الثلاثاء 22 شهر ربيع الأول 1441هـ الموافق 19 نوفمبر 2019م

القائمة الرئيسية

Separator
ختمة مرتلة من صلاة التراويح- رمضان 1438ه

بحث

Separator

القائمة البريدية

Separator

أدخل عنوان بريدك الالكتروني

ثم أدخل رمز الأمان واضغط إدخال

ثم فعل الاشتراك من رسالة البريد الالكتروني

كتاب
الفاتح. د/ أحمد خليل خير الله
مؤلفات الدعوة السلفية في الميزان

حكم المرابحة -1

المادة

Separator
حكم المرابحة -1
4338 زائر
27-10-2016
محمد إسماعيل المقدم

حكم المرابحة [1]

محمد إسماعيل المقدم

بيع المرابحة له صورتان: صورة قديمة جائزة، وصورة حديثة محرمة، وقد أجاز بعض الناس الصورة الحديثة بسبب عدم تمييزه بين الصورتين، ومعرفة صور بيع المرابحة وحكمها مع أدلتها من المهمات لاسيما في الآونة الأخيرة؛ حيث إن البنوك الإسلامية نشطت في هذه المعاملة، مع أنها في الحقيقة تقوم مقام الإقراض الربوي والعياذ بالله من لعنة الله.

أنواع البيوع التجارية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فسنتكلم عن موضوع متعلق بمسألة فقهية ظاهرة، شاعت بين الناس في المعاملات العامة، والمعارض والنقابات، وشاع القول بإباحتها مطلقاً، وهي مسألة حكم بيع المرابحة وهناك حاجة ماسة إلى تحقيق القول في حكم بيع المرابحة للآمر بالشراء. العلماء المعاصرون الذين صنفوا في هذا الموضوع يضطرون إلى ذكر هذا العنوان الطويل: (حكم بيع المرابحة للآمر بالشراء) كما تجريه البنوك الإسلامية في هذا العصر، ولماذا احتاجوا إلى هذا؟ لأن هناك اشتراكاً في لفظ المرابحة بين المرابحة التي عرفها الفقهاء الأقدمون، وتداولوا هذا المصطلح في كتبهم، وبين المرابحة في الوضع الحالي، فلأجل هذا التمييز ولإزالة هذا الاشتراك اللفظي اضطر كل من كتب في هذا الموضوع إلى ذكر هذا العنوان الطويل حتى تتميز المرابحة التي ذكرها العلماء فيما مضى واصطلحوا عليها عما يجري الآن، فيقولون: (بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه البنوك الإسلامية المعاصرة). نبدأ أولاً بتحقيق الاسم نفسه؛ لأن الأسماء هي قوالب المعاني، فالتساهل في الأسماء قد يترتب عليه تطبيق أحكام على غير حقيقتها، فاسم المرابحة قد يختلط على بعض الناس مع بيع المرابحة المحرر عند متقدمي الفقهاء في باب بيوع الأمان، فمن أجل هذا الاشتراك اللفظي لابد أن نبين معناه عند الأقدمين، وقبل ذلك نمهد للموضوع، بأن نجري عملية استقرائية لأنواع البيوع، وهي على ثلاثة أنواع: بيع المساومة، وبيع الأمانة أو الأمان، وبيع المزايدة. ......

النوع الأول: بيع المساومة

هو بيع عن طريق مساومة تحدث بين الطرفين، فيحصل نوع من المساومة في هذا النوع من البيع، ثم يتفق المتبايعان على ثمن البيع، بغض النظر عن الثمن الأول الذي كلف البائع لشراء السلعة أو إنتاجها. بغض النظر عن كثرة الربح أو قلته أو خسارة البائع.

النوع الثاني: بيع المزايدة

وهو بيع من يزيد، وهذا جائز في المزاد، لكن شرطه: ألا يكون هناك نجش، فللبائع أن يقول: من يزيد؟ فهذا يقول: أشتريها بعشرة، وآخر يقول: باثني عشر، وآخر يقول: بخمسة عشر، فيعطيها لمن يعرض أكثر ثمن، فهذا لا حرج فيه من الناحية الشرعية إلا إذا اتفق صاحب المزاد أن يأتي بمن يمارس النجش -بتسكين الجيم- فيحضر المجلس أو المزاد، ثم يرفع الأسعار بالتشاور المسبق والتواصل مع البائع حتى يرفع السعر على الناس وهو لا يريد الشراء.

النوع الثالث: بيع الأمانة

بيع الأمانة أو بيع الأمان: وسمي بيع الأمان لوجود الائتمان بين الطرفين على صحة خبر رفع السلعة بمقدار ما عن رأس المال، فهذا النوع من البيع مبني على الائتمان والثقة؛ فإن البائع إذا قال لك: هذه السلعة اشتريتها بمائة وأربحني فيها خمسين مثلاً أو عشرين مثلاً، فهذا النوع من البيع مبني على أنه صادق فيما يخبر به من أنه فعلاً اشترى السلعة بمائة. وبيوع الأمانة كلها جائزة ما دامت بين متبايعين، وما دامت السلعة في ملك البائع، ويصرح البائع تصريحاً ويقول: اشتريتها بكذا، وقد يأتي بفواتير تبين أنه بالفعل اشترى هذه السلعة بمقدار الثمن الأول على وجه الأمانة، فيقول: أنا اشتريتها بكذا، ويحدد له مكسباً يربحه إياه؛ فيقول مثلاً: أنا اشتريتها بأربعمائة، وأبيعها لك بزيادة خمسين، والثاني قبل، فلا توجد حينها مشكلة؛ لأنه حدد له المبلغ الذي سيربحه إياه، فمجموع الربح خمسون، ولا يوجد غرر ولا جهالة، لأن الزيادة على رأس المال كانت مبلغاً مقطوعاً أو نسبة مئوية من الثمن الأول، فالمشتري يأتمن البائع على كلفة سلعته، ويصدقه فيما يخبره من الكلفة ومقدار ربحه؛ لأنه قد يخشى الغبن في المساومة لجهله بالسلع وأثمانها. فالمشتري الذي ليس لديه خبرة يخدع بسهولة ويغبن، فلذلك جعل الشرع له هذا الباب؛ لأنه لو اشترى ببيع المساومة فالتاجر قد يخدعه، ويبيع له بسعر فيه غبن فاحش ويظلمه، فهذا له سعة في بيع المرابحة؛ حتى نحمي مثل هذا الرجل من أن يظلم بسبب جهله بمقدار الربح، والله سبحانه وتعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27]. وهذا البيع مبني على أن البائع صادق فيما يخبر به من ثمن الأصل، فمثال المرابحة أن يقول البائع: أنا اشتريت هذه الدار بألف، وبعتكها بما اشتريتها به وزيادة مائتين، فيقول المشتري: قبلتها بذلك. فهذا من بيوع الأمانة؛ لأن ما اشترى به البائع لم يعلم إلا من جهته، فإن تبين أنه كذب في الإخبار بالثمن، وأنه إنما اشتراها بتسعمائة فقط؛ وجب حط المائة عن المشتري، ولابد أنه إذا ظلمه أن يعطى حقه، ويخفض من ثمن السلعة.

أنواع بيوع الأمانة

بيع الأمان أو الأمانة على أنواع ثلاثة: الأول: بيع المرابحة، وهذا هو الذي يحصل اشتباه بينه وبين موضوعنا. الثاني: بيع الوضيعة. الثالث: بيع التولية. ......

البيع الأول: بيع المرابحة

هو البيع بأزيد من رأس المال، يقول: أنا اشتريت الدار بألف، وأبيعها لك على أن أكسب فيها مائتين. إذاً: بيع المرابحة هو: البيع بأزيد من رأس المال بمثل الثمن الأول مع ربح مبلغ معلوم ومحدد.

البيع الثاني: بيع الوضيعة أو المحاطة

هو البيع بأنقص من رأس المال، يقول: أنا اشتريت هذه الدار بألف وأبيعها لك بتسعمائة، وهذا داخل في بيوع الأمان؛ لأنه مبني على تصديقه، وأنه أمين فيما يخبر به من الثمن الأصلي، فهو يحط عن رأس المال الأصلي.

البيع الثالث: بيع التولية

هو البيع برأس المال سواء بسواء، يعني يبيع بمثل الثمن الأول بلا ربح ولا خسارة. إذاً: بيع المرابحة عند المتقدمين من العلماء هو بيع السلعة بربح معلوم بين المتعاقدين، وهو الذي يسمونه السلم الحال. فيقول صاحب السلعة: رأس مالي مائة، وأبيعك إياها بمائة وعشرة، فهذا هو معنى قولهم: اشتريت السلعة مرابحة أو بعتها مرابحةً. وما هو ركن هذا العقد؟ ركن عقد المرابحة الأساسي: العلم بين المتعاقدين، فيكون كلاهما سواء في العلم بمقدار الثمن، وبمقدار الربح، فحيث توافر العلم بالثمن وبالربح فالبيع صحيح وإلا فباطل.

حكم بيع المرابحة المعاصر والقديم

بيع المرابحة بصورته القديمة جائز بلا خلاف عند أهل العلم، كما ذكر ذلك الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في المغني، وحكى الوزير ابن هبيرة رحمه الله تعالى الإجماع على إباحتها، وكذا الكاساني، وما زال الناس يتوارثون العمل بهذه المرابحة بأسواقهم من غير نكير، والقاعدة في المعاملات الشرعية هي: أن الأصل في المعاملات الجواز والحل حتى يقوم على المنع دليل، عكس القاعدة في العبادات. وقد قال بعض العلماء: بيع المرابحة مكروه كراهة تنزيه؛ لأن فيه جهالة، ما سر هذه الجهالة؟ قالوا: إذا قال له مثلاً: بعته لك برأس المال مائة جنيه وربح جنيه زيادة في كل عشرة، فهذه جهالة تؤثر في العقد، والصواب أن هذه ليست جهالة، والمشتري يحتاج إلى الحساب ليعلم مقدار الربح، والجهالة هنا مرتفعة؛ لأنه يمكنه معرفة الحساب بسهولة، ومثل هذا لا يوصف بأنه جهالة، وهذا ليس فيه تغرير ولا مخاطرة. إذاً: هناك اشتراك لفظي بين بيع المرابحة عند السابقين وبين بيع المرابحة للآمر بالشراء في صورته الحادثة التي تتعامل بها المصارف المسماة بالإسلامية، فإذا اشتركا باسم المرابحة فهل يشتركان في حكم الجواز؟ بيع المرابحة القديم هو بيع من أنواع بيوع الأمان أو الأمانة، وهو البيع بأزيد من رأس المال، وركن هذا العقد هو علم المتعاقدين بالثمن وبرأس المال، هذا هو بيع المرابحة عند السلف، ومن الغش والخيانة أن بعض الناس تكلم عن بيع المرابحة المعاصر ونقل نصوص العلماء السابقين عن بيع المرابحة على أنه المصطلح المتعامل به في البنوك الآن، ونقل الأدلة على إباحته بنصوص العلماء السابقين في بيع المرابحة الذي هو أحد بيوع الأمان أو الأمانة! فإن كان عامداً فهي خيانة، وإن كان جاهلاً فيغفر الله سبحانه وتعالى لمن قال بذلك. إذاً: الاشتراك في اللفظ لا يلزم منه الاشتراك في الحكم. ......

المحاذير الشرعية في التعامل ببيع المرابحة المعاصر

صورة بيع المرابحة التي تجريها المصارف الإسلامية تدخل تحت اسم السلم الحال، وهذا السلم الحال منهي عنه في حديث حكيم بن حزام رضي الله تبارك وتعالى عنه، وعمدة الكلام فيه هو حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه. وحتى ينتهي باب الخلط بين بيع المرابحة القديم وبيع المرابحة المعاصر اختار له بعض العلماء اسماً متميزاً حتى يتميز به عن بيع المرابحة عند الأقدمين، فسماه: بيع المواعدة، وليس بيع الوعد؛ لأن الوعد إنما يكون من طرف واحد، لكن بيع المواعدة فيه تفاعل بين الطرفين: هذا يعد بكذا، وهذا بالمقابل يعد بكذا، فسمي بيع المواعدة؛ لأن هذه المعاملة في جميع صورها مبنية على الوعد سواء كان ملتزماً به أو غير ملتزم. ومما يزيد خطورة الكلام في هذا الموضوع: ما ذكره بعض العلماء الخبراء في هذا الباب أنه قد قامت طريقة بيع المرابحة في بعض البنوك الإسلامية في السنوات القليلة الماضية مقام الإقراض الربوي في البنوك الربوية، يعني: نشط هذا النوع من التعامل في البنوك الإسلامية بصورة غير عادية في الفترات الأخيرة؛ بحيث إنه بالفعل حل محل الإقراض الربوي، قال: ووصل التعامل على أساسها في البنوك الإسلامية إلى (90%) من عمليات الاستثمار! يقول: وهذا يبين ضرورة التأني والبحث العميق والمحايد عن حكمها شرعاً قبل الانطلاق في العمل بها أكثر، مما يجعل الرجوع عنها عندما يتبين عدم شرعيتها عسيراً. فقد فتح هذا الباب، وهجم عليه الناس بهذه الصورة بدون بصيرة، وبدون جزم بحكم الشرع فيها، أو تأكد وأناة وتمهل في الحكم عليه، فإن قيل لهم: اتضح لنا أنه حرام، فهذا فيه نوع من هز الثقة والتردد والشك والبلبلة، وهذا مما يؤكد أن هذا الموضوع كان من المفروض أن يأخذ حقه من البداية من البحث العلمي والتمحيص الدقيق المحايد. فلو فتحنا هذا الباب وأجزناه ثم قلنا: إنها معاملة غير مشروعة، فهذا سيجعل الأمة والعلماء والقراء الاقتصاديين يتوقفون عن الاجتهاد في إيجاد بدائل شرعية لمثل هذه النظم؛ لأن المرابحة عملية فيها نوع من اليسر والسهولة بالنسبة للطرفين: البنك والمشتري سواء. فالبنك يفرح جداً بنظام المرابحة؛ لأنه يعتبر كبديل لمن لا يتقي الله سبحانه وتعالى ولا يتعامل إلا بالقرض الربوي، وكذلك البنك يضمن الربح، وليس فيه مخاطرة، بل يقطع البنك بعدم الخسارة، خاصة إذا بني هذا التعامل على أساس أن المواعدة ملزمة، كما سنبين إن شاء الله تبارك وتعالى.

الوفاء بالوعد

وحتى نفقه الموضوع فقهاً دقيقاً نحتاج إلى ذكر بعض المقدمات أيضاً، وإلا فالموضوع نفسه أسهل من ذلك، وهذا تمهيد يبين حكم الوفاء بالوعد. ......

حكم الوفاء بالوعد

ما من شك أن الوفاء بالعهد محمود ومرغب فيه في الشريعة، فقد أجمع المسلمون على أن الوفاء بالعهد وبالوعد محمود، وأن إخلاف الوعد أو العهد وعدم الوفاء به مذموم، فإن الله سبحانه وتعالى امتدح نبيه إسماعيل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بقوله عز وجل: إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا [مريم:54]، فيفهم من هذه الآية: أن إخلاف الوعد مذموم، وهذا استدلال بالمفهوم على ذم إخلاف الوعد؛ لأن الآية وردت في سياق المدح والثناء عليه، وقد صرح الله سبحانه وتعالى بذم إخلاف الوعد في آيات أخرى، مثل قوله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2-3]، وقال: تبارك وتعالى فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة:77]، وقال صلى الله عليه وسلم: (آية المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف) إلى آخر الحديث. والوفاء بالوعد محمود بالإجماع، وإخلاف الوعد مذموم بالإجماع، ويدخل في ذلك الوعد المالي بعقد تحدثه في المستقبل، وهذا متعلق بالمعاملات المالية.

الوفاء بالوعد يجب ديانة لا قضاء

هناك اختلاف بين العلماء في حكم الوفاء بالوعد المالي. فلو وعدت شخصاً لك عليه دين، فقلت له: أعدك إن شاء الله أني سأحط عنك -أي: سأضع- النصف، فهذا وعد مالي، أو تقول: اهدم بيتك وابنيه من جديد وأنا سأعطيك المبلغ الفلاني، أو تقول: سأقرضك في الشهر القادم كذا، والوعد دائماً يكون في المستقبل. ونحتاج لبيان الاصطلاح المستعمل هنا وفي مواضع أخرى من القضايا الفقهية، وهو: الواجب ديانةً والواجب قضاءً؛ فلو أن واحداً تخاصم مع واحد على مال مثلاً، وتحاكموا إلى القاضي، فالقاضي بعد اطلاعه على الوثائق والشهود وغير ذلك من الأمور يحكم بما يظهر له، لكن إن كان أحدهما ألحن بقوله، وأدلى بحجج قوية، والآخر كانت عنده حجة لكن ما عنده خبرة، فحكم القاضي وقال: إن هذا المال من حق فلان، وهو ظالم في الحقيقة، لكن القاضي حكم بما يظهر له، فنقول: إن تنفيذ حكم القاضي الشرعي واجب قضاءً في أحكام الدنيا، لكنه لا يعني أنه مقبول ديانةً، وأما صاحب هذا الدين فالأمر بينه وبين الله فمن يعلم أن هذا المال لا يحق له فهو حرام عليه حتى لو حكم له القاضي به، فينبغي أن يتدين في إعطائه هذا المال لصاحبه، حتى لو حكم له القاضي بالظاهر، وهل القاضي هنا يوصف بالظلم؟ لا؛ لأنه يتعامل مع ما يظهر له، فهذا يحلف وهذا يحلف، وهذا معه شهود وهذا معه شهود، لكن انتهت القضية بأنه حكم بما يظهر. فالواجب عليك ديانةً بينك وبين الله، خشية الحساب في اليوم الآخر؛ أن تفي بوعدك. أما الواجب قضاءً فيكون من حق القاضي أن يتدخل فيه ويلزم به، وينفذه ويلزم الناس به؛ فهذا الواجب قضاءً. مثلاً: شخص شهدت له البينة وكان كاذباً، أو شهد له ظاهر الحال وكان الواقع خلافه، مثل بعض قضايا الطلاق، فأحياناً تختلف النية المكنونة عن الظاهر المشهود، وهذه نقطة خطيرة جداً، فقد يطلق الرجل زوجته وهو ينوي الطلاق فعلاً، ثم يذهب إلى المفتي ويخدعه، فيسأله المفتي عن نيته، فيقول له: ما كنت أنوي الطلاق، وهو يعلم أن هذه المعلومة إذا تغيرت سيتغير الحكم؛ فيبيحها المفتي له، وهذا ليس في الطلاق الصريح إنما في طلاق الكناية، والناس يقعون في تخليط عجيب، يقول مثلاً لزوجته: هي طالق، ثم يقول: ما كنت ناوياً الطلاق! لماذا؟ لأن هناك من يلقنه هذا الكلام، وتعود الذين لا يحققون هذه المسائل أن يسألوه: ماذا كانت نيتك؟ حتى لو كان طلاقاً صريحاً، وهو لا يسأل عن النية، ولو رفعت القضية للقاضي وقد قال: هي طالق، فلن يسأل عن النية، لأن النية إنما تكون في طلاق الكناية، كأن تقول لها مثلاً: اذهبي عند أهلك، أو غير ذلك من العبارات غير الصريحة، لكن يحتمل أنه أراد الطلاق، فإذا كان الطلاق بطريق الكناية فنسأله: هل كنت تنوي الطلاق أم لا؟ فإذا كان ينويه فبالفعل يقع طلاقاً، أما إذا كان لم ينو فهذا لا يقع طلاقاً، ففي هذه الحالة لو أن الرجل كذب وقال: ما كنت أنوي الطلاق، وهو بالفعل كان ينويه، فالقاضي سيلزم هذه الزوجة قضاءً أنها ترجع إليه، حتى لو كان طلقها مرتين من قبل، وكانت هذه هي الثالثة، لكنه لا يجوز للزوج ديانة أن يعود إلى هذه الزوجة إذا كانت هذه هي الثالثة، وهو إنما كذب من أجل ألا يوقعها. هذه مجرد أمثلة لتقريب المعنى، وكلها تدل على أن هناك فرقاً بين الواجب ديانة والواجب قضاءً.

حكم الوفاء بالوعد المالي

اختلف العلماء في حكم الوفاء بالوعد المالي، وهم يجرون الخلاف في حكم الوفاء به قضاءً على أساس حقيقته الاصطلاحية التي تُواضِع عليها. فمن الناحية الاصطلاحية هناك كتاب معروف بالحدود لـابن عرفة المالكي ، وهو إمام من أئمة المالكية، وهو تعريفات اصطلاحية دقيقة للألفاظ الفقهية؛ فمن ضمن هذه المصطلحات عرف ابن عرفة كلمة العِدَة بأنها: (إخبار عن إنشاء المخبر معروفاً في المستقبل)؛ فالشخص يخبر عن نيته في المستقبل أنه سيعمل معروفاً، وباختصار هو: الوعد بالمعروف، وكلمة وعد معناها أنها تكون في المستقبل.

الفرق بين الوعد بالمعروف وبين بيع المرابحة المعاصر

هناك فرق بين الوعد بالمعروف وبين بيع المواعدة -بيع المرابحة- الذي تجريه المصارف الإسلامية، فالوعد بالمعروف مثاله: من يعد شخصاً بقرض، فيقول له: بعد شهرين أقرضك المبلغ الفلاني، أو وعده بالعتق فيقول له: بعد شهرين أعدك بأني أعتقك أو يقول: بعد شهر أتصدق عليك أو أعيرك وهكذا. هذا هو الوعد بالمعروف، فهو عقود المعاوضات التي يقصد بها تحصيل المنافع، وإدرار الربح لا تدخل في المواعدة، فالوعد بالمعروف عقد من عقود الارتفاق والإحسان إلى الناس، وليس من باب الكسب التجاري المتعلق بالمعاوضات، وسنزيد هذا إيضاحاً إن شاء الله تعالى فيما بعد. ومن أمثلة الوعد بالمعروف أن تعد شخصاً أن تخصم له ثلث الدين الذي عليه، أو تقول: أعدك أني سأقرضك.. أعدك أني أهبك.. أعدك أن أعيرك عارية، فهذا وعد بإنشاء معروف في المستقبل، وهو يختلف تماماً عن بيع المواعدة الذي نتكلم فيه؛ لأن كل هذه الصور التي ذكرناها ليس فيها كسب تجاري، وليست معاوضة تجارية، وليس لها مقابل، فلو كان لك عنده من الدين مائة، فقلت: سأخصم منها خمسين فقط، فهل هذه تعود عليك بربح مادي؟ لا، بل هذا نوع من الارتفاق بين الناس والرحمة والتراحم والإحسان إليهم، فالأمثلة التي ذكرناها التي فيها الوعد بالمعروف لا علاقة لها بقضيتنا التي هي الكسب التجاري. لماذا نذكر هذا التفريق؟ لأن بعض من يبيح بيع المرابحة المعاصر يقول: هذا من باب الوعد بالمعروف، ويجب على الإنسان أن يلتزم بالمعروف إذا وعد به، فلابد أن نميز الوعد بالمعروف من باب الارتفاق عن بيع المواعدة أو المرابحة التي تجريه المصارف المعاصرة، فهذا وعد تجاري مع المصرف، وليس وعداً بالمعروف. فالوعد التجاري هو تداول سلعة بالثمن والربح، ولما تحصل ملكيتها بعد، وصورتها: معرض ثلاجات وأجهزة منزلية، يذهب صاحبه إلى نقابة أو نادي أو نحو هذا، ويعرض عليهم السلع، فرجل من هذه النقابة أو النادي يرى ثلاجة ويريد أن يشتريها، ولكن سعرها مرتفع ولا يستطيع أن يدفعه مباشرة، وهو محتاج إلى مال حتى يشتريها، فيذهب إلى البنك ويقول له: أنا رأيت ثلاجة بالصفة الفلانية، وأنا أريد أن أقتنيها، وليس معي مال، فاشترها لي أنت، وأنا أشتريها منك فيما بعد، فالبنك يشتري الثلاجة حسب المواصفات المتفق عليها سلفاً، ويدفع ثمنها نقداً لصاحب المعرض، ويبيعها هو بعد ذلك إلى العميل بأقساط على أمد بعيد، والمبلغ أعلى حتى يربح، فما هو الإشكال هنا؟ الإشكال أنك عندما تذهب إلى البنك من أجل أن تشتري هذه السلعة، فهذه السلعة غير موجودة أصلاً في حوزته، ولم يمتلكها، فماذا يعمل البنك؟ يأخذ منك الضمانات على ألا ترجع في كلامك، وأنك لابد أن تلتزم بأخذها منه، وهذه هي صورة بيع المرابحة للآمر بالشراء الجارية في البنوك المعاصرة. فهي وعد تجاري مع المصرف، بمعنى: تداول سلعة بالثمن والربح ولما تحصل ملكيتها بعد، يبيعها لك قبل الحصول عليها، فهذا يتنزل على حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه: (لا تبع ما ليس عندك). وباختصار شديد: هذا بيع من بيوع المعاوضات المحرمة، مثل بيع العينة، وبيع الغرر، وتعليق العقود بالشروط ونحوها من الحيل المحرمة. إذاً: هناك فرق بين الوعد بالمعروف وبين بيع المواعدة التي هي المرابحة المعاصرة؛ فالوعد بالمعروف عملية ارتفاق وليس فيها شبهة الكسب التجاري، أما بيع المواعدة أو المرابحة التي تجريه المصارف المعاصرة فهو من بيوع المعاوضات المحرمة؛ لأنه يبيع ما ليس عنده، فالخلاف القديم في حكم الوفاء بالوعد لا ينسحب على هذا؛ ولذا سنذكر الآن خلاف العلماء في الوعد المالي، هل يجب الوفاء به أم لا ؟

حكم إخلاف الوعد المالي

ذكر الشنقيطي رحمه الله تعالى قضية الوعد بالمعروف: هل يلزم الوفاء بالوعد المالي؟ وهل يجب عليك فعلاً أن تفي به؟ يقول: الذي يظهر لي في هذه المسألة -والله تعالى أعلم- أن إخلاف الوعد لا يجوز؛ لكونه من علامات المنافقين، ولأن الله سبحانه وتعالى يقول: كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:3]، وظاهر عمومه يشمل إخلاف الوعد، ولكن الواعد إذا امتنع عن إنجاز الوعد لا يحكم عليه به، ولا يلزم به قهراً يعني: يجب عليه أن يفي بالوعد ديانة لا قضاءً، أي: يؤمر به لكن لا يلزم به، ولا يجبر عليه. قال: بل يؤمر به ولا يجبر عليه؛ لأن أكثر علماء الأمة على أنه لا يجبر على الوفاء به، لأنه وعد بمعروف محض، والعلم عند الله تعالى. يعني: لو قال لك: أنا سأهبك مالاً بعد شهرين، ثم مر الشهران ولم يف لك بهذا ، فإذا ذهبت به إلى القاضي الشرعي وتحاكمت إليه، فماذا يملك القاضي؟ مذهب جمهور العلماء وعامة العلماء أن للقاضي أن يحرضه على الوفاء، ويقول له: قال الله كذا، وقال الرسول كذا، والمسلم عليه أن يفي بالوعد، لكن لا يلزمه قهراً؛ لأن هذا الوعد معروف محض، أراد أن يفعله ثم رجع عنه، فيؤمر به ولا يجبر عليه، ولا يلزم به من حيث القضاء الشرعي؛ لأنه وعد بمعروف محض، وقد اختلف العلماء في حكم الوعد بالمعروف ، وهل يلزم به الشخص قضاءً وحكماً أم لا؟ ونحن قلنا: إنه يلزم به ديانة، وسنناقش هل يلزم به قضاءً؟ بمعنى: هل يلزم به من حيث الحكم، ويجبر عليه أم لا؟

ذكر اختلاف العلماء في الوفاء بالوعد المالي

اختلف العلماء في حكم الوفاء بالوعد على المال على ثلاثة أقوال: القول الأول : لا يلزم ولا يؤمر وجوباً أن يفي بالمعروف مطلقاً، وهذا مذهب جمهور العلماء. وأدلة هذا القول: أنه وعد بمعروف محض، ولا دليل على الإلزام بالمعروف، وأيضاً هو في معنى الهبة، والهبة لا تتم عند الجمهور إلا بالقبض خلافاً للـمالكية، فإذا وهبت شخصاً لا يتم عقد الهبة إلا إذا قبضها، وذلك يقتضي عدم الحكم بها قضاءً فيما لو رجع الواهب عنها قبل قبض الموهوب إياها، فإذا كانت الهبة لا تلزم ولا تجب إلا بالقبض فكيف تلزم الهبة لو وعده بها مجرد وعد؟! يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: واستدل من لم يوجبه بأنه في معنى الهبة، والهبة لا تلزم إلا بالقبض عند الجمهور، وعند المالكية تلزم قبل القبض. وذكر نحوه ابن قدامة حيث استدل بهذا الفرع على عدم وجوب الوفاء بالوعد قضاءً وحكماً . القول الثاني: الإلزام بالوفاء بالوعد مطلقاً: وهذا محكي عن عمر بن عبد العزيز و ابن الأشوع و ابن شبرمة . وأدلتهم هي النصوص الواردة في وجوب الوفاء بالوعد، وذكرنا بعضاً منها، مثل قوله تعالى: فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة:77]، وقوله تعالى: وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [الأحقاف:16]، وغير ذلك من الأدلة، وكذلك استدلوا بحديث ابن مسعود : (العدة دين)، وهذا الحديث ضعيف. وهذا المذهب ضعيف؛ أولاً: لعدم ثبوته صراحة عن هؤلاء الذين حكي عنهم. ثانياً: من حيث الأدلة. القول الثالث: وهو رواية عن الإمام مالك ، وهو التفصيل في المسألة: فيقولون: إن أدخل الواعد في وعده الشخص الآخر الذي وعده في ورطة لزمه الوفاء به، وإلا فلا يلزم الوفاء به. مثال: رجل قال لرجل: تزوج، فقال له : ليس عندي ما أصدق به الزوجة ، وما أملك مهراً، فقال له: تزوج والتزم لها الصداق في ذمتك، وأنا أدفع عنك، فتزوج على هذا الأساس ، فقد احتمل هذا الوعد ورطة، فيلزم الواعد الوفاء به. واستدل من قال بذلك بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار). ونقول في الرد على هذا الاستدلال: نعم (لا ضرر ولا ضرار)، ولا يجوز لإنسان أن يبدأ بالإضرار بالغير، ولا أن يقابل الإضرار بالإضرار بالمثل، وهذا غاية ما يدل عليه الحديث ، ولا يدل الحديث على إلزامه بأن يغرم له مالاً حتى لو أضر به، ولا يلزم أن يغرم هذا المال الذي التزمه. مثال آخر: لو قال له: اهدم دارك، وأنا أسلفك ما تبني به، فهدم الدار، هل يلزمه أن يسلفه لأنه يترتب على إخلاف الوعد إيقاعه في ورطة؟ ففي رواية عن الإمام مالك أن إخلاف الوعد إذا كان يترتب عليه ورطة فيلزم به، والقول الآخر لا يلزم. وقول قال له: اشتر كذا وأنا أعطيك ألفاً أعينك به، فلا يقضى على الواعد في المال إلا إذا دخل الموعود في الأمر، فتزوج في المثال الأول، أو هدم داره في المثال الثاني، أو اشترى سلعة في المثال الثالث. هذا هو الخلاف في هذا الموضوع، والوعد الذي يتحدث عنه المالكية في هذا القسم ليس هو الوعد التجاري، فالوعد هنا ليس وعداً تجارياً فيه شبهة مرابحة، فلما يقول لك: تزوج وسأدفع لك المهر، أو اهدم البيت وأنا أسلفك لتبنيه من جديد، فهل هذا فيه وعد تجاري فيه ربح؟ لا، حتى الخلاف في قضية الوفاء بالوعد ليس له علاقة بالموضوع، بل هو موضوع بيع المواعدة، فالوعد الذي يتحدث عنه المالكية ليس هو الوعد التجاري، وإنما هو الوعد بإنشاء المعروف كما عرفه ابن عرفة في قوله: (الوعد إخبار عن إنشاء المخبر معروفاً في المستقبل)، وعلى هذا الصنف من الوعد يدور جميع كلام المالكية من قرض أو كفالة أو عارية أو إبراء أو نحو ذلك. أما الوعد التجاري أو الوعد في المعاوضات مقابل السلع التي سيأخذ عليها ربحاً أحد الطرفين من الطرف الآخر فهو شيء آخر لم يدر بخلد المالكية، فبعض المعاصرين الذين يبيحون بيع المواعدة المتبع في المصارف، يجعلون الخلاف المذكور بين العلماء هنا على مسألة الوفاء بالوعود المالية المعاصرة، ولم يدر بخاطر العلماء أبداً أن يستدل بكلامهم على مثل هذا الفعل المعاصر الآن ، بدليل أن علماء المالكية ذكروا في كتبهم هذه الصورة الموجودة الآن، وقطعوا بتحريمها كما سنبين ذلك إن شاء الله تبارك وتعالى. والقول بأن عملية المرابحة التي تديرها المصارف الإسلامية الآن عملية مستحدثة وتحتاج إلى اجتهاد، كلام غير صحيح؛ لأن كثيراً من الفقهاء نصوا على هذه المسألة بعينها من المالكية و الشافعية و الحنيفية و الحنابلة، وكل من نص عليها حرمها، وبعض الفقهاء المعاصرين الذين أباحوها ليس لهم سوى أنهم قاموا بعملية تلفيق وترقيع، فما صار بيع المواعدة المعاصر حلالاً عند هذا الفريق من العلماء إلا بالتلفيق بين مناهج ليست المسألة حلالاً في منهج من هذه المناهج، لكن أجروا عملية التلفيق كما أشرنا، فنحتاج إلى أن نتتبع صور بيع المواعدة الذي هو بيع المرابحة للآمر بالشراء الذي تجريه المصارف الإسلامية.

صور بيع المواعدة

......

صورة التواعد غير الملزم مع جهالة مقدار الربح

أول صورة من صور بيع المواعدة تنبني على التواعد غير الملزم بين الطرفين، مع عدم ذكر مسبق بمقدار الربح؛ فهي مبنية على تواعد وتفاعل، هذا يقول له: اشتر لي الثلاجة، وأعدك أني سأشتريها منك عندما تتملكها، والبنك يقول له: أنا أعدك أني أسلمها لك بعد أن أشتريها، فهنا يجوز هذا البيع، وهو غير بيع التواعد الذي فيه تفاعل بين الاثنين؛ فهذا وعد أنه يشتريها منه، والثاني وعد أنه يبيعه إياها. هذه الصورة الأولى تنبني على التواعد غير الملزم بين الطرفين، بمعنى: أن البنك يشتري الجهاز أو الماكينة أو أي سلعة بناءً على الوعد ثم يأتي رجل آخر فيقول له: بكم تبيع هذه الثلاجة، فإذا كان سيبيعها للأول بخمسمائة مثلاً فيقول له : أبيعها لك بسبعمائة، فيقول: موافق، فإذا ظهر للبنك مصلحة جديدة فله أن يرجع في كلامه. إذاً الوعد هنا غير ملزم للبنك، ويمكن أن يبيع السلعة للمشتري نفسه الذي جاءه في البداية، أو شخص آخر فيبيع له، وكذا المشتري له ألا يشتريها، ويقول له: أنا جاءني عرض أقل من هذا العرض، وأنا قبلته ولن أشتري منك. هذه الصورة الأولى وفيها الوعد غير ملزم، ولا أحد يعاتب الثاني إذا رجع في كلامه؛ لأن العقد لم يتم، وهذه الصورة من بيع المرابحة هي الصورة الصحيحة إن شاء الله كما سنبين. وهذه الصورة تنبني على التواعد غير الملزم بين الطرفين، مع عدم ذكر مسبق لمقدار الربح، وهذا هو سر حلها، وهو أنه لا يعرف مقدار الربح؛ فيرغب العميل في شراء سلعة بعينها فيذهب إلى المصرف، ويقول: اشتروا هذه البضاعة لأنفسكم، ولي رغبة في شرائها بثمن مؤجل أو بربح، أو: وأنا سأربحكم فيها، فما حكم هذا النوع؟ الظاهر جواز هذه المعاملة عند الحنفية والمالكية والشافعية كما ذكر ابن رشد في المقدمات، فهذا البيع جائز، وليس فيه أي مشكلة؛ لأنه ليس في هذه الصورة التزام بإتمام الوعد بالعقد، أو بالتعويض عن ضرر لو هلكت السلعة . وفي هذه الحالة لو هلكت السلعة عند البنك، فمن الذي سيتحمل هلاكها؟ البنك هو الذي سيضمنها، إذاً: الشبهة تزول، أما إذا شرط البنك عليك أنها لو هلكت عنده فأنت المسئول عنها، فهذا منكر آخر. فليس في هذه الصورة التزام بإتمام الوعد بالعقد أو بالتعويض عن الضرر لو هلكت السلعة، وليس الضمان على العميل وإنما على البنك، وليس فيها التزام ولا تحديد قاطع بالربح مسبقاً، فالبنك في هذه الحالة يخاطر بشراء السلعة لنفسه، وهو على غير يقين من شراء العميل لها بربح، فلو عدل أحدهما عن رغبته فلا إلزام، ولا يترتب عليه أي أثر، فهذه الدرجة من المخاطرة هي التي جعلتها في حيز الجواز، ووجود هذه المخاطرة هي التي جعلت هذا التعامل جائزاً والله تعالى أعلم.

صورة التواعد غير الملزم مع معرفة مقدار الربح

هذه الصورة تنبني على التواعد غير الملزم بين الطرفين، مع ذكر مقدار ما سيبذله من ربح. الصورة: أن يرغب العميل في شراء سلعة معينة بذاتها أو جنسها، يعني لا يقول له: الثلاجة هذه بالذات، لكن ثلاجة من هذا الجنس. فيقول الرجل للبنك: اشتروا هذه السلعة لأنفسكم -وهذا قيد مهم-، ولي رغبة بشرائها بثمن مؤجل أو معجل، وسأربحكم زيادة عن رأس المال ألفاً. وهذه المسألة نص ابن رشد في المقدمات أنها محظورة، وهي من بيع العينة المحظور؛ لأنه ازداد الرجل في سلفه، يعني: وهذا النوع من التحايل على الربا؛ لأنه إذا كان هذا المشتري ليس معه مال يشتري به هذا الجهاز فهناك صورتان: الأولى: أن يذهب للبنك مباشرة ويقول له: أقرضني خمسة آلاف مقابل فائدة ربوية مقدارها خمسمائة، أي: أنه يقول له: أقرضني -مباشرة- خمسة آلاف لأشتري بها الجهاز وأسددها لك بعد أجل بخمسة آلاف وخمسمائة، وهذه الصورة ربا صريح. الثانية: أنه لا يستلف من البنك، ولكن يقول له: اشتر لي هذا الجهاز أنت بثمن عاجل وأنا سأسددها لك بهذا الثمن مقابل الزيادة المقررة بخمسمائة، فالعلماء قالوا: إنها عبارة عن حيلة من حيل الربا، فبدل التعامل مباشرة مع البنك بالطريقة الربوية، يحول الموضوع ويتحايل بما صورته حلال، وهو في الحقيقة حرام. قالوا: هذه من صور العينة، فالرجل يريد أن يتعامل بالربا، فيقول للآخر: أبيعك الساعة التي معي بمائة في الحال، فيعطيه الساعة في الحال بمائة، ثم يقول صاحب الساعة الأول: أنا أشتريها منك بمائة وخمسين ديناً لمدة ستة أشهر، فيقول له: نعم ويرجعها له مرة ثانية ويلبسها من جديد، والحقيقة أنه يريد أن يقترض بربا. وهذه الحيلة الظاهر منها أنها حلال، ولكن المقصود بها التوصل للحرام، فبعض العلماء من المالكية اعتبروا هذه الصورة -بالذات- من صور العينة. يقول ابن رشد : (والمحظورة - أي: العينة المحظورة- أن يراوضه على الربح، فيقول له: اشتر سلعة كذا وكذا بعشرة دراهم نقداً، وأنا أبتاعها منك باثني عشر نقداً -يعني: بعدما يتملكها-، والثانية: أن يقول له: اشترها لي بعشرة نقداً وأنا اشتريها منك باثني عشر إلى أجل). يقول الدردير في الشرح الصغير: (العينة وهي بيع من طلبت منه سلعة للشراء وليست عنده لطالبها) يعني: بيعها لطالبها بعد شرائها جائز، (إلا أن يقول الطالب: اشترها بعشرة نقداً، وأنا آخذها منك باثني عشر إلى أجل، فيمنع لما فيه من تهمة سلف جر نفعاً)؛ لأنه كأنه سلفه ثمن السلعة على أن يأخذ عنها بعد الأجل اثني عشر. وهذه الصورة الثانية تنبني على المواعدة الغير الملزمة للطرفين مع ذكر مقدار ما يبذله من ربح، وهي أن يرغب العميل في شراء سلعة معينة بذاتها أو جنسها، فيذهب إلى المصرف فيقول: اشتروا هذه السلعة لأنفسكم ولي رغبة بشرائها بثمن مؤجل أو معجل، وسأربحكم زيادة عن رأس المال ألفاً، قال ابن قدامة : إنها من العينة المحظورة؛ لأنه رجل ازداد في سلفه.

المواعدة الملزمة بالاتفاق بين الطرفين

هذه هي غالباً الصورة التي فيها الإشكال، وهي التي تتعامل بها المصارف الإسلامية -كما تسمى- وتنبني على المواعدة الملزمة بالاتفاق بين الطرفين مع ذكر مقدار الربح، فما معنى ملزمة؟ أي: أن البنك يأخذ ضمانات كافية جداً على أن هذا الرجل لا يرجع عن كلامه أبداً، فيبيع له السلعة قبل أن يمتلكها. فليس العقد عبارة عن اتفاق إرادتين على إنشاء حق، بل اتفاق إرادتين على إنشاء حق بحيث يصير ملزماً، فهذه المواعدة ملزمة بالاتفاق بين الطرفين مع ذكر مقدار الربح، وهي: أن يرغب العميل بشراء سلعة معينة ذاتها أو جنسها المنضبطة عينها بالوصف، فيذهب إلى المصرف، ويتفقان على أن يقوم المصرف ملتزماً بشراء البضاعة من عقار أو آلات أو نحو ذلك، ويلتزم العميل بشرائها من المصرف بعد ذلك، ويلتزم المصرف ببيعها للعميل بثمن اتفقا عليه من قبل. إذاً: هذه المعاملة تتركب من الآتي: أولاً: المواعدة بين الطرفين: هذا وعد بأن يشتري وهذا وعد بأن يبيع، على ألا يرجع أحدهما في كلامه. ثانياً: الالتزام بالمواعدة: أي: أن هناك مواعدة والتزاماً بالاتفاق بين الطرفين قبل حيازة المصرف للسلعة، وقبل أن تستقر في ملكية المصرف، مع ذكر مقدار الربح مسبقاً، واشتراط أنها إن هلكت فهي من ضمان أحدهما بالتعيين، بينما في المعاملة الشرعية لا يحتاج الأمر أصلاً لذكر من الذي يضمن؛ لأن البنك هو الذي يضمن إذا تلفت السلعة أو احترقت أو أصابها أي شيء، فالذي يشتري السلعة هو المسئول عن ضمانها، لكن في المواعدة يوجد بند في الاتفاق: إذا أصاب السلعة أي تلف فالذي يضمن هو المشتري نفسه، أما من الناحية الشرعية فهذا الشرط لا ينبغي أن يكون له وجود أصلاً؛ لأنه لا محل له في هذا التعاقد حتى لو اتفق الطرفان على أن البنك هو الذي يضمن؛ لأن الآمر بالشراء ما دخلت السلعة في ذمته. إذاً: الصورة تتركب من المواعدة والالتزام بها بالاتفاق بين الطرفين قبل حوزة المصرف للسلعة، وقبل استقرارها في ملكه مع ذكر مقدار الربح مسبقاً، واشتراط أنها إن هلكت فهي من ضمان أحدهما بالتعيين، وهذا الاشتراط لا يجوز شرعاً، والمفروض أن البنك هو الذي يضمن، لكن هذه مسألة مبدأ، لا ينبغي أن يقال فيها: هذا البنك ضامن، وطبيعي أن البنك هو الذي يضمن، وهذا مما لا يحتاج إلى ذكر. وهذه الصورة حكمها كما يقول الفقهاء المحققون: البطلان والتحريم؛ لأن حقيقتها القرض بفائدة، وسنذكر الأدلة على هذا. فالمرابحة المصرفية إذا أطلقت الآن في عصرنا فهي: أن يتقدم الراغب في شراء سلعة من المصرف؛ لأنه لا يملك المال الكافي لسداد ثمنها نقداً، ولأن البائع لا يبيعه إلى أجل، ولو أن البائع قال: أنا أبيعها لك إلى أجل انتهى الأمر، فيختار الأجل، لكنه يريد حالاً، والمشتري ليس معه نقود، فيذهب إلى المصرف فيشتريها المصرف بثمن نقدي ليبيعها على طالبها بثمن مؤجل أغلى، فإذا اشترى المصرف السلعة ولم يلتزم ببيعها على العميل أو لم يلتزم العميل بشرائها، وكان كل واحد منهما بالخيار، فالبيع جائز، لكن الواقع الذي يحصل في بعض البنوك أن البنك يأخذ ضمانات مثل الشيكات من أجل ألا يرجع المشتري في كلامه، ويشترط أن يؤمن المشتري على هذه السلعة، فإذا هلكت ولم يؤمن فهي من ضمان المشتري، وإذا هلكت وهو مؤمن فتتحمل الخسارة شركة التأمين، والتأمين من الظلم الذي شاع في هذا الزمان، ولعلنا نتكلم في فرصة أخرى عن التأمين بالتفصيل إن شاء الله.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

   طباعة 
1 صوت
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
الفكر الصوفي الفلسفي وأثره السيىء في الأمة

جديد المواد

Separator

روابط ذات صلة

Separator

القرآن الكريم- الحصري

القرآن الكريم- المنشاوي

القرآن الكريم- عبد الباسط

القرآن الكريم- البنا

سلسلة مقالات (ذكريات). د/ ياسر برهامي