معالم في السلفية (5)



معالم في السلفية ( 5)



مصدر المنهج السلفي وسماته



  كتبه | سامح
بسيوني



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
،،،



فالمنهج السلفي -على ما بينا سابقًا- هو ذلك
الطريق الذي سار عليه السلف الصالح في فهم الدين والعمل به والدعوة إليه وصولًا إلى
الغاية التي خُلقنا من أجلها وهى تحقيق العبودية لله تعالى ابتغاء مرضاته.



وهذا الطريق - كأي طريق يسير عليه الإنسان ليصل
إلى مبتغاه - له بداية محددة واضحة، وله قواعد موضوعة لابد من تطبيقها لضمان صحة الدخول
إليه، وعليه من الإرشادات والعلامات التي يجب اتباعها لضمان استمرار السير الصحيح عليه.



ولذا فلابد
لنا من بيان معالم هذا الطريق حتى نتمكن من التعرف على المنهج السلفي على الحقيقة ،
وبيان معالمه يكون ببيان:



(1) مصدره 



(2) قواعده



(3) ضوابطه



وسنشرع بإذن
الله في توضيحها ...



أولاً:
سمات مصادر المنهج السلفي



المنهج السفلى منهج مستمد من أصول معصومة من
الخطأ والزلل أو التعديل أو التغيير أو الخضوع للأهواء فأصوله ليست فكرًا بشريًا أو
أصولًا مستمدة من حضارات تاريخية، وإنما هي وحى إلهي وهذه الأصول هي:



( 1 ) القرآن الكريم



 (2) السنة النبوية المطهرة.



فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا كتاب الله وسنتي»  ( حديث صحيح )



 



و قد تميز منهج الصحابة رضوان الله عليهم في
تلقيهم لهذه النصوص المعصومة بأمرين هامين فارقوا بهما غيرهم وتميزوا بهما عن من بعدهم
وهما:



(  أ  ) التعظيم    



( ب ) التدقيق.



أولاً:
التعظيم



أي تلقى النص القرآني من كلام الله عزوجل أو
كلام النبي صلى الله عليه وسلم الذى لا ينطق عن الهوى بمبدأ ( سمعنا وأطعنا ) ...



سمعنا: علمًا وفهمًا لمراد الله ومراد رسوله
صلى الله عليه وسلم.



وأطعنا: امتثالاً وعملاً لأمر الله وأمر رسوله.



فقد كانوا رضوان الله عليهم إذا جاءهم الأمر
من الله أو التوجيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادرون بـ تنفيذه إن كان واضحًا
لهم كما تواترت بذلك الأحاديث الصحيحة في وصف ما حدث في حادثة تحويل القبلة و تحريم
الخمر.



أو 
يستفسرون عما أشُكل عليهم فهمه ثم يبادرون بالامتثال والعمل بمجرد فهم الأمر
ولو كان به من المشقة ما به بلا تسويف ولا تبرير ولا بحث عن مسوغات لعدم التنفيذ.



كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه أنه قال:



" لما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه
وسلم { لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في
أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله }الآية، قال: اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول
الله صلى الله عليه وسلم كُلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة،
وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نُطيقها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتريدون
أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا، بل قولوا {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا
غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}، فلما قرأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل
الله في أثرها { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ
كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ
مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
}، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى:{ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا
لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا
أَوْ أَخْطَأْنَا } قال نعم،{ رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ
عَلَى الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِنَا } قال نعم
{ رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ } قال نعم، { وَاعْفُ عَنَّا
وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ
} قال نعم ".



 [ وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما
بمعناه، وقال في كل ذلك: قد فعلت، بدل قوله نعم ].



- فكانت بركة مبدأ التعظيم عندهم ( بالسمع والطاعة
لأمر الله وأمر رسوله ) بالرغم من مشقة التكليف سببًا في نزول التيسير من الله عزوجل
لهم وللأمة من خلفهم، وصار التعظيم لكتاب الله وسنة رسوله بالسمع ( علمًا وفهمًا )
والطاعة ( امتثالاً وعملاً ) من أعظم معالم هذا المنهج السلفي المبارك الذي يجلب التيسير
على العباد في الدنيا ويحقق لهم الفرح والفوز في الآخرة ..



ثانيًا:
التدقيق



ونعنى به ما كان من اهتمامهم رضوان الله عليهم
بصحة النص المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لاسيما بعدما ظهر أهل البدع والأهواء
واتسعت رقعة الدولة الاسلامية بعد م
وت النبي صلى الله عليه وسلم وتفرق الصحابة في
البلدان .



فالصحابةُ الكرامُ رضوان الله عليهم حملوا هذا
المنهجَ بكلِّ أمانةٍ وإتقان لمن بعدهم فبلّغوهم مشافهة بكل قولٍ أو فعل أو تقريرٍ
للنبي صلى الله عليه وسلم امتثالاً لأمره صلى الله عليه وسلم لهم  بذلك في قوله: " ألا فليُبَلِّغ الشاهدُ منكم
الغائبَ " حيث كانوا يحتاطون بشدة فى تبليغ ما سمعوه أو شاهدوه عن النبي صلى الله
عليه وسلم، وكانوا يتميزون رضوان الله عليهم بحفظ الصدر وقوة الحافظة مع وجود بعض التدوين
القليل للحديث بغرض الإعانة على الحفظ  في الصدور
فقط، وظل الأمر كذلك إلى أخر عهد سيدنا عثمان رضى الله عنه.



ثم بعد مقتل عثمان رضى الله عنه سنة 35 هـ وظهور
الفتن ظهر اهتمام الصحابة رضوان الله عليهم بالجرح والتعديل، كما قال ابن عباس رضى
الله عنه: ( إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرت
أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب و الذلول لم نأخذ من الناس إلا
ما نعرف)، وظهر الاهتمام كذلك بعلوم الإسناد والعلل حتى انتهاء جيل الصحابة بموت أغلبهم
سنة 80 هـ تقريبًا نظرًا لانتشار الفتن وظهور الفِرَق وانتشار من تبقى من الصحابة في
آفاق العالم الإسلامي، ومع هذا كان التدوين في هذه الفترة قليلاً؛ للاستغناء عنه بحفظ
الصدور.



 



ثم جاء عصر التابعين ( مِن سنة 80 هـ حتى سنة
140 هـ ) فظهر تدوين الحديث لزيادة ضبط الكتاب مع ضبط الصدر وخوفًا من ضياع الأحاديث
ونسيانها، وكثرت رحلات العلماء من التابعين في طلب الحديث وتم وضع جملة من قواعد ضبط
الرواية وصحة الإسناد وصفاتِ الرواة و أسس التمييز بين الرواة العدول والرواة المجروحين
والتحرّي عن عدالة الراوي أو فسقه حتى فيما لا يتعلق برواية الحديث مباشرة، و زاد الأمر
إلى تأصيل قواعد نَقْد المتن وعدم الاهتمام بنقد السند فقط  وكل ذلك خوفا من خطر انتشار الكذب والكَذَبَة وخاصة
في البلدان النائية عن مراكز العلم والعلماء.



 ثم
جاء عصر أتباع التابعين ( مِن سنة 140 هـ حتى 200 هـ )  فاكتملت قواعد الجرح والتعديل وعلوم نَقْد الأسانيد
والمرويات، وبلغتْ العناية بها غايتها، وصار الاعتماد على ضبط الكتاب أهمَّ بكثير من
ضبط الصدر حتى أصبح الترجيح بين كبار أئمة الضبط والرواية وعلماء الحديث فيما بينهم
بضبط الكتاب فانتشرت مجالس الإملاء منذ هذا الوقت.



ثم جاء القرن الهجري الثالث ( مِن 200 هـ حتى
300 هـ ) فبلغ علم الحديث قمته في النقل والنقد فتميزت هذه الفترة بعدم الخوف من ضياع
السُّنة، والتأكيد على المحافظة عليها ونشر الصحيح منها، مع العناية بترتيبها بحسب
الغاية منها فأُلِّفتْ الكتب الستة والمسانيد والمصنفات سائر كتب الحديث الأمّهات،
وانتهت بعد ذلك الروايات الشفهية، وبدأ الرواة بعد ذلك لا يروون إلا المرويات الموجودة
في الكتب بل لم يَعُد يُسمَح لأيّ راوٍ أن يَدّعي وجودَ روايةٍ شفهيّةٍ لديه غير مكتوبة
في أحد كتب الحديث، وصار الحكم على المرويات دقيقًا طبقًا لقواعد علوم المصطلح والجرح
والتعديل وأنواع التلقي والرواية وغيرها والتي اكتملت في تلك الفترة.



- فصار بذلك علم الحديث عِلمًا مميزًا لهذه
الأمة حفظ الله به السنة النبوية من الضياع - كما تكفل سبحانه وتعالي بحفظ القرآن من
التحريف في قوله تعالى: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} - وصار علم مصطلح الحديث
بقواعده وضوابطه مدققًا ومميزًا للسنة النبوية الصحيحة.



يتبع بإذن
الله



موقع أنا السلفي



www.anasalafy.com



 



: 13-11-2018
طباعة