الأحد، ١٦ شعبان ١٤٤٥ هـ ، ٢٥ فبراير ٢٠٢٤
بحث متقدم

عصر الرسالة النبوية هو عصر التنوير الحق

عصر الرسالة النبوية هو عصر التنوير الحق
الاثنين ١٥ يناير ٢٠٢٤ - ١٠:٣٣ ص
95

عصر الرسالة النبوية هو عصر التنوير الحق

كتبه/ مصطفى حلمي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد ضَخَّ (التنويريون) المعاصرون في الغرب ومقلدوهم ببلادنا كمًّا هائلًا من البحوث والمؤلفات، لمطالبتنا نحن أيضًا بتقليد عصر التنوير في أوروبا، فوقعوا في خطأ منهجي -دون وعي-؛ إذ إن مدلول (التنوير) وَفْق السياق الحضاري الأوروبي مخالف تمامًا لتاريخ الأمة الإسلامية، كما سنوضح بإيجاز:

إن ما يستحق أن يطلق عليه (عصر النور) بحق هو عصر الرسالة؛ لأنها أنارت البشرية، وهدتها إلى الصحيح من العقائد، بعد الحيرة والضياع والضلال.

أجل، لقد أضاء الوحي العالم بنوره الساطع، وحمل المسلمون معهم -حيثما حلوا- عقيدة التوحيد، ففرت أمامهم خفافيش الظلام من حاملي الوثنيات، وكانت شعوب العالم حينذاك موزعة بين عقائد باطلة، أصلها من السماء، ولكن حُرِّفت بواسطة رجال الدين من اليهود والنصارى، أو أفكار فلسفية تحتوي على الباطل أكثر مما تحتوي على الحق؛ زد على ذلك عبادة الشيطان، وما زينه من معبودات شتى، كالنجوم والكواكب والأصنام، والنيران، والأحجار، والأشجار.

وكانت المسيحية السائدة هي مسيحية (بولس) التي ضمت مزيجًا من الخرافات اليونانية، والوثنية الرومانية، والرهبانية، اضمحلت في جنبها تعاليم المسيح -عليه السلام- البسيطة، كما تتلاشى القطرة في اليم (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟).

وتضمنت كتب اليهود الكثير مما لا يليق وصف الله تعالى به، فنسبوا إليه صفات التجسيد والتشبيه، كنصّي سفر التكوين عن الراحة بعد خلق السماوات والأرض، والندم -والعياذ بالله- على خلق الإنسان، وغيره، وجاء القرآن الكريم بتصحيح مثل هذه الأباطيل، فقال -تعالى-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة:143)، وقال: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران:110) (الإسلام والأديان الأخرى).

أما عقائد اليونان في الإله عندهم، فإنهم صاغوا صفات الله وقدرته في شكل آلهة شتى، نحتوا لها تماثيل، وبنوا لها معابد وهياكل، فللرزق إله، وللرحمة إله، وللقهر إله، ثم نسبوا إليها كل ما يختص بالجسم المادي، ونسجوا حولها نسائج من أساطير، فللحب إله، وللجمال إله! وكان اليونان يعظمون آلهتهم بالرقص والغناء (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟).

ونرى -من متابعتنا لبعض الكتابات المعاصرة عن تاريخنا العقائدي- أنها حذت حذو كتَّاب الغرب الخاضعين لفكرة التطور، فنظروا إلى تاريخهم بهذا المنظار! ولكن ما ينبغي التوقف عنده وبحثه هو أن لكل أمة تاريخَها الخاص، الذي يسجل تجاربها الخاصة، ولا يصح إخضاع غيرها من الأمم لنفس التجارب التي خاضتها تلك الأمة، وربما كان محور التاريخ في الغرب يدور حول المنجزات العلمية، لا سيما منذ عصر النهضة، حيث نبذوا هناك سلطان الكنيسة، ونفروا -في مرحلة تاريخية من تاريخهم- من العقيدة الدينية، بتأثير الكتّاب اللادينيين، وصار التقدم -في عُرفهم- قاصرًا على التقدم العلمي التقني، بعيدًا عن المعنويات، كالعقائد والأخلاق.

ولكن تفسير تاريخنا العقدي مغاير لهذا التصور مغايرة تامة، وإذا صح قول (كبلنج) بأن "الشرق شرق، والغرب غرب"، فإنه أكثر ما يكون صحيحًا عندما نعرف تاريخنا العقدي، وهو في حقيقته أيضًا يعبر عن مراحل حضارتنا، سواء عند ازدهارها أو عند تدهورها.

ويرجع ذلك في رأينا إلى العوامل الآتية:

1- أن العقيدة الإسلامية هي حجر الزاوية في كِياننا الذاتي، وبنائنا الحضاري، فهي التي تذكر الأمة بالأمانة المنوطة بها، وتحفزها على الارتقاء إلى مستواها اللائق بها، وتحدد لها غايتها القصوى وهدفها الأسمى؛ لكي لا تختلط مع أهداف غيرها من الأمم والحضارات التي ترفع شعارات اقتصادية وسياسية واجتماعية، وتلهي البشرية بغايات مادية، على حساب القيم والغايات النبيلة؛ قال -تعالى-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)، وقال: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ).

2- أنها بمثابة الدرع الواقي الذي كفل لها -وما زال يكفل- الصمود في وجه كل ما لاقته وتُلاقيه من تحديات وغزوات عسكرية وثقافية، بشتى صنوفها ودروبها.

3- أنها تعطي الحياة معنًى وسط الحيرة والقلق ومظاهر الضياع الذي تشكو منه الأمم الأخرى؛ لأنها العقيدة التي تضع الإجابات الحاسمة للأسئلة التي تدور في أذهان بني آدمَ جميعًا: لم يخلقنا؟ ومم خلقنا؟ وإلى أين المصير؟

4- حرص الأمة الشديد على المحافظة على الوحي الإلهي، وهو أصل دينها الذي تتميز به عن سائر الأمم، "والدين إنما هو كتاب الله -تعالى-، وآثار وسنن وروايات صحاح عن الثقات بالأخبار الصحيحة القوية المعروفة، يصدق بعضها بعضًا، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه والتابعين، وتابعي التابعين، ومن بعدهم من الأئمة المعروفين، المقتدَى بهم، المتمسكين بالسنة، والمتعلقين بالآثار، ولا يعرفون ببدعة، ولا يطعن فيهم بكذب، ولا يرمون بخلاف" (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح).

5- أن استخدام لفظ (التقدم) لا يصح ولا يعبر عن مدلوله إلا في وصف المنجزات العلمية في حقول التجرِبة وتحسين الوسائل، أما في مجال المعنويات، كالعقائد والقيم والفكر، فهو تعبير بلا مضمون؛ ففي القيم إطلاق ونسبية، وصحة وخطأ، وثبات وتغير... وهكذا.

6- ظلت العلاقة في الإسلام متناغمة بين الدين -حسب التعريف الآنف- وبين التطبيق النموذجي في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة، ثم بدأ الانحدار التدريجي، مع بقاء الأنموذج والمثال. وفي كل مرة تتدهور الأحوال، يتطلع المسلمون إلى هذا الأنموذج التطبيقي للحضارة الإسلامية.

لقد ظلت نماذج تجارب العصور المفضلة خارج إطار الزمان والمكان، أي: إن التعبير بأنه (رجوع إلى الماضي) تعبير خطأ تمامًا، وغير مطابق لما نحن بصدده؛ لأن التقويم الموضوعي يضع الصحابة في الذروة، وهذا ما فعله (كاتياني)؛ إذ وصفهم في إطار موضوعي، فهُم -حسب المواصفات المؤهلة للقيادة على اختلاف الأزمنة والأجيال- يتمتعون بالميزات الآتية:

(أ) كانوا ممثلين صادقين لتراث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (الخلقي)، بل العقدي أيضًا، ودعاة الإسلام في المستقبل، وحملة تعاليم محمد -صلى الله عليه وسلم- التي بلغها أهل التقوى والورع.

(ب) أثبتوا -فيما بعد- في أصعب مناسبات الحروب أن مبادئ محمد -صلى الله عليه وسلم- إنما بُذرت في أخصب أرض، وأنبتت نباتًا حسنًا.

(جـ) من ذوي الكفاءات العالية جدًّا.

(د) كانوا محافظين على كل ما تلقوه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من كلام أو أمر.

(هـ) هم قادة الإسلام السابقون الكرام، الذين أنجبوا فقهاء المجتمع الإسلامي، وعلماءه، ومحدثيه الأولين (من كتاب "سنين الإسلام" لكاتياني، نقلًا عن "الإسلام: أثره، وفضله على الحضارة الإنسانية" للإمام الندوي).

فإن لم يكن هذا هو التنوير الحق، فهل سنجده إذا سرنا وراء سراب تقليد الغرب، وكأن ماضيه أصبح مستقبلنا؟!

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

الكلمات الدلالية

تصنيفات المادة