الإثنين 13 جمادى الآخرة 1440هـ الموافق 18 فبراير 2019م

القائمة الرئيسية

Separator
(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ). د/ ياسر برهامي

بحث

Separator

القائمة البريدية

Separator

أدخل عنوان بريدك الالكتروني

ثم أدخل رمز الأمان واضغط إدخال

ثم فعل الاشتراك من رسالة البريد الالكتروني

شرح المجلد (28) من كتاب مجموع الفتاوى لإبن تيمية د/ ياسر برهامي
الشتاء تخفيف ورخص. الشيخ/ سعيد الروبي
وقفات مع قصة الثلاثة الذين خلفوا

حكم المرابحة -2

المادة

Separator
حكم المرابحة -2
782 زائر
03-11-2016
محمد إسماعيل المقدم

حكم المرابحة [2]

محمد إسماعيل المقدم

بيع المرابحة انتشاراً كبيراً في البنوك الإسلامية، مع أنه لا يخلو من محاذير شرعية، بل لقد انتشر إن فيه أحياناً حيلة على الربا المحرم في جميع الشرائع السماوية، فكيف يستحله كثير ممن ينتمون إلى الملة الإسلامية؟! وهناك ضوابط شرعية إذا عملت بها البنوك الإسلامية كان هذا البيع جائزاً.

أدلة تحريم بيع المواعدة الملزمة بالاتفاق بين الطرفين

......

فقدان شرط الملكية والقدرة على التسليم

الدليل الأول: أن حقيقة بيع المواعدة هو: عقد بيع على سلعة مقدرة التملك للمصرف بثمن مربح قبل أن يملك المصرف السلعة ملكاً حقيقياً وتستقر في ملكه، هذا أول سبب في التحريم، ويظهر ذلك جلياً بمعرفة شروط المبيع وهي: أن يكون مباحاً، مقدوراً على تسليمه، مملوكاً لبائعه، منتفعاً به. فأحد شروط المبيع: أن يكون مملوكاً لبائعه، ولا يصح بيع شيء غير مملوك لبائعه، كمن يبيع بيت جاره وهو لا يملكه! فالبنك يبيع لك الثلاجة أو الجهاز قبل أن يمتلكه، فهنا فقد شرط من شروط المبيع؛ لأن الملكية مقدرة وليست حقيقية. فهو باع بيعاً معلقاً، وليس بيعاً حقيقياً؛ فهو يقول للبنك: إن اشتريتموها اشتريتها منكم. وقد صرح بإبطال هذا العقد بسبب هذه العلة الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وكذلك ابن رشد؛ لأنه كان على مواطئة بيعها قبل أن يمتلكها البائع.

النصوص الكثيرة الناهية عن بيع ما لا يملك

الدليل الثاني: عموم الأحاديث النبوية التي نصت على النهي عن بيع الإنسان ما ليس عنده، والبنك باع للعميل ما لا يملك، فعن حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه قال: (قلت: يا رسول الله! يأتيني الرجل فيسألني عن البيع لما ليس عندي فأبيعه منه، ثم أبتاعه من السوق، فقال صلى الله عليه وسلم: لا تبع ما ليس عندك)، رواه أصحاب السنن وحسنه الترمذي . وبعض الناس يفعلون هذا بدون أن يشعروا، قد تذهب إلى الصيدلية لتشتري دواء، ولأنه حريص على الزبون يأخذ منك الثمن، ثم يرسل من يشتريه من صيدلية ثانية، وهو بهذا سيبيع لك ما ليس عنده، ولابد أن يملك السلعة أولاً ثم يبيعها، والصحيح أنه يقعده عنده، ويبعث من يجلب له الدواء من صيدلية أخرى، حتى يمتلكه، ثم يبيعه للزبون. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: وعلته الغرر في القدرة على التسليم وقت العقد. والحديث ينص على النهى عن الغرر، مثل أن يبيع السمك في الماء، أو الطيور في الهواء، أو الأجنة في بطون أمهاتها، وهذا كله يسري فيه الغرر والجهالة فيبطل. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك)، رواه أصحاب السنن، وقال الترمذي : حسن صحيح. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: فاتفق لفظ الحديثين على نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عنده، فهذا هو المحفوظ من لفظه صلى الله عليه وسلم، وهو يتضمن نوعاً من الغرر؛ فإنه إذا باعه شيئاً معيناً وليس في ملكه ثم مضى ليشتريه ويسلمه له كان متردداً بين الحصول وعدمه، فكان غرراً يشبه القمار المنهي عنه، وقد ظن بعض الناس أنه إنما نهي عنه لكونه معدوماً، فقال: لا يصح بيع المعدوم، وروى في ذلك حديثاً: (أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المعدوم)، وهذا الحديث لا يعرف في شيء من كتب الحديث، ولا له أصل. ا هـ من زاد المعاد. وقال الخطابي رحمه الله تعالى: (قوله: (لا تبع ما ليس عندك) يريد بيع العين دون بيع الصفة، ألا ترى أنه أجاز السلم إلى الآجال، وهو بيع ما ليس عند البائع في الحال، وإنما نهى عن بيع ما ليس عند البائع من قبل الغرر، وذلك مثل أن يبيعه عبده الآبق، أو جمله الشارد، ويدخل في ذلك كل شيء ليس بمضمون عليه، مثل أن يشتري سلعة قبل أن يقبضها. وهذا يوافق كلام ابن القيم في بيان العلة، وهذا الحكم ثابت: لا يبع ما ليس عنده، والاختلاف في العلة، فبعضهم قال: لإن هذا بيع لشيء معدوم، فيحتمل أنه لا يجد السلعة التي باعها له، فلا يقدر على تسليمها، لكن لو قبضها وحازها فإنه يقدر على تسليمها، فنهي عن بيع مالا يملك من أجل الغرر، كمن يبيع الجمل الشارد، وهو لا يقدر على تسليمه، والصحيح أن هذا النهي ليس من باب بيع المعدوم، ولكن لوجود الغرر، وهو عدم القدرة على التسليم، وأياً كان الأمر فالحديث ثابت.

النهي عن بيع ما لم يقبض

الدليل الثالث: عموم الأحاديث النبوية التي نصت على نهي الإنسان أن يبيع ما اشتراه ما لم يقبضه، فإذا اشتريت شيئاً ولم تقبضه فلا يجوز لك أن تبيعه حتى تحوزه إلى رحلك. ففي الحديث: (نهى أن تباع السلعة حيث تبتاع حتى يأويها التجار إلى رحالهم) وقد صحت الأحاديث في هذا، ومنها حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه) أي: حتى يكتاله، رواه الترمذي . والذي عليه المحققون: أنه لا يجوز بيع شيء من المبيعات قبل قبضها، سواء الطعام أو غيره، وذكر الطعام هنا خرج مخرج الغالب، أي: أن الغالب بيع الطعام. وقد حرر ابن القيم رحمه الله تعالى الخلاف في علة المنع من بيع ما لم يقبض فقال: فالمأخذ الصحيح في المسألة: أن ما هو معلل بعدم تمام الاستيلاء يجب عنده قدرته على التسليم، وعدم انقطاع علاقة بيعه عنه؛ فإنه يطمع في الفسخ والامتناع عن الإقراض إذا رأى المشتري قد ربح فيه. الشاهد من هذا: أن النصوص إذا كانت صريحة وصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن بيع ما لم يقبض، وأنه على عمومه، وأن العلة هي عدم تمام الاستيلاء، وعدم الاستقرار في ملكية المشتري؛ فكيف يجوز للمصرف أن يبيع ما لم يملك أصلاً؟ وهذا من باب قياس الأولى وهو قياس جلي، فإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع ما لم يقبض، وأنت ذهبت لتشتري السلعة من الرجل، واتفقتما على البيع، ولكن لم يسلمك السلعة، فلا يجوز لك في هذه الحالة بيعها مع أنك اشتريتها ودفعت الثمن، لكنك لم تقبضها، ففي هذه الحالة لو جاء من يشتريها منك قبل أن تستلمها يحرم عليك هذا، فإذا كان البيع في هذه الصورة لا يحل، فكيف يحل والبنك أصلاً لا يملك السلعة، ويأخذ كل الضمانات قبل أن يشتريها؟! فملك البنك تقديري لا حقيقي، وقبضه له تقديري لا حقيقي، فالمنع من هذا أولى.

وجود التحايل على الربا

الدليل الرابع: أن حقيقة عقد بيع المواعدة بيع نقد بنقد أكثر منه إلى أجل. وهذه المسألة خلاصتها: أن هذا الرجل محتاج إلى خمسمائة حتى يشتري السلعة نقداً، لكنه عاجز أن يشتريها مباشرة، فماذا يفعل؟ يذهب للمصرف ويقول له: أعطني الخمسمائة لأشتري بها السلعة نقداً؛ لأن البائع مصر على بيعها نقداً، وسأسددها لك فيما بعد بخمسمائة وخمسين أو ستمائة مثلاً، فالصورة آلت إلى الربا أو تكاد! فخلاصة هذا العقد وحقيقته أنه بيع نقد بنقد أكثر منه إلى أجل؛ لأنه أعطاك الخمسمائة مقابل أن تردها إلى أجل بزيادة، وبينهما سلعة محللة، وهذه حيلة من أجل أن تحلل فقط، مثل المحلل في الطلاق تماماً، فهو يعتبر حيلة على الإقراض بفائدة. يقول ابن عبد البر رحمه الله تعالى: معناه أنه تحيل في بيع دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل، وبينهما سلعة محللة، مثال ذلك: أن يطلب رجل من رجل آخر سلعة يبيعها منه بنسيئة لأجل، وهو يعلم أنها ليست عنده، فيقول له: اشترها من مالكها بعشرة، وهو علي باثني عشر إلى أجل كذا، فهذا لا يجوز لما ذكرنا. هذا كلام الإمام ابن عبد البر المالكي. ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في بيع ما لم يقبض: إنه يكون قد باع دراهم بدراهم والطعام مرجى، وهذا الأثر متفق عليه. وقال الخطابي: وهو غير جائز؛ لأنه بتقدير بيع ذهب بذهب، والطعام مؤجل، غائب غير حاضر.

اشتمال البيع على الغرر

الدليل الخامس: أن البيوعات المنهي عنها ترجع إلى قواعد ثلاث، وأي تعامل شرعي يحرم وينهى عنه يرجع سبب ذلك النهي إلى ثلاثة قواعد هي: الربا، الغرر، أكل أموال الناس بالباطل. روى الجماعة إلا البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر)، وهذا ليس من باب إضافة الموصوف إلى صفته، أي: ليس المعنى: نهى عن البيع الذي هو غرر، وإنما معناه نهى عن بيع المبيع الغرر كالثمار قبل بدو صلاحها، وبيع ما لا يملكه، والعلماء قسموا بيع المعدوم إلى أنواع: النوع الأول: السلم، وهو: بيع موصوف في الذمة، فهو يتعجل أخذ المبلغ كله، وهذا استثناء من بيع ما ليس عنده، وله أسماء أخرى هي: السلم والسلف وبيع المحاويج؛ لأن الرجل الذي سيزرع التمر أو يأتي بالسلعة المسلم فيها محتاج إلى المال حتى يصرفه على الزراعة مثلاً، والمشتري محتاج إلى السلعة في الوقت الآجل فيما بعد، فلابد في السلم أن يعجل الثمن ويؤجل استلام السلعة، لكن لابد أن تكون السلعة موصوفة بصفات منضبطة تماماً، ويسمونه بيع المحاويج؛ لأن هذا محتاج وهذا محتاج، ففيه تيسير على الأمة، وقد رخص النبي عليه الصلاة والسلام فيه. النوع الثاني: بيع الموجود: مثل بيع الثمار بعد بدو صلاحها، وهو يجوز أيضاً. النوع الثالث: بيع المعدوم الذي لا يدرى أيحصل أم لا يحصل، ولا ثقة لبائعه بحصوله، بل يكون المشتري منه على خطر، فهذا منع الشارع من بيعه؛ لا لكونه معدوماً بل لكونه غرراً، فإن البائع إذا باع ما ليس في ملكه ولا له قدرة على تسليمه، بل يذهب يحصله ثم يسلمه إلى المشتري، يعتبر شبيهاً بالقمار والمخاطرة من غير حاجة بهما إلى هذا العقد، ولا تتوقف مصلحتهما عليه.

النهي عن بيعتين في بيعة

الدليل السادس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة)، فالمواعدة إذا لم تكن ملزمة للطرفين لم يكن ثمة بيعتين في بيعة، لكنها إذا صارت ملزمة كانت عقداً بعد أن كانت وعداً، وكأن هناك بيعتين في بيعة واحدة، فالأولى: بين المصرف وعميله المشتري، والثانية: بين المصرف والبائع، فصارت بيعتين في بيعة.

وجود صورة بيع دين بدين المنهي عنها

الدليل السابع: بيع المرابحة مع الإلزام يفضي إلى بيع مؤجل البدلين، الذي يسمى: بيع الدين بالدين، أو الكالئ بالكالئ، لماذا؟ لأنه لا المصرف سوف يسلم السلعة في الحال، ولا العميل سيسلم الثمن، يعني: هذا العقد الذي يحصل مع المرابحة فيه بيع معاوضة لكن البدلين مؤجلان، السلعة دين والثمن دين؛ فهل تقول للمصرف بعد العقد: أنا أريد الجهاز الفلاني، فيحضره لك في الحال، لا، فعند التعاقد مع البنك هو لن يسلمك السلعة في الحال، ولا أنت تسلم الثمن؛ لأن السلعة ستكون ديناً في ذمة المصرف، والثمن سيكون ديناً في ذمتك، وهذا هو بيع الدين بالدين أو الكالئ بالكالئ الذي أجمع الفقهاء على النهي عنه رغم ضعف الحديث الوارد فيه، لكن الحكم ثابت بالإجماع. وإذا حاولنا أن نتحاشى هذه الصورة حتى لا يكون هناك بيع دين بدين، فنجمع المشتري والمصرف والبائع أو وكيلاً عن كل منهم في مجلس واحد، فيدفع المصرف الثمن النقدي إلى البائع، ويسجل المصرف في الحال اسم المشتري، ويكون الثمن مؤجلاً بذمة المشتري الخمسة آلاف -مثلاً- بزيادة خمسمائة؛ فهذا رباً واضح بتواطؤ الثلاثة، ونكون قد تجنبنا الرمضاء فوقعنا في النار! وما الفرق بين هذه الصورة وبين ما إذا قال الرجل للمصرف: أقرضني خمسة آلاف وأسددها لك خمسة آلاف وخمسمائة؟!

شبهات المبيحين لبيع المرابحة الجاري في المصارف

شبهات المخالفين في هذه المسألة ركيكة وضعيفة، كقولهم: إن الوعد المالي ملزم، وما الجواب عن هذا؟ نقول: أولاً: هذا فيه خلاف، هل الوعد ملزم أو غير ملزم؟ ففي وجوب الإلزام به ثلاثة مذاهب: وجوب الوفاء به مطلقاً. عدم وجوب الوفاء به مطلقاً. إذا كان يترتب عليه ورطة فيكون ملزماً. ثانياً: أن الخلاف إنما هو في الوعد بالمعروف -العدة-، وليس له علاقة بموضوع بيع المرابحة؛ لأن بيع المرابحة هو تبادل تجاري، ومعاوضة تجارية فيها كسب وربح، وهذا أول فرق. ويقولون: الأصل في المعاملات الإباحة إلا ما جاء به نص صحيح الثبوت صريح الدلالة يمنعه ويحرمه فيوقف عنده. فنقول: نعم الأصل في المعاملات الإباحة، لكن إذا أتى دليل شرعي يتعرض لهذه الإباحة ويزيلها فلا شك أنه لا يصح الاستدلال بهذه القاعدة، فقد أتى ما يمنع هذا، مثل حديث حكيم بن حزام وغيره من الأدلة التي نقلت هذه الإباحة إلى الحرمة. قالوا: إذا كان تحريم الحلال خطيراً فأخطر منه أن تحل حراماً، والله سبحانه تعالى يقول: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275]، والبيع يشمل المقايضة التي هي عين بعين، أو الصرف الذي هو ثمن بثمن مثل ذهب بذهب، وفضة بفضة، أو السلم الذي هو عين بثمن، والبيع المطلق سواء حالاً أو مؤجلاً، قالوا: إن هذا يشمل المرابحة، فالمرابحة تدخل في أنواع البيوع، مثل: بيع المساومة، وبيع المزايدة، وبيع الأمان، فبيع الأمان يدخل فيه المرابحة، فدخلت كلمة أحل الله في قوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275]. الجواب: أقسام البيوع هي: بيع المساومة، وبيع المزايدة، وبيع الأمانة، وبيع الأمان ثلاثة أنواع: بيع المرابحة، وبيع التولية، وبيع الوضيعة أو المحاطة، فبيع المرابحة الداخل في البيوع التي أحلها الله هو على اصطلاح الفقهاء الأقدمين في المرابحة، وليس هو الذي نتكلم عنه الآن، وهي صورة مختلفة تماماً عن المرابحة، ولا يجوز أن نستغل تشابه الأسماء بل لابد من تحقيق المعنى المراد بهذا الاسم. يقولون أيضاً: إن الحاجة ماسة وداعية إليه في التعامل، كما دعت الحاجة إلى السلم والاستصناع. والجواب: أن السلم يختلف عما يدعون أنه مشروع، والأحاديث معروفة في ذلك، ويغتفر ما فيه من غرر، لكن السلم أذن به الشرع، أما الغرر في هذه المعاملة؛ فأين الدليل على أن الشرع أذن فيه والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تبع ما ليس عندك)؟ ! يقولون: واغتفر ما يعتريها من الغرر تقديراً للحاجة الداعية، ولاتساع رقعة التعامل، وتضخم رءوس الأموال، فإذا لم تتم هذه المعاملة وقع المسلم في حرج، وشق عليه فوات مصالح كان يريد تحقيقها، وإذا فتحنا هذا الباب فسيضطر الناس إلى القرض بفائدة، وهذا هو الربا، لكن دينه يعصمه من الربا المحرم، فيلجأ إلى هذا التعامل تحت وطأة الحاجة أو الضرورة، فحتى لا يلجأ الناس إلى الربا لزمنا أن نفتح لهم هذا الباب، ونسهل عليهم؛ حتى ننتشلهم من المحرم، ونحقق مصالح المسلمين. فالجواب: نحن نوافقهم على أن القول بإباحة بيع المواعدة بهذه الصورة أيسر على الناس، ولكن هل كل ما اختلف فيه العلماء يجوز الأخذ فيه بالأيسر؟ وهل اليسر مسلك من مسالك الترجيح عند التعارض؟ الترجيح عند التعارض يكون باعتبارات أخرى لا محض اليسر، وفي الحديث: (ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً). إذاً: الترجيح يكون بالنظر إلى الأيسر للناس في مجالات التطوع الاختيارية، أما في أشياء مقطوع بحرمتها فلا يوجد شيء اسمه تيسير، وما كان إثماً فقد كان صلى الله عليه وسلم أبعد الناس منه. إذاً: ليس كل ما اختلف العلماء فيه يجوز الأخذ فيه بالأيسر؛ إذ الواجب عند اختلافهم هو الأخذ بما هو أرجح دليلاً؛ لأن ذلك أقرب إلى امتثال أمر الله تبارك وتعالى، وليس اختلافهم دليلاً على جواز كل الوجوه التي اختلفوا عليها؛ لأن التعبد ليس بالخلاف، وهذه هي الضلالة التي تحاول بعض الجماعات أن تغرسها الآن في الناس في زمن الغربة، يقولون: ضعها في رقبة عالم واطلع سالم! وهناك دعاة يقلدون الجهلة هذا الكلام ويقولون: من قلد عالماً لقي الله سالماً! وهم لا يستدلون بالحديث، ولكن يقول: ما دام أن عالماً قال به فأنا آخذ بكلام العالم، فيستترون وراء المسألة، ثم ننتهي إلى اتباع الهوى لا اتباع الشرع، والانقياد لداعية الهوى، بحجة أن عالماً قال بها، ولو تتبعت زلات العلماء اجتمع فيك الشر كله. إذاً: لا ينبغي إعمال نظرية التعبد بالخلاف، وهذه من البدع المعاصرة؛ لأن معنى ذلك أنه يجوز للمكلف أن يفعل الواجب أو يتركه، وأن يفعل الحرام وأن يتركه، ولا يلتزم إلا بالحكم المجمع عليه، والمسائل المجمع عليها قليله جداً بالنسبة لآلاف المسائل المختلف فيها، فهل مجرد وقوع الخلاف في مسألة يبيح لك أن تأخذ بأي قول؟! إذاً: ستأخذ من مذهب إباحة النبيذ، ومن مذهب إباحة نكاح المتعة، ومن مذهب ربا النسيئة، فلا يبقى واجب ولا محرم، ولا يفقه شيء إلا المجمع عليه، وهذا فساد عريض، فهذا نقد وتحطيم لقاعدة التكليف كما بينه الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في الموافقات، فكيف يجوز الأخذ في مثل هذه المسألة الخطيرة بقول شاذ، بل بقول غير محدد ولا مثقف، وكل كلامه منسوب إلى ابن شبرمة ، وقد سبق أن بينا أنه غير راجح، وليس له علاقة بموضوعنا، علاوة على أنه قول شاذ من بين أقوال الفقهاء.......

الضوابط الشرعية لبيع المرابحة الآمر بالشراء

نذكر هنا الضوابط الكلية التي تجعل بيع المواعدة أو بيع المرابحة للآمر بالشراء الذي تجريه المصارف الإسلامية في دائرة الجواز. أولاً: خلوها من الالتزام بإتمام البيع كتابة أو مشافهة قبل الحصول على العين بالتملك والقبض، فليس من حق البنك بعد الإتيان بالسلعة إلزام العميل، وله الحق في أن يرجع في كلامه، وكذلك من حق المشتري عدم الالتزام بإتمام البيع كتابة أو مشافهة قبل الحصول على العين بالتملك أو القبض. ثانياً: خلوها من الالتزام بضمان هلاك السلعة أو تضررها من أحد الطرفين العميل أو المصرف، بل هي على الأصل، والأصل أنها في ضمان المصرف، بل لا ينبغي أن يذكر هذا الشرط أصلاً، فلا يذكر البنك أنه ملتزم بها إذا هلكت، بل الأصل أن يبقى الشيء على ما كان عليه، فلا ينبغي النص في العقد على أن الالتزام بالضمان سواء على هذا أو ذاك، حتى لو قال: البنك أنا الذي أضمنها، فيكون موافقاً للكلام الذي نقوله، لكن هذا هو الأصل، ولا يحتاج إلى التنصيص عليه. ثالثاً: ألا يقع العقد على المبيع بينهما إلا بعد قبض المصرف للسلعة واستقرارها في ملكه، يعني: لا يحصل عقد التبايع إلا بعد أن يمتلكها البنك بالفعل ويحوزها، وحينئذ يعقد العقد بين البنك والمشترى منه. ونلخص الكلام في هذا الموضوع من رسالة للدكتور محمد سليمان أشقر حفظه الله اسمها: بيع المرابحة كما تجريه البنوك الإسلامية، يقول في نهاية هذا البحث القيم: الذي يظهر لي -والله أعلم- أن التواعد على بيع المرابحة، وذكر السعر الذي سيشتري به الواعد في المرابحة، لا يجعلها إذا أتمت بعد ذلك حراماً خلافاً للمالكية، ولما فهمناه عن مذهب الحنابلة، ووفاقاً للمذهب الشافعي، ولما فهمناه عن مذهب الحنفية، ولما أفتى به فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز ؛ لأن البنك يشتري لنفسه وهو يعلم أن العميل ربما لا يرجع إليه، وربما رجع فاشترى أو لم يشتر، فله مطلق الحرية في ذلك، ولأن البنك يستطيع أن يبيع لغير العميل؛ فلكل منهما أن يعدل عن وعده إذا وجد فرصة أنسب، ولأن السلعة إن هلكت تهلك على ملك البنك، وهذه الدرجة من المخاطرة، وهي: أن يكون البنك يشتري البضاعة وهو على غير يقين من شراء العميل لها بربح، وهذه الدرجة هي التي تبيح هذه المعاملة وتخرجها عن حيز التحريم إلى حيز الحل، وتفصل بين كون هذه المعاملة بيعاً وتجارة وبين كونها قرضاً، أما العمل على أساس الإلزام بالوعد السابق؛ فإنه يربط الواعد ويوثقه ويعدمه الرضا حال عقد الشراء اللاحق من البنك. وهذه نقطة مهمة جداً؛ لأنه عند كتابة العقد هل عنصر الرضا والاختيار من المشتري موجود؟ لا؛ لأنه قد أخذ عليه ضمانات قبل العقد، ثم يعقد بعد أن يحوز السلعة ويبيعها له ويكتب العقد، فما فائدة هذا العقد؟ هل هو مسلوب الإرادة أم غير مسلوب؟ مسلوب الإرادة؛ لأخذه ضمانات كافية من قبل. قال الأشقر : (فيكون المشتري مسلوب الرضا عند إجراء عقد شراء اللاحق من البنك، فيكون العقد صورياً، ويخرج عن كونه تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29]، إلى كونه قرضاً بفائدة؛ لأن الوعد الملزم يكون قد ربط ربطاً محكماً بين دفع البنك الثمن عند شرائه البضاعة، وبين أخذ العميل لها بثمن زائد، فتحققت صورة القرض، ولا ينفعهم أن يسموه: وعداً ببيع المرابحة؛ لأنه قد علم أن شرط العقود الرضا التام حين التعاقد، وبذلك التراضي يحل لكل من الطرفين ما يأخذه من مال الآخر، ومع ذلك، فلما في هذا التعامل من شبهة الإقراض بالفائدة فهو مكروه). وربما قال البعض: إن وعد المرابحة مع مراعاة هذه الضوابط يعرض أموال البنك الإسلامي إلى المخاطر؛ فإن كثيراً من العملاء سيتراجعون عن الوفاء بوعودهم في كثير من الأحوال لعدم التزامهم، ولعدم لزوم شيء من الغرامة لهم في حال النكول؛ فيضطر لبيع البضائع في كثير من الأحيان بثمن بخس، فنقول: الرجل ممكن أن يرجع، والبنك ممكن أن يرجع، ولو جاء للبنك عميل سيربحه أكثر باع له، فعنصر احتمال الرجوع متوافر للطرفين، وهذا العقد الشرعي للصورة الشرعية سيجعل للطرفين مطلق الحرية، وإذا أتى عرض من البنك أفضل سيكسب أكثر قبل إتمام العقد، وكذلك العميل، لكن بلا شك أن البنك فعلاً هو المعرض للخسارة أكثر؛ لأن بعض السلع النادرة لا يشتريها كل الناس، يقول الدكتور الأشقر: وجوابي عن ذلك: أن هذا لا يعرض البنك للخطر.. بل يضيق دائرة تحركه نسبياً في مجال العمل بالمرابحة، فلا يتعامل إلا بالعمليات التي يطمئن فيها إلى العميل، والعمليات التي للبضائع المطلوبة فيها سوق رائجة، والعمليات التي تتم في برهة قريبة بعد الوعد، كشراء العقار في الداخل، وتبقى سائر العمليات التي فيها خطورة، فتحال على أنواع أخرى للتعامل. يعني: أن البنك سيترك السلع التي فيها نوع من المخاطرة فلا يتعامل فيها بالمواعدة، ويتعامل فيها بالمضاربة أو المشاركة. إذاً: يجب أن يصاغ الوعد بهذه الطريقة ليكون ظاهراً في عدم الإلزام والالتزام، ولئلا يؤخذ المؤمن بالحياء، بل يكون عقد البيع اللاحق عن تراض، لقول الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29]، وأرجو أن يكون الأمر قد فهم على وجهه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.......

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

   طباعة 
0 صوت
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
الشرح المفهم لما انفرد به البخاري عن مسلم

جديد المواد

Separator

روابط ذات صلة

Separator

القرآن الكريم- الحصري

القرآن الكريم- المنشاوي

القرآن الكريم- عبد الباسط

القرآن الكريم- البنا

ملف: المسجد الأقصى