الأربعاء 20 ذو الحجة 1440هـ الموافق 21 أغسطس 2019م

القائمة الرئيسية

Separator
(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ). د/ ياسر برهامي

بحث

Separator

القائمة البريدية

Separator

أدخل عنوان بريدك الالكتروني

ثم أدخل رمز الأمان واضغط إدخال

ثم فعل الاشتراك من رسالة البريد الالكتروني

أحكام الأضحية. الشيخ/ عصام حسنين
فضل الحج. د/ ياسر برهامي
فضل يوم عرفة ويوم النحر الشيخ/ محمد أبو زيد

الولاء والبراء -7

المادة

Separator
الولاء والبراء -7
893 زائر
21-12-2015
عبد المنعم الشحات

الولاء والبراء (7)

عبد المنعم الشحات

شرعنا في المرة السابقة في الكلام على صورة من أهم صور الموالاة وهي: التشبه، وبناء على ما تقدم ذكره في هذا الباب - أن التشبه بالمؤمنين من موالاتهم التي هي من آكد الأمور المشروعة، وأن التشبه بالكفار من آكد صور الموالاة المحرمة- فإن القصد إلى التبرؤ من المؤمنين صورة من صور التبرؤ المحرم من المؤمنين وأن القصد إلى مخالفة الكافرين صورة من صور التبرؤ المشروع فيتحصل من هذا أن المشروع في هذا الباب: عدم التشبه بالكافرين لأن التشبه ولاء والولاء لا يكون إلا للمؤمنين والقصد لمخالفة المشركين لأنه براء وهذا إنما يكون للكافرين، وذكرنا أن هذا المعنى من معاني المولاة أخطر صورها إذا صرف للكفار، وقلنا أننا غالبًا ما نُعْنَى ببيان خطر الانحراف في العقيدة ربما أكثر من بيان أهمية الالتزام أهمية فقد لا تجد في كتب العقيدة غالبًا تفصيل في التشبه بالمؤمنين لأنه معنى من معاني الموالاة الذي ينبغي أن يوجد وليست المسألة: عدم التشبه بالكافرين فقط، بل في المسألة جزء إيجابي وهو موالاة المؤمنين وذلك بشعور المؤمنين أنهم جسد واحد ونحو هذا وبعض تقرير المبادئ العامة للقضية عادة ما ننشغل بنقض الانحرافات التي فيها وبيان مدى خطورة هذه الانحراف، وقد ذكرنا أن من أجمع ما كتب في هذا الباب - باب النهي عن التشبه بالكافرين- كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام ابن تيمية أي: أن الصراط المستقيم الذي هو الإسلام والحق يقتضي ويلزم بمخالفة أصحاب الجحيم، وهذا أشبه بالفتوى الحموية الصغرى والكبرى ذلك أن شيخ الإسلام ابن تيمية سئل في مسألة الاستواء فأجاب إجابة مختصرة عرفت باسم «الفتوى الحموية الصغرى» وقد أثارت هذه الفتوى لمخالفتها عوائد الناس في هذا الوقت أثارت ضجة استدعت من شيخ الإسلام أن يكتب هذه الفتوى مرة أخرى مفصلة بأن يذكرها ويذكر أسانيد هذه الأقوال إلى الصحابة والتابعين وبيان الأدلة فعرفت بـ«الفتوى الحموية الكبرى»، كذا هذا الكتاب - كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم»- كان فتوى وإجابة على سؤال سئله شيخ الإسلام ابن تيمية عن مشاركة المشركين في أعيادهم لاسيما «الخميس العظيم» الذي هو حقير كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية وهو المعروف عندنا الآن بعيد «شم النسيم» وإن كانت عندهم أعياد تبتدئ من الخميس ويسمونه بـ «الخميس العظيم» ثم «الجمعة العظيمة» ثم «السبت العظيم» ثم «الأحد العظيم» والمتتبع يجد أنها نفس الطقوس من صيام أهل الكتاب عما فيه روح ثم يفطرون بعد ذلك فيتوسعون في الأطعمة من اللبن والجبن والبيض ويحدثون أنواعًا من تلوين البيض ونحو هذا، فهذه الصور من الفرحة والاحتفال تغري النساء خاصة - كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- فيزنون هذا لأزواجهن فتعم البلوى بمشاركة المسلمين الكفار في هذا العيد المبتدع، فسئل عن الأعياد عمومًا وعن هذا العيد خصوصًا لأنه أعظم أعياد أهل الكتاب عندهم ولأنه من أكثر الأعياد الذي تكون فيه مشاركة من المسلمين لهم، وذكر شيخ الإسلام أمورًا تكاد تكون موجودة في واقعنا، وهنا قضية ربما نكون قد أرشنا إليها قبل ذلك وهو أنه من ضمن أسباب حيوية كتابات شيخ الإسلام ابن تيمية وكونه يعد كما لو كان موجودًا في أوساط الصحوة قرب زمنه بزماننا والتشابه في هذه الظروف حتى فيما يحكيه عن هذا العيد فتجد نفس الطقوس عند أهل الكتاب في زمنه كما هي عند أهل الكتاب في زماننا من تلوين البيض والخروج إلى المتنزهات ونحو ذلك وكون هذا في أول فصل الصيف الذي يسميه غيرهم الربيع فلم يكن عند العرب فصلًا يسمى الربيع وإنما كانوا يسمونه الصيف، فأجاب شيخ الإسلام إجابة مختصرة أحدثت نوعًا من الأخذ والرد فأجاب إجابة مطولة في هذا الكتاب.

فلما افتتح كلامه شرع في تقرير هذه القاعدة فأجاب في أصل المسألة ببيان حرمة هذا بأدلة من الكتاب والسنة مثل قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:72] وتفسير السلف لها فقال بعضهم: الغناء، وقال بعضهم: «أعياد المشركين» ولا تعارض بين هذه الأقوال لأن كل هذه صور من الزور الذي أعظمه أعياد المشركين، وذكر الآثار الصحيحة عن عمر -رضي الله عنه-: «إياكم ورطانة الأعاجم وأن تدخلوا عليهم في كنائسهم يوم عيدهم...» إلى غير ذلك من الآثار التي ذكرها في إجابته الأولى فكانت الإجابة الثانية بيان لأن هذا أصل كلي من أصول الشرعية فلإثبات ذلك ذكر مجموعة فروع وجزئيات تبين أن هذا أصل من أصول الشرعية فكان هذا الكتاب القيم الحافل المليء بالأدلة الفرعية التي تكون بمجموعها أصلًا كليًا وهو أنه يشرع للمسلمين أن يقصدوا إلى مخالفة المشركين ناهيك عن عدم التشبه بهم فهذا أمر أبلغ كما سبقت الإشارة إليه.

فذكر كثيرًا من الفروع التي متى جمعت علم أن هذا أصل كلي متقرر علمه المسلمون والمشركون حتى قال اليهود: «ما يريد هذا الرجل» يعنون: محمدًا -صلى الله عليه وسلم- «أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه» ولما وجد المسلمون أن صوم عاشوراء وكأنه شذ عن قاعدة المخالفة مع أنه ليس من التشبه بالمشركين لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد صامه في مكة قبل أن يأتي المدينة وقبل أن يخبروه هم بأنهم يصومونه وإنما صامه بوحي من الله تعالى فكان هذا مما بقي عنده شرعية موسى -عليه السلام-، فلما أتى المدينة وكان يشرع له في أول الأمر أن يبين جوانب الاتفاق مع أهل الكتاب تأليفًا لقلوبهم ورجاء إيمانهم فوجدهم يصومون عاشوراء فسألهم عنه فقالوا: «ذاك يوم نجا الله فيه موسى» فقال: «نحن أولى بموسى منهم» فكان ذلك إشارة لبيان أن هؤلاء يتميزون عن المسلمين، فهذه إشارة ضمنية إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون أولى بموسى -عليه السلام- عليه السلام من هؤلاء المدعون، ولم يكن شرع آنذاك ما شرع لعد ذلك من وضوح هذا الأمر وتقريره والتأكيد عليه وعلم المسلمون أن المسألة ليست مجرد ترك التشبه بالكفار بل هنا القصد إلى مخالفتهم، فكان من حكمة الله -عز وجل- أن يأتي هذا التشريع بناء على طلب الصحابة لكي يعلم المسلمون بعدهم مقدار وضوح هذا الأمر وليكون سنة بعد ذلك عند علماء المسلمين أن الفروع الكثيرة المعللة بعلة واحدة تجعل هذه العلة أصل كلي من كليات الشريعة ومن هنا نشأ علم القواعد الفقهية الذي أشرنا إليه مرارًا لأن بدايته كانت في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث استنبط النبي -صلى الله عليه وسلم- قاعدة كلية من مجموعة فروع، ثم سألوا لما لم يندرج هذا الفرع تحت هذه القاعدة؟ فأجابهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن هذا الفرع تنطبق عليه هذه القاعدة، فاستنبطوا من مجموعة الفروع الواردة أنه لا تنبغي [التشبه بهم] حتى في الأمور التي لم يبدلوها ولم يحرفوها كالصلاة إلى بيت المقدس حيث نسخت بالصلاة إلى المسجد الحرام، كخلع النعل في الصلاة حيث كانوا يتعبدون لله بهذا وكانت هذه شرعية لموسى -عليه السلام- فشرع لنا أن لا نتعبد لا بلبسه ولا بخلعه وإنما نتعبد بالنظافة والطهارة فإن كانت النعل طاهرة فلا بأس، وهكذا، فهذه الجزئيات لم تكن من تجميع ابن تيمية بل تقرر منذ عصر الصحابة -رضي الله عنهم- من مجموع هذه الفروع هذه القاعدة الكلية ثم سألوا ما بال هذا الفرع - أي: مسألة صيام يوم عاشوراء- لا يندرج تحت هذه القاعدة؟ فتأخر الحكم في هذا ليكون نوع من أنواع تعليم المسلمين وليفطنوا إلى هذه المسألة ويستنبطوها ويطبقوها على هذا الفرع لأن الزمن زمن تشريع فسألوا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع» أي: والعاشر، فجرى على القاعدة وهي القصد إلى المخالفة حتى فيما عندهم من الحق، فهذا كان في شأن اليهود الذين كانوا في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد قدمنا أكثر من مرة أنهم كانوا من أعلم اليهود بدينهم وكتبهم، لأن اليهود تفرقوا من بيت المقدس في سنة 70م ومن كان عنده علم بالكتاب منهم ذهبوا إلى يثرب لينتظروا بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- التي كانت بعد ذلك مدينة النبي -صلى الله عليه وسلم-، أما معظم من ذهب إلى أوربا وغيرها كان على جهل عظيم ولذا جاء في حديث: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر بيت خرب لدخلتموه» قالوا: «أهم اليهود والنصارى يا رسول الله» قال: «فمن؟» وفي رواية: «قالوا: «أهم فارس والروم» قال: «فمن؟» ويقول شيخ الإسلام أنهم في هاتين الروايتين سألوا في الأولى عن أهل الكتاب وفي الثانية عن العجم وهم فارس والروم مع أن الروم كانوا أهل كتاب لكن كان علمهم بالكتاب قليل فليس هؤلاء هم أهل الكتاب عند الإطلاق وإنما كان أهل الكتاب الذين كان عندهم علم بالكتاب وكان معظمهم في جزيرة العرب وهم الذين جادلهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وناظرهم وأما الروم فكما قدمنا أيضًا قبل ذلك- أن انتحالهم النصرانية كان انتحالًا سياسيًا أكثر منه دينيًا حيث احتاج قسطنطين إلى دين يوحد به الإمبراطورية الرومانية فوجد النصارى مختلفين في مسألة عيسى -عليه السلام- ووجد قول الذين يألهون عيسى -عليه السلام- أو يدعون أنه ابن الله قول يمكن أن يقبل لدى أوربا الوثنية لأنه قول قريب جدًا من الوثنية فانتحل هذا الدين وفرض بالقوة وبالفعل صار هذا الدين هو الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية لكن لم يكن عندهم علمهم بالكتاب لا بكتاب اليهود ولا بكتاب النصارى، ولذلك كان معظم الذين لديهم علم بالكتاب في جزيرة العرب ولذلك إذا قيل: أهل الكتاب عند الإطلاق في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنه يعنى به يهود المدينة ابتداء لأنهم كانوا أعلم أهل الكتاب بالكتاب مع تحريفهم وتبدليهم، ولذلك تجد عندهم أمورًا كثيرًا لم يصبها التحريف مثل صومهم ليوم عاشوراء والظاهر أنهم كانوا يصومونه كصيام المسلمين وكان مكتوبًا عندهم حكم الرجم فبدلوه بدون تحريف للكتاب فاخترعوا حكمًا آخر خلاف المكتوب في التوراة.

الحاصل: أن التوراة التي كانت موجودة في التوراة في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمثل بكثير من نسخ التوراة التي جاءت بعد ذلك من أوربا بعدما قطع دابر يهو المدينة تمامًا وتشرذموا وانتهى أمرهم وصار أهل الكتاب يهود أو نصارى في أوربا، النصارى أولًا ثم بدأ اليهود بعد ذلك يجمعون أنفسهم ويظهرون ما عندهم من كتب ونحو هذا.

وشيخ الإسلام على عادته حينما يقرر أصلًا من هذه الأصول يكثر من ذكر الفروع الدالة عليه من الكتاب والسنة ويسهب في شرح كل دليل بما يقتضيه ثم يستخلص القواعد الكلية التي تضبط الباب ولشيخ الإسلام أسلوبه المتميز جدًا في الشرح والتحليل والتنظير إلا أنه يعتريه نوع من الصعوبة بالنسبة للمعاصرين الذين اعتادوا على الأساليب الجامعية عن طريق وضع فهارس محددة جدًا للبحث ويسير عليه فلو كان في بحث مثلًا فتجده يبدأ بالقواعد الكلية ثم يطبق عليها، وليس هذا هو الأنسب بالنسبة لعالم متبحر كشيخ الإسلام ابن تيمية وكثير من الأمور كان هو المنظر لها بمعنى أن أمرًا كمخالفة المشركين فهذا أصل كلي متقرر في الشريعة فطن له الصحابة حتى إنهم لما وجدوا أحد الفروع شذ عن هذا الأصل الكلي سألوا عنه وهذا يدل على أنه أصل متقرر، ولكن هذا لا يعني أن كل من تكلم في المسألة وفاها حقها، إذ قد يترك العلماء توفية بعض المسائل حقها حتى حينها سواء في التفسير أو شرح الحديث لعدم الحاجة لجمعها جنبًا إلى جنب فليست هناك شبهة في المسألة، فلم تكن قضايا الولاء والبراء مجموعة، وكذلك قضايا المرأة ولكنهم كانوا إذا مروا بآيات في الحجاب يفسرونها وإذا جاء حكم في الميراث يقولونه أما الآن فتجود عشرات الكتب ولكنها لا تكفي حيث يتطلب ذلك جمع الموضوع وما يتعلق به ومحاولة ذكر الروح العامة التي عاملت بها الشريعة المرأة.

فكان لشيخ الإسلام جهد وافر جدًا في مسألة تنظير كثير من المسائل المشتتة في الكتب من سبقه من أهل العلم فجمع أطرافها وهذبها، وشيخ الإسلام يمثل حلقة من حلقات الدعوة الإسلامية التي لو حذفت من التاريخ لتكبد [طلاب العلم] عناء كبيرًا في جمع القضايا من مئات المراجع.

وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يتكلم بهذا الكلام من ذاكرته، فهو رجل من الله عليه بطلب العلم في وقت مبكر ووهبه ذاكرة قوية جدًا وعقل راجح وحسن تنظير وترتيب، ففي مسألة مثل هذه لما عن له أن يكتب كما يقول عن نفسه في هذه المقدمة أنه لو كان هناك سعة في الوقت لجمعت أضعاف أضعاف أضعاف ما كتبته فكان يسجل ما يمر على خاطره في هذه القضية، فقد درس أكثر من مائة تفسير مع شروح كتب السنة، فضلًا عن كتب السنة نفسها حتى بالغ الذهبي فقال: «كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث» وقرأ في كتب الفقهاء وكتب الفروع، فإذا تكلم في مسألة كهذه يكفينا جدًا أن يكتب ما يستحضره من الأدلة والنقول.

وهذا الاطلاع الواسع مع هذه العقلية الناضجة جدًا حينما تتعرض لمسألة اضطربت في أذهان الناس حتى قال: «ولم أكن أظن أن من خاض في الفقه ورأى إيماآت الشرع ومقاصده وعلل الفقهاء ومسائلهم يشك في ذلك بل لم أكن أظن أن من وقر الإيمان في قلبه وخلص إليه حقيقة الإسلام وأنه دين الله الذي لا يقبل من أحد سواه إذا نبه على هذه النكتة إلا كانت حياة قلبه وصحة إيمانه توجب استيقاظه بأسرع تنبيه ولكن نعوذ بالله من رين القلوب وهوى النفوس اللذين يصدان عن معرفة الحق واتباعه» فجمع هذه الفروع ووضعها بهذه الطريقة، وهذا الكتاب ممتع جدًا في قراءته تخرج منه فوائد في معظم أبواب العلم وليست في المسألة التي تقرأها فقط وكما ذكرنا نحن نريد أن نجد ذلك في قلوبنا ثم ننقل هذا الشعور للآخرين وهو مقدار المعرفة اللازمة بقدر علمائنا، إذ قد يقول بعض الناس أن المنهج السلفي ظلم العقل فالله خلق لنا العقل وأنتم حبستموه بقولكم اتباع النص، وهذا في الواقع ظلم لهذا المنهج فالمنهج السلفي وجد في أعلام تزن عقولهم الجبال رجاحة فوظفوا هذا العقل في فهم النص وهذا هو مقتضى العبودية وقد ذكرنا كثيرًا عن جهود الشافعي في تقرير وتقعيد علم أصول الفقه وعلم مصطلح الحديث وهذا الرجل هو أحد قمم السلفية المتمسكة بالنص، حتى قال زنديق مثل نصر أبو زيد الذي قال أن الشرع حبس العقل، وهذا كلام لا رتوج فيه مثل قول البعض حينما يضعون رتوج فيقولون: السفلية ظلمت العقل، فهذا رج يفحص عما في داخله فقال: الشرع حبس العقل، حيث قالوا اتبعوا الدليل، حتى وقعت مسائل لا دليل فيها فقالوا هذه مساحة سيعمل العقل فيها حتى جاء الشافعي فقال: لا تعمل العقل مطلقًا بلا قيد بل تعمل العقل في إلحاق المسألة المسكوت عنها بأقرب نظير لها من المنطوق به وهذا هو القياس، وليس الشافعي مخترع للقياس وإنما أظهره بهذا القالب لوجود الجهال والزنادقة فأظهر المسألة وسماه بهذا الاسم ونقول كما قلنا عن ابن تيمية أن الشافعي ذكر فروعًا كثيرة استخدم الشرع فيها القياس مع عدم حاجته إليه لأنه ينص على الشيء وإنما أتت بعض النصوص على طريق القياس تعليمًا لنا من ذلك سؤال عمر -رضي الله عنه- عن القبلة فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أرأيت لو مضمضت؟!»(1) مع كان يمكن أن ينص على ذلك بأن يقول القبلة لا تفطر الصائم ولكنه بين له الحكم من طريق القياس لعلم الأمة القياس، فهذا الشافعي - مع كونه أشهر من أعلى سلطة النص- توقف العقول أمام مجهوده العقلي وتنبهر بما أعطاه الله من العقل الراجح والفكر الثقيل، وكذلك حينما ننظر إلى التراث العقلي لشيخ الإسلام ابن تيمية ربما لو أتي بأذكياء العالم لكي يقوم بهذا التنظير لم يستطيعوا أن يقوم بمثله ولذلك كما ذكرنا لاطلاعه الواسع جدًا واستحضاره القوي لكل هذا الاطلاع ثم يجمع الأمور المتناظرة لكل تعبر عن كليات وقواعد وتقريرات فربما تجده في المسألة الواحدة يرجع فيها - معتمدًا على الذاكرة- إلى تفسير القرآن كله في كل ما يتعلق بالآيات المتشابهة، وكل كتب السنة وشروحها، مع كلام في اللغويات والألفاظ وكيف كان استخدام العرب لها إلى غير ذلك من الأمور ليخرج لك بهذه القاعدة.

وإن كانت عادتنا في الكتب التي تندرسها أنها تمدك بالمطلوب وتعطيك ملخصًا [للمسألة موضع البحث] إلا أنه يفضل - في مثل هذه القضية خاصة- أن تستقطع وقتًا لقراءة مثل هذا الكتاب فإنك ستستمتع به مع تعلمك لكثير من الفوائد من خلال الاستطرادات التي يستطرد لها وتعرف لأهل العلم قدرهم، مع أهمية مثل هذه القضية في زماننا الذي تطعن فيه الأمة طعنات كثيرة جدًا موجهة في المقام الأول إلى محاولة قطع الصلة بين الأمة وبين علمائها وللأسف يروج مثل هذا الكلام بطبيعة الحال وقد يروج على بعض المنسبين للصحوة جهلًا بقدر هؤلاء العلماء وبمقدار ما بذلوه من جهد في تذليل الصعاب وتجميع الفروع المتناثرة واستنباط القواعد التي كانت موجودة عند من سابقهم ولكن لم يعبروا عنها بالدرجة الواضحة أو لم يميلوا إلى كثرة التنظير والتقعيد كما أحتاج إلى ذلك من جاء بعدهم.

وهنا في كتاب «فضل الغني الحميد» نقل المواطن التي فيها تنظير للقضية وضبط لقواعدها حيث نقلها من كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم» وقد قلنا أن هذا الكتاب حوى جزئيات تدل مع كثرتها على أن هذا أصل كلي، صاغ على طريق قواعد فالقواعد هنا [في هذا الكتاب] والجزئيات موجودة في كتاب «حجاب المرأة المسلمة» وقد علق الشيخ الألباني بذكر هذه الفروع عند قوله شيخ الإسلام: «لا يشبه ثياب الكافرات» ومعظمها مذكور في «اقتضاء الصراط المستقيم» وهي تبلغ نيفًا وثلاثين حديثًا في النهي عن التشبه بأهل الكتاب أو بالمشركين أو في القصد إلى مخالفتهم، فنستكمل هنا مواطن النقول التي فيها بيان لضوابط هذه القضية يقول: [أي: الشيخ ياسر حفظه الله تعالى في كتابه «فضل الغني الحميد»] «وقال : - تعليقًا على قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من تشبه بقوم فهو منهم»-: «هذا الحديث أقل أحواله: أنه يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره: يقتضي كفر المتشبه بهم، كما في قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:51] ثم قال :: «فقد يحمل هذا على التشبه المطلق، فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك»

وهذه قضية مهمة وقع فيها إفراط وتفريط ومن يغلو في هذه القضية يعتبر أي صورة من صور موالاة الكافرين كفرًا وهذا الكلام من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من تشبه بقوم فهو منهم» كإحدى جزئيات الموالاة قال أنه يحمل على التشبه المطلق فإنه يوجب الكفر ويقتضي تحريم أبعاض ذلك.

ثم قال :: «وقد يحمل على أنه صار منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه؛ فإن كان كفرًا، أو معصية أو شعارًا للكفر وللمعصية: كان حكمه كذلك، وبكل حال فهو يقتضي تحريم التشبه بهم بعلة كونه تشبهًا».

وهذه مسألة بذل شيخ الإسلام جهدًا كبيرًا في تقريرها لأن بعض المخالفين يقول في بعض الجزئيات الوارد فيها الأمر بمخالفة المشركين أو منع التشبه بهم فيقول: هذه لها علة أخرى، وكما يقول شيخ الإسلام أن كون الشرع يذكر التشبه فهذا يدل على أنه علة مستقلة أو علة مع غيره أو علة مستقلة لكن لا يصح أن يقوله الشرع ولا يكون له اعتبار بالمرة بل لا بد أن يكون مؤثرًا وهذا يدل على وجود الأصل الكلي في المسألة واتضحت هذه العلة في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «غيروا الشيب،لا تشبهوا باليهود» فهذا واضح لأن العلة منصوص عليها، أما كون اختلاف العلماء بعد ذلك هل تغير الشيب واجب أم مستحب أم له أحوال؟ وما دمنا نتكلم هنا على تقرير أصل كلي فهذا واضح في أنها إحدى الجزئيات لكن يمكن أن لا تكون هذه هي العلة الوحيد بل يمكن أن يكون معها علة أخرى ويمكن أن تعارض بعلة آكد منها فتلغي عملها ولكن يبقى أن هذه جزئية من الجزئيات مثل مسألة قيام المأموم خلف إمامه الجالس إذا أصابه عذر جلس من أجله في الصلاة فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم جلوس» وأمرهم إذا صلى الإمام قاعدًا أن يصلوا قعودًا أجمعين، فهذا الحديث معارض بأنه -صلى الله عليه وسلم- صلى قاعدًا في آخر حياته وهم قائمون خلفه فاختلف الفقهاء في المسألة: هل يفرقون بين حالة ابتداء الإمام الصلاة جالسًا فيجب عليهم الجلوس خلفه، وبين حالة ما إذا نابه في الصلاة شيء فجلس فلا يجلس من خلفه؟ لأنه في آخر حياته -صلى الله عليه وسلم- كان أبو بكر يصلي [بالناس] قيامًا فلما جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- صار إمامًا قاعدًا وصاروا هم قيام خلفه فقالوا: «نفرق بين الحالين» والبعض قالوا أن الأمر منسوخ لأن آخر الأمرين الصلاة قيامًا خلف الإمام الجالس.

قال: ولكن هذا لا ينفي أن العلة موجودة وقائمة وغاية ما هنالك أن يقال أنها عورضت بعلة آكد منها وهي الحفاظ على ركن من أركان الصلاة وهو القيام فكان في أول الأمر يحتاج إلى التأكيد الشديد على مسألة عدم التشبه بالكفار فلما تعارضت مصلحة الإتيان بركن في الصلاة مع مصلحة المخالفة رجحت المخالفة ثم لما استقرت مسألة المخالفة في آخر الأمر وعلمها المسلمون جيدًا ترجحت مسألة الحفاظ على القيام لكن تبقى مسألة العلة، ما دام قد علل بها فهي علة معتبرة في الشرع، وإذا عمد المخالف إلى هذا النص فقال فيه كذا وإلى نص آخر فقال فيه كذا وقد قلنا أن هذا نيفًا وثلاثيًا حديثًا والقاعدة الكلية المستقاة من مجموعة فروع جزئية كثيرة تقوم مقام القطع فإذا أول هذا الحديث بتأويل وذاك بتأويل آخر فإن فروع المسألة لن تحتمل إذ المسألة فيها ثلاثون دليلًا مختلفًا في أبواب مختلفة كلها معللة بعلة واحدة فالمسألة فوق أن يشك فيها أو أن تأول، فما حدث في بعض الجزئيات من معارضتها بعلة أخرى لا ينفي أنها إحدى مقاصد الشرع وهذا لا يمنع أن يقدم الشرع بعض الأمور على بعض عند التعارض ولذلك فإن ما أورده من الجزئيات إنما أورده ليؤكد على جزئية أن هناك أمور كثيرة نهي عنها وكانت علة النهي المنصوص عليها التشبه.

قال: «والتشبه يعم من فعل الشيء لأجل أنهم فعلوه وهو نادر»

فيقول: أن هذا أمر نادر أن يفعل شيئًا لا غرض له فيه إلا أن الكفار قد فعلوه ولكن لم يعد هذا نادرًا في زماننا.

يقول: «ومن تبع غيره في فعل لغرض له في ذلك إذا كان أصل الفعل مأخوذا عن ذلك الغير»

أي أن رجلًا فعل شيئًا فتبعه في ذلك آخر ليس لظهور مصلحة في هذا الفعل تقتضي من أن يفعله فهذا أيضًا يسمى تشبهًا.

يقول: «فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضا ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه ففي كون هذا تشبها نظر».

وكما ذكرنا أن شيخ الإسلام يذكر فروعًا كثيرة للمسألة ثم يشرع في التقعيد بعد ذلك فصار عندنا قسمان للتشبه:

1- من فعل الشيء لأجل أن الآخر فعله (مع جملة اعتراضية: وهو نادر) وهو للأسف لم يعد نادرًا.

2- من تبع غيره في فعل شيء لغرض في نفسه.

يقول: «فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضا ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه ففي كون هذا تشبها نظر لكن قد ينهى عن هذا لئلا يكون ذريعة إلى التشبه ولما فيه من المخالفة كما أمر بصبغ اللحى وإعفائها وإحفاء الشوارب مع أن قوله صلى الله عليه و سلم غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود دليل على أن التشبه بهم يحصل بغير قصد منا ولا فعل بل بمجرد ترك تغيير ما خلق فينا وهذا أبلغ من الموافقة الفعلية الاتفاقية».

وهذا يبين لك لما تمسك شيخ الإسلام بحديث: «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود» وجعله بداية كلامه في المسألة مع وجود نصوص أبلغ في النهي عنه وذلك لأن هذا أدنى أمر في التشبه وهو أن الله قد خلق لإنسان شعر أبيض وخلق للكافر شعر أبيض فليس في هذا فعل شيء [تشبهًا بأحد] فقال: لا، بل إذا تركته أبيض مع تعمد الآخر أن يتركه أبيض فقد تشبهت به فيشرع لك أن تغير هذا حتى لا تشابهه، فمن باب أولى أن يفعل شيئًا فتفعله [لأجل فعله] لأن يقول هنا أن ترك تغيير ما خلق فينا قد يعد تشبهًا ولذا فإن هذه الحالة قد لا تكون إلا مستحبة ومعظم العلماء على أن تغير الشيب مستحب لتعارض الأدلة قد يجمع بينها بأن التغيير الواجب لمن كان شعره أبيض تامًا، أما لمن كان في شعره سواد وبياض فيمكن أن يغير ويمكن أن لا يغير.

الأمر الثاني أن هذه خلقة للعبد فقد لا يسمى ذلك تشبهًا وإنما يكون من باب سد الذريعة فغالبًا لا يكون إلا مستحبًا، وليس غرض شيخ الإسلام أن يفصل مسألة مسألة وماذا قال فيها العلماء؟ ومن قال واجب ومن قال مستحب؟ أو من قال حرام ومن قال مكروه لكن يذكر الأمور بصفة عامة، ويمكن أن تجد في بعض المسائل مثل تغير الشيب والتي أقصى ما فيها أن يترك الإنسان تغيير ما خلق الله فيه وهذا أمر سلبي لا إيجابي فهذا قد لا يرى كثير من العلماء وجوبه بل يرون استحبابه فقط.

يقول: «قلت: [الشيخ ياسر حفظه الله]قول شيخ الإسلام: «فإن كان كفرًا أو شعارًا للكفر« شعار الكفر: علامته، ومن هذا لبس الزنار والصليب، قال النووي في «روضة الطالبين»: «ولو شد الزنار على وسطه كفر، واختلفوا فيمن وضع قلنسوة اليهود على رأسه والصحيح أنه يكفر» ا.هـ.

فيتخلص من هذه الصور الآتي:

1- من فعل الشيء لأجل أن الآخر فعله وهذا تشبه واضح صريح.

2- من فعل بعض الشيء ثم أخذه الآخر عنه لغرض في نفسه فهذا تشبه أيضًا.

3- أن يفعل شيئًا لم يأخذه أحدهما عن صاحبه فهذا في عده تشبه نظر ولكن قد ينهى عنه سدًا للذريعة.

أما المشروع فهو أن يخالفوا قدر الإمكان إما إذا كانت بعض الأمور التي حافظوا عليها وهي من الفطرة أو الحق فتشرع المخالفة في الصفة، كما ذكر شيخ الإسلام تقسيم أوفى من حيثية أخرى فهنا ذكر حالات التشبه بالنسبة لقصد موافقة الشخص من عدمه كأن يعمل يفعل فعلًا فيفعله آخر لمجرد أنه عمله وهذا كثير في زماننا كالأكل بالشوكة والسكين فإن كثيرًا من الناس يفعله لأنه من قواعد اللياقة والذوق عند الغرب مع أن كثيرًا من الأطعمة لا يناسبها هذا النوع من الأدوات فتراه متضررًا جدًا عند أكله بها لكنه لا بد أن يأكل كذلك، وأقبح من ذلك أنه لا بد أن يستخدم الشوكة بالشمال فيتناول بها الطعام مع أنه لا مصلحة له في ذلك البتة مع أنه لو أكل خاليًا لأكل بيده أو بملعقة ولكنه يفعل ذلك أمام الناس ليقال عنه متحضر أو نحو ذلك، وقد تعد هذه مسألة خطيرة ولكن ما وراءها هو الأخطر وهو أن يعتبر عادات الغير هي العادات الفضلى مع أنها ليست كذلك ويلتزم بها مع ما فيها من مشقة ونحو ذلك، وكذلك حينما نقول أنه يجب على المرأة أن تستر زينة فيقال: كيف تصنع في الحر؟! هل تخرج كذلك أيضًا؟! وعندنا في الشرع أنه إذا تعارضت مصلحتان قدمت أولاهما، فهل تخرج المرأة مبتذلة تفتن الخلق وتتعرض للإيذاء؟ أم تحتمل الحر مع أن الأصل فيها أن لا تخرج؟! فإذا كانت تخرج للعمل فقد خالفت السنة مع أنه جائز بضوابط ولكن لا يكون ذلك سببًا في تبرير أنواع من المخالفات الأخرى، فتحتمل وتصبر وتحتسب لو خرجت في زمن حار مع أن في ذلك نوع من التدليس إذ الثياب تكون واقية من الحر أيضًا وغاية ما هناك أن يختار نوع من النسيج يكون في الحر أفضل من غيره، لماذا يلبس الرجال الزي كاملًا - البدلة – في الاجتماع الرسمي؟ لأن هذه عادة الغرب ولا بد أن يضع ربقة العنق ولا بد أن يجعلها مطبقة على عنقه في شدة الحر فلو أوسعه عن عنقه قليلًا فقد يطرد خارج الأماكن الرسمية لأنه لا بد من جعله مطبقًا على العنق ولذلك فإن الظاهر فيها أنها محرمة وإن كان بعض أهل العلم لا يرى أنها محرمة من باب أنها من اللباس المشترك بين المسلمين والكفار ولكن المتتبع يجد أن الناس متضررون منها وأنها ليست من الزينة الحسنة التي يفعلها الناس استحسانًا إلا في بعض الأحيان بل قد لا يستحسنها في مواطن البتة ولكن لا بد من لبسها بهذه الهيئة.

وكذلك تجد المرأة في شدة البرد ترتدي بعض الأزياء العارية لأن الموضة تقتضي ذلك، إذن توجد عندنا أشياء لا تفعل إلا لأن الغير فعله وهذا أقبح لأنه صريح في فعل التشبه، أما إذا كان البعض فعل شيئًا وأخذه الآخر عنه فهو نوع من التشبه أخف من النوع الأول فينظر إن كان في هذا الشيء مصلحة لا يقوم غيرها مقامها فتشرع المخالفة في الصفة فلو صنعوا بنطالات جيدة النسيج عملية كما يقول فلتقصر الثوب وهذا مع وجوبه أصلًا يتأكد عندما تلبس البنطال لتخالف الكافر الذي يلبس البنطال أيضًا، ويفضل أنك لا تلبس ما يتميزون به جدًا مثل البنطال الجنز مثلًا وإن لم يحرمه عامة المعاصرين اللهم إلا من يحرم البنطال أصلًا وهذا خلاف قول الجمهور، لكن من أجاز البنطال لم يحرم أي نوع منه ولكن نقول: إن العدو يعتبر هذا الجنز درجة تبعية عالية، وقال البعض يقول: أنه عملي أكثر من غيره فعلى الأقل أن تقع المخالفة في لبسه قدر الإمكان وأقل ذلك تقصيره كما ذكرنا وكذلك في الأمور التي وقعت فيها موافقة اتفاقًا تتم المخالفة فيها في الصفة.

وهنا التقسيم بالنسبة إلى قصد مشابهة الموافق للآخر:

1- أن يقصد المشابه.

2- أن يقصد الفعل المأخوذ عن غيره.

3- أن لا يقصد شيئًا من ذلك.

فهذه ثلاث حالات ففي يحرم هذا الفعل وفي الثانية قد يحرم إن لم توجد المصلحة، فإن كانت مصلحة شرعت المخالفة في الصفة.

وهنا رجع شيخ الإسلام يقسم لنا تقسيمًا بالنسبة لأهل الكتاب خاصة أما الكلام السابق في مشابهة الكفار عامة، أما أهل الكتاب فلهم دين منسوخ ومبدل، فدينهم بين صحيح منسوخ أو مبدل محرف أو مشروع لنا.

والشرع يعنى بالكلام على الأمور التي هي: إما عبادة، أو عادة، وإما أن تجمع بين العبادة والعادة، ولذلك قدمنا في أول الكتاب الكلام على معنى العبودية وأنها الطاعة وأنها تشمل العبادة والمعاملة بمعنى أن هناك أمور يفعلها الإنسان لأغراض في نفسه ولكن للشرع فيها أحكام فيكون فيها عبودية ولكن ليست كالعبادات المحضة التي يفعلها الإنسان بغرض التعبد ولكن العادات بهذا المعنى جزء من التشريع.

فهنا يقول شيخ الإسلام أن الأمور التي كان عليها أهل الكتاب السابق إما أن تكون مبدلة أو منسوخة أو ما زالت مشروعة لنا والأمور التي خوطبنا بها وهم خوطب بها قبل ذلك إما أن تكون عبادة أو عادة أو يجمع بين العادة والعبادة فقال حاصل هذين الأمرين تسعة أقسام إذا تكلمنا عنهما معًا.

ولعلنا قد أشرنا قبل ذلك في الكلام على التقسيمات أننا إذا تكلمنا في مسألة باعتبار معين فأنهيته ثم باعتبار آخر فنتجت لنا أقسام غير سابقتها ثم باعتبار ثالث وهكذا وقد تمزج أحيانًا بين اعتبارين فتقول كل قسم من الاعتبار الأول سيفرع إلى كل أقسام الاعتبار الثاني فيكون مجموع الأقسام الكلية حاصل ضرب عد التقسيم الأول في عدد التقسيم الثاني فمثلًا نقول: نحن نقسم طلاب المرحلة الإعدادية حسب النوع إلى ذكور وإناث فإذا قسمتهم حسب الصفوف إلى أولى، وثانية وثالثة فهذا تقسيم باعتبار آخر وقد يكون التقسيم أحيانًا باعتبار واحد ويكون هناك إجمال وتفصيل فيمكن أن تسمى أول وثانية وثالثة نقل وشهادة فالعلاقة بينهما أن أحدهما مجمل والآخر مفصل، فيكون التقسيم باعتبار النوع: ذكور وإناث، وباعتبار الصف الدراسي إما أن نقول نقل وشهادة وبهذا نكون قد أجملنا أو نقول أولى وثانية وثالثة ونكون قد فصلنا أو نقول نقل وشهادة والنقل ينقسم إلى أولى وثانية وبذلك نكون قد جمعنا بين الإجمال والتفصيل ولكن هذا كله باعتبار الصف الدراسي، ويمكن أن نمزج بينهما إذا كان مطلوب دقة أكثر من ذلك فيقال: ذكور وإناث وتحت الذكور أقول: أولى ، وثانية ، وثالثة، وتحت الإناث أقول: أولى وثانية وثالثة فيكون عدد الأقسام النهائي مساويًا لعدد التقسيم الأول ضرب عدد التقسيم الثاني وهكذا.

فها هنا تقسيم انتهى منه ولم يمزجه معه فإذا مزجته سيكون كالتالي 3×3×3=27 فلو فعل أحد ذلك الأمر في كتاب المرأة المسلمة ووضع الأحاديث تحت هذه الأقسام السبعة والعشرين فإنه سيكون تمرين جيد.

وقد وجد شيخ الإسلام أن هذا أمر صعب فجعل القصد تقسيمًا على حده على ثلاثة أقسام، وهنا قسم باعتبار المشروعية في ديننا وفي دينهم وباعتبار العادة والعبادة ثم مزج بينهم فكان مجموعهم 3×3=9

يقول: « ثم اعلم أن أعمالهم ثلاثة أقسام

قسم مشروع في ديننا مع كونه كان مشروعا لهم أولا نعلم أنه كان مشروعا لهم لكنهم يفعلونه الآن»

وكونه مشروع في ديننا وهم يفعلونه الآن فغالب الظن أنه كان مشروعًا لهم، فهناك نوع نحن متيقنين من أنه كان مشروعًا لهم وهناك نوع نفعله نحن وهم كذلك، فلو أتينا بدليل على أنه تشرع المخالفة في هذا النوع لكان ذلك دليلًا بالأدنى على الأعلى لأن هذه أخف صور المشابهة وهي مشابهتهم في حق فيكون غيره من باب أولى.

يقول: «وقسم كان مشروعا ثم نسخه شرع القرآن

وقسم لم يكن مشروعا بحال وإنما هم أحدثوه

وهذه الأقسام الثلاثة إما أن تكون في العبادات المحضة وإما أن تكون في العادات المحضة وهي الآداب وإما أن تجمع العبادات والعادات فهذه تسعة أقسام.

فأما القسم الأول وهو ما كان مشروعا في الشريعتين أو ما كان مشروعا لنا وهم يفعلونه فهذا كصوم عاشوراء».

فصوم عاشوراء حديث مهم جدًا لأنه حدث يتكرر كل عام مع حرص الناس على صيامه فهو فرصة للداعي، إذ على الداعي أن يكون في ذهنه استحضار الأحكام الشرعية كشيخ الإسلام حين سئل مسألة انظر كيف خرجت إجابته دالة على أن الرجل مستحضر للشرع في ذهنه فلا بد لك أن تكون قضاياك في ذهنك وتختار أفضل الأوقات لتوصيلها، فهذه عبادة يفعلها الناس فلا مانع من أن تذكر بها الناس مرة أخرى لقلة اعتناء الناس بالأشهر العربية، فتذكر، وحينما تذكر عليك بتأصيل المسألة وذكر التوابع العقيدة لها لأن صوم عاشوراء فيه ولاء وبراء من مخالفتنا لليهود [في صفة صومه] ناهيك عن مولاة موسى وقومه والبراء من فرعون وقومه بالذات عند المصريين فهذه فرصة لهدم تعظيم الفراعنة لأن الناس يغفلون عن [الدروس المستفادة من هذا اليوم] بالرغم من أنهم يصومون يومًا نجا الله فيه موسى الإسرائيلي -عليه السلام- من فرعون المصري ثم يتكلم بعد ذلك أن يكرهه الإسرائيليين قومية وأنه يحب الفراعنة قومية فلماذا صام إذن؟! خاصة وأن هذا الوقت لا يلتفت الإعلام إلى أن هذه مناسبة تتيح لك بيان قضية بهذه الخطورة، فإذا سمع السامع الحق دون أن يجد تشويشًا فأرجي أن يقبل

[من [59:18] إلى [1:09] فارغ لا صوت فيه]

[قال شيخ الإسلام: «أو كأصل الصلاة والصيام فهنا تقع المخالفة في صفة ذلك العمل كما سن لنا صوم تاسوعاء وعاشوراء كما أمرنا بتعجيل الفطر والمغرب مخالفة لأهل الكتاب وبتأخير السحور مخالفة لأهل الكتاب وكما أمرنا بالصلاة في النعلين مخالفة لليهود وهذا كثير في العبادات وكذلك في العادات قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اللحد لنا والشق لغيرنا».

وسن توجيه قبور المسلمين إلى الكعبة تمييزا لها عن مقابر الكافرين، فإن أصل الدفن من الأمور المشروعة في الأمور العادية، ثم قد اختلفت الشرائع في صفته وهو أيضا فيه عبادات.

ولباس النعل في الصلاة فيه عبادات وعادة ونزع النعل في الصلاة شريعة كانت لموسى -عليه السلام-](2) وكذلك اعتزال الحائض ونحو ذلك من الشرائع التي جامعناهم في أصلها وخالفناهم في وصفها». ولما ذكر الصحابة للنبي -صلى الله عليه وسلم- اعتزال ليهود للحائض قال: «خالفوهم فاصنعوا كل شيء إلا النكاح» فقال رجل: «إنهم لا يجامعونها أنخالفهم ونجامعها؟ فغضب النبي -صلى الله عليه وسلم-. لأنهم إذا فعلوا أمرًا صحيحًا لا تخالفهم فتفعل الباطل فالشرع نهى موطن الأذى فإذا امتنعوا عنه أيضًا لا نفعله نحن [لأجل عدم فعلهم] وفي هذا رد على كثير ممن يقول: هم فعلوا أفلا نخالفهم؟! فنقول: لا، فقد تكون المسألة في حد ذاتها مشروعًا أمرًا أو نهيًا مثل عدم جماع الحائض فسواء امتثل المشركون هذا النهي أم لم يمتثلوه فهذا أذى منهي عنه، أما إذا كان امتناعهم من أمور لا بأس بها فالمخالفة هنا أننا لا نمتنع مما لا بأس به ولأن في ذلك نوع من الصد والقسوة التي لا مبرر لها مع احتمال وجود مبرر لها عندهم لكن الأمة إذا أحسنت تربية نفسها فلا مبرر لنبذ الحائض بل توجد الرحمة والمودة بينها وبين أهلها ناهيك عن الاستمتاع المباح بين وبين زوجها، لكن كونهم امتنعوا عن إتيانها فهذا هو المشروع أصلًا وليست هذه هي العلة الوحيدة، وكذلك نفس الأمر في اللحية إذ هي من الخلقة التي لا يجوز تغييرها إلا بدليل ولأنها من سنن الفطرة والأصل حرمة تغيير خلق الله، وقد يقول البعض وماذا عن العانة؟! فالأصل لو لم يرد دليل أنه يقال لا تغير لكن جاء الدليل فاستثنى بعض الأمور الخلقية المشروع فيها التغيير، أما المسكوت عنه فيحرم تغييره ناهيك أن يأتي تنصيص في تركه فلو لم يأت دليل في المسكوت عنه من فطرت الإنسان لحرم تغييره، فأمر اللحية من الفطرة والخلقة التي لا يجوز تغييرها، فإذا جاء المشركون فغيروها صارت علة أخرى [فلزمك] مخالفة المشركين فترخي اللحية، فإذا رجعوا إلى الفطرة فلن نترك الفطرة لأجل فعلهم إذ هناك فرق بين الأمر المشروع لعلة ثم زادت عليه علة المخالفة وبين المسألة التي ليس فيها إلا علة المخالفة فلو رجعوا إلى الحق يشرع المخالفة في الصفة فهم حينما يوفرون اللحية يوفرون معها الشارب وأمر المسلمون بإعفاء اللحية وإحفاء الشارب فخالفوا من كانوا يحلقون منهم كالمجوس وخالفوا من كانوا يوفرونها منهم كالأحبار والرهبان، فإذا حف بعض المشركين الشارب وأعفى اللحية فإن كان ذميًا في بلاد المسلمين منع من ذلك فيقال له: عادة قومك توفيرهما ، فلتكن على عادتهم، أما إن غير مقدور عليه فلا شيء في ذلك ويبقى المسلم على الفطرة التي شرعها الله لنا، فهنا غضب النبي -صلى الله عليه وسلم- من الرجل الذي أراد أن يطرد علة المخالفة فيخالفهم حتى فيما وافقوا فيه الحق بل إذا وافقوا الحق وافقناه للحق لا لهم وإن أمكن المخالفة في الصفة فهو أفضل وهو ممكن في معظم الأمور.

وبذلك يكون قد تكلم ما كان مشروعًا في الشريعتين بأنواعه الثلاثة العبادة والعادة وما يجمع بينهما.

يقول: «القسم الثاني ما كان مشروعا ثم نسخ بالكلية كالسبت أو إيجاب صلاة أو صوم ولا يخفى النهي عن موافقتهم في هذا سواء كان واجبا عليهم فيكون عبادة أو محرما علهم فيتعلق بالعادات فليس للرجل أن يمتنع من أكل الشحوم وكل ذي ظفر على وجه التدين بذلك وكذلك ما كان مركبا منهما وهي الأعياد التي كانت مشروعة لهم».

كعاشوراء فإنه كان عيدًا لهم فالشرع لم يجعله عيدًا بل أمر بصيامه ونهى عما يكون فيه من أنواع الزينة التي تفعلها اليهود.

يقول: «فإن العيد مشروع يجمع عبادة وهو ما فيه من صلاة أو ذكر أو صدقة أو نسك ويجمع عادة وهو ما يفعل فيه من التوسع في الطعام واللباس وما يتبع ذلك من ترك الأعمال الواجبة واللعب المأذون فيه في الأعياد لمن ينتفع باللعب ونحو ذلك ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لما زجر أبو بكر -رضي الله عنه- الجاريتين عن الغناء في بيته قال: «دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا وإن هذا عيدنا» وكان الحبشة يلعبون بالحراب يوم العيد والنبي -صلى الله عليه وسلم- ينظر إليهم

فالأعياد المشروعة يشرع فيها وجوبا أو استحبابا من العبادات مالا يشرع في غيرها ويباح فيها أو يستحب أو يجب من العادات التي للنفوس فيها حظ مالا يكون في غيرها كذلك ولهذا وجب فطر يوم العيدين وقرن بالصلاة في أحدهما الصدقة وقرن بها في الآخر الذبح وكلاهما من أسباب الطعام.

فموافقتهم في هذا القسم المنسوخ من العبادات أو العادات أو كلاهما أقبح من موافقتهم فيما هو مشروع الأصل».

أي الذي لا يزال مشروعًا حتى الآن، فمشروعية مخالفتهم في صيام عاشوراء تنبيه بالأدنى على الأعلى.

يقول: «ولهذا كانت الموافقة في هذا محرمة كما سنذكره وفي الأول قد لا تكون إلا مكروهة».أي: مخالفة الصفة في الأمور المشتركة بين الشريعتين.

يقول: «وأما القسم الثالث وهو ما أحدثوه من العبادات أو العادات أو كليهما فهو أقبح وأقبح فإنه لو أحدثه المسلمون لقد كان يكون قبيحا فكيف إذا كان مما لم يشرعه نبي قط بل قد أحدثه الكافرون؟!! فالموافقة فيه ظاهرة القبح» [ا.هـ كلام شيخ الإسلام]

يقول [الشيخ ياسر في «الفضل»]: «ومن أخطر مظاهر التشبه بهم في أعيادهم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله -عز وجل- قد أبدلكما بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر».

ففي هذا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قدم المدينة ولهما يومان يلعبون ويلهون فيهما ولم يأت في الحديث أنهم سموهما عيدًا لكن معنى العيد قائم ومنطبق إذ ليست العبرة ماذا تسميه؟ بل كونه يعود كل عام فهو عيد ويفعل فيه من أنواع التوسع سواء من العادة أو من العبادة، لم يذكروا أنه مرتبط بإله من آلهة المشركين وإنما هي أيام لم يذكروا فيها شيء آخر وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله قد أبدلكم» وهذا يقتضي زوال المبدل وأن يحل مكانه المبدل به فقال: «إن الله قد أبدلكما خيرًا منهما: يوم الفطر ويوم الأضحى» وهذا من أقوى الأدلة على عدم مشروعية جعل أي يوم عيدًا سمي عيدًا أو لم يسم وذلك بأن ينتظر عوده فيصنع فيه مثل ما كان يصنع في المرة السابقة سواء أسبوعي أو شهر أو سنوي وهذا هو الأشهر.

يقول: «وقال مجاهد والربيع بن أنس والضحاك في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:72] وقال عمر -رضي الله عنه-: «لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم».

فهذا واضح في النهي عن دخول الكنائس يوم العيد، أما استخدام الرطانة فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قد ورد عن بعض الأئمة استخدام بعض الكلمات الفارسية المتداولة مثل كلمة «أتوبيس» فأصلها أعجمي لكن دخلها كثير من التحريف، وكثير من الكلمات التي تقولها دون التفات إلى أنها أعجمية فهذه لا إشكال فيها بل قد ورد عن بعض الأئمة استخدام هذا النوع لكن القضية أن تصير هذه هي اللغة التي يتخاطب بها الناس فيقل التخاطب بالعربية ويكون عندهم نوع من أنواع التبعية لغيرهم كما يحدث مع من يدخل أبناءه المدارس الأجنبية ليتعلموا اللغة الأجنبية ثم تجد الناس يتدافعون سراعًا في الإجابة من أن في ذلك نصر للمسلمين وعزة لهم! وقد يكون بعض ذلك حقًا وأنه قد توجد مصلحة من تعلم اللغات الأجنبية لمعرفة علوم عندهم من علوم الدنيا أو لمصالح أخرى ولكن هذا إذا كان الذي يتعلم قد تحصن بعلوم الشرع وليس أن يدعه للمدارس الأجنبية فيعلم لغة القوم وتقدم على لغته ناهيك عن تعلم مبادئهم وأصولهم وبعض المدارس الأجنبية تنبه على الأبوين أن لا يتكلمان مع ابنهما بالعربية وإذا قل مستواه في اللغة قال: لا بد أنكما تكلمانه بالعربية! فلا بد أن يسموا له الشيء بالأعجمية ويأمرانه بالأكل بالأعجمية فهذا هو ما قصده عمر -رضي الله عنه- وهو أن يتكلم باللغة الأجنبية تباهيًا بها أما أن توجد كلمات شاعت وكانت أعجمية في الأصل فليست هذه هي التي توجد التبعية ولا هزيمة، وليست القضية أن يكون علم من العلوم أصله عند العجم فتعلمه شخص ما لم يكن خطابًا يتخاطب به الناس في حياتهم، وخصوصًا إذا أصبحت هذه العلوم متداولة في بلاد المسلمين، فلو تعلم شخص علم لا يوجد إلا عند المشركين فتعلم لغتهم ثم تعلم هذا العلم، فإذا كان هذا العلم سيدرس لأبناء المسلمين عبر سنوات ما المانع أن تستخدم فيه لغة العرب وهي أشرف اللغات وشرفها في ذاتها حيث لا توجد لغة تدانيها في كثرة المعاني والتراكيب ومن جهة أنها لغة القرآن وقد أخذت مسألة تعريب العلوم الأجنبية بحوثًا طويلة كانت نهايتها أن اللغة العربية لا تصلح لهذه العلوم وعابوها بشيء من أجمل ما تفردت به فقالوا: أن اللغة العربية لغة اشتقاقية واللغات اللاتينية لغات تركيبية حيث يأخذ بعض كلمة مع بعض كلمة أخر ويجعل منهما كلمة واحدة فينحت لفظًا جديدًا، فأكثر الألفاظ العلمية لم تكن ألفاظًا في أصلها ثم اصطلح عليها بكذا بل جاء أكثرها عن طريق النحت بتركيب المقاطع من الكلمات المختلفة وكأنه لا يصلح إلا ذاك فاللغات الاشتقاقية تعطيك فرصة أكبر وليس من الضروري أن تنقل عينه ما سموه بالضبط فلا شك أن اللغة العربية لغة حية مرنة كثيرة المفردات والتراكيب ومن ثم فهي قادرة على التعبير عن أي قضية أما كونهم ذوو همة محدودة ولغة قاصرة وبالتالي فإذا أراد أن ينشئ لفظًا جديدًا من غير ما تعب فيأخذ بعض كلمة مع بعض كلمة أخرى فيخرج بكلمة جديدة فهذا شأنهم وهذا لا يعد عيبًا في لغة العرب.

وكان من المفروض لمن يريد أن يعلم أبناء المسلمين الطب والهندسة وغيرها من العلوم التي استقرت [أن يعلمهم بلسانهم العربي] ولا يلزم أن يتعلم كل لغة العجم وإنما يكفينا الترجمات فقط ولكن تجد الترجمات متروكة - عن عمد- إلى هيئات غير متمرسة في لغة العرب وهي لغة القرآن والسنة ولغة أهل العلم فإنها أرقى لغة العرب لأن من لغة العرب المهجور بسبب أنه فاحش أو صعب النطق كلغات أهل البادية ونحو ذلك ولذا فمما فضل الله به قريشًا أنها منذ جاء إسماعيل -عليه السلام- إلى مكة وهي قرية مستقرة حضر وليست بدو فكانت لغتهم مستقرة وليست كلغة البدو المقصد أن الذي يعرب لا بد أن يكون متمرسًا في اللغة فيختار الألفاظ الرشيقة بدلًا من أن يعهدوا بترجمة العلوم إلى أناس يترجمون بطريقة آلية فيفتح المعجم وألف لفظ يراه صالحًا يضعه فإذا قرأ الناس الترجمة وجدوا نفورًا من الترجمة وسلاسة في اللفظة الأعجمية لأنه مشتق من ألفاظ سهلة، فهذه الترجمة تحتاج إلى مجهود كبير من أناس تمرسوا في اللغة وفقهوا فيها وحسن اختيار الألفاظ وهذا هو الفرق بين الأدباء فقد تفهم كلام بعض الأدباء من طريقة نطقه مع عدم فهم لبعض مفردات هذا الكلام اقرأ للرافعي كأديب معاصر ولكنه فقيه جدًا في اللغة فستجد كلامه راقيًا يشع بهجة وقد لا تعرف معاني بعض المفردات لكن يتضح لك معنى الكلام من توظيفها في السياق ومن سلاسة نطقها ومن الارتباط بين المعنى وبين التعبير الصوتي وهذا سر من أسرار لغة العرب.

المهم أن المنهي عنه أن يجعل الإنسان لغة أعجمية هي لغته التي يتعامل بها أما كونه يتعلم علمًا معينًا بلغة العجم فليس في ذلك إشكال وليس هذا هو المنهي عنه.

يقول: «وأما الركون إليهم فقد قال الله تعالى ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هو:113] قال القرطبي: «الركون حقيقته: الاستناد، والاعتماد، والسكون إلى الشيء والرضا به.

قال قتادة: «معناه: «لا توادوهم ولا تطيعوهم. وقال ابن جريج: لا تميلوا إليهم»

ثم قال :: «وهذا هو الصحيح في معنى الآية وأنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم، فإن صحبتهم كفر، أو معصية، إذ الصبة لا تكون إلا عن مودة، وقد قال حكيم:

عن المرء لا تسل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي. ا.هـ

وقال تعالى ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: 74-75] وإذا كان هذا الخطاب لأشرف مخلوق فكيف بغيره؟!.

يعني هذا ما يتعلق بقضية التشبه وما يتعلق بها من فروع ويبقى التفصيل كما ذكرنا في كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم».

________________________________________

(1) الحديث رواه مالك في «الموطأ» وأحمد في «مسنده» وأبو داود في «سننه» ولفظ أحمد: «عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «هششت يوما فقبلت وأنا صائم فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلت: «صنعت اليوم أمرا عظيما فقبلت وأنا صائم» فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟!» قلت: «لا بأس بذلك» فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ففيم؟!».

(2) ما بين المعقوفتين لم يتم شرحه وقد سقط من الشريط.

طريق السلف

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

   طباعة 
0 صوت
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
من تاريخ الصراع بين السلفية والإخوانية

جديد المواد

Separator

روابط ذات صلة

Separator

القرآن الكريم- الحصري

القرآن الكريم- المنشاوي

القرآن الكريم- عبد الباسط

القرآن الكريم- البنا

 الحج... رحلة المغفرة