الأحد، ١٦ شعبان ١٤٤٥ هـ ، ٢٥ فبراير ٢٠٢٤
بحث متقدم

ثَمَّ شعرة!

ثَمَّ شعرة!
الخميس ١٤ ديسمبر ٢٠٢٣ - ١٠:٠٠ ص
58

ثَمَّ شعرة!

كتبه/ أحمد شهاب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فكلاهما في الظاهر جالس في مقاعد المتفرجين، كلاهما -فيما يبدو للناس- لا يقدم حراكًا لتغيير فوري لهذا الذي يحدث، ومع ذلك فبينهما عند الله كما بين السماء والأرض!

فبين جسميهما المتجاورين بلا مسافة مكانية حسية يمر فيها خيط رفيع ولا حتى شعرة؛ إلا أن هناك مسافة شاسعة في المكانة بين صابر ومستكين!

فثم خيط يفصل بين المحمود والمذموم وقد يَعبُر الإنسان -ولو دون إدراك كامل- ذلك الخط الحاجز بين تلك المعاني، ويترتب على ذلك الفرق الدقيق تفاوت هائل في الدرجة عند الله وفي دار الجزاء؛ فثمَّ شعرة بين الوهن والضعف والاستكانة -ونحوها من الأمراض المذمومة- في جانب، وبين الصبر المحمود الذي هو عبادة شرعية عظيمة في الجانب الآخر.

وبداية فتأمل تلك الآية الباهرة؛ كيف جمع الله في آية واحدة بين هذين النوعين من المعاني -المتباينة في حقيقتها المتشابهة في مظهرها- نافيًا النوع الأول ذامًّا له، مادحًا الثاني مرغبًا فيه: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ . وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(آل عمران: 146-147).

فنفى تلك الأمراض: 1- الوهن. 2- الضعف. 3- الاستكانة؛ ذامًّا لها كلها.

تلك الأمراض الدنية التي لا تليق بعزة المؤمن وكرامته، فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا يعلمون، (‌وَلَا ‌تَهِنُوا ‌وَلَا ‌تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(آل عمران: 139)، فإن صبر المؤمن ليس ضعفًا عن القيام بالحق، ولا تثاقلًا للدنيا، ولا رضًا بالدون، ولا ركونًا إلى الظالمين، ولا استكانة أمام أعداء الله!

بل حبسٌ للنفس؛ يحبسها عما أمرها الشرع بحبسها عنه؛ قيامًا بواجب الوقت، وسعيًا في تحصيل أسباب النصر الحسية والمعنوية، مع عزة في النفس وكرامة وإباء، وبذل وسعي للانتصار للإسلام والمسلمين؛ فهو كف للأيدي وكظم للغيظ وإلجام للغضب، لكن لله وبالله ومع الله، ففي نفس الآية قد مدح الله أولئك الصابرين -بالجملة الاسمية الدالة على الثبات والاستقرار والدوام-، فهم أصحاب مقام راسخ وثبات على الصبر كوصفٍ لهم في كل أحوالهم، وبكل أنواع الصبر.

صابرون على فعل الطاعات بأنواعها، وصابرون على ترك المعاصي ومقاومة الشبهات والشهوات بإغراءاتها وحبائلها، وصابرون عند حلول المصائب والشدائد بأثقالها، صابرون بالله استعانةً، ولله احتسابًا وإخلاصًا ونيةً، ومع الله فعلًا لأمره وتركًا لنهيه، ودورانًا مع شرعه حيث دار، فقد بايعوا الله على الثبات على ذلك في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة عليهم، والموعد الجنة؛ الجنة وفقط، فالعقد على ذلك، فإن الله -تعالى-: (‌اشْتَرَى ‌مِنَ ‌الْمُؤْمِنِينَ ‌أَنْفُسَهُمْ ‌وَأَمْوَالَهُمْ ‌بِأَنَّ ‌لَهُمُ ‌الْجَنَّةَ(التوبة: 111)، فما زاد على ذلك فمزيد فضل من الله وحده: (‌وَأُخْرَى ‌تُحِبُّونَهَا ‌نَصْرٌ ‌مِنَ ‌اللَّهِ ‌وَفَتْحٌ ‌قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(الصف: 13)، ونحن قبلنا البشرى، ويقيننا بقرب النصر كبير، إن ربي لطيف لما يشاء، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

وأما علامة الصدق في الصبر ففعل الممكن والمتاح، وعدم التقصير فيه، فيترجم المعاني القلبية إلى مزيد عملٍ، وبذل وسعيٍ، وجهدٍ وتضحية، فيعمل بالمقدور عليه بنفسه أو بغيره، أو بأمره القادر، ويسعى في تحصيل أسباب القدرة فيما لا يقدر عليه، ومن يصدق الله يصدقه، فلنُرِ الله من أنفسنا خيرًا، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ولذا فَثَمَّ شعرة بين الحزن الفطري الطبيعي الذي قد يستثمره صاحبه كدافع لمزيدٍ من البذل والعمل، وبين الأسى والإحباط الشيطاني الموهن للهمم؛ فالأول: قد يثاب صاحبه عليه؛ لا لذاته، وإنما لما يصحبه من عمل قلبي محبوب للرب: كالحب والأخوة في الله، والتألم لآلام المسلمين كطبيعة الجسد الواحد، والغيرة على الدين، وحب انتصار الإسلام والمسلمين، ونحو ذلك.

والثاني -أي: الأسى الشيطاني-: فيضاد حسن الظن بالله، بل قد ييأس من روح الله، ويستسلم للباطل، ويقصر في الممكن المتاح، بل قد لا يزال كذلك حتى يوالي أعداء الله ويسارع فيهم كما وصفهم القرآن: (يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ(المائدة: 52).

فإن كان من المهم اعتبار موازين القدرة والعجز، وترك العنتريات الجوفاء التي تهدم ولا تبني، وتضر ولا تنفع، وتؤخر النصر ولا تقربه، لكن ذلك الكف والصبر لابد أن يكون في إطار مقاومة البطل والاستعداد له (‌وَأَعِدُّوا ‌لَهُمْ ‌مَا ‌اسْتَطَعْتُمْ ‌مِنْ ‌قُوَّةٍ(الأنفال: 60)، فلا نستسلم للباطل وإن كان هو الآن أمرٌ واقعٌ، وفي نفس الوقت لا ندفن رؤوسنا في الرمال منكرين إياه أو مهوِّنين من شأنه، بل نرى الواقع ولا نخضع له، وإنما نسعى في إخضاع الواقع للحق، ولو بعد حين.

اللهم أفرغ علينا صبرًا، وثبِّت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

 

الكلمات الدلالية

تصنيفات المادة