الأحد، ١٦ شعبان ١٤٤٥ هـ ، ٢٥ فبراير ٢٠٢٤
بحث متقدم

طوفان الأقصى... يضيف لإسرائيل أزمة اقتصادية وعسكرية إلى أزمتها السياسية والاجتماعية

طوفان الأقصى... يضيف لإسرائيل أزمة اقتصادية وعسكرية إلى أزمتها السياسية والاجتماعية
الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠٢٣ - ٠٨:٥٢ ص
67

طوفان الأقصى... يضيف لإسرائيل أزمة اقتصادية وعسكرية إلى أزمتها السياسية والاجتماعية

كتبه/ غريب أبو الحسن

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

- نزلت أحداث طوفان الأقصى على رأس إسرائيل لتزيد من أزماتها الداخلية، ولتفاقم منها، ولتزيد الطين بلة -كما يقولون-. قبل أحداث السابع من أكتوبر كان الداخل الإسرائيلي مشبعًا بالأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكانت الجبهة الداخلية للكيان المحتل ممزقة ومبعثرة بفعل حالة من الاستقطاب غير المسبوقة في المجتمع الإسرائيلي.

- ففي الجانب السياسي تعاني إسرائيل، والتي تطبق نظام الحكم البرلماني والذي يشكل فيه الحكومة مَن يحصل على الأغلبية البرلمانية أو مَن يستطيع أن يشكل التحالف الأكبر داخل البرلمان، سلسلة من التحالفات الهشة والانتخابات المتكررة في فترة وجيزة، خمس معارك انتخابية خلال ثلاث سنوات فقط.

- ثم اصطدمت حكومة نتن ياهو وحلفاؤها من اليمين المتطرف، والتي جاءت بأغلبية بسيطة مع القضاء والمعارضة والشارع الإسرائيلي، فقد كانت تخوض معركة حامية الوطيس مع القضاء الإسرائيلي والمعارضة الإسرائيلية، فنتن ياهو والذي تحيط به قضايا الفساد كان يسعى هو وحكومته إلى تمرير ما يسمى بـ"بند الاستثناء" الذي يسمح للبرلمان بإلغاء قرار للمحكمة العليا بتصويت بأغلبية بسيطة، يريد من ذلك: أن يجعل للبرلمان السلطة في إيقاف الأحكام التي من المتوقع أن يحكم عليه بها بشأن قضايا الفساد التي تلاحقه، بل حاول نتن ياهو العبث في اللجنة التي تعين القضاة بمحاولة إخراج المحامين من تشكيل هذه اللجنة؛ الأمر الذي فجر الاحتجاجات في الشارع الإسرائيلي.

- هذا بخلاف الأزمة الاجتماعية داخل الكيان الصهيوني حيث ينقسم الكيان الصهيوني إلى يهود علمانيين، ويهود قوميين ويهود حريديم، أي: متدينين، وعرب هذه الانقسامات التي لم يستطع الزمن أن يصهرها داخل الكيان والتي تشعب عنها مزيد من التصنيفات والتي تلقي بظلالها على كثير من القضايا داخل إسرائيل، مثل التعاطي مع حل الدولتين أو السلام مع العرب أو مثل ديمقراطية إسرائيل أم يهودية إسرائيل؟ وكيف تجمع إسرائيل بين يهوديتها وديمقراطيتها المزعومة في ظل وجود أقلية كبيرة من عرب 48، فالمجتمع الإسرائيلي كان على صفيح ساخن قبل أحداث السابع من أكتوبر، وأضافت مشاركة بعض جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي في الاحتجاجات مزيدًا من السخونة على الأجواء السياسية والاجتماعية ثم إعلان مجموعة من ضباط وجنود الجيش الإسرائيلي رفض تأدية الخدمة العسكرية الاحتياطية دفع مراكز البحث الإسرائيلية لإصدار تحذير عاجل، من خطورة تلك الأوضاع على جهوزية الجيش الإسرائيلي، واهتزاز حالة الردع أمام جيوش المنطقة.

- ثم جاءت أحداث "طوفان الأقصى" لتفاقم الأزمات الإسرائيلية السياسية والاجتماعية، وتضيف لها أزمات عسكرية واقتصادية بالغة الخطورة.

- فعلى المستوى العسكري شكلت عملية طوفان الأقصى صدمة عنيفة للعسكرية الإسرائيلية، فقد أهانت العسكرية الإسرائيلية إهانة تاريخية لن تُمحَى مع مرور الزمن، فقد استطاع بضع مئات من جنود المقاومة بأسلحتهم الخفيفة وتقنياتهم المتواضعة من التغلب على تكنولوجيا الجيش الإسرائيلي، وأسلحته المتطورة والثقيلة، وعلى جهاز استخباراته الذي تنفق عليه إسرائيل وعلى معاشات المتقاعدين منه مليارات الدولارات.

- امتصت إسرائيل صدمة هجوم المقاومة، وهي في حالة من الذهول من هول النتائج التي حطمت معنويات الجيش الإسرائيلي بعد أن حطمت معداته، وهزمت فرقة غلاف غزة التي كان يتباهى بها جيش الاحتلال، ثم شنت إسرائيل عملية برية مهدت لها بأسابيع من القصف المتواصل لبنية قطاع غزة، بل لكل قطاع غزة وأوقعت خلالها آلاف من القتلى المدنيين الذين نحتسبهم شهداء عند الله، ثم أعلنت إسرائيل أنها ستجتاح غزة بريًّا، ثم تراجعت عن لفظ الاجتياح واستبدلته بالتوغل ثم المناورة البرية، ولكن لتفاجأ مرة أخرى بأن التوغل البري يراوح مكانه بعد عشرات الأيام، بل ولتملأ صور المدرعات الإسرائيلية المدمرة منصات الإعلام، فقد استطاعت المقاومة بأسلحة محلية الصنع أن تدمر فخر الصناعة العسكرية الإسرائيلية التي نسجت حولها الأساطير من قوة تدريعها وقوة نيرانها وقدراتها التدميرية ومستشعراتها التي تشعر بدبيب النمل من حولها، فقد استطاعت المقاومة أن تدمر دبابة الميركافا الإسرائيلية ومدرعة النمر، ونصبت المقاومة الكمين تلو الكمين لمدرعات جيش الاحتلال.

- تتحدث التقارير أن ربع المدرعات التي هاجمت غزة، والتي تقدَّر بحوالي ألف مدرعة قد تم إخراجها من الخدمة! كل هذا ولم تدخل نخبة القسام القتالية إلى المعركة بعد.

- حاولت إسرائيل أن تنسج انتصارًا وهميًّا يخرجها من حرجها أمام العالم، فنسجت الأساطير أيضًا حول مستشفى الشفاء، وصورت للعالم أن دخولها مستشفى الشفاء يعني دخولها لمعقل المقاومة والقبض على قياداتها واستنقاذ رهائنها، ولكن انقلب السحر على الساحر، وصار اقتحام جيش الاحتلال لمستشفى الشفاء فضيحة جديدة تضاف لفضائحه المتتالية، فلم تجد إسرائيل لا مقرًّا للقيادة ولا القادة ولا الرهائن، ورجعت بخفي حنين تجر أذيال الخيبة.

- ثم اضطرت إلى التفاوض مع المقاومة للحصول على بعض الرهائن في انتصار جديد يضاف لانتصارات المقاومة، فقد أفرجت إسرائيل في المقابل عن ثلاثة أضعاف ما أفرجت عنه المقاومة من رهائن، واضطرت للتفاوض رغم أنها كررت عشرات المرات أنها لن تتفاوض ولن يدخل مساعدات ولن يدخل وقود، ثم تراجعت -بفضل الله- ثم صمود الشعب الفلسطيني الذي سطر أروع صفحات البذل والتضحية.

- وعلى الصعيد الاقتصادي فقد أربكت عملية طوفان الأقصى وضع إسرائيل الاقتصادي أيضًا، فقد تفاقمت الأزمة الاقتصادية الإسرائيلية والتي كانت تعاني منها قبل أحداث طوفان الأقصى، فقد جعلت الأحداث إسرائيل تدفع ثمنًا اقتصاديًّا ضخمًا.

- ثمن اقتصادي باهظ، فللحرب تكلفة مرعبة ترهق كاهل حتى الدول الكبرى، ففي الحرب معدات تدمر وذخائر تنفذ وقبة حديدية يتكلف الصاروخ الواحد منها عشرات الآلاف من الدولارات يخرج العديد منها ليطارد صواريخ المقاومة التي تتكلف مئات الدولارات والتي هي محلية الصنع، وقد تنجح صواريخ القبة مرتفعة التكلفة في اللحاق بصاروخ المقاومة المتسكع في سماء الأراضي المحتلة، وقد تفشل في ذلك.

- ثمن اقتصادي باهظ تدفعه إسرائيل بسبب استدعاء الاحتياط وما يترتب على ذلك من توقف المصانع والشركات عن العمل لانشغال الأيدي العاملة بالأعمال القتالية، وكذلك بسبب منع آلاف الفلسطينيين من دخول الأراضي المحتلة مما يفاقم المشكلة الاقتصادية.

- ثمن اقتصادي باهظ تدفعه إسرائيل بسبب توقف كثير من أصحاب القروض عن أداء قروضهم، وذلك نظرًا لظروف الحرب؛ مما يسبب فجوة اقتصادية تتسع مع مرور الوقت.

- ثمن اقتصادي باهظ تدفعه إسرائيل بسبب إجلاء قرابة نصف مليون مستوطن من ساكني مستوطنات غلاف غزة وشمال الأراضي المحتلة، فقد شغلوا العديد من الفنادق ومثَّلوا ضغطًا متزايدًا على الميزانية الإسرائيلية.

- ثمن باهظ تدفعه إسرائيل بسبب توتر حركة الطيران، واضطراب قطاع السياحة وقطاع الصناعات التكنولوجية، واهتزاز ثقة المستثمرين في السوق الإسرائيلي.

- ناهيك عن حملات المقاطعة العربية والإسلامية المؤثرة على الداعمين للكيان المحتل، وما يتبع ذلك من أثر على الاقتصاد الإسرائيلي المأزوم أصلًا.

- بالإضافة إلى تبخر مشاريع التطبيع أو تأجيلها إلى أجل غير معلوم لتستمر إسرائيل في المعاناة من وجودها في محيط إقليمي غير مرحب بها أو متعاون معها، لتستمر في عزلتها لأجل لا يعلم مداه إلا الله.

- كانت إسرائيل قبل عملية طوفان الأقصى تعيش أزمة وصراع داخلي، ثم أجلت عملية طوفان الأقصى ذلك الصراع العنيف في الداخل الإسرائيلي، توقف الصراع الداخلي في إسرائيل لبعض الوقت فقط، لانشغالهم بتلك المصيبة الكبيرة التي حلت على رؤوسهم بفعل المقاومة الفلسطينية، نعم تأجل الصراع الإسرائيلي بعض الوقت، ولكن أطرافه الآن كل منهم يشحذ أسلحته وما أن تتوقف الأحداث أو يحدث تسوية بأي شكل من الأشكال فسوف ينفجر الصراع الداخلي الإسرائيلي كأسوأ ما يكون، وبصورة أكبر بكثير من الصراع قبل الأحداث.

- سيضاف للصراع رحيل حكومة نتن ياهو، بل ومثوله أمام القضاء الإسرائيلي للتحقيق معه في قضايا الفساد التي تلاحقه وفي مسئوليته عن التقصير الحاصل في مواجهة عملية طوفان الأقصى.

- وعلى كلٍّ فإن إسرائيل قبل أحداث طوفان الأقصى ليست هي بعد أحداث طوفان الأقصى وسبحان الملك الذي يغير الأحوال، فإن إسرائيل الآن قبل أن تفكر في التعدي على المسجد الأقصى أو في إرسال قطعان المستوطنين لتسريع بناء هيكلهم المزعوم، سوف تفكر آلاف المرات في تبعات ذلك القرار على أمنها وعلى تماسك دولتها، فنحن نشهد ميلاد معادلة أمنية جديدة يتراجع فيها الصلف الإسرائيلي ويصعد فيها دور المقاوم الفلسطيني، فإسرائيل في قابل الأيام سوف تشتري أمنها وسوف تفكر في أنها كي تحصل على بعض الأمان لابد أن يأمن شعبنا في فلسطين، فلم يعد الأمان يصرف بالمجان.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

 

الكلمات الدلالية