تزايد الهجرة اليهودية إلى فلسطين في الأربعينيات



صفحات
مطوية من القضية الفلسطينية قبل قيام دولة إسرائيل (23)



(تزايد
الهجرة اليهودية إلى فلسطين في الأربعينيات)



كتبه/ علاء بكر



الحمد لله، والصلاة والسلام
على رسول الله، أما بعد؛



ففي عام 1939م نشبت الحرب
العالمية الثانية، وتحركت ألمانيا "النازية" لغزو دول أوروبا دولة بعد
الأخرى، وفي الوقت الذي هدأت فيه "الثورة العربية" في فلسطين تضامنًا مع
بريطانيا في حربها ضد النازية بضغط من حكام عرب؛ سعى اليهود بكل قوة لاستغلال
الأحداث لصالحهم مِن جوانب متعددة تبدو كما لو كانت متناقضة، ولكنها تصب في اتجاه
إيجاد الدولة اليهودية المرتقبة وضمان استمرارها.



حيث عملت الحركة الصهيونية
على الضغط على بريطانيا للتراجع عما قررته في "الكتاب الأبيض" الصادر
عام 1939م مِن تنظيم للهجرة اليهودية إلى فلسطين، وأمام إصرار بريطانيا على ما
قررته من تحديد للهجرة اليهودية؛ عمدت الصهيونية إلى التوسع في الهجرة اليهودية
السرية -غير القانونية- إلى فلسطين؛ إذ تسلل الآلاف من اليهود إلى فلسطين قبل ذلك
سرًّا إلى جانب الهجرة الرسمية العلنية، ولكن التوسع في الهجرة السرية أخذ شكلاً
ملحوظًا في فترة الأربعينيات.



فقد جاء في
تقرير "هوب سيمبسون" البريطاني الصادر عام 1930م:
"في كل السنين كان
هناك بضعة آلاف من المهاجرين -يعني اليهود- غير الشرعيين الذين يحلون في فلسطين
إما بالهرب مِن إجراءات المراقبة على الحدود، وإما بانتحال صفة المسافرين العابرين
ثم يبقون في البلاد".



ولم تكن هجرة
اليهود من إنجلترا وحدها، وإنما كانت من العديد من الدول الأوروبية وأمريكا خاصة روسيا
وألمانيا "لسوء أوضاع اليهود فيهما"؛
حيث نشطت "وسائل الإعلام
اليهودية" في أوروبا وأمريكا لحث اليهود على الهجرة إلى أرض المعاد، وسخـَّرت
لذلك الأموال الطائلة التي تقدَّم من أغنياء اليهود في أوروبا وأمريكا؛ لتشجيع
وتسهيل هذه الهجرة وإقامة المستعمرات "المستوطنات" والمباني اللازمة
لذلك وتجهيزها، بل وتسليح مَن فيها من اليهود، وتزويدهم بالمال والعتاد؛ بدعوى
الدفاع عن هذه المستعمرات حتى تحولت إلى قلاعٍ تشرف على ما حولها، وتقام حولها
الأسلاك الشائكة، ويمنع الأهالي من الاقتراب منها، حتى صارت مع الوقت أشبه بالمدن الصغيرة
القاصرة على اليهود، ثم صار لها بعد ذلك دورها في إرهاب الفلسطينيين والاعتداء
عليهم، ومحاولة إجبارهم على ترك ديارهم وأراضيهم والفرار منها بالقوة!



وفي مقابل ذلك
كانت سلطات الانتداب البريطانية تلاحق العرب الذين يحاولون الانتقال إلى فلسطين
والإقامة فيها من الأردن وسوريا ومصر،
حيث تقوم بالقبض عليهم وسجنهم أو ترحيلهم، فإن عادوا
شددت عليهم العقوبة، وكثيرًا ما كان يقوم البوليس بحملات تفتيش على المناطق
العربية، ويعتقل الكثير من العرب غير الفلسطينيين الذين حضروا للعمل في فلسطين،
ويتم إبعادهم فورًا، مع تغريمهم مبالغ مالية كبيرة، وأحيانًا يساقون إلى المحاكمة،
وتوقع عليهم عقوبة السجن لعدة شهور قبل الإبعاد عن البلاد.



وقد استغل زعماء
اليهود عداء النازية لليهود في تهجير أعدادٍ كبيرة من اليهود إلى فلسطين بأسلوب
منظم؛
حيث
عمدت وسائل الإعلام اليهودية في أوروبا إلى المبالغة في تصوير عداء النازية لليهود،
والمبالغة في أعداد ضحايا النازية، وأظهرت اليهود كشعبٍ مظلوم مضطهد من النازية،
ويستحق العطف والمساعدة، وأن أفضل ما يقدَّم له من مساعدة هو جمعه في وطن قومي له
في فلسطين.



وعلى ذلك تم
إنشاء المراكز العديدة لتجميع اليهود في أنحاء أوروبا، وتم عن طريقها تهجير هؤلاء
اليهود إلى فلسطين على متن بواخر كبيرة، فكانت البواخر تصل إلى المياه الإقليمية لفلسطين
فلا تجد ممانعة أو معارضة،
بل تقودها زوارق الدوريات إلى ميناء "حيفا"، ويسمح لركابها
اليهود بالنزول ودخول البلاد، ثم تجري محاكمة لربان السفينة وبحارتها تنتهي
بإبعادهم بعد توقيع عقوبة مالية عليهم، أما المهاجرون اليهود فلا تتخذ ضدهم أي إجراءات
تعاطفًا معهم، بل يمنحون الجنسية الفلسطينية، وترتب لهم أماكن إقامة، وتقدم لهم
الأعمال والوظائف كأهل البلد تمامًا؛ خاصة أصحاب الخبرات والتخصصات منهم، أي تصير
هجرتهم هجرة قانونية بموافقة سلطات الانتداب.



وذات مرة تدفق
على ميناء "حيفا" دفعة واحدة ثلاث بواخر تحمل المهاجرين اليهود، فقام
العرب بالمظاهرات الصاخبة احتجاجًا على هذه الهجرة التي تشكل خطرًا على فلسطين
وأهلها العرب،

وعمَّ الإضراب، وتتابعت أعمال العنف؛ مما جعل حكومة الانتداب تذعن للأمر الواقع،
وعرضت هؤلاء المهاجرين على المحكمة العليا، فقررت إعادتهم مِن حيث جاءوا، ومنعهم
من دخول البلاد؛ فعمد اليهود إلى تفجير البواخر الثلاث بمواد ناسفة وإغراقها؛ مما تسبب
في قتل بعض رجال البوليس البريطاني المكلف بحراسة البواخر، وحوالي مائة مهاجر
يهودي، وعادت السلطات لتسمح لهؤلاء اليهود بدخول البلاد، وإرسالهم إلى المستعمرات
اليهودية مباشرة.



موقع
أنا السلفي



www.anasalafy.com



 



: 15-02-2015
طباعة