الجمعة 14 شعبان 1440هـ الموافق 19 أبريل 2019م

القائمة الرئيسية

Separator
(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ). د/ ياسر برهامي

بحث

Separator

القائمة البريدية

Separator

أدخل عنوان بريدك الالكتروني

ثم أدخل رمز الأمان واضغط إدخال

ثم فعل الاشتراك من رسالة البريد الالكتروني

برُّ اليوم الواحد!
لماذا نرفض العلمانية؟!
بيان من (الدعوة السلفية) بشأن تصريحات الرئيس الأمريكي حول (الجولان)

الولاء والبراء -3

المادة

Separator
الولاء والبراء -3
923 زائر
23-11-2015
عبد المنعم الشحات

الولاء والبراء (3)

عبد المنعم الشحات

سبق بيان أن الموالاة اسم يجمع كثيرًا من المعاني من ناحية اللغة وهذه المعاني الثابتة في اللغة لمعنى كلمة الموالاة ثابتة أيضا شرعا وبعضها فيه كثير من التفصيل، وذكرنا أخص معاني الموالاة وهو «المحبة».

ومما يليه في الرتبة والأهمية والدخول في معنى كلمة الموالاة معنى «النصرة»

يقول النصرة: «تقدم ما ورد في لسان العرب أن معاني الولي : الناصر .

ومنه قوله تعالى : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:11] أي : لا ناصر لهم أي : لا ناصر لهم نصرًا حقيقا، ولا يشكل على هذه الآية أن الكفار قد ينتصرون لكن هذا نصر وهمي فالنصر للمؤمنين إما النصر وإما الشهادة والفوز بالجنة على كل حال.

وأما الكفار فكل أحوالهم خذلان - والعياذ بالله- فالله هو مولى الذين أمنوا فهو مولاهم قد يربيهم بأنواع من النقم تقع على أيدي أعدائه وأعدائهم وهذا يكون في واقع أمره نصر لهم.

الحاصل أن الله -عز وجل- مولى الذين آمنوا من معاني ذلك أنه ناصرهم وأن الكافرين لا ينصرون فليس لهم ولي ولا ناصر عند الله تبارك وتعالى في الآخرة وكذا في الدنيا عند التأمل تجد أن واقع الأمر أن نصرهم مزيد من الخذلان والعياذ بالله .

يقول: «والموالاة والمحاباة والنصرة واجبة على كل مسلم لإخوانه في الدين» .

قلنا: كل معنى من معاني الموالاة له ضد وهو معنى من معاني البراءة وكل معنى من معاني الموالاة نقول صرفه للمؤمنين يعني من العبادات المطلوب فعلها وصرفه للكافرين من العبادات المطلوب تركها وكذا في المقابل الضد فنصرة المؤمنين من أواجب الواجبات ونصرة الكافرين من أكبر الكبائر ولها أحوال تكون فيها كفرًا - كما سيأتي- وخذلان المؤمنين من أكبر الكبائر، وخذلان الكافرين هذا مما يتقرب به إلى الله تبارك وتعالى والموالاة والمحاباة والنصرة واجبة على كل مسلم لإخوانه في الدين كما قال تعالى : ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ (الأنفال: من الآية72) هذا آكد أحوال النصرة وهي تشمل أحوالًا كثيرة فنصرة المسلم في جميع أحواله لكن آكد أحوال النصرة أن يكون المسلم مستضعفا من أجل دينه ويستنصر بأخيه المسلم فحين إذن يجب نصرته بكل ممكن ومستطاع فـ ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ هذا ليس معناه أنه إن استنصرك في موقف آخر لا يجب عليك النصر لكن آكد الأحوال وإنما ذكرت هذه الحال لأهميتها وتأكدها أنه متى استنصر المسلم في الدين بمعنى أنه كان يؤذى ويستضعف من أجل دينه ويوجد من إخوانه المؤمنين من يستطيع نصره فلا بد له أن ينصره ونقيد من يستطع نصره لأن المسألة إذا كان هذا مستضعف وهذا مستضعف فلا يبقى إلا أن يدعو كل منهما للآخر ولذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يرى المؤمنين المستضعفين في مكة يعذبون وكان لا يملك إلا أن يدعو لهم ويصبرهم ويأمرهم بالصبر بل لما جاء خباب -رضي الله عنه- يقول: «ألا تدعو لنا؟! ألا تستنصر لنا؟!» مع أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو وكان يستنصر ولكن لما كانت لهجة السؤال تحمل بعضًا من العجلة لامه النبي -صلى الله عليه وسلم- واشتد غضبه -صلى الله عليه وسلم- كما هو معروف في حديث خباب المشهور.

ومبنى القضية على أن لا يستعجل المسلم وأن لا يخفض صوت السنن الكونية بل والسنن الشرعية لأن من السنن الشرعية أن يكون هناك ابتلاء وأن يكون هناك تمحيص فالإنسان لا يتمنى البلاء لأن تمني البلاء فيه نوع من حسن الظن بالنفس كأنه يقول: فليأتني البلاء وسأصبر من الذي أدراك؟! ولذلك فالمسلم لا يتمنى البلاء لمعرفته بضعف نفسه فإن وقع بلاء يجب عليه الصبر فيدعو الله -عز وجل- ولكن لا يستبطئ النصر ويعلم أن كل شيء له حكمة.

الحاصل إذا كان هناك مسلما مستضعفا من أجل دينه ويوجد من المسلمين من يستطيع نصرته فهذا من آكد الواجبات أما الحديث الذي بعده فيدل على صور أشمل من صور النصرة كان آكدها كما ذكرنا النصرة في الدين ولذا خصها الله -عز وجل- بالذكر ولكن مما يشمل كل أنواع النصرة قوله -صلى الله عليه وسلم- : «انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقال رجل: «يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما أفرأيت إن كان ظالما كيف أنصره؟!».

وقد مر بنا كثيرًا جدا مسألة أن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يسألون عما استشكل عليهم ليس كما يزعم المتأخرون عند خالفوا منهج الصحابة وزعموا أن الصحابة انشغلوا بالجهاد عن تحقيق المسائل فهذا فيه ذم عظيم للصحابة -رضي الله عنهم- وأنهم حملوا أمورا دون فقه ودون دراية والعياذ بالله مع أنك تجد في الكتاب والسنة تكرر الأسئلة ولكن في موضعها وفي الأمور التي استشكلت عليهم بالفعل فيسألون فيها.

هنا قال -صلى الله عليه وسلم- «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» وهذه فيها شيء من البلاغة وحسن البيان والتشويق والمعروف أن السامع لابد وأن يستغرب لأنه يسمع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نصرة الظالم هذا أمر لابد لأنه يستثير الانتباه فلذا كان هذا فيه نوع من الاختصار والتنبيه.

الأمر الآخر: تسمية هذا نصرة حتى يرسخ في ذهن المسلم أنه لا ينفك أبدًا عن مناصرة أخوانه في الله ونحو ذلك ولا ينبغي أبدًا أن يشعر بالانفصال - انفصال أحد- عن جسد الأمة حتى ولو كان ظالم فأنت سترده عن ظلمه واستحضر في قلبك وفي نفسك أن هذا موالاة له وأن هذا نصرة له فهذا فيه حسن بيان وترغيب في هذا الأمر وترهيب للظالم لأنه متى وجد من يرده عن ظلمه لو كان هو يعلم حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- فهذا يهون عليه رجوعه ويجعله أقرب لقبول النصيحة ولذلك تجد أن معظم الناس يستخدم هذا الكلام لما يرد على بعض إخوانه بعض الخطأ الذي عنده يقول يعني امتثالاً لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «انصر أخاك ظالما أو مظلوما».

وقد رأيت أنك قد تجاوزت في كذا وكذا فهذه نصرة لك وهذا بلا شك أعطى فرصة جيدة لحسن النصيحة ونحو ذلك .

فقال -صلى الله عليه وسلم- : «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» فقال رجل : «يا رسول الله انصره إذا كان مظلوما» ـ هذه سلمنا بها وعرفنها ـ «أفرأيت إن كان ظالما كيف انصره؟! »

وهذا ليس اعتراضًا على الشرع بل هو من الأدب في السؤال لأنه يعرف أن هناك شيئًا لم يستطع أن يفهمه فسأل عنه فقال -صلى الله عليه وسلم- : «تحجزه - أو تمنعه- من الظلم فإن ذلك نصره».

فهذا دليل على أن المؤمن دائما ينظر على إخوانه المؤمنين بروح فيها موالاة حتى وهم ظالمون فيمنعهم من الظلم ويعتبر هذا المنع نوع من الموالاة ولذا من أجمع العبارات وأجودها من عبارات السلف رحمهم الله تعالى وأن الموقف موقف حرب ولكن العقيدة والفهم راسخ قول أنس بن النضر -رضي الله عنه- وهو لم يجلس يؤلف شيئًا ويبحث في قريحته عن العبارة لكن هذه العبارة حاضرة في الذهن معنى حاضر تماما: «اللهم إني اعتذر إليك مما فعل هؤلاء وأبر إليك مما فعل هؤلاء» يعتذر عمن فر يوم أحد فأشار إلى أصحابة الذين فروا وقال: «اللهم إني اعتذر إليك مما فعل هؤلاء» وأشار إلى المشركين وقال: «وأبر إليك مما فعل هؤلاء» هذه حالة لابد أن يستشعرها المؤمن دائما أنه حتى عندما يتبرأ من فعل بعض إخوانه المسلمين فإن غرضه نصرتهم ونصيحتهم ونحو ذلك فهذا بالنسبة لنصرة المؤمنين.

يقول : «ومن أخطر صور موالاة الكافرين: نصرهم على المؤمنين ، بل ذلك الفعل يوجب لصاحبه النار ، وينطبق عليه بسبب فعله ذلك أحكام المشركين مهما زعم الإيمان بكلامه» ـ يعني ادعى بكلام نفسه أنه مؤمن ـ «أو اعتذر بمعذرته ، قال تعالى ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ﴾ (آل عمران: 28) .

قال ابن جرير :: «هذا نهي من الله -عز وجل- للمؤمنين أن يتخذوا الكفار أعوانًا وأنصارًا وظهورًا .. قال : ومعنى ذلك لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهورا ـ من المظاهرة والمناصرة ـ وأنصارا توالونهم على دينهم وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين ، ومن فعل ذلك فقد برئ من الله ، وبرئ الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر» ا . هـ

وقال تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (النساء:97) .

قال ابن كثير رحمه الله : «﴿ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ أي : بترك الهجرة» وهذه سيأتي الكلام خاصًا على الهجرة إن شاء الله تعالى لكن العجيب أن يكون هذا الزجر والوعيد الشديد في ترك الهجرة من ديار الكفر إلى ديار الإسلام ويهاجر الناس اليوم الهجرة العكسية يهاجرون من ديار الإسلام إلى ديار الكفر والعياذ بالله فمن نشأ في بلاد الكفر - وكانت هذه هي بلده التي فيها أهله وماله ونحو ذلك - يجب عليه الهجرة بقيود سبقت الإشارة إليها ويأتي تفصليها إن شاء الله أن الهجرة تجب متى كان عاجزًا عن إظهار شعائر دينه ووجد بلدًا خليًا عما هاجر لأجله وإلا فلا معنى للهجرة إذا كان قادرًا على إظهار شعائر دينه أو أن يكون غير قادر يستضعف بدرجة درجات الاستضعاف لكن كل البدائل مثل بلده أو أسوء فحينئذ لا تشرع له حينئذ الهجرة كما سيأتي لكن العكس بأن يهاجر كثير من المسلمين طواعية إلى بلاد الكفر [وحكم هذه المسألة هو حكم مسألة الهجرة من ديار الكفار] متى يجوز له أن يسافر؟ فالحال التي تجعل صاحب البلد باقيًا فيها شرعًا هي الحال التي يشرع فيها للمسلم أن يفد على بلد الكفر وهذه الشروط هي:

- أن يأمن على نفسه الفتنة.

- أن يقدر على إظهار شعائر دينه.

ولكن معظم المسلمين يسافر دون وجود هذه الشروط طلبًا لمزيد من المال أو الدارسة أو نحوها - وهذا لا بأس به لو كان بهذه الشروط- لكن كثيرًا من الشباب - وخاصة الشباب الذي ما زال في مرحلة الدراسة- يسافر في أثناء العطلة الصيفية ويتعرض لكثير من الفتنة والابتلاء من فتنة النساء والفتنة في الدين مع عدم إتقانه لعقيدته من أنه كما سيأتي في مسألة عمل المسلم عند الكافر أنه يجوز ولكن لا يجوز في الأعمال الممتهنة التي يترفع عنها الكافر لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.

فتجد معظم الشباب الكفار يسمونها أعمالًا قذرة ولا يسمونها الأعمال مهنية أو اليدوية كأعمال البناء وصيانة الآلات فهذه تسمى عندهم أعمال يدوية لكن أعمال الخدمة لكن هم من قبحهم وعدم اعتاديهم التأنق في الألفاظ فيسمونها أعمال قذرة أعمال خدمة كغسيل الأواني في المطاعم أو تقديم الأطعمة أو غسيل السيارات في محطات البنزين وهذا أكثر من تسعين بالمائة من شباب المسلمين يذهب فيعمل في هذه الأمور ناهيك أن يعمل في أمور محرمة مثل تقديم الخمر أو تقديم الخنزير أو نحو ذلك.

فيذهب يذل نفسه ويضع نفسه في مرتبة دونية بالنسبة للكافر ويجعل الأعمال التي يترفع عنها الكفار [... هكذا في الشريط]

تجد نوعًا عجيبًا من أنواع التسلط عند الكفار فهذه الأعمال لا يقومون بها حتى الفقير منهم يأبى أن يفعلها ويجعل الشباب الذين يأتون من بلاد المسلمين يقومون بها ولا يعطونهم تأشيرات عمل بحيث أنهم يعيشون لهم حقوق بل معلوم أن هذه المهن لا يقوم بها إلا من يأتي بغرض السياحة ثم يجلس مطاردًا متعقبًا وهذا معروف ومقصود في حد ذاته أن الذي يعمل في هذه المهن يكون وضعه القانوني غير منضبط بحيث أنه لا يطالب بالزيادة في الأجر لا يتمرد على أصحاب العمل فتجد كثير من البلاد تتعمد إيجاد هذه الحالة - حالة وجود شباب يرغب في هذه الأعمال ولا يعطى المسوغ الصحيح لبقائه - بحيث يظل دائما في مرتبة دونية فوق التي هو فيها والمسلم يذهب يضع نفسه في هذا الأمر طواعية والعياذ بالله طلبا لبعض الأموال .

قال ابن كثير :: ﴿ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ أي : بترك الهجرة وقال هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه»

أي: إذا وجد هذان الشرطان «فهو ظالم لنفسه بترك الهجرة مرتكب حرامًا بالإجماع وبنص هذه الآية».

إذن فترك الهجرة حرام بالإجماع ولكن لا يصل إلى الكفر إلا إذا ناصر قومه على المسلمين كما يأتي في الآية التي بعدها.

وهذا تأكيد للمعنى الذي ذكرناه مرارًا من أن المخالفة في هذا الباب تشمل صورًا من الكفر الأكبر وصورًا من الكفر الأصغر ولا ينبغي التعميم ولكن ينبغي ضبط كل صورة بقدرها وبشروطها وبضوابطها .

يقول: «وروى البخاري عن ابن عباس م أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» فهؤلاء لم يكثروا سواد المشركين في الإقامة بين أظهرهم لكنهم خرجوا معهم في قتال النبي -صلى الله عليه وسلم-.

«يأتي السهم فيرمي أحدهم فيقتله أو يضرب عنقه» أي: أن لم يقاتلوا قتالًا فيه نوع من الحمية لكنهم كانوا موجودين فقط فكان نتيجة أنهم لا يقاتلون قتالًا قويًا أنهم أصبحوا دائما غرضًا لسهام صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله -عز وجل- ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (النساء:97) .

وروى ابن جرير بسنده عن عكرمة في هذه الآية قال: «نزلت في قيس بن الفاكه بن المغيرة ، والحارث بن زمعة بن الأسود ، وقيس بن الوليد بن المغيرة ، وأبي العاصي بن منبه بن الحجاج ، وعلي بن أمية بن خلف».

هؤلاء شباب من مكة كان آباؤهم رؤوس الكفر فلما وقع الإسلام في قلبهم لم يستطيعوا مواجهة أبائهم فظلوا على حالهم إلى أن بلغ الأمر [هذا الحد] وكونهم لم يهاجروا كما ذكرنا مع قدرتهم على الهجرة فهذا معصية وليس كفرًا ولكن بلغ الأمر أن خرجوا مع أبائهم لقتال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

قال: «ولما خرج المشركون من قريش وأتباعهم لمنع أبي سفيان بن حرب وعير قريش من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ، وأن يطلبوا ما نيل منهم يوم «نخلة» خرجوا معهم شباب كارهين، كانوا قد أسلموا، واجتمعوا ببدر على غير موعد».

هذه قضية مهمة جدًا لابد من وضعها في الاعتبار وهي مسألة أن كره الإنسان لحرب الدين لا تعفيه من المسئولية في الدنيا والآخرة على أفعاله وإلا فمعظم أهل الأرض يتمنى أن لا يتعارض دينه مع دنياه فالذي عنده ملك لولا خوفه على ملكه لقبل الإسلام، والذي يعطيه الكفار أنواعًا من المال لينشر الباطل لولا خوفه على هذه الأموال لقبل الإسلام.

وهكذا يتمنى كثير من الخلق أن لا يتعارض الدين مع الدنيا ومتى حصل التعارض فإنه يختار الدنيا على الدين فلو اختار الدنيا على أصل الدين فإنه يكفر، ولو اختارها على شيء من واجبات الدين فإنه يكون عاصيًا.

فالآفة الرئيسية التي عند كل الخلق أنهم يختارون الدنيا على الدين لكن أي جزء من الدين تركه من أجل هذه الدنيا شخص يعرف أنه لو قال لا إله إلا الله سوف يحرم من رئاسته الدينية لقومه وما يترتب على ذلك من ملك فيقول: أن هناك إله مع الله أو يظل على اليهودية أو النصرانية مع علمه بالإسلام وبعض الناس دائما يسأل سؤالًا هو أن معظم هؤلاء معظم كبارهم في الدين باطنًا على دين الإسلام ويصلون صلاة المسلمين ونحو ذلك ولكن هذا لا ينفعهم لا بد من أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأن يتبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام فإذن كثير من الناس من داخله عنده حب للحق ويتمنى لو لم يتعارض هذا الحق مع شيء آخر من الدنيا وعند التعارض يقدم هذه الدنيا فيقدمها على الشهادتين ويأبى النطق بها مع علمه أنهما حق فيكون كافرًا أو نطق بهما ثم حارب أهل لا إله إلا الله.

كما ذكرنا فالصورة التي اعتبرها الشرع كفر هي أفدح صورة وما دونها فليس كذلك لأن الصورة التي تكون تحتها هي صورة «الجاسوس» وثبت أنه ليس بكافر أما الصورة التي اعتبرها الشرع كفر فهي مثل أن يكون هناك جيش كفار أمام جيش مسلمين لأنهم خرجوا في هذا الجيش غرضهم استئصال شأفة المسلمين وأن يعلو الكفر على هؤلاء المسلمين فهذه ردة والعياذ بالله.

فهذا أيضًا حتى لو كان يحب لا إله إلا الله أو تكلم بها ثم خرج مع الكفار محاربًا من وليه من المسلمين فهذا من الكفر والردة ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إذن إذا كان الإنسان يحب الحياة الدنيا ويؤثرها على الآخرة فإن هذا قد يدخله في المعصية وقد يدخله في الكفر متى آثر الحياة الدنيا في أمر سوم فيه على أصل الدين قيل له اكفر فكفر أو انصر الكفر على الإسلام فنصر الكفر على الإسلام أو اطعن في الدين فطعن في الدين فهذا لا تنفعها عقيدته خاصة - كما يتوهم البعض- من أنه مصدق وهذه من آفات المرجئة والجهمية الذين مفهموهم في الإيمان أن الإيمان هو التصديق ويلزمهم أن إبليس - عليه لعنة الله - مؤمن لأن إبليس كان مصدق لم يكن مكذب فلا شك أن الانقياد القلبي لهذا الدين شرط أو ركن من أركان الإيمان متى فقده الإنسان - حتى لو كان مصدقًا- فإنه يكفر والعياذ بالله.

وكذا حب الدين وحب تعظيمه وكذا نصرة الدين كل هذا من الأركان التي متى ذهبت بالكلية بحيث رضي الإنسان بأن ينصر الكفر على الإيمان فما دام أنه ينصر الكفر ليس الكافر على المسلم بل ينصر الكفر على الإسلام فهذه كافر والعياذ بالله.

ومن صور نصرة الكفر على الإسلام أن يدعو للكفر أو يحسنه أو يجوده أو أن يقاتل في صفوف الكفار طالبا لنصرتهم أمام جيش المسلمين.

إذن خرج هؤلاء وهم كارهون وقلنا أن هذه الكراهة لا تنفعهم وأما المكره فهذا له شأن آخر ولا يتصور في هذه الحالة إكراه نقول إجمالا لو واحد مكره هذا أمر آخر لكن في حالة القتال كيف يكره مع أنه لا توجد فرصة لأن القتال فعل إيجابي لأنه سيمسك السيف ويقاتل ولا يمكن أن يعطيه سيفًا ويخبره بأن مكره ويرفع السيف على رقبته إما أن يقاتل وإما أن يقتل لأنه هو الآخر معه سيف أيضا فهذه الصورة غير متصورة أما الإكراه فهو أن يأتي بشخص مستضعف ويجعل السيف على رقبته ويقول له: إما أن تفعل ما أمرتك به وإما أن تقتل، ولكن لا يعطيه سيفًا ويتركه في مكان المعركة المفتوح ويقول له: خذ أنت مكره، لأنه قد ينقلب عليهم إذن لا يتصور وجود المكره في حالة القتال لكن المتصور أن يعطى مستضعف سلاحًا وهو بين ناس كثيرين ويقول له: اقتل فلانً وإلا ستقتل.

ومعروف أن السلاح الذي في يده لا يمكنه أن يستخدمه ضدهم فينفذ كلامهم ولا يعرف أن يوجهه إليهم ومع ذلك لا يجوز الإكراه على قتل مسلم فإذا قيل له: اقتل فلانًا فيمتنع ولو قتل لأنه لا يضحي بأخيه لكي يوفر نفسه فلا يوجد إكراه على قتل مسلم أو على الزنا بمسلمة محصنة فلا يهتك عرض أختها توفيرًا لنفسه، إن لم يفعل سيقتل فليقتل ولا يفعل هذا بخلاف في الإكراه على ظلمه في بدنه فيكره على أن يضربه أو يشتمه فهذا لو كانت العقوبة التي ستقع عليه أشد بكثير من الإيذاء الذي يطلبون منه أن يوقعه بأخيه فهذا الأمر فيه نظر ومحتمل وعلى أية حال سيأتي هذا.

يقول: «خرجوا معهم بشباب كارهين كانوا قد اسلموا ، واجتمعوا ببدر» أي اجتمع جيش الكفار بما فيه من هؤلاء الشباب «ببدر على غير موعد» فقتلوا ببدر كفار هؤلاء صاروا كفار وعوملوا معاملة الكفار «ورجعوا عن الإسلام وهم هؤلاء الذين سميناهم».

وعن السدي في الآية قال:« لما أسر العباس وعقيل ونوفل» العباس عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسر هو وابني أخيه عقيل ونوفل «قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للعباس: «افد نفسك وابن أخيك» فقال: «يا رسول الله ألم نصل إلى قبلتك ونشهد شهادتك؟» قال: «يا عباس إنكم خاصمتم فخصمتم».

استدل بإسلامه الذي حصل قبل هذا القتال فبين له النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لم ينتفع بهذا الإسلام لأنه خرج مع قومه محاربًا للمسلمين فقال: «إنكم خاصمتم فخصمتم» ثم تلا عليه هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97].

فوضح بما ذكرنا أن خروج من زعم الإسلام في قتال المسلمين مع المشركين أن حكم المشركين يجري عليه في جميع هذه الأحوال، وهكذا عامل الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون من خرج في بدر ولو كانوا كارهين، وإنما آثروا مرضاة آبائهم وأهليهم على الإسلام والإيمان بالرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولا يصلح مثل هذا إكراهًا ليعذر صاحبه ـ وسيأتي الكلام على شروط الإكراه المعتبر إن شاء الله تعالى ـ والظاهر في سياق الآية وما ذكرنا من الآثار في سبب النزول أن حكم الكفر ينطبق عليهم في الآخرة أيضًا، لأن الله قد حكم أن لهم جهنم وساءت مصيرًا، ولم يدل على خروجهم منها، بل وفي بعض الروايات عن ابن عباس: «فقال المسلمون كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا، فاستغفروا لهم، فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97].

فدل عدم الاستغفار لهم على كونهم ماتوا على الكفر ـ يعني لما أرد بعض المسلمين أن يستغفر لهم نزل [القرآن] بأنه لا يستغفر لهم وأنهم ظلموا أنفسهم فدل على أنهم ماتوا على الكفر ـ بسبب هذه الموالاة الشركية لأهل الشرك ، ولو كانوا آباءهم أو أهليهم.

ويؤيد ذلك ما رواه ابن عباس - آية أخرى في نفس الموضوع- في قوله تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97] وأيضًا في تفسير قوله تعالى : ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ [النساء:88] ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله في هذه الآية: «ذلك أن قوماً كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: «إن لقينا أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- فليس علينا منهم بأس» أي: إذا لقوا أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فسيقولون نحن تكلمنا بالإسلام .

«وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة قالت فئة أخرى من المؤمنين: ...» ـ لأن الآية تقول ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ لماذا انقسمتم إلى فئتين ؟ ابن عباس -رضي الله عنه- يحكي لنا من هما الفئتان فئة قالت : «اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم» إذن فقد كفر المؤمنون هذا الفريق الذي تكلم بالإسلام لأنهم يظاهرون عليكم عدوكم هذا هو المناط المكفر عندهم وهو السبب الذي جعلهم يحكمون عليهم بالكفر وسنظفر بهم وحدهم فيمكن قتلهم فقالوا: «انطلقوا إلى الخبثاء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم وقالت: «فئة من المؤمنين»

هذان هما الفئتان ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ الفئة الأولى رأت أن هؤلاء كفار لأنهم قد ظاهروا عليهم عدوهم وقالت فئة أخرى من المؤمنين: «سبحان الله - أو كما قالوا- أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارهم، نستحل دمائهم وأموالهم».

طبعا هنا هؤلاء نظروا وكأن كل الذي فعلوه أنهم لم يهاجروا وترك الهجرة ليس كفرًا بينما الفريق الأول نظر أنه هؤلاء ليس أنهم لم يهاجروا وإنما ظاهروا العدو.

«فكانوا فئتين والرسول -صلى الله عليه وسلم- لا ينهى واحدًا من الفريقين» ينتظر نزول الوحي في هذه المسألة لبيان الحكم الشرعي فيها بالإضافة إلى أنها خبر عن واقع هؤلاء أيضًا وصلوا لمرحلة هؤلاء القوم هل بالفعل ظاهروا العدو كما قال الفريق الأول أما ماذا؟

فسكت النبي -صلى الله عليه وسلم- فنزل الوحي يؤكد أن هؤلاء بالفعل ارتكبوا الأمر المكفر وأنه ما كان ينبغي للمؤمنين أن يختلفوا فيهم لأنهم فعلوا هذا الذي يستحقون به أن يكفروا فنزلت ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾.

يقول: «والشاهد منها قول المؤمنين» الشاهد من هذه القصة التي ذكرها ابن عباس م في تفسير هذه الآية قول المؤمنين: «فاقتلوهم فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم» ولو لاحظت لوجدت أن الفريق الثاني ربما نظر فقط لمسألة أنهم تاركون للهجرة فهذا الفريق الأول عنده مزيد علم بحال هؤلاء القوم أنهم ليس مجرد تاركين للهجرة ولكنهم مظاهرين أيضًا للقوم كانت الفئة الأولى من المؤمنين عندهم مزيد علم عن الفئة الثانية بأن هؤلاء ظاهروا العدو على المسلمين وعندهم مزيد علم أيضًا بأنهم بناء على ذلك يكونون كفار أما الفريق الثاني كان يتكلم من جهة أنهم لم يهاجروا وهذا لا يقتضي تكفيرهم وأنزل الله الآيات موافقة للفئة الأولى التي علمت أن هؤلاء ظاهروا العدو والتي حكمت بناء على هذا الأمر بكفر هذه الفئة أيضًا جاء تصريح بكفر هذه الفئة لأن الله -عز وجل- قال بعدها ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [النساء: من الآية89]

طبعا هنا يذكر الشرع دائما أعلى الغايات يعني متى يكونون قد تخلصوا من كل ما عندهم وذلك حين يتركوا مناصرة العدو ويهاجروا فلو تركوا مناصرة العدو فقط فإنهم يكونون مسلمين عصاة ولو تركوا مناصرة العدو وهاجروا وهم متمكنون من الهجرة لوجد دار إسلام فلو أنهم تركوا مظاهرة العدو وهاجروا فهؤلاء يكونون بهذا الأمر أولياء للمؤمنين فإن تولوا وأعرضوا عما ألزمهم الشرع به ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [النساء: من الآية89] .

قال السدي: «إذا أظهروا كفرهم فاقتلوهم حيث وجدتموهم» وهذا أقرب ما قيل في تفسير الآية موافقاً لسياقها كما قال ابن جرير بعد ذكر الاختلاف فيمن هم المقصودون بهذه الآية.

يقول: «أولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: «نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قوم كانوا ارتدوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة وفي قول الله تعالى: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [النساء: من الآية89] أوضح الدليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة.

يعني قيل في هذه الآية أنها نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه الذين تخلفوا عن رسول الله في غزوة أحد لكن السياق هنا يأباه بل الصحيح أنهم كانوا منافقين وكان عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين وكان له كثير من الأفعال التي ظاهر بها كثيرًا من المشركين ولكن هنا الكلام على قوم مشكلتهم الرئيسية ترك الهجرة ثم أضافوا إليها مظاهرة العدو فصارت كفراً والعياذ بالله فكون أن الله -عز وجل- قال ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ دليل ترجيح لقول من قال من السلف أنها نزلت في هؤلاء الذين كانوا في مكة وكانوا عصاة بترك الهجرة ثم ظاهروا العدو وصاروا كفارًا والعياذ بالله .

يقول: «والقول الأخر في أنها نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه الذين تخلفوا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة أحد والسياق يدل على بعده كما ذكر ابن جرير والقرطبي وأبو السعود وغيرهم».

ولكن هنا ما الذي جعل بعض من السلف يقول المقصود بها عبد الله بن أبي ابن سلول؟

قالوا: لم يعرف نفاق حينئذ إلا في المدينة ولم يكن النفاق معروفًا في مكة إذ لم يكن هناك حاجة داعية إليه أما في المدينة في المدينة فكان الداعي إليه وجود دولة الإسلام فكان بعض الكفار ممن هو كافر في الباطن يريد أن يستفيد من أن الدولة دولة إسلامية يكون المسلم له فيها حقوق مختلفة لا شك عن حقوق الذمي أو غيره ويأمن على نفسه ويألف ويؤلف وغير ذلك من المنافع التي تعود على هذا المنافق.

فكان النفاق في المدينة وليس في مكة ولكن هؤلاء وإن لم يكن قد اشتهرت تسميتهم بالمنافقين إلا أن وصف النفاق الشرعي ينطبق عليهم بأنهم أظهروا خلاف ما أبطنوا لأنهم رضوا بأن يناصروا المشركين على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهذا دليل على أن باطنهم ليس فيه إيمان - أعني الإيمان النافع- فقد يكون عندهم جزء من الإيمان لكنه لا ينفعهم مثل ورق الشجرة من دون الجذع أو عنده مقطع من الجذع وليس عنده الجذع كله هفذا ليس عنده شجرة.

قد يكون عندهم حب للإيمان ولكن حب آبائهم أعلى منه ليس عندهم تعظيم لدين الله تبارك وتعالى أي أن قلوبهم في النهاية ليس فيها إيمان شرعي ولا توصف بإيمان شرعي لا كامل ولا ناقص لأن أقل الإيمان الشرعي أن يكون فيه أركان.

فهذا الإيمان الذي معهم إيمان لا ينفع وهم في الباطن كفار ليس عندهم إيمان في الباطن معهم شيء من الإيمان لكنه لا يسمى إيمانًا لا كاملًا ولا ناقصًا مثل ورقة الشجرة دائمًا يقال عليها ورقة الشجرة جزء من شجرة لا يجوز أن تقول عليها شجرة لا كاملة ولا ناقصة يقال عنها جزء من شجرة.

أيضًا هؤلاء معهم جزء من إيمان لا ينفع إنما أقل جزء ينفع أعمال القلوب كاملة مثل الذي يكون عنده شجرة فأقلها أن يكون الجذع موجود كاملًا وإلا لو قطع الجذع أو أخذ مقطع وترك الآخر أو أخذ منها شريحة كل هذا لا ينفع فهم في الباطن كفار يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا وصفهم أنهم كفار يظهرون الإسلام.

فهذا نوع من النفاق يتكلم الإنسان بالإسلام ويفعل فعلًا ظاهرًا أنه كفر ويصر عليه فهو في واقع أمره كافر وينتسب إلى الإسلام وهذا نوع من أنواع المنافقين. فالمنافق الذي يُبطن نفاقه ولم تظهر آثاره في الخارج بحيث يفعل ما يقتضي كفرًا أو لم يفعل على الملأ على الأقل ويبطن الكفر فهذا هو القسم المعروف من المنافقين ولكن هذا لا يمنع من أن يسمى من تلبس بأمر مناقض للدين ظاهر مع استمرار تكلمه بالشهادتين منافقًا.

فليس هناك ما يدعو إلى عدم تسميتهم بالمنافقين مع تسمية القرآن لهم بأنهم منافقين لأجل أنه لم يكن يومئذ نفاق إلا في المدينة لأن الحالة التي وصفها ابن عباس م عن هؤلاء القوم تسمى أيضًا نفاق مع أن النفاق من الازدواج كما يقال نفق وهو بيت لدابة من دواب الأرض نوع من الدواب تجعل بيتها على شكل النفق الذي نعرفه الآن - نفق السيارات- وهو مشتق من هذا الفعل لهذه الدابة ولهذا سميت الأمور التي فيها ازدواج نفاق.

وأظهر النفاقِ: النفاقُ الأكبر الذي باطنه كفر وظاهره إيمان لكن سمي الكذب نفاق لأنه يقول كلامًا ويعمل عكسه أو يظهر كلامًا بينما هو في باطنه يبطن آخر سمي خلف الوعد نفاقًا وهو من أنواع النفاق الأصغر تجد أن الجامع المشترك بينها هذا الازدواج الجمع بين النقيضين فهؤلاء يسمون منافقين نفاقًا أكبر لأنهم يظهرون على ظاهرهم حالين متناقضتين على ظاهره فيتكلم بلا إله إلا الله في نفس الوقت يفعل شيئًا فيه نقض صريح للإسلام مثل نصر أبو زيد الذي كفرته المحكمة لكتاباته التي يطعن فيها صراحة في الإسلام وهو مصر أنه يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-!!

ومثل هذا مطلوب منه أن يتبرأ من الأسباب والأفعال التي كفره بها - لا نقول أهل العلم- كما ذكرنا أن المحكمة كفرته هذه الأقوال والأفعال التي فيها طعن في الدين وهو يقول لا إله إلا الله مصر عليها لا تنفعه إلا أن يتبرأ من هذه الأمور الكفرية.

فهذا يسمى نوع من أنواع النفاق أن يكون في ظاهره يصر على الطعن في الدين مع إصراره على الانتساب إليه فيطعن وينتسب.

يقول: «وأما تسميتهم منافقين» وهذا كما ذكرنا هو الذي سببًا إشكالًا لبعض المفسرين فما إلى أن يقال أن هذا كان في أقوام بالمدينة.

«أما تسميتهم منافقين مع التصريح بكفرهم فإما باعتبار حالهم السابق».

يعني أنهم كانوا مضمرين في قلوبهم أنهم لو طلب منهم أن ينصروا قومهم على المسلمين لنصروهم وإضمار هذا الأمر كفر غير ظاهر فلما جاءت المناسبة وفعلوا ذلك فعلًا أصبح كفرهم ظاهرًا فكانوا منافقين ثم صاروا بعد ذلك كفارًا هذا وجه.

إما أن تسميتهم منافقين وكفار في وقت واحد، المنافقين باعتبار حالهم السابق أنهم أضمروا في نفوسهم أنهم يقدمون طاعة آبائهم على دينهم حتى ولو طلبوا منهم أن يظاهروهم على المسلمين وأن يقاتلوا في صفوفهم فيكون هم منافقين بما أضمروه ثم صاروا كفارًا لما أظهروا هذا المضمر هذه واحدة.

وإما أن يقال ما ذكرناه أنهم باعتبار تكلمهم بالإسلام مع استمرارهم على ما يناقضه من موالاة الكفار بنصرتهم ومناصرتهم على المسلمين .

يقول: «وقد ذكرنا الأثر في ذلك» الأثر عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في حال هؤلاء ووصف حال هؤلاء.

يقول: «والمنافق إذا أظهر كفره وجب قتله وإن ظل ينتسب إلى الإسلام ولو كان هؤلاء المنافقين قد صرحوا بعدم انتسابهم للإسلام لما كان هناك معنى لاختلاف أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيهم حتى ينزل القرآن يبين صحة نفاق الذين اختلف المؤمنين في أمرهم ويحذر من دافع عنهم، وهذا الأمر بقتل المنافقين إذا أظهروا نفاقهم معلق على المصلحة في قتله أو المفسدة، فقد ترك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قتل من علم نفاقه قطعًا منهم وهو الذي قال له: «اعدل» لوجود مفسدة أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه في حين أمر بقتل الخوارج حين يخرجون لظهور مفسدة تركهم حينئذ بسفك الدم الحرام، وانتهاك الحرمات، وانتفاء مفسدة قتلهم بانتشار الإسلام وتأسس قواعده، وهكذا فعل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- - والقصة مخرجة في الصحيحين ـ وقد أمر الله بجهاد المنافقين مع الكفار».

فالحاصل هنا أن الشرع أمر بقتل هؤلاء المنافقين الذين جمعوا بين انتسابهم للإسلام وبين معاداتهم له فصاروا منافقين يستحقون القتل هل كل من فعل هذا يجب قتله؟

والجواب: أن كل من فعل هذا يستحق القتل ولكن ليس كل من يستحق القتل يجب قتله بل قد يحرم قتله إذا كان سيفتن الناس في دينهم ولذا الرجل الذي قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: «اعدل يا محمد» فهذا قمة الكفر في أن يطعن في النبي -صلى الله عليه وسلم- ولكن تركه النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى لا يتحدث الناس أن محمد يقتل أصحابه.

ومن ثم فإذا كان الناس يجهلون حكم قتل المرتد أو هناك أقوام من المرتدين ثبتت لدى القاضي الشرعي البينة على ردتهم ولكن هذا الأمر لن ينتشر في الآفاق ويوجد حديثي عهد بالإسلام وضعاف النفوس ويوجد منافقون ويغلب على ظن الإمام أنه متى قتل هؤلاء أنهم يشيعون في الناس أن هذا المقتول لم يفعل شيئا وأن المسلمين يقتل بعضهم بعضاً فحينئذ لا يجب بل لا يجوز أن يُقْتَل لمسألة قل من ينتبه إليها من أصحاب التيارات الجهادية وغيرهم أنهم أحياناً يقتلون من لا يستحق القتل أصلًا وأحيانًا يتصورن أن كل من يستحق القتل يحب قتله وليس الأمر كذلك بل ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- قتل من يستحق القتل جزمًا وعلل هذا بقوله: «لا يتحدث الناس أن محمد -صلى الله عليه وسلم- يقتل أصحابه».

ولذلك لما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقتل الخوارج لم يقاتلهم الصحابة إلا حينما بدءوا هم بقتل المسلمين فإذا تركوا أصبحت المفسدة متحققة وواقعة لا محالة بأن يتحدث الناس أن المسلمين يقتل بعضهم بعضاً بينما أهل البدعة يقتلون أهل السنة ويضيعون شوكة الإسلام فحينئذ كان لابد من قتالهم فقتالهم علي -رضي الله عنه-.

يقول: «وقد أمر الله بجهاد المنافقين مع الكفار فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 73] ورجح ابن جرير أنه قتالهم بالسيف» قال في الآية «جاهد» والجهاد أعم من القتال ولكن أولى ما يدخل فيه القتال، فقوله: «جاهد» يشمل الجهاد بالسيف والسنان والجهاد بالحجة والبينة.

«ورجح ابن جرير» أن هذا هو المقصود أصالة بالآية جاهد المنافقين «أنه قاتلهم بالسيف إذا أظهروا نفاقهم، ومثله قوله تعالى ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ [الأحزاب:60، 61] فهذا معناه أنه يجوز قتلهم.

«وعن قتادة قال: «إذا هم أظهروا النفاق».

القرآن هددهم بأنه سيفضحهم ويبين نفاقهم بحيث يستحقون القتل فرجعوا عما كانوا يبثون من أنواع النفاق فهذا استطرد هنا حيث تركنا بحث هؤلاء الذين ظاهروا المشركين على المسلمين وسماهم الشرع منافقين وكفار في آن واحد وأجابنا على هذه الشبهة واستطردنا في الأدلة التي تدل على قتال المنافقين بصفة عامة سواء كان هؤلاء أو كان غيرهم من المنافقين الذين كانوا في المدينة أو من كان على شاكلتهم ممن يظهر الإسلام ويبطن الكفر.

يقول: «فبناء الأمر في قتال المنافقين على المصلحة والمفسدة في ذلك، والله تعالى أعلم».

من النقول في هذا الباب قال ابن حزم :: «من لحق بدار الكفر والحرب مختارًا لمن يليه من المسلمين، فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها من وجوب القتل عليه متى قدر عليه وإباحة ماله وانفساخ نكاحه وغير ذلك».

وقال أيضًا : « وكذلك من سكن بأرض الهند والسند والصين والترك والسودان والروم » كانت كل هذه ديار كفر وبعضها بفضل الله -عز وجل- الآن صارت ديار إسلام وبعضها يوجد فيها مسلمون يقدرون على إظهار شعائر دينهم فالمقصود أن هذه أمثلة للبلاد التي كانت [بلاد كفر] في أيامهم.

يقول: «فإن كان لا يقدر على الخروج من هنالك لثقل ظهر أو لقلة مال أو لضعف جسم أو لامتناع طريق، فهو معذور فإن كان هناك محاربا للمسلمين معينا للكفار بخدمة أو كتابة، فهو كافر، وإن كان إنما يقيم هنالك لدنيا يصيبها، وهو كالذمي لهم».

هذا وصف في الواقع ينطبق بقوة على كثير من المسلمين الذين يهاجرون إلى ديار الكفر وهم يسمون أن عقد الذمة بين المسلمين وبين الكفار يساوي مواطنة من الدرجة الثانية ونحن لا ننكر ذلك لكن ربما بعض العلمانيين وبعض القوميين وبعض العقلانيين من الإسلاميين يرى أن هذه سوءة يجب سترها ويقسم بأغلظ الأيمان أن هذا لم يحدث وأن هذا من فهم المتطرفين للدين ولا أدري ماذا يفعل بالنصوص الصريحة الواضحة في ضرب الجزية على الكفار علامة ذلة وصغار ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: من الآية29) فالمقصود أن عقد الذمة يكافئ مواطنة من الدرجة الثانية هم يسمونها كذلك ونحن ما عندنا مشاكل الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ولكن لابد أن نتذكر أن الإسلام حق وما عاداه باطل وأن هذا الحق ليس وجهات نظر كما بينا قبل ذلك بل هو حق واضح وضوح الشمس في كبد السماء وبالتالي الكافر لن يسمح له أن يعيش في بلاد المسلمين مواطن من الدرجة الثانية هذا رحمة وشفقة وعدل بعد أن ينزل عليه القرآن ويبين له الدين بهذه الأدلة الواضحة بينما هم يعتبرون الناس الذين عرضت الديمقراطية ورفضوها هؤلاء لم يستحقوا الوجود على ظهر الأرض أليس هذا هو الواقع الآن ؟ هم يصرحوا أن هذه أحسن السيئات ويقولون: لقد جربت البشرية عبر تاريخها أشياء كثيرة كلها سوءات والديمقراطية أقلها مساوئ مع وجود مساوئ لها.

مع أن هذا هو دين الله -عز وجل- وأدلته واضحة جدًا ومن أرد أن يناقش فليناقش ويأخذ فرصته يناقش ويجادل المسألة أوضح من ذلك وبعد هذا كله لم نقل أنه يجب أن ينسف من وجه الأرض وأنه لن يهدئ لنا بال إلا مع قتل آخر كافر على وجه الأرض كما يقولون: أنهم لن يهدئ لهم بال إلا مع قتل أخر متطرف على وجه الأرض.

بل عندنا أن الكافر إذا أرد أن يعيش فإنه يعيش ويؤمن على نفسه وماله وولده ولكن يكون مواطنًا من الدرجة الثانية فيكون هناك عقد ذمة فيه ذلة وصغار هذا في ديننا لكن واقع الأمر أن المسلم الذي يذهب إليهم يكون مواطنًا من الدرجة العاشرة فهو أولا يضن عليه بهذه المواطنة بل يضن أن يكون زائرًا محترمًا يقول له: لا طريق أمامك إلى بلادنا إلا أن تأتي بطرق ملتوية وبالتالي يكون من حق أي أحد أن يستوقفك ويرحلك إلى بلدك ونحو هذا ولا يسمح للمسلمين أن يذهبوا إلا وهم مطاردون وإنما يذهبون بتأشيرة سياحة مدتها معلومة وهو يعلم أنهم سيعملون وهذه البلاد في هذه الأعمال التي وصفنها ولابد من وجود هذه الفئة التي تعمل هذه الأعمال ولكنه يريدهم أن لا يكونوا مواطنين من الدرجة الأولى ولا الثانية ولا الثالثة ولا حتى من الزائرين الذين لهم حقوق ولكن يكونون من الزائرين اللصوص الذين متى أمسكوا عوملوا معاملة اللص؟ هل دخلت بتأشيرة؟ والمسلمون يتهافتون على ذلك وتجد الواحد منهم يقترض أموالًا ويكذب ويدلس في الشهادة كل هذا لكي يأخذ تأشيرة سياحة وهو ناوٍ يكسرها [أي: يتجاوز مدتها] ويكون هناك كالذمي لهم.

فابن حزم يقول أن الذي يعاونهم على المسلمين «فهو كافر وإن كان يقيم هنالك لدنيا يصيبها فهو كالذمي لهم وهو قادر على اللحاق بجمهرة المسلمين وأرضهم فما يبعد عن الكفر وما نرى له عذراً نسأل الله العافية».هذه كبيرة من أكبر الكبائر قريبة من الكفر.

قال – أي ابن حزم أيضًا-: «وليس كذلك» يعني الحكم السابق لا ينطبق على هذا على هؤلاء «وليس كذلك» على من سيذكرهم «من سكن في طاعة أهل الكفر من الغالية ومن جرى مجراهم كأهل مصر والقيروان وغيرهم»

وهؤلاء كانوا الفاطميين العبيديين الذين كان ظاهرهم التشيع وباطنهم الكفر المحض هل تجب الهجرة من البلاد التي علاها حكم هؤلاء العبيديين الفاطميين وهل من كان معاونا لهم يكون كافرًا يقول: «لا يشبهون الكفار»

يقول: «فالإسلام هو الظاهر وولاتهم على ذلك لا يجاهرون بالبراءة من الإسلام، بل إلى الإسلام ينتسبون، وإن كانوا في حقيقة أمرهم كفارًا».

وقال أيضًا: «وأما من سكن في بلد تظهر فيه بعض الأهواء المخرجة إلى الكفر فهو ليس بكافر، لأن اسم الإسلام هو الظاهر هنالك على كل حال من التوحيد والإقرار برسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- والبراءة من كل دين غير الإسلام، وإقامة الصلاة ويام رمضان، وسائر الشرائع التي هي الإسلام والإيمان، والحمد لله رب العالمين».

يقول: «بعض التنبيهات المتعلقة بكلام ابن حزم لنفاسته وأهميته ليس في قضية بيان قضية النصرة فقط بل لتطرقه إلى قضايا الهجرة وقضايا التكفير وغيرها.

يقول: «1- قول ابن حزم :: «أهل الكفر من الغالية » يقصد غلاة الشيعة كالفاطميين الذين كانوا يحكمون مصر والقيروان وسائر أفريقيا بل والحرمين والشام كذلك.

2- وفي قوله : « وليس كذلك من سكن في طاعة أهل الكفر من الغالية ... إلى آخره » لابد من التنبيه لهذا الفرق المهم بين طاعة من يصرحون بالكفر وبين طاعة من ينتسبون إلى الإسلام وهم في حقيقة أمرهم كفار، فأمر الطائفة الأخيرة ـ الذين ينتسبون إلى الإسلام وهم في حقيقة أمرهم كفاراً ـ يحتاج إلى نظر واجتهاد، وليس معلومًا قطعًا من الدين كالأولين، وموالاتهم وطاعتهم، وإن كانت محرمة إلا أنها ليست كفرًا ينقل عن الملة، مراعاة لهذا الفارق المهم ما لم يعلم كفرهم، فتنبه.

ومما يؤكد هذا من كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب : يقول: «قال الشيخ : لما ذكر الأنواع التي يكفر بها الرجل ـ قال «النوع الرابع ـ من سلم من هذا كله : ـ أي من الأنواع الثلاثة الأولى ـ ولكن أهل بلده يصرون على عداوة التوحيد واتباع أهل الشرك وهو يعتذر أن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده ويجاهد بماله ونفسه فهذا أيضًا كافر فإنه لو يأمرونه بتزوج امرأة أبيه ولا يمكنه ترك ذلك إلا بمخالفتهم فعل وموافقته لهم مع الجهاد معهم بنفسه وماله مع أنهم يريدون بذلك قطع دين الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- أكبر من ذلك بكثير فهو أيضًا كافر وهو ممن قال الله فيهم : ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُبِيناً﴾ [النساء:91] ا.هـ

قال [في الفضل]: «ومما تقدم من الأدلة وأقوال العلماء تعرف حكم من يخرج في جيوش الكافرين المعلنين كفرهم في قتال المسلمين لأجل إسلامهم، كالشيوعيين الملحدين ونحوهم وما يجب على المسلمين أن يعاملوهم به وبالله التوفيق».

إذن هذه القضية قضية في غاية الوضوح في الكتاب والسنة ومن العجب العجاب أن يوجد طائفة من الدعاة الآن يحاول جاهدًا أن يجمع ويوفق بين الإسلام وبين القانوني الدولي على هذا اعتبار أن المسلمين الآن لن يسمح لهم بالوجود في هذه الدنيا إلا متى أعلنوا موافقة ما توضع عليه أهل هذه الأرض ولو كان الأمر كذلك لم يكن الأنبياء في حاجة إلى هذا الجهاد الطويل الذي جاهدوه وهذا العناء [الذي لاقوه] فلو كان من حق المسلم أن يداهن في أمر الدين ويصرح بالباطل والكفر والعياذ بالله لكن الأمر أهون بكثير على الأنبياء وعلى النبي -صلى الله عليه وسلم- خاصة لكن للأسف هذا مما ابتلي به كثير ممن ينتسب إلى الدعوة وإلى الدين فتجده يحرف ويبدل يقول: «لن يسمح لنا بالوجود إلا متى ما تنازلنا عن هذه الأفكار» أنت حسبك أن تفعل ما تستطيع وإذا عجزت عن قول الحق فلا تقل الباطل لا تقل أنهم لن يتركونا نتكلم إلا إذا قلنا الباطل ففي هذه الحالة الأولى لا تتكلم والله -عز وجل- يهيئ الأسباب فالمقادير كلها بيده إن كان لن يسمح إلا أن تتكلم بالباطل فلا تتكلم.

وقد يقول بعضهم: «لو قلت لهم أنني موافق لبعض ما عندهم من باطل فإنهم سيتركونني أدعوا لبعض» فلا تزال المساحة تزداد اتساعًا حتى تجد أنه إنما كان شركًا لبعض الدعاة حتى طلب منهم أن يتنازلوا في قضية المرأة قولوا: «لا يلزم النقاب»!! قولوا: «المرأة كان لها دور في الإسلام»!! وكان لها دور فعلًا ولكنهم يريدون أبرازها بطريقة معينة قولوا: «لها حق الانتخاب!!».

تنافح بعض الاتجاهات الإسلامية من أجل أن تصير المرأة مرشحة لمهام عامة بينما كانت تنشر في مجلاتها والأعداء أتوا لهم بهذا الكلام فهم الذين ينصبون الشرك وهم الذي يرفضونك بعد ذلك.

قالوا: «أنتم في يوم من الأيام أصدرتم فتوى أن الذين يدعون إلى أن تشارك المرأة كناخبة هؤلاء جهال بدين الله والآن تقولون أن المرأة مرشحة وليست ناخبة!!» قالوا لهم: «هذا العدد كان سنة كم ومن الذي نشره ولم نلاحظه» وهذا الكلام لما ينشر على الناس فيحدث نوعًا من الإحباط وأنواعًا من التشكك لكن واقع الأمر أنهم غيروا اجتهادهم ليس نتيجة بحث المسألة شرعًا وإنما نتيجة استعداد تقديم تنازلات فيقال لهم :يجوز أن تكون نائبة؟ أو أن تنال الولاية العظمى؟!!

فما دام أنك تنازلت إلى أن المرأة تنال الولاية العظمى إذن من الممكن أن ينالها الكافر وهكذا متى يتوقفون لا يتوقفون أبدًا وبعد هذا كله قالوا: إذا كنت تريدون أن تشترك المرأة ناخبة ونائبة وتريدون أن يشترك الكفار ناخبين ونائبين وتقولون أن ما سيختاره الناس سنطبقه سواء قال بالإسلام أم لم يقولوا فيقولوا الأعداء لهم فماذا تريدون إذن وهذا هو الواقع أفلا جلستم في بيوتكم فهو أفضل لكم؟!! وبعد هذا يطالبون بما هو موجود فلما تتعبون أنفسكم؟

يقولون: لا نستسلم بسهولة إذا كان الناس لا يريدون الإسلام فسنستغل القنوات في دعوتهم وترهيبهم وسيختارونه إن شاء الله!!

ولكن واقع الأمر أنه سلم بكل ما هو موجود كما يقول أحدهم: إذن أنتم تريدون نظامًا غربيًا بنكهة إسلامية هذا ما صرح به بعضهم.

فهم يطلبون من الدعاة تنازلات ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120] اليهود والنصارى وراء هذا الموضوع ووراءهم أذنابهم من المفكرين وغيرهم وكل هؤلاء في النهاية مهما عملت ومهما أديت من تنازلات فما دام عندك شيء من الإسلام فلا زلت متطرفًا ويمكن أهون من غيرك ثم بعد ذلك يقولون لك: كيف تكون مسلمًا وتقول بهذا الكلام؟ إذن أنت الذي لم تفهم الإسلام ثم يوقع الدعاة في هذا الشرك: ماذا تفعلون في النصوص الموجودة في دينكم التي تخالف ما تدعونه؟ يقولون: سنتصرف، وإذا وجدت هذه التيارات وجدت معها دعاوى عدم حجية السنة لأنه اخترع كثير ولابد أن يتصرف في النصوص التي تصادم هذه الاختراعات فيحذف السنة ويؤول القرآن يرد السنة بجرة قلم واحدة عدم حجية السنة أو عدم حجية السنة التي تخالف القياس، فإذا وجد أناس استقوا مناهج مخالفة للشرع ونسبتها إلى الدين لابد أن تجد هؤلاء الذين يقولون بعدم حجية السنة وهذا أمر مجرب عبر التاريخ.

فإذن يأتي البعض ويقول: نحن نقر بمبدأ الدولة المدنية ونقر بمبدأ المواطنة ونقر بمبدأ الحكم للأغلبية أي بلد الحكم فيها للأغلبية والباقون يكونون مواطنين ملتزمون بالمصالح العليا لهذا الوطن بغض النظر عن الدين قالوا: لهم نعم فوقعوا في الشرك لأن هذا الكلام قيل في وقت الدنيا كلها تقول أنه يجب أن يعم السلام وتوقف الحروب قالوا: فرصة يعم السلام ما المانع أن المسلم يدخل في جيش دولة أروبية لأن الدولة الأوربية لا تريد أن تحارب أحدًا لا مسلمًا ولا كافرًا فحدثت حروب بين الإسلام والكفر ووصفت بأنها حروب صليبية حتى لم يتركوا لهم فرصة ومبدأ المواطنة أصل لم يمكن إنكاره قالوا: المسلم الذي يوجد في هذه الصفوف يحاول أن يرجع إلى الصفوف الخلفية وهذا أمر في غاية العجب ويصدر هذا ممن ينتسبون إلى الدين وهذا الكلام مصادم لدين الله تبارك وتعالى وهذا من الخطورة بمكان أن يكون شيء من الكفر نسوغه للناس قربانًا لأنهم يقولون نوافق على مبدأ المواطنة وهذا من أخطر الخطر والعياذ بالله .

يقول: «ولا بد لنا من التنبيه هنا على أن النصرة الواجبة للمؤمنين إنما تجب في الدين كما أمر الله بها : ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [لأنفال: 72] وأما إن كانت انتصارًا لعصبية أو قومية أو وطنية دون معرفة الحق من الباطل وإنما هي الطاعة العمياء لمن يرفع رايات الجاهلية ، فهذه التي قال فيها النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلته جاهلية».

وقال -صلى الله عليه وسلم-: «والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل ولا يدري المقتول في أي شيء قتل».

وعن أبي بكرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» فقلت: «يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟» قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه».

إذن فالقتال على العصبيات والقوميات والتراب الغالي كل هذا من الباطل والعياذ بالله أما نصرة المسلم له إن كان له حق عند آخر مسلما كان أو كافرا وتستطيع أن تعينه عليه فهذا أيضًا يجب لا سيما إذا كان هذا الظالم كافرا ولكن يجب إعانة المسلم المظلوم على المسلم الظلم ولكن أعلى النصر أن تنصره على دينه كما ذكرنا أنه من أوجب الواجبات هذا فيما يتعلق بالمعنى الثاني من معاني الموالاة وهو معنى النصرة .

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

   طباعة 
0 صوت
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
الشرح المفهم لما انفرد به البخاري عن مسلم

جديد المواد

Separator

روابط ذات صلة

Separator

القرآن الكريم- الحصري

القرآن الكريم- المنشاوي

القرآن الكريم- عبد الباسط

القرآن الكريم- البنا

اللغة العربية .. ومعالم النهضة السلفية- كتبه/ وائل سرحان