الخميس 20 محرم 1441هـ الموافق 19 سبتمبر 2019م
كذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب -1 => ركن المقالات حول قوله -تعالى-: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَ => د/ ياسر برهامى 008- تابع- عبر من قصة سيدنا إبراهيم. الشيخ/ إيهاب الشريف => عبر من قصة سيدنا إبراهيم 040- سياق ما روي عن النبي والصحابة والتابعين في مجانبة أهل القدر وثائر أهل الأهواء (أصول اعتقاد أهل السنة). الشيخ/ عصام حسنين => شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة. للإمام/ اللالكائي 134- مخالفات في صفة القبر الشرعية (دقيقة فقهية). الشيخ/ سعيد محمود => دقيقة فقهية 012- الآيات ( 36- 39) (سورة طه- ابن كثير). د/ ياسر برهامي => 020- سورة طه 002- الطلاق عند اليهود (باب الطلاق- فقه السنة). د/ ياسر برهامي => 021- باب الطلاق 114- الباب (29) في انقسام القضاء, والإرادة, والكتابة,والأمر, والإذن... (شفاء العليل). د/ ياسر برهامي => شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل. للإمام/ ابن قيم الجوزية صفات عباد الرحمن (4) قيام الليل => سعيد محمود لَمْ ولَن نكونَ دُعَاةَ هَدم => ياسر برهامي

القائمة الرئيسية

Separator
شرح صحيح البخاري - الشيخ سعيد السواح

بحث

Separator

القائمة البريدية

Separator

أدخل عنوان بريدك الالكتروني

ثم أدخل رمز الأمان واضغط إدخال

ثم فعل الاشتراك من رسالة البريد الالكتروني

شهر الله المحرم و براءة موسي من فرعون وقومه
يوم عاشوراء. الشيخ/ محمود عبد الحميد
وقفات مع عاشوراء. د/ سعيد الروبي

دعوة للتأمل... (اليهود في القرآن المكي)

المقال

Separator
دعوة للتأمل... (اليهود في القرآن المكي)
279 زائر
03-02-2019
علاء بكر

دعوة للتأمل... (اليهود في القرآن المكي(

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا يعد الصراع الحالي بين اليهود والفلسطينيين -ممثلًا في احتلال الصهيونيين لفلسطين والاستيلاء على المسجد الأقصى- أول صراع بين المسلمين واليهود، فقد شهد ظهور الإسلام في المدينة بعد الهجرة إليها وإقامة المجتمع الإسلامي الأول فيها تآمر اليهود على المسلمين وتكرار غدرهم بهم، رغم كل ما أبداه المسلمون مِن سماحة وتقبُّل لوجود اليهود معهم في المدينة رغم الاختلاف العقائدي، وهو ما لم يقدره اليهود وأساءوا التعامل معه بالغدر والخيانة، وإظهار الحقد والحسد!

وإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قاد المسلمين في مواجهة غدر اليهود وخيانتهم ليتعلموا مِن نهجه معهم، كيف يكون التعامل مع اليهود إن بقوا على ما ينبغي أن يكونوا عليه كأهل ذمة داخل المجتمع الإسلامي -الذي يتقبل وجود أهل الذمة فيه-، وكيف يكون التعامل معهم، والحذر منهم إن نكثوا العهد ونقضوا الذمة؛ فقد جاء القرآن الكريم أيضًا ببيان حقيقة اليهود وأحوالهم إجمالًا وتفصيلًا، وهو ما كشف حقيقتهم أمام المسلمين بلا أي رتوش أو غموض، حتى لا ينطلي على المسلمين مكرهم وخداعهم، وهذا ما كان.

ولعل مِن عجيب هذا الأمر أن القرآن الكريم -بعكس ما لا يتوقعه الكثيرون- قد تكلم عن اليهود وكشف حالهم في آيات كثيرة مِن القرآن المكي قبل هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه إلى المدينة حيث كانت تعيش بعض القبائل اليهودية بين سكانها من الأوس والخزرج، تمهيدًا وتهيئة للمسلمين نفسيًّا بتعرفهم على طبيعة اليهود حتى قبل تفكير المسلمين في الانتقال حيث يعيش اليهود.

اليهود في القرآن المكي:

أشار القرآن المكي مبكرًا إلى بعضٍ مِن خصال اليهود السيئة منددًا بها، ولعل مِن وراء ذلك:

1- تحذير الأمة الإسلامية التي ستحمل أمانة تبليغ ونشر وحي الله -تعالى- للعالم مِن الوقوع فيما وقع فيه اليهود مِن قبْل مِن البغي والتحريف، والعصيان والاختلاف.

2- التمهيد للمرحلة القادمة مِن عداء اليهود للمسلمين، والتي لم يكن أحد في ذلك الوقت يتوقعها.

3- إشارة إلى أن الأمة ستحتاج إلى فهم ومعرفة خبايا اليهود وانحرافاتهم عبر تاريخها كله، فهذه القضية ليست قضية مرحلية يتعرض لها المسلمون في مرحلة لها ظروفها الخاصة ثم تنتهي وتندثر، ولكنها قضية ممتدة، ترتبط بما يغلب على اليهود في كل زمان ومكان من التحريف والتزييف وطمس الحقائق، ونسبة ما يفعلونه إلى الله -تعالى-، بأنه من دينه وشرعه.

4- قطع الطريق على اليهود بكشف حقيقتهم قبل الانتقال إليهم ومعايشتهم، فلا يظن أحد أن ما صدر من المسلمين في المدينة في مواجهة غدر اليهود وخيانتهم أمر مرحلي، يتعلق بيهود المدينة في ذلك الوقت دون غيرهم، لكنه انعكس بالتعميم من المسلمين على كل اليهود كرد فعلٍ للأحداث التي عاشوها مع يهود المدينة.

ويزيد الأمر وضوحًا أن اليهود أشاعوا بين العرب وقتها أنهم هم أهل الدين والعلم والكتاب وأتباع الأنبياء، واتخذوا ذلك وسيلة للاستعلاء على العرب، وقد غاب عن العرب الجوانب الخطيرة عن اليهود من تحريفهم للتوراة والكذب على الله والكفر به، وعصيان الأنبياء ومعاندتهم، بل قتل عدد من الأنبياء والإفساد في الأرض واللجوء إلى الحيل والدسائس وأساليب الغدر والوقيعة، فجاء القرآن بفضح ذلك كله، وجاء الإسلام إلى المدينة لينقذ الأوس والخزرج من شرهم.

وهذا ينبهنا إلى أهمية التأمل العميق والدراسة المتأنية للآيات المكية في القرآن التي تتحدث عن اليهود والمسلمون في مكة لم يتطلعوا إلى الهجرة للمدينة بعد، إلى جانب الآيات المدنية التي تحدثت عن اليهود بعد أن خالطهم المسلمون، وتعاملوا معهم في المدينة.

آيات مكية في اليهود:

وليس المجال مجال استقصاء لكل الآيات المكية التي تناولت اليهود وشرحها، ولكن نكتفي هنا بالإشارة إلى بعضٍ منها، للدلالة على ما ذكرناه:

بيان حال اليهود إجمالًا:

1- قال الله -تعالى- في سورة النمل: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ . وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (النمل:76-77)، واستحضر أخي القارئ أن هذه الآية نزلت والمسلمون ما زالوا في مكة مستضعفين، واليهود في المدينة مع الأوس والخزرج متحالفين، يفتخرون بأنهم أهل كتاب ودين وعلم، ثم تأمل ختم الآية بقوله -تعالى- عن هذا القرآن وما يذكر فيه: (وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ).

2- قال -تعالى-: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ . فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (الأنعام:146-147).

وتأمل وصفهم بالبغي، والإشارة إلى أنهم سيسارعون بالإنكار والتكذيب، وهو ما كثر منهم بعد الهجرة إلى المدينة بالفعل، وتأمل هذه الأساليب في التأكيد: (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ)، باستخدام (وَإِنَّ)، وضمير التعظيم (نَا)، و"لام التأكيد"، وصيغة الجمع: (َصَادِقُونَ).

3- قال -تعالى-: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (النحل:118).

4- قال -تعالى-: (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (يونس:93).

5- قال -تعالى-: (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ . وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (الجاثية:16-17).

6- قال -تعالى-: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا . فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا . ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا . إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا . عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) (الإسراء:4-8)، وهي آيات واضحة في الكشف عن مساوئ اليهود التاريخية وعن إفسادهم في الأرض.

بيان حال اليهود تفصيلًا:

وذلك من خلال إطالة الحديث عن تاريخ اليهود ومواقفهم المختلفة، خاصة مع موسى وهارون -عليهما السلام-، تنديدًا بمواقفهم وكشفًا لعوراتهم التي أخفوها عن الناس أو زيفوها، رغم ما حباهم الله تعالى به من النعم العظيمة، التي لم يمنح أمم كثيرة غيرهم مثلها، وهذا واضح في سورة (طه)، وفي سورة (الأعراف).

1- قال -تعالى-: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) (الأعراف:138)، هذا بعد أن رأوا بأعينهم معجزة إغراق الله -تعالى- لفرعون وقومه، ونجاتهم من بطشه وعذابه؛ لذا قال لهم موسى -عليه السلام- منكرًا عليهم كما حكى عنه القرآن: (قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ . وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) (الأعراف:140 -141).

2- قال -تعالى-: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ) (الأعراف:148)، وكان موسى -عليه السلام- قد ذهب لميقات ربه واستخلف فيهم هارون -عليه السلام-، قال -تعالى-: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) (الأعراف:142)، فعصوا أمر هارون وخالفوه، بل كادوا أن يقتلوه، قال -تعالى- حاكيًا عن هارون قوله لموسى لما عاتبه بعد عودته: (قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (الأعراف:150).

وجاء تبريرهم لهذا الفعل الشنيع يكشف فسادهم واستهتارهم وسوء صنيعهم مع نبيهم، كما جاء بيانه في سورة (طه)، قال -تعالى-: (قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ. فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) (طه:87-88).

ويأتي القرآن ببراءة هارون مما يزعمه اليهود في كتبهم أن هارون هو الذي صنع لهم العجل، ويؤكد على إنكار هارون عليهم ما يصنعون، ويسجل مخالفتهم لنبيهم هارون وعنادهم، قال -تعالى-: (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي . قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى) (طه: 90-91).

3- يحكي القرآن المكي في موقفٍ آخر عن تبديلهم وعنادهم، وأنهم لا يتقون، بل يحرفون! قال -تعالى-: (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ. فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ) (الأعراف:161- 162).

4- في بيان جحودهم للنعم والكفر بها، قال -تعالى-: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (الأعراف:160).

5- العقوبة بالشتات وسوء العذاب:

وبعد تقرير هذه المعاني عن اليهود في نفوس المسلمين، يأتي الإخبار من الله -تعالى- الحكيم العادل أنه سيبعث عليهم مَن يسومهم سوء العذاب جيلًا بعد جيل وإلى يوم القيامة، قال -تعالى-: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (الأعراف:167). وهذا الإعلام الإلهي المؤكد يشير وبوضوح إلى استواء أجيال اليهود في الظلم والفسوق، ويشير بوضوح إلى استحقاق هذه الأجيال على السواء لسوء العذاب مِن الله -تعالى-؛ ولهذا يبعث عليهم مِن الأمم التي تبتلى بهم وبفسادهم مَن يسومهم سوء العذاب بما كسبت أيديهم جزاءً لهم على إفسادهم في الأرض.

ويخبر القرآن المكي أن الله شتتهم في الأرض عقوبة لهم، وابتلاهم بالشدة والرخاء لعلهم يعودوا إلى الحق والصواب، قال -تعالى-: (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الأعراف:168)، ولكنهم في الشتات ازدادوا ضلالًا، واتخذوا الأحبار أربابًا من دون الله وابتدعو في دين الله -تعالى-، فكان الخلف منهم أسوأ مِن أسلافهم؛ إذ مالوا إلى الحياة الدنيا وأهملوا الدين والعمل لآخرة، وزعموا لأنفسهم ما ليس لهم واستعلوا على غيرهم، وزعموا أنهم شعب الله المختار وأحباؤه؛ لذا سيغفر لهم كل خطيئة، وهذه المزاعم الباطلة يمتلئ بها كتابهم (التلمود) الذي كتبه لهم أحبارهم، فصار كتابًا مقدسًا عندهم إلى جانب التوراة التي حرفوها، قال -تعالى-: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (الأعراف:169).

وتأمل ما في هذه الآية مِن بيان أن ضلالهم جاء بعد العلم فهم (وَرِثُوا الْكِتَابَ) وهم (وَدَرَسُوا مَا فِيهِ)، ولكن حبهم للدنيا وحرصهم على متاعها القريب الأدنى أعماهم (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى)، ويبررون لأنفسهم ما يفعلون بالكذب على الله ونسبة هذا الكذب إلى الوحي! وهم مأمورون بألا يقولوا على الله إلا الحق (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ).

6- في موضع آخر يذكر القرآن المكي أنه مِن شناعة أفعالهم وعنادهم وعصيانهم رفع فوقهم جبل الطور، وخيِّروا بيْن الإبادة والعمل بالشريعة، قال -تعالى-: (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأعراف:171)، وللتعرف على مدى العصيان والمشاقة التي هم عليها نذكِّر القارئ أن القرآن المدني أخبر عنهم أنهم عادوا بعد هذا الموقف الرهيب إلى العصيان والمشاقة بعد زوال التهديد الذي تعرضوا له، حيث قال الله -تعالى- في سورة البقرة عن هذا الموقف: (وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) (البقرة:93).

إعجاز قرآني:

ولا يخفى بعد كل ذلك أن هذه الآيات في القرآن المكي وما كشفته عن حقيقة اليهود جملة وتفصيلًا قبْل انتقال المسلمين إليهم أو التفكير في ذلك -وبهذه الكيفية-؛ هي معجزة مِن معجزات هذا الكتاب المبين، الدالة قطعًا على أنه من عند الله -تعالى-؛ وإلا فكيف جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- بكل هذا عنهم وهو ليس مِن علمائهم وأحبارهم، ولم يدرس باستفاضة كتبهم.

وصدق الله -عز وجل- القائل: (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) (الفرقان:6)، والقائل: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ . لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت:41-42)، والقائل: (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ . لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) (الأنفال:7-8).

العدل والإنصاف مِن خصائص القرآن:

رغم ما كان عليه أغلب اليهود مِن الكفر والضلال، فقد كان فيهم أهل إيمان وصلاح، فلم يبخس القرآن الكريم هؤلاء المؤمنين حقهم، بل أشار إليهم وأثنى عليهم؛ لأنهم بريئون من كفر باقي اليهود وضلالهم، قال -سبحانه وتعالى-: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ . يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ . وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) (آل عمران:113-115)، وقال -تعالى- في سورة الأعراف أيضًا: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) (الأعراف:159)، وقال -تعالى-: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24)، فهل رأيت إنصافًا كهذا الإنصاف، الذي يعطي كل ذي حق حقه، ويعطي كل ذي باطل ما يستحقه.

(راجع: "معركة الوجود بين القرآن والتلمود"، دكتور عبد الستار فتح الله سعيد).

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

   طباعة 
0 صوت
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
سلسلة مقالات (ذكريات). د/ ياسر برهامي

جديد المقالات

Separator

روابط ذات صلة

Separator
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي

القرآن الكريم- الحصري

القرآن الكريم- المنشاوي

القرآن الكريم- عبد الباسط

القرآن الكريم- البنا

من تاريخ الصراع بين السلفية والإخوانية