الخميس، ٢٥ جمادى أول ١٤٤٥ هـ ، ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٣
بحث متقدم

عيدنا أهل الإسلام -نشرة تصدرها "الدعوة السلفية" في الأعياد- (عيد الفطر المبارك 1444هـ) (‌قَدْ ‌أَفْلَحَ ‌مَنْ تَزَكَّى . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى)

عيدنا أهل الإسلام -نشرة تصدرها "الدعوة السلفية" في الأعياد- (عيد الفطر المبارك 1444هـ)  (‌قَدْ ‌أَفْلَحَ ‌مَنْ تَزَكَّى . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى)
الأربعاء ١٩ أبريل ٢٠٢٣ - ٢٠:٠١ م
1076

 

عيدنا أهل الإسلام -نشرة تصدرها "الدعوة السلفية" في الأعياد- (عيد الفطر المبارك 1444هـ)

(‌قَدْ ‌أَفْلَحَ ‌مَنْ تَزَكَّى . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

(‌قَدْ ‌أَفْلَحَ ‌مَنْ تَزَكَّى . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) (الأعلى: 14-15)؛ هذه الحقيقة القرآنية التي تضمَّنتها سورة الأعلى التي كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا ما يقرأ بها في الجمع والأعياد، فالفلاح والنجاح هو في تحقيق الأهداف على أتمِّ وجه، وحيث إن الغاية مِن خلق الجن والإنس هي عبادة الله وحده، كما قال -تعالى-: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56)، فكان فلاح الإنسان هو بمقدار تحقيقه لهذه العبودية.

والعبادة هي: كمال الحب مع تمام الذل، وهي طاعة الله بفعل ما أمر به وترك ما نَهَى عنه؛ ولذلك قال -تعالى-: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) (المؤمنون: 1-4).

وبمقدار هذا الفلاح في تحقيق الإنسان للغرض من وجوده في الدنيا، يتحقق مقصوده من نيل رضا الله والجنة؛ ولذلك قال -تعالى- بعد ذِكْرِ طائفةٍ من عبادات أهل الإيمان: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ . الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (المؤمنون: 10-11).

وهذا الذي ذكره الله -عز وجل- مفصَّلًا في "سورة المؤمنون" أُجمِل في تلك الكلمة الجامعة: (‌قَدْ ‌أَفْلَحَ ‌مَنْ تَزَكَّى)؛ فكل هذه العبادات هي في حقيقتها تزكية للنفس، كما قال الله أيضًا: (‌قَدْ ‌أَفْلَحَ ‌مَنْ ‌زَكَّاهَا) (الشمس: 9)، فمِن هذه التزكية: أن تعرفَ النَّفْسُ رَبَّها وخالقها، وأن تتوجَّه إليه بالدعاء والعبادة: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة: 186).

وضرب الله -عز وجل- مثلًا للفَرْق بين مَن يُخلِص دينه لله وبين مَن يتوجَّه إلى غير الله بالعبادة، فقال: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (الزمر: 29).

إذًا فحينما يُتلَى علينا قوله -تعالى-: (‌قَدْ ‌أَفْلَحَ ‌مَنْ تَزَكَّى . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) في جُمعاتنا وأعيادنا؛ فذلك تذكرة لنا: أن نعرفَ اللهَ ونخلص له العبادة؛ فلا نصلي إلا لله، ولا ننذر إلا له، ولا نذبح إلا باسمه، ولا نطوف إلا حول بيته الحرام، وأن نجتنب كلَّ ما يقدح في هذا التوحيد، أو في كماله؛ لننال تزكية قلوبنا.

وهذه التزكية تجعل قلب صاحبها منيرًا بنور الله، وتجعل لسانه رطبًا دائمًا بذِكْرِ الله، وتجعل قرة عينه في الصلاة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَجُعِلَ ‌قُرَّةُ ‌عَيْنِي ‌فِي ‌الصَّلَاةِ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني)، وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا حزبه أمر يقول: (يَا ‌بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ، ‌أَرِحْنَا ‌بِهَا) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

(‌قَدْ ‌أَفْلَحَ ‌مَنْ تَزَكَّى . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) زكاة الفطر والصلاة.

ما سبق هو المعنى العام لقوله -تعالى-: (‌قَدْ ‌أَفْلَحَ ‌مَنْ تَزَكَّى . وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى).

وقد وَرَد عن السَّلَف معنى خاص لا يعارض المعنى العام، وهو في زكاة خاصة، وصلاة خاصة، هي زكاة الفطر وصلاة عيد الفطر.

وقد سَمَّى الشرعُ ما أوجبه من حقٍّ معلوم للسائل والمحروم زكاة؛ لأن مخرجه إنما تطيب نفسه به بعد أن يجاهد شهوة حب المال؛ ولأن الله يورث مَن جاهد فيه هذه المجاهدة طيبًا وطهارة وزكاة في قلبه، كما قال -تعالى-: (‌خُذْ ‌مِنْ ‌أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (التوبة: 103).

وقد أوجب الشرع زكاة الفطر من الطعام المقتات المُدَّخَر، وكذلك شرع كثيرًا من الكفارات، وجعل بدل الصوم لمَن عجز عن الصوم وعن القضاء إطعامًا؛ ليسد هذه الحاجة عند الفقراء، والتي هي أمس حاجاتهم.

والمسلمون مطالبون حال وجود حالات غلاء أسعار أو نحوها أن لا يقفوا عند حدود الواجب، وأن يتوسعوا في النفقة المستحبة بكلِّ صورها، فالمجتمع المسلم يجب أن يكون كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ ‌بِالسَّهَرِ ‌وَالْحُمَّى) (متفق عليه)، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما-.

ومن جملة ثناء الله في القرآن على شيخ الصحابة ومقدمهم "أبي بكر -رضي الله عنه-"، قوله -تعالى-: (‌وَسَيُجَنَّبُهَا ‌الْأَتْقَى . الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى . وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى . إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى . وَلَسَوْفَ يَرْضَى) (الليل: 17-21).

وما أكثر حاجتنا إلى أن نتدارس سيرة سلفنا الصالح؛ لنتخذهم قدوة، ونسير على طريقتهم، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني)، ولكي ندافع عن سيرتهم أمام الفِرَق المنحرفة الذين يتخذون الصحابة -رضي الله عنهم- غَرَضًا لطعنهم.

(‌وَتَعَاوَنُوا ‌عَلَى ‌الْبِرِّ ‌وَالتَّقْوَى):

إن الأعياد دائمًا ما تذكرنا بديننا الواحد، وقبلتنا الواحدة، ومصيرنا الواحد، ومِن ثَمَّ فرسالتنا دائمًا لشعبنا في مصر، ولكل شعوب العالم الإسلامي: أن يتجنَّبوا أسبابَ الفُرْقة والاختلاف والشقاق؛ التي تدمِّر الشعوب من الداخل، وأن يضعوا نصب أعينهم قوله -تعالى-: (‌وَتَعَاوَنُوا ‌عَلَى ‌الْبِرِّ ‌وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: 2).

كما ينبغي أن نخرجَ من هذا التعاون بين أبناء كل شعب مِن شعوب العالم الإسلامي إلى التعاون بين جميع دول العالم الإسلامي التي تنتمي إلى الأمة، وإلى تاريخها الذى سَطَّره رجال جاهدوا في سبيل الله حق جهاده؛ فاستحقوا ثناء الله عليهم: (‌مِنَ ‌الْمُؤْمِنِينَ ‌رِجَالٌ ‌صَدَقُوا ‌مَا ‌عَاهَدُوا ‌اللَّهَ ‌عَلَيْهِ ‌فَمِنْهُمْ ‌مَنْ ‌قَضَى ‌نَحْبَهُ ‌وَمِنْهُمْ ‌مَنْ ‌يَنْتَظِرُ ‌وَمَا ‌بَدَّلُوا ‌تَبْدِيلًا) (الأحزاب: 23)، ثم تركوا لنا وصيتهم على لسان مُلهم هذه الأمة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حين قال -وهو في طريقه لاستلام مفاتيح مدينة القدس والمسجد الأقصى، نسأل الله أن يحرره من براثن اليهود-: "إنا كنا أذلَّ قوم؛ فأعزَّنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العِزَّة بغير ما أعزَّنا الله به أذلَّنا الله".

(‌يَا أَيُّهَا ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌ادْخُلُوا ‌فِي ‌السِّلْمِ ‌كَافَّةً):

قال -تعالى-: (‌يَا أَيُّهَا ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌ادْخُلُوا ‌فِي ‌السِّلْمِ ‌كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (البقرة: 208)، أي: اقبلوا شرائع الإسلام كلها.

وهذا تذكير سريع ببعضها:

- قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (البقرة: 278).

وقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) (النساء: 10).

- وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (رَحِمَ ‌اللهُ ‌رَجُلًا، ‌سَمْحًا ‌إِذَا ‌بَاعَ، ‌وَإِذَا ‌اشْتَرَى، ‌وَإِذَا ‌اقْتَضَى) (رواه البخاري). 

- وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمَن قال لهِ: أَخبِرْني بشيء يوجب لي الجنةَ. فقال: (طِيبُ ‌الْكَلامِ، ‌وَبَذْلُ ‌السَّلامِ، ‌وَإِطْعَامُ ‌الطَّعَامِ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني).

- وقال -تعالى-: (‌قُلْ ‌لِلْمُؤْمِنِينَ ‌يَغُضُّوا ‌مِنْ ‌أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (النور: 30).

- وقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النور: 19).

- وقال -صلى الله عليه وسلم-: (صِنْفانِ مِن أهْلِ النَّارِ لَمْ أرَهُما: قَوْمٌ معهُمْ سِياطٌ كَأَذْنابِ البَقَرِ يَضْرِبُونَ بها النَّاسَ، ونِساءٌ كاسِياتٌ عارِياتٌ مُمِيلاتٌ مائِلاتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المائِلَةِ، لا يَدْخُلْنَ الجَنَّةَ، ولا يَجِدْنَ رِيحَها، وإنَّ رِيحَها لَيُوجَدُ مِن مَسِيرَةِ كَذا وكَذا) (رواه مسلم).

- وقال -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُكُمْ ‌خَيْرُكُمْ ‌لِأَهْلِهِ، ‌وَأَنَا ‌خَيْرُكُمْ ‌لِأَهْلِي) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

- وقال -تعالى-: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) (المائدة: 91).

- وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا ‌أَسْكَرَ ‌كَثِيرُهُ، ‌فَقَلِيلُهُ ‌حَرَامٌ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

فكل ما مَرَّ من أوامر شرعية فيها الخير والمصلحة للناس، وإن أوحت الشياطين بغير هذا، وكل ما مَرَّ من منهيات فيها ضرر للناس، بل ويلحق بها كل ما ثبت ضرره ضررًا محضًا، أو كان الضرر غالبًا عليه؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا ‌ضَرَرَ ‌وَلَا ‌ضِرَارَ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني).

ومَن وُفِّق إلى طاعة فليحمد الله عليها: (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) (الأعراف: 43)، ومَن وقع في معصية فنداء ربه له دائمًا: (‌وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: 31).

فاللهم اجمع شمل الأمة على العمل بكتابك وسنة نبيك -صلى الله عليه وسلم-.

اللهم احقن دماء المسلمين في كلِّ مكان.

اللهم كُن للمسلمين في فلسطين؛ اللهم سدد رميهم، ووحِّد صفهم، وثبِّت الأرض مِن تحت أقدامهم.

اللهم صبَّ الخير على المسلمين صبًّا، ولا تجعل عيشهم كَدًّا.

الدعوة السلفية بمصر

الأربعاء 28 رمضان 1444هـ

19 إبريل 2023م

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com