الأحد، ٢١ جمادى أول ١٤٤٥ هـ ، ٠٣ ديسمبر ٢٠٢٣
بحث متقدم

الكبائر (40) شرب الخمر والمخدرات (موعظة الأسبوع)

الكبائر (40) شرب الخمر والمخدرات (موعظة الأسبوع)
الخميس ١٦ نوفمبر ٢٠٢٣ - ١٤:٢٨ م
50

الكبائر (40) شرب الخمر والمخدرات (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

المقدمة:

- الكبائر هي تلك الذنوب المهلكة، التي ضمن الله لمن اجتنبها في الدنيا، الجنة في الآخرة: قال تعالى: (إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا(النساء: 31).

- شرب الخمر والمخدرات من كبائر الذنوب، وشنائع السلوك؛ لما لها من مفاسد على عقل الإنسان وسلوكه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لُعِنتِ الخمرُ على عشرةِ أوجُهٍ: بعينِها، وعاصرِها، ومعتَصرِها، وبائعِها، ومُبتاعِها، وحاملِها، والمحمولةِ إليهِ، وآكِلِ ثمنِها، وشاربِها، وساقيها(رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).  

- المخدِّر في التعريف العلمي: مادة تسبب في الإنسان والحيوان فقدان الوعي بدرجات متفاوتة كالحشيش والأفيون. (المعجم الوسيط)، يعني: كل مادة طبيعية أو كيماوية إذا استخدمت تؤدي إلى فقدان كلي أو جزئي للإدراك بصفة مؤقتة، على حسب نوع المخدر والكمية المستخدمة.

- إذًا فكل ما يؤثـِّر على العقل سلبًا -وإن سماه الناس بأسماء ترغيبية- فهو خمر: عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ رَجُلاً قَدِمَ مِنْ جَيْشَانَ -وَجَيْشَانُ مِنْ الْيَمَنِ- فَسَأَلَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنْ الذُّرَةِ يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (أَوَمُسْكِرٌ هُوَ؟)، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟! قَالَ: (عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ(رواه مسلم)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ؛ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ) (رواه أحمد والنسائي، وقال الألباني: "حسن صحيح")(1).

(1) عاقبة المخدرات في الدنيا والآخرة:

- متناول المخدرات ملعون هو ومَن يشاركه بأي درجة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لُعِنتِ الخمرُ على عشرةِ أوجُهٍ: بعينِها، وعاصرِها، ومعتَصرِها، وبائعِها، ومُبتاعِها، وحاملِها، والمحمولةِ إليهِ، وآكِلِ ثمنِها، وشاربِها، وساقيها(رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).

- متناول المخدرات متوعد في الدنيا بالجلد والإهانة، وهو على غير سبيل المسلمين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن شربَ الخمرَ فاجلِدوهُ(رواه أحمد، وصححه الشيخ أحمد شاكر)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وهو مُؤْمِنٌ(متفق عليه).

- متناول المخدرات متوعد في الآخرة بشرب طينة الخبال في النار: قال -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟! قَالَ: (عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ(رواه مسلم).

(2) أضرار المخدرات على الفرد:

- المخدرات محاربة للمقاصد العظيمة التي جاءت الشريعة الإسلامية بالمحافظة عليها: (الضروريات: النفس - المال - العقل - العرض - الدين)، والمخدرات تفسد كل ذلك.

- فالمخدرات قتل للنفس عاجلًا أو آجلًا: (الالتهاب الرئوي - الصرع - الإيدز - الكبد الوبائي - الوفاة بجرعة زائدة)، قال -تعالى-: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا(النساء:29).

- والمخدرات إفساد للعقل: (اضطراب خلايا المخ - تغيرات سلوكية وأخلاقية - ...)، وغير ذلك مما يجرئ على ارتكاب المعاصي، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ ملِكًا من بنِي إسرائِيلَ أخذَ رجُلًا فخَيَّرَهُ بين أنْ يَشرَبَ الخمْرَ، أوْ يَقتُلَ صبِيًّا، أوْ يزْنِيَ، أو يأكلَ لحمَ خِنزيرٍ، أو يَقتلُوهُ إنْ أبَى، فاختارَ أنْ يَشربَ الخمْرَ، وإنَّهُ لَمَّا شرِبَها لمْ يمتنعْ من شيءٍ أرادُوهُ مِنهُ(رواه الطبراني في المعجم الأوسط، وصححه الألباني).

- والمخدرات إتلاف للمال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ(رواه الترمذي، وصححه الألباني). ومتناول المخدرات غالبًا لا يعمل، وعلى ذلك يسعى لجلب المال للتعاطي بأي صورة (سرقة - تفريط في عرض - إلخ).

- المخدرات تضييع للأعراض: (لا غيرة ولا رجولة؛ لأنه أسير شهوته)(2).

- المخدرات تضييع للدين، فالعبادة لها روحانية خاصة لا تناسب حالة المدمن المضطربة: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ(النساء:43).

(3) أضرار المخدرات على المجتمع:

- تهدد بانهيار البنية البشرية للمجتمع وخصوصًا الشباب: ففي الحديث قيل: يَا رَسُولَ اللهِ ‌أَنَهْلِكُ ‌وَفِينَا ‌الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: (نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ(متفق عليه).

- إفساد لاقتصاد الأمة (الأموال المهدرة على المخدرات تقيم جيشًا على أحدث نظام، وأرباب المخدرات لا ينتجون، بل يزيدون الأعباء الاقتصادية): (سجون - شرطة وحراسة - قضاة - محاكم - مستشفيات - ...).

- هزيمة عسكرية: (انهزم الصينيون هزيمة نكراء من اليابان؛ لأن الأفيون كان منتشرًا بين صفوف الجيش الصيني).

(4) أسباب انتشار المخدرات:

- ضعف الدين، وتضييع معنى المراقبة لله، والجزاء من جنس العمل: قال -سبحانه وتعالى-: (مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا(الكهف:17).

- سوء التربية أو فسادها في كثير من البيوت: قال -تعالى-: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا(الأعراف:58).

- أصحاب السوء: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ(رواه أبو داود، وصححه الألباني).

- وسائل الإعلام الفاسدة المفسدة: (البطل عندهم إما سارق أو فاسق أو مدخن، إلخ)، قال -تعالى-: (أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(البقرة:221).

- تعاطي بعض الأدوية بطريق الخطأ أو مظنة الخير: (المنشطات الجنسية - المثبطات الكثيرة ونحوها...).

- الظروف السياسية بين الدول: مما يجعلها تستهدف خصمها بالإفساد لأفراده.

(5) ما العلاج؟!:

- التوبة والعودة إلى الله، فهي أعظم سبيل للنجاة والعلاج: قال -تعالى-: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا(الطلاق:2)، (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا(الطلاق:4)، (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا(نوح:10-12).

- مراقبة الله واستحضار العاقبة في الدنيا والآخرة: قال -صلى الله عليه وسلم-: (... أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّه يَرَاكَ) (متفق عليه).

- الإقبال على المساجد ومجالس العلم، ومصاحبة الصالحين: قال -تعالى-: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(الكهف:28)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ والجَلِيسِ السَّوْءِ، كَمَثَلِ صاحِبِ المِسْكِ وكِيرِ الحَدَّادِ، لا يَعْدَمُكَ مِن صاحِبِ المِسْكِ إمَّا تَشْتَرِيهِ أوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وكِيرُ الحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أوْ ثَوْبَكَ، أوْ تَجِدُ منه رِيحًا خَبِيثَةً(متفق عليه).

فاللهم اصلح شباب المسلمين، واحفظهم من كيد الكفرة والمفسدين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال الإمام الهيتمي بعد ذكره أنواعًا من المخدرات في زمانه: "وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا مُسْكِرَةٌ أَوْ مُخَدِّرَةٌ فَاسْتِعْمَالُهَا كَبِيرَةٌ وَفِسْقٌ كَالْخَمْرِ، فَكُلُّ مَا جَاءَ فِي وَعِيدِ شَارِبِهَا يَأْتِي فِي مُسْتَعْمِلِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي إزَالَةِ الْعَقْلِ الْمَقْصُودِ لِلشَّارِعِ بَقَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ الْآلَةُ لِلْفَهْمِ عَنْ اللَّهِ -تَعَالَى- وَعَنْ رَسُولِهِ وَالْمُتَمَيِّزُ بِهِ الْإِنْسَانُ عَنْ الْحَيَوَانِ، وَالْوَسِيلَةُ إلَى إيثَارِ الْكَمَالَاتِ عَنْ النَّقَائِصِ، فَكَانَ فِي تَعَاطِي مَا يُزِيلُهُ وَعِيدُ الْخَمْرِ الْآتِي فِي بَابهَا" (الزواجر عن اقتراف الكبائر للهيتمي).

(2) يحسن أن يذكر الخطيب بعض القصص التي فيها عبرة، مثل: تحدث أحد رجال مكافحة المخدرات عن شاب من هؤلاء الذين أصبحوا أسرى للمخدرات، الذي يسرق أموال أمه وأخته، ثم بدأ يبيع أثاث البيت حتى لم يبقَ شيء يبيعه... أتدرون -عياذًا بالله- ماذا فعل؟! أوقع أخته في الإدمان من غير علمها، ثم أخذ يتاجر بعرضها وشرفها من أجل المال الذي يدمن به المخدرات، ولم يقف عن هذا الحد، بل سولت له نفسه، فكرر ذلك بأمه ليزيد من دخله المالي لأجل الإدمان! وإنا لله وإنا إليه راجعون. (قصة مأساة - إبراهيم الدويش).

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

 

الكلمات الدلالية

تصنيفات المادة