الإسلام والتنمية الزراعية (1)



الإسلام والتنمية
الزراعية (1)



كتبه/ وائل
عبد القادر



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما
بعد؛  



فمِن أعظم
الموارد التي اعتنى الإسلام بالمحافظة عليها، وعمل على تنميتها، والاستفادة من
خيراتها:
الأرض
الزراعية التي هي مصدر القوت والطعام للإنسان، كما قال -تعالى-: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ . أَنَّا صَبَبْنَا
الْمَاءَ صَبًّا . ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا . فَأَنْبَتْنَا فِيهَا
حَبًّا . وَعِنَبًا وَقَضْبًا . وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا . وَحَدَائِقَ غُلْبًا .
وَفَاكِهَةً وَأَبًّا . مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ
)
(عبس:24-32).



وقد اتَّبع
الإسلام في تحقيق التنمية الزراعية، وسائل فعَّالة وطرقًا حكيمة، أُوجزها في
النقاط الآتية:



أولًا: الحث
على الزرع:



الزرع نعمة من الله -تعالى- وفضل على الناس، قال
الله -تعالى- في معرض الامتنان على عباده: (أَفَرَأَيْتُمْ
مَا تَحْرُثُونَ . أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ . لَوْ
نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ
)
(الواقعة:63-65).



ودعا الإسلام
إلى الزراعة وحث عليها؛ لأن الزرع والغرس فيهما مادة الغذاء لجميع الأحياء؛ سواء
كان هذا الحي آدميًا، أو حيوانًا أو طائرًا، أو غيرهم،
قال -تعالى-: (أَوَلَمْ
يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ
زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ
)
(السجدة:27).



وأكثر مِن ذلك أن رتَّب الشرع الأجر والثواب
للزُرَّاع، فقد أخرج البخاري -رحمه الله- في صحيحه وبوب له بعنوان: "بَاب:
فَضْلِ الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ إِذَا أُكِلَ مِنْهُ، وَقَوْلِ اللَّهِ -تعالى-: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ . أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ
أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ . لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ
تَفَكَّهُونَ
)، وساق بسنده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ
مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ
إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ
).



وفى لفظ مسلم: عَنْ جَابِرٍ -رضي الله عنه- أَنَّ
النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-: دَخَلَ عَلَى أُمِّ مُبَشِّرٍ الْأَنْصَارِيَّةِ
فِي نَخْلٍ لَهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ أَمُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ؟)
فَقَالَتْ: بَلْ مُسْلِمٌ. فَقَالَ: (لَا يَغْرِسُ
مُسْلِمٌ غَرْسًا وَلَا يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ وَلَا
دَابَّةٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ
).



فالزارع في
صدقة مستمرة، وأجر موصول فيما يزرع أو يغرس، فيأكل من زرعه وغرسه أي شيء كان؛ مِن
حشرات الأرض وهوامها، وغيرها؛ مما نعلم، ومما لا نعلم، كما أطلقت ذلك رواية مسلم!



ثم إن الزرع هو الغلة الطبيعية للأرض التي أُمر
الإنسان بعمارتها وإصلاحها، ومُنع من الفساد والإفساد فيها.



ومِن عجيب ما ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- في شأن تعمير الأرض بالزراعة والحث عليها حثًّا بلغ الذروة فيه، ما جاء في
مسند الإمام أحمد -بسندٍ صحيحٍ- عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -رضي الله عنه- قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنْ
قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا
يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ
). والفسيلة: هي النخلة الصغيرة.



وذكر الشيخ
الألباني -رحمه الله- هذه الأحاديث وغيرها في السلسلة الصحيحة له، ثم عَلَّق على
هذا الحديث قائلًا:
"ولا أدل على الحض على الاستثمار من هذه الأحاديث الكريمة؛ لا سيما
الحديث الأخير منها، فإن فيه ترغيبًا عظيمًا على اغتنام آخر فرصة من الحياة في
سبيل زرع ما ينتفع به الناس بعد موته، فيجري له أجره وتكتب له صدقته إلى يوم
القيامة"
(السلسلة
الصحيحة للألباني)
.



وفى الحديث إشارة إلى أن المسلم يظل عاملًا
منتجًا إلى أن تلفظ الحياة آخر أنفاسها، فإن كانت القيامة في نظر البعض بعيدة،
فقيامته أقرب، وحثه على أن يفعل ذلك قبل أن يموت أولى؛ خاصة مع اقتراب الآجال،
فلربما يصاب الإنسان بداء عضال، وأُخبر أن أجله قد يكون قريبًا؛ ففي الحديث إشارة
لمثل هذا بألا يقعد عن العمل، بل يظل يعمل حتى آخر رمق فيه.



ويشهد لذلك
بعض الآثار التي أوردها الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة حيث قال:
"عن الحارث بن لقيط قال: كان الرجل منا
تنتج فرسه فينحرها فيقول: أنا أعيش حتى أركب هذه؟ فجاءنا كتاب عمر: أن أصلحوا ما
رزقكم الله، فإن في الأمر تنفسًا" وسنده صحيح. وجاء أيضًا بسندٍ صحيحٍ عن
داود قال: قال لي عبد الله بن سلام: إن سمعت بالدجال قد خرج وأنت على ودية تغرسها،
فلا تعجل أن تصلحه، فإن للناس بعد ذلك عيشًا. (الودية هي النخلة الصغيرة)، وداود
هذا هو ابن أبي داود الأنصاري قال الحافظ فيه: "مقبول".



وما رواه السيوطي في جامعه الكبير قال: روى ابن
جرير عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي: ما يمنعك أن
تغرس أرضك؟! فقال له أبي: أنا شيخ كبير أموت غدًا، فقال له عمر: أعزم عليك
لتغرسنها، فلقد رأيت عمر بن الخطاب يغرسها بيده مع أبي"
(انتهى).



وللحديث بقية -إن شاء الله-.



موقع أنا السلفي



www.anasalafy.com



 



: 13-02-2021
طباعة