الثلاثاء 7 جمادى الأولى 1439هـ الموافق 24 يناير 2018م
022- باب تغليظ عقوبة من أمر بمعروف أو نهى عن منكر وخالف قوله وفعله (منجد الخطيب). الشيخ/ محمد سرحان => منجد الخطيب من سير أعلام النبلاء 016- رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة (شرح السنة للمزني). الشيخ/ سعيد محمود => شرح السنة. للإمام/ المزني (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (4) => ركن المقالات 018- الآيات (42- 45) من تفسير الطبري (تفسير سورة فاطر). د/ ياسر برهامي => 035- سورة فاطر 045- تابع فصل في الكلام على طلب فاطمة لفدك وما يتعلق بذلك (مختصر منهاج السنة النبوية). د/ ياسر برهامي => مختصر منهاج السنة النبوية عبودية الأمة. د/ ياسر برهامي => ياسر برهامى سلسلة المنة شرح اعتقاد أهل السنة (للاستماع والتحميل). د/ ياسر برهامي => الــمــنـة ** شرح إعتقاد أهل السنة** صفحات مِن ذاكرة التاريخ (35) التدابير التي اتخذها يزيد ضد ابن الزبير => زين العابدين كامل تحت العشرين- العدد 38 => تحت العشرين أركان الإيمان الستة => بطاقات دعوية

القائمة الرئيسية

Separator
شرح صحيح البخاري - الشيخ سعيد السواح

بحث

Separator

القائمة البريدية

Separator

أدخل عنوان بريدك الالكتروني

ثم أدخل رمز الأمان واضغط إدخال

ثم فعل الاشتراك من رسالة البريد الالكتروني

هل السَّلَفيَّة مصدر الإرهاب؟!- د/ ياسر برهامي
لقاء حواري حول أحداث مسجد الروضة بشمال سيناء. الشيخ/ شريف الهواري
حكم صلاة الإمام والمأمومين إذا رجعوا معه للتشهد الأوسط بعد قيامهم- د/ ياسر برهامي

وثيقة المدينة مع اليهود ملامح ومعالم (4)

المقال

Separator
وثيقة المدينة مع اليهود ملامح ومعالم (4)
714 زائر
19-01-2017
ياسر برهامي

وثيقة المدينة مع اليهود ملامح ومعالم (4)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

أشرنا في المقال السابق إلى أن الإمام ابن القيم -رحمه الله- رد على من ظن أن العهود مع غير المسلمين لاتكون إلا مؤقتة..

قال ابن القيم -رحمه الله-: وَمَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا وَظَنَّ أَنَّ الْعُهُودَ كُلَّهَا كَانَتْ مُؤَجَّلَةً فَهُوَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ: يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْبِذَ إِلَى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، وَإِنْ كَانَ مُؤَقَّتًا، فَهَذَا مُخَالِفٌ لِنَصِّ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} [التوبة: ٤]، وَقَدِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفال: ٥٨]، وَالْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَبَاحَ نَبْذَ عَهْدِهِمْ إِلَيْهِمْ إِذَا خَافَ مِنْهُمْ خِيَانَةً، فَإِذَا لَمْ يَخَفْ مِنْهُمْ خِيَانَةً لَمْ يَجُزِ النُّبَذُ إِلَيْهِمْ، بَلْ مَفْهُومُ هَذِهِ الْآيَةِ مُطَابِقٌ لِمَنْطُوقِ تِلْكَ.

الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: بَلِ الْعَهْدُ الْمُؤَقَّتُ لَازِمٌ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلِمَ نَبَذَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْعَهْدَ إِلَى جَمِيعِ الْمُعَاهَدِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ؟ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ} [التوبة: ٤]، فَقَدْ حَرَّمَ نَبْذَ عَهْدِ هَؤُلَاءِ، وَأَوْجَبَ إِتْمَامَ عَهْدِهِمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَمَرَ بِنَبْذِ الْعُهُودِ الْمُؤَقَّتَةِ؟ فَقَوْلُ مَنْ لَا يُجَوِّزُ الْعَهْدَ الْمُطْلَقَ قَوْلٌ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، كَقَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ نَبْذَ كُلِّ عَهْدٍ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا بِلَا سَبَبٍ، فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ بَعْدَ هَذَا: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: ٧] ، فَهَؤُلَاءِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- هُمُ الْمُسْتَثْنَوْنَ فِي تِلْكَ الْآيَةِ، وَهُمُ الَّذِينَ لَهُمْ عَهْدٌ إِلَى مُدَّةٍ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَوْ كَانَ عَهْدُهُمْ مُطْلَقًا لَنَبَذَ إِلَيْهِمْ كَمَا نَبَذَ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا مُسْتَقِيمِينَ كَافِّينَ عَنْ قِتَالِهِ، فَإِنَّهُ نَبَذَ إِلَى جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَهْدٌ مُؤَجَّلٌ يَسْتَحِقُّونَ بِهِ الْوَفَاءَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ عُهُودُهُمْ مُطْلَقَةً غَيْرَ لَازِمَةٍ، كَالْمُشَارَكَةِ، وَالْوَكَالَةِ، وَكَانَ عَهْدُهُمْ لِأَجْلِ الْمَصْلَحَةِ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ، وَأَعَزَّ الْإِسْلَامَ وَأَذَلَّ أَهْلَ الْكُفْرِ لَمْ يَبْقَ فِي الْإِمْسَاكِ عَنْ جِهَادِهِمْ مَصْلَحَةٌ، فَأَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ حَتَّى نَبَذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ لِئَلَّا يَكُونَ قِتَالُهُمْ قَبْلَ إِعْلَامِهِمْ غَدْرًا.

وَهَذَا قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ الْجَائِزَ كَالشَّرِكَةِ، وَالْوَكَالَةِ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ فَسْخِهِ فِي حَقِّ الْآخَرِ حَتَّى يَعْلَمَ بِالْفَسْخِ، وَيَحْتَجَّ بِهِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْوَكِيلَ لَا يَنْعَزِلُ حَتَّى يَعْلَمَ بِعَزْلِهِ.)

وقال -رحمه الله- أيضا: (وَالَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّ الْعَهْدَ لَا يَكُونُ إِلَّا مُؤَقَّتًا، وَالْوَفَاءَ وَاجِبٌ، حَارُوا فِي جَوَازِ الْبَرَاءَةِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، فَصَارُوا إِلَى مَا يَظْهَرُ فَسَادُهُ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّمَا يَبْرَأُ مِنْ نَقْضِ الْعَهْدِ، وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَإِنَّ مَنْ نَقَضَ الْعَهْدَ فَلَا عَهْدَ لَهُ، وَلَا يَحْتَاجُ هَذَا إِلَى بَرَاءَةٍ وَلَا أَذَانٍ، فَإِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ الَّذِينَ صَالَحَهُمُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ لَمَّا نَقَضُوا الْعَهْدَ سَارَ إِلَيْهِمْ، وَكَتَمَ مَسِيرَهُ، وَدَعَا اللَّهَ أَنْ يَكْتُمَ خَبَرَهُ عَنْهُمْ، وَلَمَّا كَتَبَ إِلَيْهِمْ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ بِخَبَرِهِ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مَا أَنْزَلَ، وَلَمْ يَفْجَأْ أَهْلَ مَكَّةَ إِلَّا وَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَجُنُودُ اللَّهِ قَدْ نَزَلُوا بِسَاحَتِهِمْ، وَهَذَا كَانَ عَامَ ثَمَانٍ قَبْلَ نُزُولِ "بَرَاءَةٌ".

وَأَيْضًا فَالنَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَرْسَلَ أَبَا بَكْرٍ، وَأَرْدَفَهُ بِعَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- يُؤْذِنُ بِسُورَةِ "بَرَاءَةٌ"، فَنَبَذَ الْعُهُودَ إِلَى جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ مُطْلَقًا، لَمْ يَنْبِذْهَا إِلَى مَنْ نَقَضَ دُونَ مَنْ لَمْ يَنْقُضْ.

وَأَيْضًا، فَالْقُرْآنُ نَبَذَهَا إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى مَنْ كَانَ لَهُ مُدَّةٌ وَوَفَاءٌ، فَمَنْ كَانَ فِيهِ هَذَانِ الشَّرْطَانِ لَمْ يَنْبِذْ إِلَيْهِ.

وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} [التوبة: ٧]، فَجَعَلَ -سبحانه وتعالى- نَفْسَ الشِّرْكِ مَانِعًا مِنَ الْعَهْدِ إِلَّا الَّذِينَ لَهُمْ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ وَهُمْ بِهِ مُوفُونَ.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ: بَلِ الْعَهْدُ الَّذِي أُمِرَ بِنَبْذِهِ إِنَّمَا هُوَ مَنْعُهُمْ مِنَ الْبَيْتِ، وَقِتَالُهُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ. قَالُوا -وَهَذَا لَفْظُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى-: وَفَصْلُ الْخِطَابِ فِي هَذَا الْبَابِ: أَنَّهُ قَدْ كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَبَيْنَ جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ، وَهُوَ أَنْ لَا يُصَدَّ أَحَدٌ عَنِ الْبَيْتِ، وَلَا يَخَافُ أَحَدٌ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَجَعَلَ اللَّهُ عَهْدَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَقْوَامٍ مِنْهُمْ عُهُودٌ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَأُمِرَ بِالْوَفَاءِ لَهُمْ، وَإِتْمَامِ عَهْدِهِمْ إِذَا لَمْ يَخْشَ غَدْرَهُمْ.

وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ جِدًّا: وَذَلِكَ أَنَّ مَنْعَهُمْ مِنَ الْبَيْتِ حُكْمٌ أُنْزِلَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: ٢٨]: وَهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مَعْنَى قَوْلِهِ: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: ١].

وَأَيْضًا، فَمَنْعُهُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَامٌّ فِيمَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، وَالْبَرَاءَةُ خَاصَّةٌ بِالْمُعَاهَدِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: ١] ، وَلَمْ يَقُلْ: (إِلَى جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ) كَمَا قَالَ هُنَاكَ: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} [التوبة: ٢٨].

وَأَيْضًا فَمَنْ لَهُ أَجَلٌ يُوَفَّى لَهُ إِلَى أَجَلِهِ، وَهُمُ الَّذِينَ عَاهَدُوهُ، فَمَا اسْتَقَامُوا لَهُمْ يَسْتَقِيمُ لَهُمْ، وَمَعَ هَذَا فَهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.

وَأَيْضًا فَالْمَنْعُ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَانَ يُنَادِي بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَأَعْوَانُهُ عَلَيٌّ وَغَيْرُهُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ-، فَيُنَادُونَ يَوْمَ النَّحْرِ: " «لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ»". وَأَمَّا نَبْذُ الْعُهُودِ فَإِنَّمَا تَوَلَّاهُ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لِأَجْلِ الْعَادَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْعَرَبِ.

وَأَيْضًا، فَالْأَمَانُ الَّذِي كَانَ لِحُجَّاجِ الْبَيْتِ لَمْ يَكُنْ بِعَهْدٍ مِنَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَمَانٍ مِنْهُ، بَلْ كَانَ هَذَا دِينُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَامَ الْإِسْلَامُ عَلَيْهِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: ٢٨] ، فَبِهَذِهِ الْآيَةِ مُنِعُوا، لَا بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الْمُعَاهَدِينَ، وَقَدْ كَانَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا} [المائدة: ٢]، فَنُهُوا عَنِ التَّعَرُّضِ لِقَاصِدِيهِ مُطْلَقًا، ثُمَّ لَمَّا مُنِعَ مِنْهُ الْمُشْرِكُونَ، وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى، كَانَ مَنْ أَمَّنَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ظَالِمًا لِنَفْسِهِ مُحَارِبًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.

وَأَمَّا الْقَتْلُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَقَدْ كَانَ مُحَرَّمًا بِقَوْلِهِ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة: ٢١٧] .

وَفِي نَسْخِهِ قَوْلَانِ لِلسَّلَفِ: فَإِنْ كَانَ لَمْ يُنْسَخْ لَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ إِذَنْ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مَنْسُوخًا فَلَيْسَ فِي "الْبَرَاءَةِ" مَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ، وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَبَاحَتِ الْقِتَالَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَإِنَّهَا النَّاسِخَةُ لِتَحْرِيمِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا فِيهَا الْبَرَاءَةُ مِنَ الْمُعَاهَدِينَ، وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ، كَانَ تَحْرِيمُهُ عَامًّا، فَلَمْ يَكُنْ يَجُوزُ أَنْ يُقَاتِلَ فِيهِ الْمُحَارِبُونَ وَآيَةُ تَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِيهِ إِنَّمَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ قَبْلُ، وَلَمْ يَكُونُوا مُعَاهَدِينَ، وَإِنَّمَا عَاهَدَهُمْ بَعْدَ بَدْرٍ بِأَرْبَعِ سِنِينَ.

وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ اسْتَثْنَى مِنَ الَّذِينَ تَبَرَّأَ إِلَيْهِمْ مَنْ عَاهَدَهُ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَأُولَئِكَ لَا يُبَاحُ قِتَالُهُمْ لَا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَلَا غَيْرِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الَّذِي أَبَاحَهُ إِنَّمَا هُوَ الْقِتَالُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ؟

وَأَيْضًا، فَالْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فِي قَوْلِهِ: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ} [التوبة: ٥]، إِنْ كَانَتِ "الثَّلَاثَةَ وَرَجَبًا"، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ التَّحْرِيمِ فِيهَا، فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ، وَإِنْ كَانَتِ "الْأَرْبَعَةَ الَّتِي أَوَّلُهَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ عَامَ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، وَآخِرُهَا رَبِيعٌ"، فَقَدْ حَرَّمَ فِيهَا قِتَالَ مَنْ لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ، وَأَبَاحَ قِتَالَهُمْ إِذَا انْقَضَتْ، فَلَوْ كَانَ إِنَّمَا أَبَاحَ قِتَالَ مَنْ كَانَ يُبَاحُ قِتَالُهُ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَلَا عَهْدَ لَهُ، فَهَذَا مُحَارِبٌ مَحْضٌ لَا حَاجَةَ إِلَى تَأْجِيلِهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنَّ قِتَالَهُ كَانَ مُبَاحًا عِنْدَ هَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ الْأَرْبَعَةِ.

وَأَيْضًا فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، إِنَّمَا أَبَاحَ اللَّهُ قَتْلَ مَنْ نَبَذَ إِلَيْهِ الْعَهْدَ إِذَا انْقَضَتْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ، كَمَا قَالَ: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: ٥].

فَلَوْ كَانَ قِتَالُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَبَذَ إِلَيْهِمُ الْعُهُودَ مُبَاحًا فِي غَيْرِهَا لَمْ يَشْتَرِطْ فِي حِلِّهِ انْقِضَاءَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ: فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ قِتَالَهُمْ مُبَاحٌ إِذَا انْقَضَتِ الْأَرْبَعَةُ، فَإِنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ عُدِمَ عِنْدَ عَدَمِهِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ قِتَالَهُمْ كَانَ مُبَاحًا، سَوَاءٌ انْقَضَتْ هَذِهِ أَوْ لَمْ تَنْقَضِ؟ وَإِنَّمَا كَانَ يُحَرِّمُ قِتَالَهُمْ فِي تِلْكَ الْأَرْبَعَةِ لَا مُطْلَقًا.

فَهَذِهِ التَّكَلُّفَاتُ الَّتِي يَظْهَرُ فِيهَا مِنْ تَحْرِيفِ الْقُرْآنِ مَا يُبَيِّنُ فَسَادَهَا بَنَاهَا أَصْحَابُهَا عَلَى أَصْلٍ فَاسِدٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمُعَاهَدِينَ لَا يَكُونُ عَهْدُهُمْ إِلَّا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى! وَهُوَ خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَخِلَافُ الْأُصُولِ وَخِلَافُ مَصْلَحَةِ الْعَالَمِينَ.

فَإِذَا عُلِمَ أَنَّ الْمُعَاهَدِينَ يَتَنَاوَلُ النَّوْعَيْنِ، وَأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِنَبْذِ الْعَهْدِ الَّذِي لَيْسَ بِعَقْدٍ لَازِمٍ، وَأَمَرَ بِالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ اللَّازِمِ، كَانَ فِي هَذَا إِقْرَارٌ لِلْقُرْآنِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ، وَوَافَقَتْهُ عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَأُصُولُ الشَّرْعِ، وَمَصَالِحُ الْإِسْلَامِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.).

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

   طباعة 
0 صوت
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
الشرح المفهم لما انفرد به البخاري عن مسلم

روابط ذات صلة

Separator

جديد المقالات

Separator

القرآن الكريم- الحصري

القرآن الكريم- المنشاوي

القرآن الكريم- عبد الباسط

القرآن الكريم- حاتم

ملف: المسجد الأقصى