الأحد 21 صفر 1441هـ الموافق 20 أكتوبر 2019م

القائمة الرئيسية

Separator
شرح صحيح البخاري - الشيخ سعيد السواح

بحث

Separator

القائمة البريدية

Separator

أدخل عنوان بريدك الالكتروني

ثم أدخل رمز الأمان واضغط إدخال

ثم فعل الاشتراك من رسالة البريد الالكتروني

الإلحاد غير مستطاع
الفاتح. د/ أحمد خليل خير الله
لَمْ ولَن نكونَ دُعَاةَ هَدم

كلهم خوارج... هذا يسفك دمًا وذاك يطعن في سنة!

المقال

Separator
كلهم خوارج... هذا يسفك دمًا وذاك يطعن في سنة!
428 زائر
13-06-2019
عبد المنعم الشحات

كلهم خوارج... هذا يسفك دمًا وذاك يطعن في سنة!

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن مِن أعظم الحرمات التي جاءت الشريعة بحرمتها "حرمة الدماء"؛ قال الله -تعالى-: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء:93)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا) (رواه البخاري)، وقال عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: "إِنَّ مِنْ وَرْطَاتِ الأُمُورِ الَّتِي لاَ مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ" (رواه البخاري).

ويزداد الأمر بشاعة إذا كان المقتول قد قُتِل غدرًا وغيلة، ويزداد كذلك إثمًا ووزرًا إذا كان المقتول يؤدي عملًا فيه نفعًا للأمة بصفة عامة، ولذلك فإن الحوادث الإرهابية التي يُقتل فيها بعض جنودنا وهم يؤدون دور الحراسة تثير لدى كل منصف الغضب والحنق على الفاعل، والحزن والأسى على الضحايا، والمساندة والتضامن مع أسرهم؛ كل هذه ردود أفعالٍ طبيعيةٍ لكل مَن نوَّر الله بصيرته.

ومع كل حدث يتم الكلام على وسائل العلاج، وكيف يمكن تجفيف منابع الإرهاب؟

والإرهاب ليس كله مستندًا إلى الدين، وثمة عمليات إرهابية تنفذها أجهزة مخابراتية للدول المعادية، وثمة عمليات إرهابية دوافعها إجرامية، مع اعترافنا بأن عددًا كبيرًا ممَن ينفِّذون عمليات إرهابية "لا سيما في سيناء" ينسِبون أعمالهم زورًا وبهتانًا إلى الإسلام، ويعتقدون كفر الحكومات الإسلامية، ومِن ثَمَّ يكفِّرون الجيوش، وربما الشعوب بأسرها!

والعالم الغربي رغم مسئوليته عن نشأة وبقاء كثيرٍ مِن هذه التنظيمات "ولو عن طريق الدعم اللوجيستي غير المباشر" لنشر الفوضى في بلاد المسلمين، ولإلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام، لكنه عندما يكتوي بنيرانه عادة ما يخرج صقوره ليطالبوا بمحو الإسلام مِن الوجود والقضاء على المسلمين، ومنع تداول المصاحف، وغيرها مِن المطالب الخرقاء الهوجاء!

ثم تخرج حمائمهم لتقول لصقورهم رويدًا رويدًا... لا تغالوا في مطالبكم، يكفينا فقط منع تدريس آيات الجهاد، والآيات التي تبيِّن كفر كل ملة غير ملة الإسلام، وأما السُّنة فيمكن أن يُعاد تقييم الصحيح مِن الضعيف ليس باعتبار قوة الواسطة التي بين جامعي كتب السُّنة وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن حيث أمانتهم وحفظهم، ولكن يعاد التقييم مِن حيث موافقة أهواء الغرب أو مخالفتها، ومِن ثَمَّ فيجب أن يَنسى المسلمون أن "صحيح البخاري" هو أصح الكتب بعد كتاب الله -تعالى-؛ لأنه نال تلك المرتبة بمعايير اتفقت عليها الأمة، واتفقت على أن البخاري طبَّق الدرجة العليا منها، وهم لا يريدون تلك المعايير، بل يريدون أن يجعلوا أمة الإسلام تتبع الهوى.

وهكذا، فكلما حدث حادث؛ هاجم بعض الغرب الإسلام والقرآن، وهاجم بعضهم البخاري ومسلم، وهاجم البعض الآخر أبا حنيفة ومالك والشافعي وأحمد -رحمهم الله-.

وأما شيخ الإسلام "ابن تيمية" فحدِّث ولا حرج، فهم لا يكادون يتوقفون عن نقده، وكأن حقدهم على الإسلام وعلى أبطاله الذين استعملهم الله في إذلال الإمبراطورية الرومانية: عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد -رضي الله عنهم-، وموسى بن نصير وطارق بن زياد، وسيف الدين قطز والظاهر ببيرس والناصر صلاح الدين -رحمهم الله-، فكأن غيظهم على كل هؤلاء قد اجتمع ليخرج على صورة غل وحقد على شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإنه وإن كان كل هؤلاء قد كَسروا شوكة إمبراطورية الروم قديمًا فإن بناء النظام العالمي الموحد تحت قيادة الغرب وبنظم حياة عالمانية لا يكاد يقف أمامه إلا مَن تربَّى على كتب ابن تيمية، وعرف أن في دين الإسلام يصطلح العقل والنقل، ولا يتعارضان قط إلا في وهم متوهم، أو نظرة سطحية لناظر سرعان ما يدرؤها علم عالم، ونظرة متفحص متأمل.

وحول استغلال الغرب لتلك الحوادث لكي يطعن في الاسلام ذاته دارت كلمة شيخ الأزهر الشيخ "أحمد الطيب" في كلته في احتفال ليلة القدر 1440هـ، ومما جاء فيها قوله: "ونقطة فارقة أخرى تظل حجر عثرة في طريق الحوار بين الإسلام والغرب، هي: حرص رؤساء المسلمين وملوكهم وأمرائهم وعلمائهم ومفكريهم على إدانة جماعات الإرهاب، بكُلِّ لافتاتها وانتماءاتها، والحكمُ الجازم عليهم بأنَّهم فِرَقٌ ضالَّةٌ مارقةٌ مِن الدِّين كما يمرق السهم مِن الرمية، وأنَّ جرائمَهم ومجازرهم إنَّما تحصد مِن أرواح الأبرياء مِن الرِّجال والنِّساء والأطفال المسلمين أضعاف أضعاف ما تحصده مِن غير المسلمين... ومع ذلك لم يفلح كل ذلك في تصحيح صورة الإسلام والمسلمين في نظر الغرب وأمريكا؛ لأن المطلوب هو: "إدانة الإسلام" ورميُه بأفظع البذاءات والاتهامات! وتصويره بأنه "دين قادم مِن عصور الظَّلام، يعادي المنطق والحداثة، وأنه النظام الثقافي الوحيد الذي ينتج القاعدة وداعــش وأخــواتها وحفدتها، وهو دينُ صُـــوَرِ الانتحـاريين، واختطاف الطـائرات، والاغتيالات والانتفاضات، إلى أوصاف أخرى يعف اللِّسان والمقام عن ذكرها!".

إذًا هذا موقف الأعداء وهو وإن لم ينسجم مع ادعائهم الأمانة والنزاهة العلمية؛ فهو منسجم مع عداوتهم التي قال الله -تعالى- في شأنها: (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) (آل عمران:118).

ولكن البلاء الأعظم كان من هؤلاء الذين قال فيهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: (هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا) (متفق عليه)، فيتكملون بلسان أبناء الأمة أن الأزمة تكمن في "ابن تيمية"؛ فلما ظنوا أن الكذبة راجت انتقلوا إلى "الإمام أحمد" متهمين إياه بالتشدد دون الأئمة الثلاثة قبله، فلما ظنوا أن الكذبة راجت طعنوا في الأئمة الأربعة، فلما ظنوا أن الكذبة راجت طعنوا في كتب السُّنة والتي ليس فيها إلا أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ثم أغراهم أنهم ينتقلون مِن كذبة إلى أخرى ولا يعقِّب عليهم معقب، أن يطعنوا في أصح الكتب بعد كتاب الله -تعالى-: "البخاري ومسلم"، بل تجرأ الكثيرون منهم بالطعن في الصحابة -رضي الله عنهم-، سواء كان الطعن مِن بنات أفكارهم أو نقلوه عن الشيعة -قبحهم الله-.

إن هؤلاء القتلة الذين يقتلون جنودنا هم مِن الخوارج بلا شك، ويدخل في الخوارج مِن باب أولى: هؤلاء السبابون الطاعنون في حَمَلة شريعتنا منذ الصحابة -رضي الله عنهم- مرورًا بالتابعين وتابعيهم، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وعلى رأس هؤلاء: "أئمة الفقه": الذين كتب الله لهم لسان صدق في الأمة، وجعل الأمة في شرقها وغربها تلهج بالثناء عليهم، وذكرهم بكل حسنٍ وجميل.

وأئمة الحديث: الذين نقلوا إلينا أحوال النبي -صلى الله عليه وسلم- وكأننا نراه وهو يصلي، وهو يحج، وكأننا نراه وهو يعامل الكبير والصغير، والقريب والبعيد، ونراه كيف كان رقيه في حروبه يوم حارب، وكيف كان وفاؤه بعهده يوم سالم؟!

ومما نقله إلينا هؤلاء الأعلام بداية نشأة الخوارج، وكيف كان طعن جدهم الأكبر في رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكيف طعن الجيل التالي منهم في الخليفة الراشد عثمان -رضي الله عنه-، ثم كيف كان خروجهم على الصحابة بالسيف!

روى الإمام البخاري في صحيحه: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خص قومًا مِن المؤلفة قلوبهم بشيء مِن الغنيمة يتألفهم: فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ العَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الجَبِينِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الوَجْنَتَيْنِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اتَّقِ اللَّهَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (فَمَنْ يُطِيعُ اللَّهَ إِذَا عَصَيْتُهُ، فَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَلاَ تَأْمَنُونِي)، فَسَأَلَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ قَتْلَهُ، أُرَاهُ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ، فَمَنَعَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا، قَوْمًا يَقْرَءُونَ القُرْآنَ، لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ).

فانظر كيف اعترض هذا الجاهل برأيه، وبدلًا مِن أن يسأل فيما استشكل عليه مِن فعله -صلى الله عليه وسلم- كما حدث مِن الصحابة -رضي الله عنهم- في حوادث مشابهة، ومنها قوله -صلى الله عليه وسلم-: (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا)، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: (تَحْجُزُهُ، أَوْ تَمْنَعُهُ، مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ) (متفق عليه).

فأسعدهم الله بالجمع بين العلم والأدب، بينما اجتمع لذلك الخارجي الجهل والكبر وسوء الأدب، وهي أمور متى اجتمعت في إنسان فقد أورد نفسه المهالك!

وهكذا فعلوا ثانية لما استشكل عليهم بعض اجتهادات عثمان -رضي الله عنه- فراحوا يحاكمون تاريخه الذي لم يشهدوه، ولم يكفهم شهادة النبي -صلى الله عليه وسلم- له بالجنة، ولا رضا النبي -صلى الله عليه وسلم- به زوجًا لابنتيه واحدة بعد الأخرى!

حتى بلغ مِن غبائهم أن ينكروا عليه تخلفه عن بيعة الرضوان -بزعمهم!- وهو إذ ذاك يغامر بنفسه ليكون رسول رسول الله إلى قريش، وهي في ثورة غضبها حتى شاع أنه قُتل، فكانت البيعة على القتال لو ثبت أن قريشًا قَتلتْ عثمان -رضي الله عنه-.

ثم كان ظهور هؤلاء كفرقةٍ مارقةٍ بعد ما ألَّف الله بين قلوب الصحابة وتصالحوا، فادَّعى هؤلاء لأنفسهم أنهم أعمق فهمًا مِن مجموع الصحابة أجمعين، وفيهم علي -رضي الله عنه-، وهو يومئذٍ أفضل رجل على ظهر الأرض بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فرفضوا ذلك الصلح وطعنوا في التحكيم!

وهنا خرج الخوارج كفرقةٍ وانتقلوا مِن الطعن العام إلى التكفير، فكفَّروا خيرَ الخلق بعد الأنبياء، ثم انتقلوا مِن التكفير إلى القتال، والصحابة مع هذا يناظرونهم ويدعونهم، ويردون باطلهم، ويحلمون عليهم إلى أن رفعوا السيف، وحينئذٍ لم يكن هناك بدٌ مِن قتالهم.

وبالتالي فالعجب ممَن يرمي الصحابة -رضي الله عنهم- بأن جذور الخوارج تعود إليهم! (وهم مَن اُبتلي بهم، فصبروا صبرًا عظيمًا، وضربوا أعظم المثل في أن تتقي الله فيمَن لا يتقي الله فيك، وأن تصبر على مَن بَغَى عليك!).

وأما الإمام "أحمد بن حنبل": فقد تعرض على أيدي المعتزلة ومَن وافقهم مِن الخلفاء لأشد أنواع التنكيل والسجن والحبس، ومع هذا فقد ضَرب أعظم المثل في الحفاظ على الأوطان، رغم الضيم والظلم الذي تعرض له، ونهى أتباعه عن الخروج عن هؤلاء الخلفاء مع ظلمهم وبغيهم على عقيدة الأمة ابتداءً، ثم عليه هو شخصيًّا حين انبرى للدفاع عن تلك العقيدة.

وأما البخاري: فمِن أعجب الأمور أن يُنسب إلى البخاري شيء، وكتابه الذي اشتهر به ليس إلا كتاب أحاديث للنبي -صلى الله عليه وسلم-!

فمَن يزعم أن شيئًا ما مِن الباطل موجود في صحيح البخاري فلينتبه أن البخاري ليس له مِن هذا الكتاب إلا الجمع والتنقيح، وأن الكتاب هو ذكر لأحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وقد يقول قائل: ومِن أين أتينا بهذه الثقة في أن البخاري قد أصاب في عملية التنقيح هذه؟!

والإجابة: أن ضوابط القبول والرد هي نتاج اجتهاد جماعي للأمة مِن قبل عصر الإمام البخاري -رحمه الله-، وأن الإمام البخاري أعلن أنه سيطبِّق في صحيحه هذا أعلى درجات القبول لتكون هذه الأحاديث التي تنطبق عليها هذه المعايير العليا كالمرجع لضبط وفهم غيرها مِن الأحاديث، التي تنطبق عليها أيضًا معايير القبول، وأن الأمة لم تسلم للبخاري دعواه حتى أجرى عددٌ كبيرٌ مِن اللاحقين عليه مراجعة لمدى انطباق الشروط العليا التي اشترطها البخاري على كل الأحاديث التي أوردها في كتابه.

وأن جمعًا كبيرًا قد سلَّم للبخاري بأن كل ما ورد في كتابه ينطبق عليه أعلى درجات الصحة، وهناك مِن انتقد حديثًا أو عددًا مِن الأحاديث تعد بالأحاد، وليس بالعشرات، وكل مَن انتقد عليه شيئًا مِن هذا إنما انتقد أنها لا تبلغ ذات الدرجة العليا مِن القبول، وإن بقيتْ مقبولة.

فحصل مِن هذا إجماع الأمة عبْر تاريخها على أن أحاديث البخاري هي في أعلى درجات الثقة في نسبتها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

فليست القضية في الإمام البخاري -رحمه الله- وحده وإن كان جبلًا أشمَّ؛ لو وجد عند الأمم الأخرى مَن يَبلغ نصفه أو ربعه؛ لعدوه مِن عظماء التاريخ، ولكن القضية في "صحيح البخاري" وما اكتسبه مِن ثقةٍ مِن علماء الأمة عبر التاريخ، ولم يشذ عن هذا إلا الباطنية والشيعة، ثم المستشرقون في العصر الحديث وأذنابهم مِن بعدهم.

ولنضرب لك مثالًا:

عندما يأتي خبير الخطوط ليبحث مدى صحة توقيع شخص ما على وثيقة في قضية قانونية، فأنت هنا لا تتحدث عن هذا الشخص بقدر ما تتحدث عن بحوث تراكمية في قواعد هذا الفن، وأن شخصًا متقنًا لهذه القواعد سيقوم بتطبيقها، وإذا انتهى هذا الشخص إلى صحة نسبة الوثيقة إلى صاحبها صار هذا الحكم منه حجة يعمل بها في القضاء في أنفس وأعراض وأموال.

ثم هب أن قضية ذات أهمية قصوى تحتوي على آلاف المستندات دفعتْ إلى خبير في غاية التمرس انتقى منها ستة آلاف وثيقة جزم بنسبتها إلى أصحابها، ثم لم يقتصر الأمر على هذا حتى تتابع على مراجعة هذا الجهد خبراء آخرون، فمنهم مَن يوافق على كل هذه الستة آلاف، ومنهم مَن يبدي تحفظًا على واحدة أو اثنتين من هذه الوثائق، أو عددٍ محدودٍ أنها مع ثبوتها لا ترقى في وضوحها وثبوتها إلى درجة الآخرين.

ثم إذا علمتَ أن كل ما يمكن أن يُقال: إن درجة ثبوته دون الباقي هو مما يمكن أن يستغنى عنه، ولم يمر إلا كتوثيق إضافي لوثيقة مِن الرتبة العليا، فيكون الحاصل أن هناك اتفاقًا مِن كل مَن يحسِن هذا الفن ويتقن قواعده على أن هذه الوثائق من الثبوت بمكان بحيث يمكن أن يقضي بما فيها بمنتهى الثقة والحزم.

إذًا صحيح البخاري يمثِّل مجموعة مِن الأحاديث التي وثقت الأمة عبر العصور في صحة نسبتها إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبالتالي فمَن ظن في شيءٍ منها أنها تخالِف العقل أو المنطق، أو تكرِّس لسلوكٍ شائن أو فكر منحرف؛ فعليه أن يستغفر الله وان يسأل أهل العلم عما يستشكل عليه مِن حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- "فإنما شفاء العي السؤال".

وأما شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: فمِن الطبيعي أن يكرهه أعداء الأمة، وأن يعتبروا جهاده ضد التتار والصليبيين إرهابًا! وأن يعتبروا ثورته على الخرافة التي أَغرقوا فيها الأمة تطرفًا!

ولكن سبحان الله!

يبقى على مرِّ التاريخ مَن يقرأ سيرة الرجل، يقف عندها موقف المعجب بتجديده الدين -أي: إحياء سننه وليس إماتتها لصالح سنن الأعداء فيسجل هذه، ومنهم مَن لا يعتبر بحالٍ مِن الأحوال، ولعل مَن هؤلاء الكاتبة الصحفية "سناء البيسي" التي كتبت في الأهرام في عام 2015م مقالة تفيض إعجابًا بشيخ الإسلام ابن تيمية وجهاده في ميدان القلم، وفي ميدان السيف (سيفًا رفع في وجه أعداء الأمة، وليس في وجه أبنائها كما يفعل بعض الجهال الذين ينسبون أنفسهم إليه ويصدِّق الغرب هذا جهلًا أو بالأصح تجاهلًا للفرق بين الجهاد الشرعي وبين قتال الفتنة الذي يحدثه هؤلاء-، راجع مقالة: "مَن سرق ابن تيمية" للكاتبة سناء البيسي على هذا الرابط:

http: //www. ahram. org. eg/News/111556/4/401125/%D9%82%D8%B6%D8%A7%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%A1/%D9%85%D9%8E%D9%86%D9%92-%D8%B3%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D8%A8%D9%86-%D8%AA%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A9%D8%9F. aspx

والخلاصة: أن "رأس الخوارج" طَعنَ في رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم طعنت الأجيال التي تلته في الصحابة ثم انتقلوا مِن الطعن إلى التكفير ثم القتال.

ويبقى الطعن في السُّنة وفي علماء السنة وحَمَلة الدين هي السمة الأبرز لخروج بعض هذه الأمة على ثوابتها وعلى اجماعها وعلى جماعتها، وسواء اكتفى هؤلاء بسهامهم الفكرية المسمومة أو أضافوا إليها قتلًا أو قتالًا، فهم خوارج على الأمة، وعلى الأمة أن ترد سهامهم الفكرية ببيان الثوابت والدفاع عنها، ونشر محاسن أعلام الأمة مِن الصحابة والتابعين، وائمة الفقه والحديث، ومجددي دين الأمة عبْر التاريخ.

تنبيه:

الهجوم على الصحابة والأئمة وصحاح كتب السُّنة اتخذه بعضهم قضية حياته -ولبئس ما يضيع فيه حياته!-، والبعض الآخر ربما دخل فيه مقلدًا أو مرددًا دون دراية!

ومع هذا، فهذه المقالة وغيرها لا نريد منها إلا تحذير عموم الأمة مِن هذه الأقوال المنحرفة، ودعوة هؤلاء وأولئك إلى أن يراجعوا مواقفهم، آملين لكل مَن تبيَّن له الحق أن يسارع إليه، وأن يبيِّن للناس، وأن يكون ممَن قال الله -تعالى- فيهم: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة:160).

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

   طباعة 
2 صوت
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
من تاريخ الصراع بين السلفية والإخوانية

جديد المقالات

Separator

روابط ذات صلة

Separator
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي

القرآن الكريم- الحصري

القرآن الكريم- المنشاوي

القرآن الكريم- عبد الباسط

القرآن الكريم- البنا

سلسلة مقالات (ذكريات). د/ ياسر برهامي