل الكافر فليقل: وعليكم فحسب، أما إن علم أنه سلم تسليماً صحيحاً فلا مانع من أن يرد رداً كاملاً، ويقول: وعليكم السلام، ولا يقول: ورحمة الله وبركاته؛ لأنه لا يستحق الرحمة، ولأن رحمة الله في الآخرة.

اضطرار الكافر إلى أضيق الطريق

المسألة الثانية: اضطراره إلى أضيق الطريق، اختلف العلماء في معنى اضطرار الكافر إلى أضيق الطريق. فمن قائل: إن هذا الاضطرار على ظاهره بلا تأويل، فإذا كان هناك طريق ضيق فلا تفعل مع الكافر ما تفعله مع المسلم، المسلم تتواضع له وتؤثره على نفسك، وتقول له: تفضل أنت؛ لأن الطريق ضيق، أما مع الكافر فينبغي ألا تؤثره على نفسك، بل تضطره أن يمشي في جوانب الطريق، وتبقى أنت في الوسط؛ إظهاراً لعزة الإسلام. وبعض العلماء قالوا: إن هذه كناية عن إظهار عزة الإسلام وذلة الكفر، وأن المسلم لا يظهر أمام الكافر بمظهر المستخذي الذليل، ولكن بالمظهر اللائق به بصفته مسلماً؛ لأنه هو الذي يمثل الحق على هذه الأرض، فإذا التقى مسلم وغيره في طريق فليكن المسلم عزيزاً رافع الرأس، لا يظهر الذل والخنوع والضعف والتماوت ويطأطئ رأسه وينحني، فهذا لا يليق، ومعلوم ما فعله الصحابة لما أتوا في عمرة القضية أو عمرة القضاء بعدما منعوا العمرة في عام الحديبية وأتوا من قابل ليعتمروا، قال المشركون: (أتاكم قوم قد أنهكتهم حمى يثرب) فجلس المشركون في الجهة الشامية من الكعبة، والذي يكون في الجهة الشامية لا يرى الذي يأتي من جهة الركنين اليمانيين: الحجر الأسود والركن اليماني، فلذلك حرص الصحابة على ألا يظهروا الضعف أمام الكفار، فلابد للمسلم أن يغيظ الكافر بإظهار القوة والجلد حتى لا يشمت به، فلذلك أمر الرسول عليه الصلاة والسلام الصحابة أن يرملوا في طواف القدوم؛ ليظهروا الجلد. والرمل: هو القفز القريب مع تقارب الخطا، القفز الذي فيه قوة وصحة وعافية، مع أنهم بالفعل كانوا مرضى، وكانوا منهكين من الطواف، فكانوا إذا أتوا إلى الجهة اليمانية حيث لا يراهم المشركون هدءوا الخطوات واستعادوا أنفاسهم، فإذا عادوا للظهور من جديد في الثلاث الجهات الأخرى أظهروا الجلد ورملوا، وهذا الحكم ما زال باقياً إلى اليوم؛ تذكيراً للمسلمين بنعمة الله عليهم، فنحن عندما نرمل حول الكعبة تذكرنا ما كان من كيد المشركين، وتذكرنا هذه القصة واستحضرنا نعمة الله علينا دوماً بتمكين الإسلام وإظهاره. الشاهد من هذا كله: أن المسلم يحرص على أن يكون عزيزاً رافع الرأس، لا يطأطئ ولا يذل للكافرين، ويظهر بالمظهر الذي يليق به بصفته مسلماً، فإن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فإذا التقى المسلم وغيره في طريق فليكن المسلم رافعاً رأسه عزيزاً، يأخذ من الطريق أوسعه، ولا يستذل للكافر فيفسح له الطريق، ويبقى هو لاجئاً إلى أضيقه خاضعاً مستجدياً. يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث الذي هو: (إذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه): معناه: لا تتنحوا لهم عن الطريق الضيق إكراماً لهم واحتراماً. وعلى هذا فتكون هذه الجملة مناسبة للجملة الأولى في المعنى الذي هو قوله: (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه)، يقول القرطبي : وليس المعنى إذا لقيتموهم في طريق واسع فألجئوهم إلى حرفه حتى يضيق عليهم؛ لأن ذلك أذى، وقد نهينا عن أذاهم بغير سبب، فالتضييق ينبغي ألا يلحقهم بأذى، كما قال الدكتور الطريقي ، وفعل المسلم هذا ليس منطلقه الكبر والزهو، وإنما هو عزة الإسلام والحق، فمن أجل هذا لا يتنافى هذا الحديث مع ما ذكرناه من مشروعية التأدب معهم والرفق بهم، كما أن هناك علماء يخالفون الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تأويله لهذا الحديث قال المناوي في فيض القدير: يقول صلى الله عليه وسلم: (لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام)؛ لأن السلام إعزاز وإكرام، ولا يجوز إعزازهم ولا إكرامهم، بل اللائق بهم الإعراض عنهم وترك الالتفات إليهم؛ تقذيراً لهم وتحقيراً لفعلهم، فيحرم ابتداؤهم به على الأصح عند الشافعية، وأوجبوا الرد عليهم بعليكم فقط، ولا يعارضه آية: سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي [مريم:47]، وآية: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ [الزخرف:89]؛ لأن السلام هنا سلام متاركة ومنابذة لا سلام تحية وأمان، كما قال الله تعالى في ذلك: سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص:55] لكن هناك بعض الناس يأتي إلى قوله عز وجل: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [الفرقان:63] ويطبق هذه الآية بطريقة غير صحيحة غير سوية، فتراه إذا أراد أن يشتم خصمه ويصفه بأنه جاهل يستحضر هذه الآية: سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص:55]، فهذه أذية وليست متاركة، فهو يستخدم الآية في غير ما أنزلت من أجله، الآية تمدح المسلم العزيز القوي الذي مع قوته وقدرته يعفو ويصفح ويلين ويرفق، حتى مع من يؤذيه فهو يحلم، وليس معناها أنك إذا أردت أن تشتمه تأتي بالآية، فأنت هكذا عملت عكس معنى الآية، فالآية تنصحك بالرفق واللين وبالسلام والمتاركة والمنابذة لا لشتمه، فهو استعمال للآية في غير ما أنزلت من أجله: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [الفرقان:63] يعني: تلطفوا في الجواب. وعليه فالآية أتت لترسيخ خلق معين في المسلم، فلا ينبغي أن تستعملها في عكس ما أنزلت من أجله. قوله: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ [الزخرف:89] أي: قل لهم قولاً طيباً. قوله: (سلام) فهو سلام متاركة ومنابذة لا سلام تحية وأمان كما يكون مع المسلم. يقول المناوي: (إذا لقيتم أحدهم في طريق) فيه زحمة (فاضطروه إلى أضيقه)، بحيث لا يقع في وهدة. أي: بشرط أنك تضطره إلى أضيقه لا أنك تلجئه إلى هاوية سحيقة، وتقول: أنا أضطره إلى أضيق الطريق بحيث يقع بسيارته ويهلك، أو إن كان هناك حفرة مثلاً أو وهدة في طريق إذا اضطريته إليها ستؤذيه، فهذا أيضاً لا داعي له. يقول: بحيث لا يقع في وهدة، ولا يصدمه نحو جدار. وللأسف بعض الناس من المسلمين الآن في قيادة السيارات يفعلون ذلك مع المسلمين، بحيث يحاول أن يضطرك إلى الخروج عن الطريق والاصطدام بسيارة أخرى، ولا حول ولا قوة إلا بالله. يقول: أي: لا تتركوا له صدر الطريق إكراماً واحتراماً، فهذه الجملة مناسبة للأولى في المعنى والعطف، وليس معناه كما قال القرطبي : إنا لو لقيناهم في طريق واحد نلجئهم إلى حرفه حتى يضيق عليهم؛ لأنه إيذاء بلا سبب، وقد نهينا عن إيذائهم، ونبه بهذا على ضيق مسلك الكفر وأنه يلجئ إلى النار. والحكمة من هذا التضييق إشارة إلى أن الكفر دائماً عاقبته الضيق، فكما أن الكفر تسبب في أن هذا الشخص يضطر إلى أضيق الطريق، كذلك إن مات على الكفر فإنه يضيق عليه فيحشر في جهنم: وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا [الفرقان:13]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

شبكـــة طـريــق السـلــــف الشبكــــة الإســلاميـــــة

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

   طباعة 
5 صوت
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
سلسلة مقالات (ذكريات). د/ ياسر برهامي

جديد المواد

Separator

روابط ذات صلة

Separator

القرآن الكريم- الحصري

القرآن الكريم- المنشاوي

القرآن الكريم- عبد الباسط

القرآن الكريم- البنا

من تاريخ الصراع بين السلفية والإخوانية