الأحد 21 صفر 1441هـ الموافق 20 أكتوبر 2019م

القائمة الرئيسية

Separator
شرح صحيح البخاري - الشيخ سعيد السواح

بحث

Separator

القائمة البريدية

Separator

أدخل عنوان بريدك الالكتروني

ثم أدخل رمز الأمان واضغط إدخال

ثم فعل الاشتراك من رسالة البريد الالكتروني

الإلحاد غير مستطاع
الفاتح. د/ أحمد خليل خير الله
لَمْ ولَن نكونَ دُعَاةَ هَدم

الغلو في الدين -2

المادة

Separator
الغلو في الدين -2
1229 زائر
31-12-2015
محمد إسماعيل المقدم

الغلو في الدين [2]

محمد إسماعيل المقدم

لقد بيَّن علماء الإسلام أهمية الألفاظ الشرعية في العقائد وغيرها، وذكروا خطورة إطلاق المصطلحات غير الشرعية القديمة والحديثة، إلا في حالات استثنائية بعد معرفة معانيها ومقصود واضعيها، وهذا إذا احتيج إلى ذلك، وكانت المعاني صحيحة، وإلا فالأفضل البعد عن هذه الاصطلاحات الموهمة والمشتبهة.

أهمية فهم الألفاظ الشرعية والمصطلحات الإسلامية

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فيذكر المؤلف تمهيداً في أهمية الألفاظ الشرعية والمصطلحات الإسلامية، وينبه إلى أن العلم بحقائق الأشياء والوعي بمفاهيمها لابد من أن يكون أساساً لتضييق دائرة الخلاف أو لإزالته؛ لأنك لا تكاد تجد خلافاً في أي مسألة من المسائل إلا ومن ورائه اختلاف أو سوء فهم بحقيقة الأمر المختلف فيه، قد يكون الطرفان متفقين، ولكن قد يوجد سوء فهم لبعض المصطلحات التي قد تغطي على الحقيقة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : إن كثيراً من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ومعان مشتبهة، حتى تجد رجلين يتخاصمان ويتعاديان على إطلاق ألفاظ أو نفيها، ولو سئل كل منهما عن معنى ما قاله لم يتصوره، فضلاً عن أن يعرف دليله. فحكم الإنسان على أي شيء أو على أي مبدأ راجع إلى التصور الموجود في ذهنه، لذلك فعلماء المنطق عبروا عن هذا بعبارة صحيحة، وهو قولهم: الحكم على الشيء فرع عن تصوره. فإذا تصورت الشيء على خلاف ما هو عليه في الحقيقة سيختلف حكمك عليه. مثلاً: كلمة التصوف، يمكن أن نجد من الناس من يتكلم في التصوف فيقول: هؤلاء ملاحدة وزنادقة ومشركون وخارجون من الملة إلى آخر ذلك، وكذلك عن حكم دراسة التصوف. بينما آخر تجده يمدح التصوف ويذكر محاسنه، وأن أهله أهل دين، وأنهم أولياء الله، وغير ذلك من ألفاظ المديح، لكن إذا دققت ما الذي يقصده هذا الذي عمم في الجانبين ستجد أن من مدح التصوف إنما نظر لما في تصوره وفي ذهنه من أن التصوف هو ذكر الله والاجتهاد في طاعة الله، والتورع عن المحرمات، والاهتمام برياضة النفس وتهذيب القلوب وتزكيتها ... إلى آخره، وقد لا يخطر بباله على الإطلاق تلك المعاني الإلحادية التي انحرف بها بعض غلاة التصوف. أما الشخص الذي يصف أهل التصوف ويعمم بأنهم ملاحدة وزنادقة وحلوليون، إنما نظر إلى المتطرفين جداً من الصوفية، خاصة في العقيدة، كـابن عربي أو غيره ممن ألحدوا في ذات الله تبارك وتعالى وقالوا بالحلول وبوحدة الوجود أو غير ذلك من العقائد الشركية التي تخرج فاعلها أو ناطقها من الملة. فإذاً: على الإنسان قبل أن يتكلم في قضية أو في مصطلح معين أن يبين ما الذي يقصده من هذا الذي يذمه أو يمدحه. ......

أسباب اهتمام العلماء بالألفاظ الشرعية والمصطلحات الإسلامية

اهتم علماء المسلمون بالألفاظ الشرعية والمصطلحات الإسلامية اهتماماً بالغاً، وذلك لأمور: أولاً: أن عدم تحديد الألفاظ ومعانيها وحدودها يجعلها نسبية غير محررة، فيستخدمها كل فريق كما يحلو له بمعنى أنهم يستخدمونها على ما تدفعه الأهواء وما تمليه عليهم العقائد، كما وقع -مثلاً- في تاريخنا الإسلامي من كون بعض الظالمين يصفون أهل السنة والجماعة بأوصاف متناقضة لا يمكن أبداً اجتماعها، حيث نجد المعطلة الذين يعطلون صفات الله تبارك وتعالى يطلقون على أهل السنة بأنهم مشبهة، والمشبهة يسمون أهل السنة بالمعطلة، أما أهل السنة فهم على صراط مستقيم لم تتقاذفهم أهواء هؤلاء ولا أولئك. ثانياً: أهمية تحديد هذه المصطلحات قبل الخوض فيها؛ لأنه أحياناً قد تحدث معان محدثة طارئة لبعض الألفاظ، وليست معاني أصلية وردت في الكتاب والسنة، فتطرأ بعض المعاني والمفاهيم والاصطلاحات الحادثة لقوم أو فئة من الناس؛ لأن كثيراً من الناس ينشأ على اصطلاح قومه وعادتهم في الألفاظ، ثم يجد تلك الألفاظ موجودة في النصوص الشرعية أو في كلام أهل العلم، فيظن أن المراد بها نظير مراد قومه، ويكون مراد الشارع خلاف ذلك، وهذا الأمر اتضح وضوحاً تاماً في العصر الحديث، لما للإعلام من أثر في تغيير المصطلحات لكثرة استعمالها، مع أن المراد بها معان غير المعاني التي كانت لها أصلاً. ثالثاً: تبرز أهمية الألفاظ الشرعية والمصطلحات الإسلامية في أنها أصبحت الآن أداة من أدوات الصراع الفكري، إذ يهتم أعداء أي فكرة أو مبدأ في صراعهم مع الأفكار الأخرى بالألفاظ والمصطلحات العلمية، وذلك بتحريفها وتغييب القول الحق فيها، إذ يأتون إلى المعاني الصحيحة فيبرزونها في قوالب منفرة، وكذلك العكس، حيث يأتون إلى المعاني الفاسدة ويبرزونها في قوالب محبوبة للناس، فمثلاً: الفن الذي هو صناعة التماثيل، والذي هو رسم الصور القبيحة التي لا حياء فيها، وغير ذلك، حيث يسمون أعماله الفنون الجميلة، ويقولون: كلية الفنون الجميلة. ومثل هذه الأشياء فيها قلة الحياء، ومبارزة الله سبحانه وتعالى بتصوير ما فيه روح أو صناعة التماثيل، ولا شك أن هذا من أكبر الكبائر. فإذاً: من أقوى أسلحة أعداء الإسلام في هذا الزمان الترويج للمفاهيم الفاسدة، ومحاربة المفاهيم الصحيحة من خلال اللعب بالمصطلحات، وهذا فن قديم يتقنه أعداء الدعوة في كل زمان ومكان، ولقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في بيان تلك الحقيقة شعراً، حيث يقول: تقول هذا جنى النحل تمدحه وإن شئت قلت ذا قيء الزنابير مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعبير فعسل النحل الشهي الطيب هو في الحقيقة طيب وشفاء للناس، فيمكن أن تعبر عنه بجنى النحل من باب المدح له، ويمكن أن تعبر عنه بلفظ منفر، فتقول: هذا قيء الزنابير. والقيء هو الذي تخرجه الزنابير من بطنها. فهكذا ما يحصل اليوم في الصراع الفكري، حيث يقوم المخرفون باستعمال هذه المصطلحات للتلاعب بهذه الحقائق وتنفير الناس منها. ومعلوم أن أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم استعملوا سوء التعبير فيه وفي الوحي الذي جاء به للتنفير عنه وعما جاء به. ولو نظرنا في قصص جميع الأنبياء لوجدناهم وسموا ووصفوا بالجنون وبالسفاهة وبالضلال، وبغير ذلك من الأوصاف المنفرة، وهم أكمل الناس وأزكى الناس بلا شك، فهذا فرعون لعنه الله يقول في حق موسى عليه السلام: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف:52] إلى غير ذلك من الألفاظ التي رمي بها الأنبياء أجمعون، والمقصود من ذلك تشويه هؤلاء الرسل لكي ينفر عنهم الناس، وهو نفس الشيء الذي حصل داخل الفرق الإسلامية، فنجد أعداء أهل السنة والجماعة قد حرصوا في شتى أحقاب التاريخ الإسلامي على التنفير من مذهب أهل السنة، وإطلاق الألفاظ المنفرة عليهم، كالحشوية والمعطلة أو المشبهة أو غير ذلك من الصفات. أو تجد هؤلاء المخرفين يستعملون ألفاظاً طيبة لتغليف حقائق فاسدة، كالمعتزلة حينما يقولون: إن مذهبنا يقوم على خمسة أصول: منها التوحيد. فما ذهبوا إليه من انحراف في فهم قضايا العقيدة أسموه توحيداً لترويجهم هذا المذهب الفاسد للناس، ومنها العدل، وهو ضلالهم في القضاء والقدر وغير ذلك. ......

مصطلح العلمانية بين الحقيقة والزيف

وهنا مثال من أخطر الأمثلة في الحقيقة، وله أثر سيء جداً في واقعنا المعاصر، ألا وهو كلمة (العلمانية) أو (العالمانية) على الأصح، وهذا المصطلح الخطير حقيقته -كما نعلم- فصل الدين عن الحياة، فاستعمل النصارى هذا المصطلح، ومنهم فيكولر حيث ترجم مصطلح العالمانية إلى علمانية، لكي يلبس على الناس هذا الأمر، فأصبح عامة الناس إذا ذكرت العلمانية يفهمون أن العلمانية المقصود بها احترام العلم واتباع المنهج العلمي، في حين أن الكلمة لا علاقة لها على الإطلاق بالعلم، بل هي أقرب ما تكون إلى الجهل، ولذلك نتحرى أن لا ننطقها بهذا الوصف (العلمانية) حتى لا تلتبس على الناس، بل ننطقها (العالمانية) وهي لا تنسب إلى العلم على الإطلاق، لكن تنسب إلى العالم. ومعناها: لا علاقة لنا بالدين، وإنما الإيمان بهذا العالم المادي الموجود أمامنا. أي: فصل الدين تماماً عن القيم والأخلاق ونظم الحياة. فهذا معنى الكلمة. إذاً: أدق وأصح تعبير أن نقول: (العالمانية) نسبة إلى العالم، نسبة إلى هذه الدنيا بغض النظر عن الآخرة، واعتبار قضية الإيمان واليقين والآخرة والغيبيات والدين كلها قضايا شخصية لا ينبغي أن تتدخل في حياة الناس أو تنظم شئونهم. فهذا نموذج من المصطلحات الخطيرة التي روجت، واستغل فيها جهل الناس لتمرير هذه المفاهيم الخبيثة، فقضية (العالمانية) وليست (العلمانية) هي -في الحقيقة- تقوم على الجهل؛ لأن الأشياء التي ينبغي أن تعلم في هذا الوجود ليست هي المعلومات المحسوسة فحسب، وإنما هناك معلومات أعظم وأخطر ينبغي أن نعلمها ونوقن بها، ومنها حقائق الغيب. ففي الحقيقة حتى لو قلنا: إن العلمانية المقصود بها العلم التجريبي فهذا إنما مجاله -فقط- هو ما يخضع للحواس، فالمنهج العلمي -كما يقولون- هو التجربة والملاحظة والاستنتاج، فلابد في العلم التجريبي من أن يكون خاضعاً للحواس، يرى أو يشم أو يحس .. إلى غير ذلك. إذاً: العلمانية في الحقيقة تحجب البشر من الاطلاع على القسم الأكبر والأخطر والأهم من المعلومات التي ينبغي أن يؤمنوا بها، وهو الإيمان بالغيب عن طريق الوحي الذي يعلمنا ويعرفنا بغيبيات موجودة لا ننكرها، فالعلمانية في الحقيقة دعوة جهل وليست دعوة علم. إن العلمانية نشأت -كما نعلم- بسبب صراع الكنيسة مع العلم التجريبي؛ لأنهم كانوا كلما اكتشفوا شيئاً جديداً من الاكتشافات العلمية ثارت الكنيسة وطاردت العلماء وأحرقتهم بالنار وهم أحياء، وحصل صدام شديد جداً، لقد كانت الكنيسة دائماً تتسلط بعقيدتها الشركية التي قدمتها لهم: التثليث، والغفران، والعمد. وهذا مصادم للفطرة، فأدى هذا التنفير والصدام إلى التمرد على هذا الدين، ولذلك فمن التلبيس -أيضاً- أن ينسبوا التقدم المادي في الغرب إلى دين النصارى، كلا، فهم ما تقدموا علماً إلا حين تحرروا من قيود دين كنيستهم المحرف، أما عندنا فمن الظلم أن تطبق هذه العالمانية على دين لم يعرف أبداً على الإطلاق صراعاً بين العلم وبين الدين؛ لأن هذا الدين أنزله الله، وهو الذي خلق الحقائق العلمية عز وجل، فلذلك يأتي نوراً على نور، ويتفق هذان النوران، ولا يمكن أبداً أن يحصل تناقض بين حقيقة علمية ثابتة قطعاً -ولا نقول: نظرية؛ لأن النظرية تتغير- وبين آية أو حديث، لا يمكن أن يحصل تناقض أبداً. يقول شيخ الإسلام : إن الرسل تخبر بمحارات العقول ولا تخبر بمحالات العقول. أي: تخبر بأشياء يحار فيها العقل بحيث يقصر عن فهمها وإدراكها على وجه التفصيل، ولا تخبر بمحالات العقول، أي: لا تخبر بشيء مستحيل. والمستحيل هو اجتماع النقيضين، وهو لا يمكن أن يحصل، لكن يخبرون بغيبيات لا تطيقها العقول، فينبغي تفويض علمها وتفاصيل علمها إلى الله سبحانه وتعالى. فالمهم أن كلمة (العلمانية) أنموذج من الاصطلاحات الخبيثة التي راجت على المسلمين، حتى إن بعض الشيوخ لم يحسن دراسة هذا المصطلح ونشأته وخلفياته، فلذلك صرح ببعض التصريحات وقال: إن العلمانية لا تتناقض مع الإسلام. فهو يقصد أن العلمانية بمعنى احترام العلم، مع أن كلمة (العلمانية) لا علاقة لها -كما ذكرنا- بالعلم على الإطلاق من حيث الاشتقاق، ولا من حيث المعنى والمضمون. ......

ضرورة الرجوع إلى اللغة العربية والشرع لمعرفة معاني الألفاظ الشرعية

إذا أردنا أن نعرف معاني الألفاظ الشرعية فلابد من أن نرجع إلى اللغة العربية وإلى مقصود الشرع من هذه الألفاظ. وهنا نقف عند بعض المصطلحات التي تتعلق بهذا البحث ونلخص معانيها من حيث اللغة. أولاً: الغلو. تدور الأحرف الأصلية لهذه الكلمة ومشتقاتها على معنى واحد يدل على مجاوزة الحد والقدر. أي: كل ما جاوز حده وقدره فهذا هو الغلو، ويقال: غلا السعر يغلو -وذلك ارتفاعه- غلاء؛ وغلا الرجل في الأمر غلواً أي: جاوز حده وغلت القدر تغلي غلياناً، وغلت السهم غلواً: إذا رميت به أبعد مما تقدر عليه. فالغلو هو مجاوزة الحد، يقال: غلا في الدين غلواً أي: تشدد وتصلب حتى جاوز الحد. فهذا بالنسبة لكلمة الغلو. ثانياً: التطرف. هذه الكلمة تدور في اللغة على أحد أمرين: الأول حد الشيء. الثاني: الحركة في بعض الأعضاء، يقال: ما بين طرفة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال ويقال: طرفت عينه. أي: تحركت. فمادة (طرف) تستعمل في حركة بعض الأعضاء، كما أن الطرف هو حد الشيء، وهذا هو المعنى الذي يهمنا في هذا البحث، وهو أن الطرف مأخوذ من حد الشيء وحافته، فالمراد من كلمة الطرف منتهى الشيء وغايته. وكذا يقال: تطرفت الشمس. أي: دنت للغروب، يقول الشاعر: دنا وقرن الشمس قد تطرفا وقال شمر : اعرف طرفه. يعني: إذا طرده؛ لأنه إذا طرده يصل إلى غاية الشيء ومنتهاه ويخرج منه. وكذلك يقال للناقة إذا رعت أطراف المرعى: طرفت الناقة. أي: ذهبت إلى طرف البستان وأخذت تأكل من الحشائش فيه. فالطرف هو منتهى كل شيء. فإذاً: التطرف تفاعل من الطرف، يقال: تطرف يتطرف فهو متطرف. وخلاصة الكلام أن الشخص إذا تطرف فقد تجاوز حد الاعتدال ولم يتوسط. ثالثاً: التنطع. التنطع هو البسط والملامسة، والتعمق في الكلام مأخوذ من النطع، والنطع هو التجويف الأعلى في الفم الذي يظهر عندما يتعمق الإنسان ويتشدق في الكلام، وعندما يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة، فيظل يتكلم حتى يظهر التجويف الذي في أعلى سقف الفم، ثم استعمل في كل تعمق، سواء أكان في القول أم في الفعل، فهذا معنى كلمة التنطع. رابعاً: التشدد. ومعناه القوة والصلابة، وشاده مشادة: غالبه وصارعه، وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) يعني: غلبه الدين. خامساً: العنف. وهو خلاف الرفق، والذي لا يقود الخيل برفق يسمى عنيفاً. ......

أقسام الناس تجاه دعوة الرسل

ينقسم الناس إزاء دعوة الرسل إلى أقسام ثلاثة: فمنهم من يكون متمسكاً بالحق ومعتدلاً على الصراط المستقيم. ومنهم: المفرط الزائغ عن حدود الله عز وجل. ومنهم الغالي الذي يتجاوز حدود الله. أما النصوص الشرعية فقد جاءت بالتحذير من الغلو والإفراط والتفريط، وجاءت الشريعة تفرض علينا أن ندعو الله سبحانه وتعالى -على الأقل- سبع عشرة مرة في اليوم والليلة بقوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7] فهذا معنى سؤال الله سبحانه وتعالى أن يقي المسلمين شر الانحراف إلى هذا الطرف أو ذاك. ......

أساليب القرآن في التنفير والتحذير من تعدي الحدود

الأسلوب الأول: الدعاء بطلب الاستقامة، وبيان أن الاستقامة لا تكون إلا بالبراءة من منهج هؤلاء الذين غضب الله عليهم والذين هم ضالون عن الطريق المستقيم؛ لأن كليهما متطرف، أما الصراط المستقيم فهو صراط الذين أنعم الله تعالى عليهم، كما في سورة الفاتحة. الأسلوب الثاني: التحذير من تعدي الحدود، يقول عز وجل: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:229]. إذاً: هذا هو الميزان، وهذا هو الاعتدال، وهذا هو الصراط المستقيم، فكل انحراف عن هذا الاعتدال فهو في الحقيقة تطرف. فمثلاً: المرأة المتبرجة تعدت حدود الله سبحانه وتعالى، حيث أمرها بالحجاب وهي تهتك ستر الله عز وجل، وتبارز الله بالمعصية وتجهر بها وتكشف ما أمر الله بستره، فهذه متطرفة منحرفة وظالمة، يقول الله عز وجل: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا [البقرة:229] أي: لا تتجاوزوها. ثم قال: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:229] إذاً: فغير المحجبة هي المتطرفة، وليست المحجبة هي المتطرفة. وكذلك أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بإعفاء اللحى، فالرجل الذي يحلق لحيته متطرف ومتعد لحدود الله؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر بإعفاء اللحية، وهذا خالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو متطرف وظالم، يقول عز وجل: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:229]. إذاً: فينبغي أن نستحضر أن الميزان والوسط هو ما جاء به القرآن والسنة، هذا هو الاعتدال، وكل انحراف عن هذا هو في الحقيقة تطرف. وقد افتتن بعض الإخوة بما وصم ووصف به أهل الدين وأهل الطاعة من التطرف والتنطع وغير ذلك، فينبغي أن ننظر إلى هؤلاء الذين وصفوا أهل الدين بالتطرف على أنهم هم المتطرفون في الحقيقة، ولا يفت في عضدنا هذه الحملات الشيطانية ليل نهار على أهل الطاعة وأهل الدين. إذاً: فكل شخص يخالف أمر الله وأمر رسول الله نقول له: قال الله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:229] فالحدود هي النهايات لكل ما يجوز من الأمور المباحة المأمور بها وغير المأمور بها، وتعديها هو تجاوزها وعدم الوقوف عليها، وهذا التعدي هو الهدف الأعظم الذي يسعى إليه الشيطان؛ إذ إن مجمل ما يريد الشيطان تحقيقه أحد الانحرافين: إما الغلو وإما التقصير، فما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما إلى تفريط وإضاعة وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي فيه مضيع له أيضاً، هذا بتقصيره عن الحد وهذا بتجاوزه الحد. وذلك هو الأسلوب الثاني في معالجة الإسلام لقضية التطرف والانحراف. الأسلوب الثالث: الدعوة إلى الاستقامة ولزوم الأمر وعدم الغلو والزيادة، يقول تبارك وتعالى: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود:112] فقوله: (لا تطغوا) أي: لا تنحرفوا ولا تتعدوا حدود الله تبارك وتعالى التي أمر الله عز وجل بها. الأسلوب الرابع في علاج قضية التطرف والغلو: النهي عن الغلو وتوجيه الخطاب لأهل الكتاب على وجه الخصوص، حيث يقول عز وجل: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ [النساء:171]. لأن اليهود اخترعوا له من قبل قضية الخطيئة الأصلية، وأن البشرية كلها ملوثة، فربنا -عندهم- لا يتوب على المولود؛ لأنه ولد ملوثاً بخطيئة آدم، فحتى يتاب عليه لابد من أن يعمد، وذلك بالتغسيل، فإذا غسل صار نصرانياً مستحقاً للنجاة إلى غير ذلك، وهذه من مظاهر غلوهم. ومن مظاهر غلوهم اختراع الرهبانية التي ابتدعوها وما أذن الله تبارك وتعالى بها، يقول عز وجل: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ [الحديد:27] والاستثناء هنا منقطع بمعنى (لكن). أما إعراب (رهبانية) فهي مفعول به لفعل مقدر، أي: ابتدعوا رهبانية ابتدعوها. وقوله تعالى: (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) أي: ما أمرناهم بها ولا كلفناهم بها، كتحريم الطيبات والتعبد بترك الزواج وغير ذلك. فقوله تعالى: (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) أي: ما كتبناها عليهم، لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله عن طريق اتباع شرع الله، وليس بالابتداع. هذا هو معنى قوله تعالى: (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) عز وجل. واليهود -أيضاً- عندهم قدر كبير جداً من الغلو، وإن كان النصارى أكثر غلواً في الاعتقادات والأعمال من سائر الطوائف. فكل هذه النصوص، كقوله تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171]، وقوله تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ [المائدة:77] توجيه النهي فيها عن الغلو لأهل الكتاب إنما المقصود به تنبيه هذه الأمة حتى لا تقع فيما وقعوا فيه من الغلو، وحتى تجتنب الأسباب التي أوجبت غضب الله سبحانه وتعالى على الأمم السابقة. الأسلوب الخامس الذي عالج به الإسلام قضية الغلو والتطرف: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى أمته عن الغلو حتى لا يقعوا فيما وقع فيه من سبقهم من الأمم التي بعث فيهم الرسل عليهم الصلاة والسلام. فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة جمع -أي: صباح المزدلفة- هلم القط لي الحصى -حتى يرمي جمرة العقبة الكبرى- فلقطت له سبع حصيات مثل حصى الخذف، فلما وضعهن في يده قال: نعم بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) وكأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد تحذيرنا مما يحصل الآن من جهلة الناس عند رمي الجمرات، فبعضهم يرمي إبليس عند الجمرات، وبلغني أن بعض الناس أطلق الرصاص على الشاخص، وبعضهم يرمون الجمرات بالنعال، ومن يذهب إلى الحج يراها، فهذا من الغلو. ويقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) عليه الصلاة والسلام. والمقصود بقوله: (لا تطروني) أي: لا تبالغوا في مدحي. وتطرف البوصيري في فهم هذا الحديث فقال: إن النهي عن المدح بالنسبة للنبي عليه الصلاة والسلام فقط عن أن نصفه بأنه ابن الله كما قالت النصارى، أما ما عدا ذلك فنحن في حل من أن نمدحه بما شئنا، فمن ثم خرج منه كثير جداً من مظاهر الغلو الشنيع، كمثيل قوله: دع ما ادعته النصارى في نبيهم وانطق بما شئت مدحاً فيه واحتكم يعني أن أهم شيء هو أن لا تقول: إن محمداً ابن الله أو ثالث ثلاثة. فكان مما نطق به البوصيري من الكلام الشنيع قوله مادحاً النبي صلى الله عليه وسلم: فإن من علومك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم فهذا غلو لا يرضاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. الأسلوب السادس من أساليب القرآن في التنفير من الغلو: بيان مصير الغالي وعاقبته. فعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون) يدعو عليهم بالهلاك، أو يخبر بهلاكهم؛ لأنهم انحرفوا عن الجادة وتعدوا حدود الله تبارك وتعالى، فقوله إياها ثلاث مرات فيه توكيد للهلاك بالنسبة للمتنطعين، وهم المتعمقون المغالون المباينون الحدود في أقوالهم وفي أفعالهم. وأيضاً يقول عليه الصلاة والسلام: (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم؛ فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) فهذه -أيضاً- صورة من مظاهر الغلو. ......

عاقبة المشدد على نفسه في أمور الدين

لقد بينت السنة أن عاقبة الشخص الذي يخالف الفطرة ويكلف نفسه بأشياء فوق طاقته ينتهي به الأمر إلى أنه لا يصل إلى الغاية، وهناك بعض الآثار ما أظنها صحيحة، لكن تبين لنا هذا المعنى، منها: قوله: (فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى) فقد مثل برجل خرج في الصحراء راكباً على دابته وحملها أثقالاً كثيرة جداً، ثم مشى في الصحراء وتوغل فيها وأتعب دابته، وانتهى الأمر به إلى أن الدابةلم تستطع حمل ما عليها؛ لأنه حملها فوق طاقتها، فهو بهذا لا أرضاً قطع؛ حيث إنه لم يصل إلى الموضع الذي يقصده، ولا ظهراً أبقى؛ حيث إنه أهلك هذه الدابة بالأحمال الثقيلة. فكذلك الإنسان مثل هذه الدابة، حتى كان بعض العلماء يحسن اختيار طعامه، فقيل له في ذلك فقال: إن الدابة إذا أحسنت علفها فإنها تستطيع أن تنجز مهامها، فكذلك هذا الجسد هو الآلة التي تحمل روحك وتبلغ بها إلى مقاصدك وتنفذ بها حاجياتك. فالإنسان إذا أنهك جسمه بأشياء فوق طاقته فإنه يعجز عن مواصلة السير، فلا يصل إلى هدفه، (إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى). وهذا في الحقيقة نلاحظه بصورة واضحة جداً فيمن يبتلى بالانتماء للجماعات المتطرفة بحق، كجماعة التكفير، حيث نجد الواحد منهم يكلف نفسه بأشياء فيها تجاوز لحدود الله عز وجل، فهذا الأمر يحتمله لكن لفترة محددة، ولا يستطيع الاستمرار عليه؛ لأنه ضد الفطرة، والشريعة التي أنزلها الله سبحانه وتعالى جاء فيها: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] فهذا خالفها وكلف نفسه فوق وسعها وتشدد في أخذ أمور الدين وأمور العقيدة وغير ذلك، فمثل هذا إن أراد الله به خيراً أعاده إلى الجادة وإلى طريق أهل السنة والجماعة والاعتدال والوسط، أو -والعياذ بالله- يحصل عنده انقلاب كلي وانحراف وتفلت كامل، فبعدما كان يكفر الناس من أجل بعض الأشياء التي لا تقتضي تكفيرهم إذا به يقع فيما هو أكبر مما كان يكفر الناس بسببه من الترخصات وتعدي حدود الله تبارك وتعالى؛ لأنه حمل نفسه فوق فطرتها، والفطرة تأبى الاستمرار على هذا طويلاً. ولهذا تجد عامة هؤلاء متلونين لا يثبتون على قرار، فإذا ابتلي أحدهم بشيء من هذه الأفكار تجده دائماً كما يقول الشاعر: كل يوم تتلون غير هذا بك أجمل فكلما جاءه رجل أجدل من رجل ترك ما جاء به جبريل إلى محمد عليه الصلاة والسلام لجدل هؤلاء. فظاهرة تعدي حدود الله بتكليف النفس فوق ما تطيق يؤدي إلى عدم الثبات، فإما أن ينحرف تماماً وإما أن يأخذ الله بيده وينجيه من هذه الانحرافات. والسنة بينت أن عاقبة المشدد على نفسه الانقطاع، وأنه ما من مشاد لهذا الدين إلا ويغلب وينقطع، فالسنة بهذا تبين لنا أن الشخص الذي يتجاوز حدود الله عز وجل هو عبارة عن مصادم لدين عز وجل والدين سيغلبه. وهذا الدين الذي أنزله الله فيه اليسر والسماحة، فما من أحد يريد أن يغالب هذا الدين ويصارعه إلا غلبه هذا الدين وهزمه، يقول عليه الصلاة والسلام: (إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا) فقوله: (فسددوا) أي: ليكن هدفك الأول أن تصل إلى المقصود مائة في المائة، فالسداد أن تصيب النقطة التي هي في الوسط. أما إذا عجز الإنسان عن السداد ولم يستطع أن يصيب الهدف وإنما اقترب من الهدف بقدر المستطاع فهذا يدل على أنه اقترب من الدائرة الأصلية، وبهذا يكون قد تفوق نسبياً على غيره ممن بعد عنه أكثر. إذاً: فمعنى (سددوا وقاربوا) أي: افعلوا الأمور تماماً كما كلفتم بها، فإن عجزتم فاتقوا الله ما استطعتم، وذلك بأن تقتربوا من السداد بقدر المستطاع. فهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة) وفي لفظ قال عليه الصلاة والسلام: (والقصد القصد تبلغوا) فقوله: (والقصد القصد) يعني الاعتدال. وقوله: (تبلغوا) أي: تصلوا إلى غايتكم ومرامكم. يقول الحافظ ابن حجر : والمعنى: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب، وحتى لا يقع ذلك جاء بختام الحديث آمراً بالتسديد والمقاربة. ......

أنواع الغلو وأمثلته ونتائجه

إن الغلو ليس نوعاً واحداً، ولكنه يتنوع باختلاف متعلقه من أفعال العباد، فهناك غلو اعتقادي وغلو عملي، فالغلو الاعتقادي يسمى غلواً كلياً. والبدعة أقسام: بدعة كلية وجزئية، والبدعة الكلية: أن تكون قاعدة مبتدعة يتحاكم إليها وتصير أصلاً، بحيثَ تَفصَّل القضايا على أساسها، مثل قاعدة تحكيم العقل في النقل، فهذه بدعة كلية. والبدعة الكلية تنتظم تحتها فروعاً كثيرة جداً، فالمراد بالغلو العملي ما كان متعلقاً بكليات الشريعة أو أمهات المسائل في الشريعة الإسلامية، والمراد بالغلو الاعتقادي ما كان متعلقاً بباب العقائد، فهو محصور في الجانب الاعتقادي. وأمثلة الغلو الاعتقادي الكلي كثيرة، منها: الغلو في الأئمة وادعاء العصمة لهم، كما يحصل من الشيعة، فإن الشيعة من أقبح الفرق المتطرفة في الإسلام، فهم يغلون كثيراً في أئمتهم الاثني عشر المزعومين، فلقد غلوا فيهم حتى وصلوا بهم إلى مراتب وصفات الألوهية. ومنها الغلو في البراءة من المجتمع العاصي، كأن يعيش إنسان في مجتمع مظاهر بالفسق والعصيان فيغلو في التبرؤ من المجتمع، ويغلو في تطبيق قضية الولاء والبراء إلى حد تكفير أفراد هذا المجتمع واعتزالهم، وهذه سنناقشها إن شاء الله تعالى بالتفصيل. ويدخل في الغلو الكلي الاعتقادي الغلو في فروع كثيرة من الأحكام، بحيث يكثر من الإنسان مخالفات في قضايا جزئية، حتى تصير بمجموعها كلية؛ لأن المعارضة للشريعة في الحالتين منطبقة عليهما كليهما، فمعارضة الشريعة بالقاعدة الكلية يترتب عليها مخالفات جزئية كثيرة حينما تطبق هذه القاعدة، كذلك إذا كان الإنسان منحرفاً في قضايا جزئية كثيرة ومتعددة جداً فمخالفة الشريعة تقوم بها -أيضاً- بصورة كلية تماماً كما في الحالة الأولى. فإذاً: يدخل في الغلو الكلي الاعتقادي الغلو في فروع كثيرة؛ إذ إن المعارضة الحاصلة به للشرع مماثلة لتلك المعارضة الحاصلة بالغلو في أمر كلي، والغلو الكلي الاعتقادي أشد خطراً وأعظم ضرراً من الغلو العملي؛ لأن الغلو العملي مثل أن يقوم إنسان الليل ولا ينام، ويصوم النهار ولا يفطر أبداً، إلى غير ذلك من أنواع الغلو العملي، ومثل تحريم الطيبات على نفسه، وتحريم الظلال، وتحريم أكل اللحوم وهكذا، فهذا غلو عملي، لكن الغلو في العقيدة أخطر وأشد من الغلو العملي، وفي كل شر؛ إذ الغلو الاعتقادي هو المؤدي إلى الانشقاقات، وسبب تفرق الأمة هو الغلو الاعتقادي، فالأمة ما افترقت إلا بسببه، ولذلك فسر علماء الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) فسروه بأن الفرقة في أمة الإجابة لا أمة الدعوة. و الدليل على ذلك ما ورد في صدر الحديث: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقين) واليهود الذين افترقوا إلى إحدى وسبعين فرقة كانوا أهل دين واحد، وكذلك قوله: (وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) فهذه الفرق حاصلة في أمة الإجابة، وهي الأمة المسلمة، وهذا -أيضاً- يؤيده الواقع، فإننا رأينا أصول هذه الفرق -سواء المرجئة أو الخوارج أو المعتزلة أو القدرية وما تفرع عنها من البدع المعروفة- من المسلمين. إذاً: فالانشقاق الذي حصل داخل الجماعة المسلمة إنما حصل بسبب الغلو الكلي الاعتقادي، فهذا هو المظهر السائد للفرق والجماعات الخارجة عن الصراط المستقيم؛ لأنها ما تسمى فرقة إلا لأنها انحرفت عن الفرقة الناجية. يقول عليه الصلاة والسلام: (فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضو عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة). فهذا دليل على أن مخالفة أهل السنة والجماعة هي التي تؤدي إلى حصول التصدعات والانشقاقات، فأساس الانشقاق في الأمة نابع من خلاف في العقيدة بسبب الغلو الكلي الاعتقادي. يقول الشاطبي رحمه الله تعالى: ذلك أن هذه الفرق إنما تصير فرقاً بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين وقاعدة من قواعد الشريعة لا جزئي من الجزئيات. يعني: لا يصح أن تصف جماعة بأنها فرقة ضالة إذا كانت تخالف في قضايا جزئية، لكن يمكن أن تصفها بأنها فرقة ضالة إذا كانت تخالف في قضية كلية اعتقادية، مثل الشيعة، فهي فرقة من الفرق الضالة؛ لأنها تخالفنا في كليات، فعندها غلو كلي في قضايا الاعتقاد. يقول الشاطبي رحمه الله تعالى: لا في جزئي من الجزئيات، إذ الجزئي أو الفرع الشاذ ما ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعاً، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية، أرأيت كيف غلت الطوائف كالخوارج والشيعة في كليات من الدين، فأدى غلوهم إلى ظهور فرق ونشوء جماعات، بينما غلا أشخاص في السلوك والعبادات فلم يؤد غلوهم إلى ظهور فرق جديدة. يعني أن فرقة الخوارج نفسها تفرقت إلى جماعات كثيرة حتى كفر بعضهم بعضاً، وهذا شأنهم في كل زمان، ففي مصر لما ظهروا في الفترات الأخيرة منذ السبعينات تفرقوا حتى صارت فرقة تكفر الفرق الأخرى، كذلك الشيعة تفرقت إلى فرق كثيرة جداً حتى كفر بعضها بعضاًً. وهذا دليل على أنَّ الغلو الكلي الاعتقادي أعظم خطراًَ بالنسبة للغلو العملي السلوكي؛ لأن الغلو السلوكي العملي الاعتقادي لم ينشأ عنه فرق انشطارية، وأوضح مثال على ذلك الصوفية، فعندما كانوا موجودين في صدر الإسلام لم يكونوا يشكلون فرقة خطيرة على المجتمع المسلم، فقد كانوا في بداية أمرهم على الزهد والاستقامة على السنة وإصلاح الظاهر والباطن، لكنهم لما طرأ عليهم بعد ذلك انحرافات في قضايا كلية اعتقادية كبدعة ادعاء العصمة لمشايخهم ونحو ذلك من أمور الغلو الكلي الاعتقادي، فحينئذ صاروا فرقاً شتى، منهم الملحد، ومنهم المبتدع، ومنهم من هو دون ذلك. ......

الفرق بين الغلو الكلي الاعتقادي والغلو الجزئي العملي

أولاً: منطوق النصوص، فقد وردت في الغلو الكلي الاعتقادي أحاديث تدل على أنَّه بسبب هذا الغلو ستظهر جماعات وفرق وأحزاب، كحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه في قصة الرجل الذي اعترض على قسمة النبي صلى الله عليه وسلم والعياذ بالله، فهذا الرجل قال كلمة خطيرة والعياذ بالله، قال: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله! فقال عليه الصلاة والسلام: (ويلك! من يعدل إذا لم أعدل؟! ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجل من القوم في قتله -يقولون: إنه خالد بن الوليد- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من ضئضئ هذا قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان). هذا الحديث يخبر عن فرقة الخوارج؛ لأن من صلب الرجل خرجت فرقة الخوارج، فأخبر أنه لا يرفع ثوابهم إلى السماء، ولا يقبل الله منهم هذا العمل، وهذا الوصف -في الحقيقة- للخوارج يتضح ويتبين منه أن الإخلاص وحده لا يكفي، بل لابد من الإخلاص والمتابعة معاً، فالخوارج لو اطلعت على اجتهادهم وإخلاصهم في العبادة لرأيت عجباً، كان يقول عنهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( رأيت قوماً أيديهم كأنها نقر الإبل، جباههم قرحة من كثرة السجود ) وكذلك صارت الركب مثل جلود الإبل في الخشونه من شدة العبادة والركوع والسجود، ولما دخل ابن عباس معسكرهم كي يناظرهم سمع دوياً كدوي النحل وهم يتلون القرآن، لكن -وللأسف- مع اهتمامهم بتلاوة القرآن فإنهم لا يفقهون القرآن، وهذا هو أحد أوصافهم الأساسية، كما سنبين إن شاء الله تعالى. وكان عندهم ورع غريب جداً، لكن هذا الورع وجوده عدمه سواء، فهم لم يتورعوا عن قتل بعض الصحابة، وبقر بطون النساء الحوامل، وتكفيرهم للمسلمين، والخروج على علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وهذه المأساة التي حصلت منهم، ومع ذلك كانوا في سيرهم زهاداً، فهذا واحد منهم أخذ تمرة من النخل فأكلها فقال له صاحبه من الخوارج: أخذتها بغير حقها! فما زال به حتى لفظها تورعاً. وهذا آخر معه سيف أراد أن يجربه، فمر به خنزير لأهل الكتاب فقتله، فقالوا: قتلته بغير حق. وذهبوا إلى صاحب الخنزير ودفعوا له قيمة هذا الخنزير، في حين تواطئوا على قتل المسلمين وإراقة دمائهم بغير حق، كما هو معلوم من سيرهم. وجاء في بعض الآثار عن بعض السلف أنه قال: إن الشيطان إذا أراد أن يهلك إنساناً خلى بينه وبين العبادة وأمره بالخشوع والبكاء كي يصطاده ويصطاد به، حتى يجتهد في جانب العبادة على غير بصيرة، فيكون مبتدعاً وفتنة لكل مفتون. فالشاهد من الكلام أن الشريعة نفسها فرقت بين الغلو الاعتقادي الكلي والغلو الجزئي العملي، فهنا النبي عليه الصلاة والسلام في جانب الغلو الاعتقادي حينما تكلم عن الخوارج قال في حقهم: (يخرج من ضئضئ هذا قوم) وذكر كلمة قوم، أي: فرقة صفاتهم كذا وكذا وكذا. أما الغلو الجزئي العملي فمثاله ذلك الذي كان يغلو غلوا شديداً في قيام الليل، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد) فقوله: (ليصل أحدكم) عبر فيه بالواحد . وقوله: (نشاطه) أي: مادام نشيطاً فليصل قائماً، فإذا فتر فليقعد، ولا يضع حبلاً بين الساريتين ويتعلق به؛ لأن هذا شدد على نفسه وكلفها فوق طاقتها. وكذلك الغلو الاعتقادي الكلي بلاؤه عام على الأمة كلها؛ لأن الإنسان حين يغلو في اعتقاد ما، كأن يعتقد كفر المسلمين فهل سيقتصر على هذا الحد أم أن وراء هذه العقيدة مفاسد وأضراراً لا تحصى، علاوة على شناعة النطق بغير علم في مثل هذه القضية الحساسة، فيترتب عليها استحلال للدماء واستحلال للأعراض، وكم سمعنا من المآسي في هذا الباب، تجدهم يتزوجون المرأة وهي على عصمة زوجها؛ لأن هذا كافر حسب زعمهم، فيطلقها من زوجها ويتزوجها، وكذلك محاولة إراقة دماء كثير من المسلمين، ومعروفة حادثة قتل الشيخ الذهبي رحمه الله. فإذاً: لا تقف القضية عند مجرد وجهة نظر فحسب، لكنها تنعكس في سلوك عملي شديد الضرر على المجتمع أو على المسلمين. فإذاً: الغلو الكلي الاعتقادي عام الضرر على الأمة كلها، بينما ضرر الغلو الجزئي العملي مقتصر على الغالي والمتطرف نفسه. وأيضاً: الغلو الاعتقادي الكلي مطرد الضرر في كل الأحوال وباستمرار، بينما الغلو الجزئي نسبي، بحيث يكون مؤثراً على الشخص نفسه وغير مؤثر على شخص آخر.......

الأوصاف التي تجمع وتربط الغلاة ببعضهم على مر الدهور والأزمان

إن الناظر في الغلاة وفي الفرق الغالية يجد على مر العصور أن بينهم خصائص وأوصافاً معينة تجمعهم وتربطهم ببعضهم تكاد تطرد فيهم، وقد ذكر العلماء لهم أوصافاً إجمالية وتفصيلية. والمطرد هنا في كثير من فرق الغلاة وصفان يجمعانها، فكأن هذين الوصفين قاسم مشترك بين كل الفرق الغالية، وهذان الوصفان بينهما النبي عليه الصلاة والسلام في قصة الرجل الذي اعترض على قسمته صلى الله عليه وسلم وإعطائه صناديد نجد أكثر من غيرهم، وفي هذا الحديث (ثم أدبر الرجل فاستأذن رجل من القوم في قتله -ويرون أنه خالد بن الوليد رضي الله عنه- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من ضئضئ هذا قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) فوصفهم بوصفين، وهذا الوصفان مطردان غالباً في الفرق الضالة كلها. ......

الوصف الأول: عدم فهم القرآن ورد السنة

هؤلاء الغلاة الضالون قد يحتجون بآيات من القرآن، ولكن لا يفهمونها الفهم المناسب والفهم الصحيح. إذا: فالقرآن لا نستطيع أن نفصله عن البيان العملي، والسنة بمثابة المذكرة التفصيلية التي تشرح القرآن، فلا نستطيع أن نستقل بفهم القرآن دون الرجوع إلى السنة وإلى أهل اللغة وأهل العلم في ذلك، فإن أدلة القرآن كثيراً ما تكون أدلة عامة، فترى صاحب الهوى يستدل بها لإثبات باطله، ومن ثم قال بعض العلماء: وكم من فقيه خابط في ضلالة وحجته فيها الكتاب المنزل وليس معنى ذلك أن القرآن يؤيد الفرق الضالة، كلا، وإنما العيب فيهم؛ لأنهم أساءوا فهم القرآن ولم يحسنوا تفسيره على الفهم المستقيم. وهذان الوصفان الموجودان في هذا الحديث يجمعهما قول الله عز وجل في الإنسان: إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72] الظلم والجهل، فهذا هو الوصف المشترك بين جميع الفرق الضالة. فالسبب عدم فهمهم للقرآن، ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم ) أي: أنهم يأخذون أنفسهم بقراءة القرآن وإقرائه وهم لا يتفقهون فيه ولا يعرفون مقاصده. يقول النووي رحمه الله: المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إلا مروره على لسانهم. أي: القرآن لا يصل إلى حلوقهم فضلاً عن أن يصل إلى قلوبهم؛ لأن المطلوب تعقله وتدبره بأن يقع ذلك في القلب، ومن ثم فعدم فهمهم لآيات القرآن يجعلهم يحملون آيات أنزلت في المشركين ويطبقونها على المسلمين، حتى قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما في الخوارج: ( إنهم انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين ). ومن مظاهر عدم فهمهم للقرآن أنهم يتبعون متشابه القرآن ويعرضون عن المحكم، كاستشهاد الخوارج على إبطال التحكيم بقول الله تبارك وتعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام:57] فالخوارج لما قبل علي رضي الله تعالى عنه مبدأ التحكيم قالوا: كفرت بالله، والله عز وجل يقول: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام:57] وأنت تحكم الرجال، فقال أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه: (نعم إن الحكم إلا لله كلمة حق أريد بها باطل) ولذلك لما تولى ابن عباس رضي الله تبارك وتعالى عنهما مناظرتهم قال لهم ابن عباس في الرد على هذا الاستدلال: ألم يقل الله عز وجل: ……. فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا [النساء:35]؟ فها هو القرآن نفسه يشرع لنا عند وصول النزاع بين الرجل وامرأته إلى هذا الحد مبدأ التحكيم، فهل إصلاح حال امرأة مع زوجها أهم أم إصلاح حال الأمة؟. هذه أمة انقسمت وتقاتلت، ففي أيهما التحكيم يكون أولى، في إصلاح حال الأمة وهذا الذي رضي به علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما نادوا إلى تحكيم القرآن، أم في إصلاح حال الزوجين؟! وكذلك لو أن امرءً اصطاد صيداً وهو محرم كأرنب أو غير ذلك، فقد شرع القرآن الكريم في ذلك مبدأ التحكيم، وذلك في قوله تعالى: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ [المائدة:95] كما هو معلوم، فهذا في دم أرنب، أفلا يكون التحكيم أولى في حقن دماء المسلمين؟! فهذا استدلال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد رجع بسببه الآلاف لما سمعوا مناظرته القيمة معهم. قال الحافظ : وكان أول كلمة خرجوا بها قولهم: (لا حكم إلا لله)، انتزعوها من القرآن وحملوها على غير محملها، فأدى بهم هذا القصور في فهم القرآن إلى الخروج عن السنة، وجعل ما ليس بسيئة سيئة وما ليس بحسنة حسنة، فهم إنما يصدقون الرسول صلى الله عليه وسلم فيما بلغه من القرآن دون ما شرعه من السنة التي تخالف بزعمهم ظاهر القرآن. ولذلك هذا الرجل الذي هو أساسهم وأصلهم ماذا حصل منه؟ لقد كان بداية ضلاله وشؤم ضلاله اعتراضه على حكم النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك تجد شؤم هذه المخالفة موجوداً في كل الخوارج تقريباً، تجدهم يستدلون بالقرآن ويستقلون بفهمه ويفصلونه عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم المبينة له، بزعم أن السنة تخالف ظاهر القرآن. فهذا فيما يتعلق بكلمة (جهولاً) أي: عدم فهمهم للقرآن الكريم وأثر الانحراف في هذا.

الوصف الثاني: الظلم واستحلال دماء المسلمين

الوصف الثاني هو الظلم، فهم يفترون على الله سبحانه وتعالى بالاستدلال بآياته في غير ما أنزلت له، ويظلمون خلق الله باستحلال حرماتهم عن طريق التكفير واستحلال الدماء، وقد ورد في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في وصفهم قال: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) وهذا بناء على تكفير المسلمين الذي يكاد أن يكون وصفاً مشتركاً بين طوائف الابتداع والغلو. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: الفرق الثاني بين الخوارج وأهل البدع أنهم يكفرون بالذنب والسيئات، ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم، وأن دار الإسلام دار كفر ودارهم هي دار الإيمان. وكذلك يقول في جمهور الرافضة وجمهور المعتزلة والجهمية وطائفة من غلاة المنتسبة لأهل الحديث والفقه ومتكلميهم. فإذاً: استحلالهم دماء المسلمين ثمرة ونتيجة لغلوهم وابتداعهم؛ لأنهم يرون من ليس على طريقتهم خارجاً عن الدين حلال الدم، وهذا شأن كل صاحب بدعة، كما قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: محدثان أحدثا في الإسلام: رجل ذو رأي سوء زعم أن الجنة لمثل من رأى مثل رأيه، فسل سيفه وسفك دماء المسلمين، ومترف يعبد الدنيا لها يغضب وعليها يقاتل. ويقول أبو قلابة رحمه الله: ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف. وكان أيوب السختياني رحمه الله يسمي أصحاب البدع خوارج، ويقول: إن الخوارج اختلفوا في الاسم واجتمعوا على السيف. أي: اجتمعوا في الخروج على المسلمين. إذاً: فهؤلاء يجمعون بين الجهل بدين الله وبين ظلم عباد الله، فجهلهم بدين الله تعالى حيث يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، والظلم لعباد الله حيث يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، وهاتان طامتان عظيمتان. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: طريقة أهل البدع يجمعون بين الجهل والظلم، فيتبعون بدعة مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم، وينبني على هذا التكفير استحلال دماء المسلمين وقتل أهل الإسلام وترك أهل الأوثان. وهذا الأمر في الغالب، وليس مطرداً في كل الأحوال، ويمكن أن تضاف إلى هاتين الصفتين صفات أخرى -أيضاً- تتميز بها بعض فرق أهل البدع.

الغلو العملي حكمه وأمثلته وضوابطه

ما مضى كان متعلقاً بالغلو الكلي الاعتقادي، أما النوع الثاني فهو الغلو الجزئي العملي أو السلوكي، والمراد بالجزئي ما كان متعلقاً بجزئية أو أكثر من جزئيات الشريعة العملية، سواء أكان قولاً باللسان أم عملاً بالجوارح، وذلك مثل قيام الليل كله. وإذا كان الغلو الجزئي العملي مرتبطاً بعقيدة فاسدة انتقل إلى كونه غلواً كلياً اعتقادياً، وذلك مثل من يعتزل مساجد المسلمين؛ لأنه يراها مساجد ضرار، فهذا غال غلواً كلياً اعتقادياً. وكذا إذا تعددت أبواب الغلو الجزئي العملي تحولت إلى غلو كلي اعتقادي؛ لأن الضرر المترتب عليها نظير الضرر المترتب على الغلو الكلي الاعتقادي. وقد عالج النبي صلى الله عليه وآله وسلم صوراً من الغلو العملي التي حدثت في عصره، فمن ذلك ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالوها -أي: قالوا: هذه عبادة قليلة- فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا. وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) فانظر إلى الشدة مع المبتدع والغالي، فاعتبر مثل هذا غلواًً وخروجاً عن هديه وسنته صلى الله عليه وآله وسلم. وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه -أيضاً- قال: (دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد فإذا حبل ممدود بين ساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبل لـزينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها، تقوم الليل فإذا فترت وتعبت من كثرة الصلاة فإنها تتعلق بهذا الحبل وهي تصلي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد) فقوله: (ليصل أحدكم نشاطه) يعني: أن تصلي قائماً ما دمت نشطاً وقادراً على القيام، فإذا تعبت وفترت فارقد، أو اجلس. فهذا فيه الحث على الاقتصاد في العبادة والنهي عن التعمق والتنطع فيها. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل)- وأبو إسرائيل هذا صحابي كان مشهوراً بكنيته، واختلف في اسمه، فقيل: اسمه: يسير ، قالوا: (أبو إسرائيل) نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه) فأقره على الفعل الشرعي فقط، أما ما عدا ذلك من هذا التنطع فألغاه. قال الحافظ ابن حجر : وفيه أن كل شيء يتأذى به الإنسان ولو مآلاً مما لم يرد بمشروعيته كتاب أو سنة، كالمشي حافياً، والجلوس في الشمس ليس هو من طاعة الله، فلا ينعقد به النذر. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل وعندها امرأة فقال: من هذه؟ قالت: فلانة. وأخذت تذكر من صلاتها واجتهادها في العبادة، قال: مه عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا، وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه) قوله: (عليكم بما تطيقون) أي: اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه، فمنطوقه يقتضي الأمر بالاقتصاد على ما يطاق من العبادة، ومفهومه يقتضي النهي عن تكلف ما لا يطاق من العبادات. وكذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما في تشدده في موضوع الصيام وغيره وكيف عالجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم. إذاً: يتبين من هذا كله أن المسلم لا يحتاج إلى أن يوجب شيئاً جديداً على نفسه يتقرب به إلى الله عز وجل، فإن ذلك من تجاوز الحدود التي حددها الله وأوضحها، كما أنه لا يجوز للمسلم أن يحرم الطيبات التي أحلها الله عز وجل له، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ [المائدة:87-88]. كما يتضح ذلك في بعض روايات النفر الثلاثة حيث حرم بعضهم على نفسه أكل اللحم، فهذا من الابتداع والتنطع والغلو. فترك الطيبات تنسكاً وتعبداً لتعذيب النفس والتشديد عليها شبهة افتتن بها كثير من العباد والمتصوفة، متبعين في ذلك سنن من قبلهم من رهبان النصارى الذين ابتدعوا رهبانية لم يؤمروا بها في الدنيا، وذلك بتحريم الحلال وإضاعة المال، فإن كل ذلك مما جاء الشرع بالنهي عنه والتحذير من الوقوع فيه. ......

ضوابط في مفهوم الغلو وغيره من المصطلحات الحديثة

سبق أن تكلمنا أن الشرع دائماً يرغب في التيسير وفي رفع الحرج، وأن الإنسان لا يشدد على نفسه، وأن يختار دائماً الأيسر ما لم يكن إثماً، كما كان فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتكلمنا في مقدمة الكلام عن معنى الغلو، وبينا أن الغلو معناه مجاوزة الحدود التي حدها الله تبارك وتعالى. إذاً: أصل الإنسان الغالي أنه يقصد من غلوه التقرب إلى الله سبحانه، فهو ينظر إلى معنى قوله تبارك وتعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] لكنه لا ينظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: (خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم) فيتجاوز هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن ثم يتجاوز حدود الله. ولذلك يقول العلماء في تعريف البدعة: هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بها المبالغة في التعبد لله عز وجل. فكل مبتدع يقصد المبالغة في العبادة ولا يقنع بالحدود التي حدت له. والغلو هو في حقيقته حركة في اتجاه القاعدة الشرعية والأوامر الإلهية، لكنها حركة تتجاوز في مداها الحدود التي حدها الشارع، فهو مبالغة في الالتزام بالدين وليس خروجاً عنه في الأصل، بل هو نابع من الرغبة في الالتزام به. وأمر آخر هو أن الغلو ليس دائماً في الفعل، بل يدخل فيه الترك أيضاً، فمثلاً: ترك الحلال وتحريمه نوع من أنواع الغلو، هذا إذا كان تركه للحلال تديناً، أما إذا ترك المسلم الحلال من الطعام لأن الطبيب نهاه عن أكله لأنه يضره فهذا أمر لا حرج فيه، لكن أن يترك المسلم شيئاً من الطعام متعبداً بذلك ومتنسكاً ومتقرباً إلى الله بتركه فهذا مبتدع ضال، وهذا غلو في الدين وتجاوز لحدود الله، وهذا من الظلم. ثم إن نسبة الغلو إلى الدين -كما يقول بعض الجهلة أو الخصوم للدعوة الإسلامية: الغلو الديني، أو التطرف الديني- هو تجوز في العبارة؛ إذ الغلو إنما هو في أسلوب التدين لا في الدين نفسه، والأسلوب هذا إنما هو راجع إلى البشر؛ لأنهم غير معصومين، وليس راجعاً إلى الدين نفسه الذي هو دين الله سبحانه وتعالى، فلا يصح أن تقول: الغلو الديني أو التطرف الديني كما ذكرنا، ولذلك جاء التعبير القرآني: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [المائدة:77] قوله: (لا تَغْلُوا) يعني: لا تغلوا غلواً دينياً. وقال عليه الصلاة والسلام: (إياكم والغلو في الدين) ولم يقل: إياكم والغلو الديني. فهذا راجع إلى السلوك وليس إلى الدين نفسه، فالدين براء من الغلو، وهذا المعنى إذا اتضح لكثير من الجهلة ممن يحملون هذه الحملات على المسلمين وعلى عباد الله لكان لزاماً عليهم أن يستغفروا حتى الممات مما صنعوا من التنفير من الدين بسبب استعمال هذه العبارات المنفرة. فالتطرف الديني والتعصب الديني والغلو الديني كلها ألفاظ غير صحيحة؛ لأن الدين ليس فيه غلو وليس فيه تطرف، وإنما الغلو يكون في سلوك بعض من ينتسبون إلى الدين. فيجب أن يتأمل الإنسان قبل أن يحكم على شيء من الأشياء بأنه غلو، وذلك بأن ينظر إلى العمل بدقة، فقد يحكم عليه بأنه غلو مع أنه في ذاته ليس غلواً، لكن الوسيلة إليه قد تكون من باب الغلو، فيقع الخلط في هذا الباب، وهذا سوف يشرح إن شاء الله تعالى فيما بعد بالتفصيل. ثم إنه ليس من الغلو طلب الأكمل في العبادة، ولكن من الغلو الإثقال على النفس إلى درجة الملل، فطلب الأكمل في العبادة مثل أن تكثر من صلاة النافلة، فهذا شيء حسن ومحمود؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (الصلاة خير موضوع، فمن استطاع أن يستكثر فليكثر) إذاً ليس المراد بالنهي عن الغلو منع طلب الأكمل في العبادة؛ لأن هذا من الأمور المحمودة، لكن المقصود من المنع من الإفراط المؤدي إلى الملل، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك ما هو أفضل. وليس من العدل من العبد أن يصف شخصاً بالغلو إذا التزم رأياً فقهياً، فلا تعتبر وجهة النظر المخالفة تشدداً مادام التزام المرء جاء بناء على أحد أمرين: إما اجتهاد سائغ شرعاً بأن بلغ درجة الاجتهاد، وإما تقليد لعالم من العلماء موثوق في دينه وعلمه لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد. لقد تعودنا أن نسمع إذا خالف شخص في قضية ما أن مخالفه يصفه بأن متشدد، وذكر هنا بعض الشيوخ مثالاً يقول فيه: رأيت امرأة تلبس جلباباً يغطي كل بدنها وفتحة واحدة فقط للعين تنظر منها الطريق وغير ذلك، فقلت: ما هذا التشدد وما هذا الغلو؟! فهذا الإنكار في مثل هذه المسألة لا يجوز، بغض النظر عن التحقيق العلمي في القضية؛ لأنه رأي ناشئ عن اجتهاد، سواء أكان اجتهاد أحد الأئمة الكبار أو اجتهاد من هو موثوق بعلمه لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد، وكان مأموناً في دينه وفي علمه من عدم اتباعه للهوى. إذاً: لا يجوز أن تصف الرأي المخالف لك في مثل هذه القضايا بأنه غلو في الدين، بخلاف أهل الجهل وأهل البدع، فإنهم يتكلمون بالهوى، يقول الله عز وجل عنهم: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ [النجم:23] لكن هذا اتبع أدلة شرعية معتبرة، فالأخذ بالرأي الأشد من الآراء المختلفة لا يعد دليلاً على الغلو، فقد يكون تشدداً من وجهة نظر المخالف، لكن هو في الحقيقة لا يراه تشدداً، بل هو يراه حكم الله، فلذلك لا يجوز استعمال مثل هذه العبارات الشديدة كالتنطع أو الغلو أو التطرف في حق من يأخذ برأي يراه مخالفاً وتشدداً، بينما يراه مخالفه أقرب إلى حكم الله. وهناك غلو من جهة أخرى، مثل أن يأخذ الإنسان برأي، وهذا الرأي رأي صواب، وتجد صاحب هذا الرأي يصف المخالفين له بالمروق من الدين، كما يحصل أحياناً من بعض علماء الظاهرية إذا كان الحق معهم، فإذا بهم يسلطون ألسنتهم على من خالفهم في قضية فقهية ويقولون: لا يقول بهذا إلا فاسق لا مروءة عنده ولا دين. ويشتمون أئمة العلم وأئمة الهدى، وقد يكون الذي خالفهم إماماً جليلاً كالإمام أبي حنيفة أو الشافعي أو غيرهما فتجد كلاماً فظيعاً تقشعر منه الجلود، فهذا غلو في أسلوب الانتصار للرأي وليس غلواً في الرأي ذاته، فقد يطرأ الغلو على الرأي الفقهي السليم بسبب أسلوب الشخص الذي يدافع عن هذه القضية. كذلك في المقابل تجد إنساناً يأخذ بقول شيخ معين على أساس أن هذا الشخص معصوم لا يخطئ ولا يتطرق إلى كلامه خطأ على الإطلاق، فهذا -أيضاً- من مظاهر الغلو؛ لأنه ينتصر له بغير هدى من الله، فغاية علمه أنه مقلد. إذاً: يمكن أن يكون للإنسان رأيه في قضية، أو عقيدته في قضية هي حق، ولكن وسيلته في إقناع الآخرين لهذا الدفاع والانتصار لهذا الرأي هي التي يدخلها الغلو. لقد كان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما متشدداً في فقهه، كان يميل إلى الاحتياط الشديد في العبادة، لكن هل وصفه واحد من الصحابة بالغلو؟ هذا لم يكن. إذاً: ينبغي على الإنسان إذا أراد أن يصف انحرافاً عن شريعة الله تبارك وتعالى أن يطلق وصفاً عاماً، بل يختلف الأمر بحسب درجة الانحراف. ومن قواعد الشريعة أنه لا يكفي الانحراف في قضية جزئية في جماعة أنت تعلم أنها خارجة عن الدين أو أنها فرقة ضالة من فرق أهل النار حتى يكون انحرافها في قاعدة كلية من قواعد الشريعة أو في مسألة كلية من كليات الدين، فيطلق الوصف، بل لابد من أن نقول: النصارى عندهم غلو في عيسى عليه السلام حيث رفعوه إلى مقام الألوهية. يقول شيخ الإسلام : والبدعة التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر به عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الخوارج والرافضة والمرجئة. ولا يعني هذا أن غيرها من الفرق ليست منحرفة، بل المقصود أن الابتداع أو الغلو الفرعي لا يصل بصاحبه إلى أن يعد من أهل البدع والغلو بإطلاق، بل يقال: غال في العمل الفلاني. أو: مبتدع في الأمر الفلاني. فلو أن الإنسان وضع يديه على الصدر بعد الرفع من الركوع فبعض العلماء -مثل الشيخ ناصر الدين الألباني- تكلم في هذه القضية وقال: هذا ابتداع. أو: هذه بدعة وضلالة. فيأتي بعض الإخوة الذين عندهم في فهمهم قصور فيقولون: إن الشيخ الألباني يقول عن الشيخ الفلاني: إنه مبتدع وضال. مع أن الشيخ الألباني لم يقل: مبتدع. ولم يقل: ضال. وإنما قال: هذه بدعة. نقول: هناك فرق بين أن تصف الفعل بأنه بدعة وبين أن تطلق على الشخص وصفاً عاماً بأنه مبتدع، ففي مثل هذه القضايا الجزئية الدقيقة لا ينبغي إطلاق وصف الغلو أو البدعة بصورة عامة، لكن لو أن شخصاً ابتدع في موضوع معين فلك أن تقول: ابتدع في الموضوع الفلاني، ابتدع في الأذان، ابتدع في كذا. لكن لا تطلق الوصف إلا بالضابط الذي ذكرناه، فإطلاق وصف الغلو دون انتباه إلى هذا التقسيم تجوز في العبارة وتعميم في الحكم، وهو مثيل ما يتهم به الغلاة. ومن وصف مسلماً ارتكب كفراً عملياً بالكفر وبأنه كافر مطلقاً فهذا يعتبر غلواً منه هو ذاته، وهكذا. فتعميم إطلاق أوصاف التكفير والتفسيق دون رجوع للضوابط الشرعية هو -في حد ذاته- غلو من فاعله. ومن الأمور التي ينبغي ملاحظتها حينما نطلق لفظ الغلو هو الحرص على اللفظ الشرعي، كما يقول شارح الطحاوية رحمه الله: والتعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية النبوية الإلهية هو سبيل أهل السنة والجماعة وطريقتهم، فهم يعبرون عن الحقيقة في القضايا المختلفة بالمصطلحات الشرعية التي استعملت في الكتاب والسنة. فمثلاً: قضية الفوقية. فأهل السنة لا يقولون: التحيز ولا الجهة، ولا مثل هذه العبارات التي أحدثها المبتدعون، لكنهم يستعملون ما ورد في الشريعة ولا يحيدون عنه أبداً. وكذلك لا نقول: هذا تطرف. بل نقول: هذا غلو؛ لأن التطرف لفظ أو مصطلح محدث ليس من الألفاظ الشرعية، لذلك لا تجد في كلام أهل العلم لفظ التطرف إلا على سبيل الندرة في مواضع متفرقة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهذا يدل على أنه لا مانع من مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم إذا احتيج إلى ذلك وكانت المعاني صح......

مفهوم الغلو عند المسلمين وعند الغربيين

هناك فرق بين مفهوم الغلو عند المسلمين وبين مفهوم الغلو عند الغربيين، فالغلو عند الغربيين يعبرون عنه بهذه الكلمة التي ذكرناها، أي: (الأصولية) فهم يطلقون على حركات الغلو والتطرف كلمة (exstravagant) باللغة الإنجليزية، وهذا المصطلح يرمز لمذهب معين في الحياة الغربية، والعقلية الغربية بمجرد سماعها لهذا المصطلح تتذكر واقعاً مر بها، ولكي نفهم الاصطلاح الغربي لابد من أن ندرس معنى ذلك المصطلح، وتاريخ نشأة الجماعة النصرانية المسماة بمصطلح الأصولية، وحتى نفهم حقيقة كلمة الأصولية هذه فها نحن نقول: مجلس الأمن الدولي. فهل صحيح من حيث النسبة أنه مجلس الأمن الدولي؟! إن مصطلح الأصولية في مفهوم عامة الناس في الغرب هو التمسك الحرفي بالإنجيل. ويرى بعض الباحثين الغربيين أن هذا التعريف بعيد عن الدقة، وأنه إذا أريد تعريف الأصولية فلابد من استعراض مجموعة من الصفات التي لا يقرها معظم النصارى، وهي في الوقت نفسه صفات مشتركة بين فئات الأصوليين النصارى. أبرز تلك الصفات -كما ذكرها هو وغيره من الباحثين- في الأصولية النصرانية ما يلي: أولاً: عصمة الإنجيل عند الأصوليين وتنزيهه من أي نوع من أنواع الخطأ، لا في العقيدة والأخلاق فحسب، بل وفي كل ما يتعلق بالتاريخ ومسائل الغيب. ثانياً: أخذ الإنجيل بمعانيه الظاهرة بلا تأويل، أي: أخذه أخذاً حرفياً؛ لأنه يمثل كلمة الله مدونة بالحرف الواحد. ثالثاً: الإيمان بكل ما ورد في الإنجيل يعد أساسياً بالنسبة لحياة المسيحية. رابعاً: رفض الآراء والنظريات الحديثة في علم اللاهوت والدراسات التي تتضمن نقداً للإنجيل وما ينتج عن ذلك من استنباطات وأطروحات. خامساً: رفض الآراء العلمية المناقضة لما في الإنجيل، كنظرية النشوء والارتقاء، حيث هدفت الأصولية إلى تفنيد كل المحاولات الرامية إلى استخدام المذاهب العلمية الحديثة في التعامل مع نصوص الإنجيل. سادساً: رفض الفصل بين الكنيسة والدولة، والطلب إلى السياسيين أن يأخذوا قراراتهم حسبما يأمر الله. سابعاً: القول بمبدأ الألفية، وملخصه أن العالم أشرف على النهاية، وأن ألفاً من السنين ستبدأ بعد هذه النهاية، وهي تتميز بالسلام ووفرة الخيرات وتكون بداية هذه السنين بنزول عيسى عليه السلام. وبناء على هذا المبدأ فإنهم يؤيدون ما يسمى بمبادرة حرب النجوم؛ لأنها تمهد لتدمير العالم تحقيقاً لتلك النبوءات، وهذا ما ذكره ريجن وكان ينتصر له رسمياً، كان يقول: علينا أن نتعاون مع اليهود حتى يمهدوا لمعركة الملحمة. ويسمونها موقعة (هرمجدون). إذاً: الغربيون يعتقدون بهذه الحرب وأنها ستحصل بينهم وبين المسلمين. وفي حرب الخليج عبروا عنها ببعض التصريحات، كقولهم: إننا ذهبنا لهذه الحرب المقدسة أو للتمهيد لها. ثامناً: أن فهم الأصوليين هو الفهم الوحيد الصحيح على الإطلاق للديانة النصرانية، يقول أحد الباحثين الغربيين: إن الأصوليين يؤمنون إيماناً مطلقاً بأن فهمهم للدين هو المفهوم الصحيح والوحيد على الإطلاق. تاسعاً: أن الأصوليين هم المسيحيون الحقيقيون، ويحبون أن يسموا أنفسهم بذلك. وأصحاب المذهب نفسه يفخرون بهذا الوصف، هذا فيما يتعلق بأمور الاعتقاد. ......

أبرز صفات الأصوليين العملية في الغرب

أولاً: اهتمامهم بالجانب السياسي. يقول بعض الكتاب: هم يشبهون أصحاب الأحزاب السياسية التي تود الاستيلاء على الحكم والسلطان من طريق تكثير السواد والحصول على كثرة نيابية في الولايات التي تكثر فيها جموعهم، ولذلك دخل بعض الأصوليين انتخابات الحزب الجمهوري الأمريكي المهيئة للانتخابات الرئاسية الأمريكية، وفاز المرشح الأصولي في ولاية ميتشجن، فنال نصف أصوات المندوبين الحزبيين. ومن أدلة اهتمامهم بالأمور السياسية أن بعض زعاماتهم البارزة تؤيد مرشحين معينين في الانتخابات الأمريكية. ثانياً: يسعى الأصوليون إلى استنان الشرائع والقوانين الرسمية المؤيدة لمذهبهم والمفوضة لمخالفيهم. ثالثاً: في السلوك الفردي يمتنع الأصوليون النصارى عن تناول بعض المحظورات، فأغلبهم لا يتعاطون الخمر، ولا يشربون الدخان، كما أنهم لا يشاركون في حفلات الرقص، ولا يذهبون إلى السينما أو المسرح، إذ إن ذلك كله محرم على المنتمين للتيار الأصولي النصراني، ولعلنا سمعنا عن طائفة موجودة في أمريكا اسمها: (طائفة الأمش) وهؤلاء أناس يعيشون على الفطرة تماماً، ويرفضون أي شيء مصنوع من الأشياء الحديثة. أي: لا يستعملون الكهرباء، ولا الملابس مصنوعة، كذلك الطعام المعلب المصنوع، ويعيشون في مناطق ريفية، والنساء فيهم محجبات بحجاب شبه كامل، وكل منتجاتهم وكل أكلهم من الأشياء الطبيعية، مثل الأجبان والألبان ونحو هذه الأشياء، ولا يشترون أي شيء صناعي، حتى السيارات لا يستعملونها. ......

دلالة مصطلح الأصولية عند الغرب

تعتبر كلمة (الأصولية) كلمة تدل على الازدراء في المجتمع الغربي، يقول أحد الباحثين الغربيين: إن كلمة (الأصولية) تعتبر كلمة غير محببة للنفس، فهي عبارة تقترن عادة بالعداء والازدراء، وتدل على ضيق الأفق، والتعصب الأعمى، والنزعة المناهضة للتقدم وانتشار العلم، والنزعة الطائفية. ويؤكد أن ذلك كان سبباً في شعور الناس في الغرب بالحساسية والنفور إزاء المسمين بهذا الاسم. ونظراً لهذه الخلفية عن مصطلح الأصولية يكره الأصوليون النصارى أن يطلق عليهم، ويفضلون أن يسموا بأحد هذين الاسمين: (الإنجيليين) أو (الإنجيليين المحافظين) وهذا ما ينفي صحته كثير من الباحثين الغربيين، يقول أحدهم: إن مصطلح (الأصولية) هو التعريف المعتاد والمتداول عموماً في اللغة الإنجليزية للظاهرة التي نحن بصددها. ......

نشأة الأصولية النصرانية وانتقالها إلى البلاد الإسلامية

نشأت الأصولية النصرانية في القرن التاسع عشر الميلادي، حيث عقدت حلقات ومؤتمرات للبروتستانت المحافظين، وفي أحد المؤتمرات -وهو مؤتمر (نياجرا)- في سنة (1995م) ميلادية أعلنت أسس الحركة الأصولية، ولكن الكنائس البروتستانتية انشقت في أوائل القرن العشرين فصار أتباعها فريقين: الأصوليين، والعصرانيين، ثم في الفترة ما بين (1901م) إلى (1915م) نشر الأصوليون في أمريكا عدة كتابات بعنوان: (الأصوليات) واستعملت فيها عبارة (الأصوليين) للدلالة على العناصر المتمسكة بالتعاليم التقليدية، والأفكار المستوحاة من النصوص الإنجيلية، والاعتقاد بألوهية عيسى عليه السلام وعذرية ميلاده، وغير ذلك من الأفكار، واستطاعت هذه الجماعة استمالة أكثر من خمسين ألف شخص في بدايتها. ثم انتقل مصطلح الأصولية إلى البلاد الإسلامية، حيث نقل الغربيون هذا المصطلح ووصفوا به طائفة من المسلمين، وهذا تقريباً من سنة (1395هـ) أو (1975م) حيث دخلت هذه الفترة بأحداث كثيرة منسوبة إلى من يعلنون الإسلام ويدعون إليه، واندلعت بعد هذه الفترة بسنوات الثورة المسماة بـ(الإيرانية) ووقعت -خاصة في المنظمات الشيعية في لبنان- أحداث كثيرة، وحصل من كثير من بعض المنظمات بعض الأشياء التي فيها تهديد لمصالح الغربيين، وبدأت هذه المذاهب أو هذه الجماعات تلتفت للمجتمع الغربي، وذلك لما بدأ الصدام مباشرة وبعض العمليات التي نفذت ضد الغربيين. يقول رجل يدعى دكتور فثري كرايان: إن إطلاق اسم الأصوليين على العديد من الناس قد أصبح شائعاً في الكتابات السياسية والصحفية في السنوات الأخيرة. ومع نهاية عام (1980م) التي هي حوالي (1400هـ) أو (1401هـ) كانت الصحف الأمريكية تنشر الكثير عما نسميه بالمد الأصولي، كما أن هذه الفترة شهدت تنامي الصحوة الإسلامية وظهور المظاهر الإسلامية كالحجاب واللحية والدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وهذا كله جعل الغرب يعيش في حالة من القلق، إلى درجة دفعت ببعض الباحثين إلى وصفها بأنها حالة مرضية. كما أن مصطلح (التطرف) -وهو مقابل في الاستعمال لكلمة (الأصولية)- استعمل أول ما استعمل في إسرائيل عندما بدأ المسلمون يعون ذاتيتهم ويعودون للإسلام، ووعوا أن الإسلام هو مصدر العزة والنصر. وهذا ليس عليه برهان واضح، غير أن هناك دراسة وثائقية نشرت عام (1406هـ) بعنوان (عداء اليهود للحركة الإسلامية) فيها بعض ما ينشر في الصحف اليهودية وأذيع على الإذاعات الإسرائيلية، تذكر الأخبار التخوف الكبير من المتمسكين بالإسلام ووصمهم جميعاً بالتطرف، وبعض هذه الأخبار والمقالات متقدم في تاريخه، مما يشعر بأن اليهود من أوائل من استخدم مصطلح التطرف، وأنهم الذين أسسوه لتلامذتهم، ومعروف دور إذاعة لندن الخبيث في نشر مصطلح (الأصولية) ومقصودهم به كل ملتزم بالإسلام. وعلى أية حال فسواء نشره اليهود أم غيرهم فمن المؤكد أن انتقال هذا المصطلح إنما كان عبر الإعلام الغربي الذي يتحدث عما أسماه. ظاهرة الأصولية الإسلامية، متأثراً في تسميته هذه بالخلفية الموجودة عند الغربيين عن ظاهرة الأصولية النصرانية. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. ......

طريق السلف الشبكة الاسلاميه

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

   طباعة 
0 صوت
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
من تاريخ الصراع بين السلفية والإخوانية

جديد المواد

Separator

روابط ذات صلة

Separator

القرآن الكريم- الحصري

القرآن الكريم- المنشاوي

القرآن الكريم- عبد الباسط

القرآن الكريم- البنا

سلسلة مقالات (ذكريات). د/ ياسر برهامي