الأحد، ١٦ شعبان ١٤٤٥ هـ ، ٢٥ فبراير ٢٠٢٤
بحث متقدم

أحداث غزة... وحصاد الأجيال

أحداث غزة... وحصاد الأجيال
الاثنين ٢٩ يناير ٢٠٢٤ - ١٠:١٤ ص
178

أحداث غزة... وحصاد الأجيال

من تراث الدعوة حول القضية الفلسطينية

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإن الواقع الأليم الذي نعيشه الآن، إنما وصل إليه المسلمون بسبب تفريط أجيال متتابعة نشأت على غير الدين، فوُجد فيها من يبيع دينه بعرض من الدنيا، ومن يقبل الباطلَ ويستجيب له ولو بقتل إخوانه وتجويعهم، ومن يلتزم سماعَ أوامر السادة والكبراء مهما كانت مخالفة لشرع الله -عز وجل-.

وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يربي صحابته الكرام على رفض المنكر، مثل ما ربى عليه ابن عمر -رضي الله عنهما- وغيره، فعندما أمرهم خالد -رضي الله عنه- أن يقتل كل منهم أسيره -وهذا بعد أن أسلم الأسرى-، قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: (وَاللَّهِ لاَ أَقْتُلُ أَسِيرِى، وَلاَ يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ) (رواه البخاري)؛ هذه التربية التي لو وُجدت لما وجد أعداء الإسلام مِن بين المسلمين مَن يـُنفِّذ لهم أغراضهم ومخططاتهم.

فهذه المحنة التي نعيشها اليوم وغيرها، ثمرةٌ مُرَّةٌ لأجيال وقرون من التفريط الذي أدَّى إلى ضياع بلاد المسلمين منهم، وتسلُّط من لا يصلـُح أن يراعي مصالح المسلمين؛ كلُّ ذلك نتيجة وقوع الظلم من كثير من المسلمين، فولَّى الله -عز وجل- عليهم من يكون مثلهم، (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأنعام:129)، فبتغيير واقعنا يغيِّر الله -عز وجل- ما بنا.

إن الواقع الذي نعيشه قد تغير عبر سنين، وانهارت الدولة الإسلامية عبر قرون؛ لذا فبناؤها مرة أخرى، وعودة الشعوب الإسلامية إلى الالتزام بالدين يحتاج إلى جهد طويل المدى؛ ذلك أن حسم المواقف في لحظات أمر غير متصور.

وقد وقع أمثال ما يحدث اليومَ في غزة مرات عديدة قبل ذلك والمسلمون في غفلة؛ أما الآن.. فإذا وقع شيء يسير تجد المسلمين تتحرك قلوبهم -بفضل الله-، ولا شك أن هذا من ثمرة الخير الذي وُجد بالصحوة الإسلامية، فخمسمائة قتيلٍ جعلوا المسلمين في غليان، وقد قُتلت قبل ذلك في أزمنة ماضية آلاف مؤلفة، والمسلمون غافلون عنها.

ففي حرب 67 -مثلًا- قُتِل مئات الألوف من الجنود المصريين بسبب الخيانة والغدر والانحراف عن دين الله -عز وجل-، ومع ذلك فلم يتحرك الناس، وإنما خرجوا يصيحون أنهم يفدون زعماءهم بالروح والدم! فأبناء الأمة قد ماتوا، والجيش قد هزم، والأرض قد احتلت، والناس يقولون: نحن لا نقبل التنحي!

وهذا الشعب الجزائري الذي قُتل منه مليون شهيد، ثم حدث الخلل في قطف الثمرة؛ نتيجة المناهج المنحرفة؛ حيث أعطاها الناس لمن حارب الإسلامَ أكثر مما حارب الفرنسيين.

وكذا الشعب الليبي الذي قُتل نصفه أثناء الاحتلال الإيطالي؛ فالشعب الليبي كان في عام 1911م مليونًا ونصف، وبعد انتهاء المقاومة بأسر عمر المختار وقتله كان قد قُتِل من الشعب الليبي 750 ألفاً، فكاد الشعب أن يفنى!

وقتل الروس من الجمهوريات الإسلامية التي احتلوها بالحديد والنار ما يزيد على عشرين مليون مسلم، ومع ذلك عاد إليها الإسلام بفضل الله -عز وجل-.

وكذلك الصين -إبان الثورة الشيوعية- قَتَلت خمسة ملايين مسلم في محاولة إرغام الأقاليم الإسلامية المحتلة على الخضوع، خصوصًا تركستان الشرقية، وقد كانت إبادات مفزعة لم يشعر بها أحد!

وقتل تيتو الصربي أكثر من مليون مسلم في البوسنة، وقد كان يأتي إلى مصر، فيهتف الشعب بحياته وحياة جمال!

فانتفاض الأمةِ اليومَ -بلا شك- من مقدمات التغيير؛ خاصة حينما يعرف الناس مَن هو وليهم ومَن هو عدوهم، وهذه النقطة بالتحديد هي النقطة الأساسية التي يحاول الأعداء تمييعها؛ فقد عاش الناس خمسين سنة معتقدين أن التراب الوطني هو القضية، وأن النضال إنما هو من أجل الأرض والوطن، ونجح الأعداء خلال هذه الخمسين عامًا أن يغيبوا الدين عن الصراع.

ولذلك تجدهم دائمًا محاولين إيجاد ما يسمى بحوارات الأديان؛ لتحويل القضية عن وجهها الحقيقي، والترويج الدائم لفكرة أن أهل الكتاب -اليهود والنصارى- ليسوا كُفَّارًا، وأنهم والمسلمين كَمِلَّةٍ واحدة، وأن الأديان مختلفة في الفروع فقط، ومتفقة في الأصول، إلى آخر هذا الضلال المبين.

ومن المؤسف أن تجد دولًا قد أُسِّست على دعوة سلفية أصبح يُنادى فيها -أيضًا- بدعوات هَدم عقيدة الولاء والبراء، وأصبحت هي التي ترعى حوارات الأديان، نسأل الله -عز وجل- أن يعافينا من هذا البلاء العظيم.

وهذه الحوارات المزعومة دليل على خوف الأعداء ورعبهم الشديد من وضوح قضايا الولاء والبراء، وقضايا العقيدة الصحيحة وما يضادها من عقائد أهل الباطل.

لذا فمن أكبر مكاسب الأحداث الحالية أن عامة المسلمين اليوم لا يقبلون إدانة المجاهدين من أي أحد ولو كان داعية أو عالمًا، بل يغضبون عليه أشد الغضب، ويرفضون كلامه، ويرفضون مثل هذه الخزعبلات؛ فلو قيل لمسلم: إن اليهود يحاربون الإرهابيين لَمَا قَبِل ذلك أَحَدٌ.

فبحمد الله قد تغير مفهوم التدين عند كثير من الناس، وقد عاشت أجيال من الناس تقدِّس الغرب؛ فأفرزت تلك النوعية الخبيثة التي ينتمي إليها أصحاب القرارات المخذولة، أما عموم الناس فقد صاروا اليوم يكرهون الغرب وأمريكا، فبلا شك يُعد هذا تغيرًا محمودًا.

انظر إلى منزلة أمريكا عند المسلمين، هل هي كمنزلتها منذ ثلاثين أو أربعين سنة؟ بالطبع لا؛ فأمريكا بعد حرب العراق وأفغانستان أصبحت مكروهة من الكل كراهية عظيمة، الكل يحتقر جنودها وقادتها، وموقف الحذاء يعبر عن حقيقة مشاعر الناس تجاههم، فلا بد من استغلال مثل هذه المواقف حتى يعرف الناس مَن العدو ومَن الولي.

فكفى خداعًا للناس بتصوير العدو في صورة الولي الموضوع فوق الرأس؛ فالمواقف اليوم واضحة، وكل إنسان يختار خندقه، فالذي يضع نفسه في خندق العدو سيعرف الناس أنه من أتباعه.

لا بد أن يزن الناس الأمور بميزان الشرع، وقبل أن نقول: يجب أن نسمع ونطيع لفلان أو علان؛ لا بد أن نعرض الأمور على كتاب الله وعلى سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ومن إيجابيات هذه الأحداث المؤلمة: أن يميز الله بها الخبيث من الطيب، مع أن فيها دماءً تنزف وأرواحًا تزهق، ولا شك أن هذا أمر يؤلم كل مسلم، ولكن له ثمرات عظيمة؛ فيجب أن يُستغل ويُستثمر في إذكاء عقيدة الولاء والبراء؛ حتى لا يظل الناس قابلين لمثل هذه الأباطيل التي تُلقى عليهم بالليل والنهار، كأن يقال لهم: إن اليهود أصدقاء! وإن الحرب انتهت إلى الأبد! وإن السلام هو الخيار الإستراتيجي!

فهل يقبل الناسُ اليومَ مثلَ هذا الخيار الإستراتيجي؟!

فالله يُقدِّر بفضله ما يهدم كل هذه الأباطيل، وسيحاول أعداء الإسلام لسنوات طويلة قادمة إزالةَ آثار أفعالهم الوحشية في حق المسلمين.

نعود فنقول: إنه يجب أن تُستغل هذه الأحداث في تعميق أهمية التغيير الداخلي، وأنه هو الذي يتغير به الحال، فكثير من الكبائر والمحرمات يفعلها الناس دون أن تُفرض عليهم: كالمخدرات، والرشَى، والربا، والفواحش، والاغتصاب، والتبرج، وغصب أموال الناس، والظلم، والعدوان، والغش في كل المجالات، وفوق ذلك: سب الله، وسب دين الله -تعالى- الذي ينتشر في كثير من الشعوب! فكل هذه من أسباب انهيار المجتمع.

ومع ذلك فالناس يقولون: ما الذي أصابنا؟!

إن أموال المسلمين اليوم ليست بأيديهم؛ فهي يا للأسف الشديد موضوعة في بنوك اليهود، وثرواتهم مهدرة ضائعة، فإلى متى هذا الأمر؟! إن هذا كله من أسباب البلاء؛ فالمسلمون لا يتحكمون في ثرواتهم التي هي بأيدي أعدائهم، وليس الأمر في البلاد المحتلة فقط، فليس بترول العراق وحده هو المنهوب، بل كل ثروات المسلمين منهوبة، وضاع ثمانمائة مليار من أموال المسلمين -على الأقل- في أزمة عالمية يفتعلونها، أو أصابتهم عقوبة لهم.

ويا للأسف: هناك من يبرر هذا المنكر باسم الدين، وبأن ولاة الأمور أعلم بالمصالح -نسأل الله العفو والعافية-، وهل المصالح في الربا؟! هل المصالح في عدم استغلال أموال المسلمين فيما ينفعهم؟! أليس فقراء المسلمين أولى بهذه الأموال؟!

نحتاج -بلا شك- إلى تغيير البنية التحتية الحقيقية للمجتمعات الإسلامية: في عقائدهم، وأفكارهم، وسلوكهم، وعملهم، وأخلاقهم.

نحتاج إلى أن تحرر هذه القلوب من سلطان التقليد الأعمى للغرب، وإن هذه الأجيال التي تربت على التبعية التامة والانبطاح التام للغرب في وسائل الثقافة والإعلام لا شك ستموت، ومراكز القوى الظالمة في المجتمعات سوف تضمحل، ويخرج بعد ذلك جيل آخر بناءً على ما يتشكل في عقل الأمة وحسها خلال هذه الأزمات.

إن هذا التغيير لا بد منه، وإذا تغيَّر الناس تغير ولاتهم، وتغيرت أحوال مَن يتسلط عليهم؛ لذلك فإن هذه الأمور إذا أحسن الدعاة إلى الله -عز وجل- بيانها كان ذلك سببًا للتغيير الحقيقي.

إن حرب 67 على ما كان فيها من ألم كانت سببًا في إفاقة كثير من شباب الأمة، وأن يعودوا إلى الإسلام وإلى الدين، فقد كانت مصيبة عظيمة جدًّا جعلت كثيرًا من الناس يفقد الثقة في الاشتراكية العربية والقومية العربية ومن يدعو إليهما، فكانت مصلحة عظيمة بلا شك.

إن الموازين في الواقع الحاضر تؤكد أن التغيير الشامل لا يتم إلا بتغيير سلوكيات الشعوب، وتغيير الموازين الداخلية؛ حتى تتغير موازين القوى في العالم.

وإن كنا نرجو لغزة اليوم نصرًا مؤزرًا من الله -تعالى-؛ لأنهم رفعوا راية الإسلام؛ لكن لا بد من استغلال هذه الأزمات، وبيان أننا أُصبنا بهذه المصائب بسبب ذنوبنا (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى:30).

والمسؤولية مشتركة وعامة، تشمل مَن ترك الواجب وفعل المحرم، ومَن ترك السنة وفعل البدعة ونشرها، والتاريخُ شاهدٌ على ذلك؛ فإنه لما انتشرت بدع الصوفية، وعبادة غير الله، وبدع العلمانية؛ كانت هي معاول الهدم التي نخرت في الخلافة العثمانية، التي ظلت تنهار في مائتين وخمسين سنة تقريبًا، من يوم أن وقفت في وجه دعوة الإصلاح التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-.

الصوفية هي التي أعلنت النكير على دعوة التوحيد، وزعمت بأن الشيخ يكفر المسلمين، ونادت بإعادة تعظيم القبور مرة أخرى، وظلت هذه القضية إلى أن دخلت العلمانية وسُمح لأحزابها بالتواجد، فاجتمع الشران أحدهما مع الآخر: العلمانية والصوفية؛ فأدى هذا إلى أن تسقط القدس في أيدي قوات الحلفاء، فالقدس ظلت حتى عام 1917م في أيدي المسلمين، حتى أتى الاحتلال الغربي وأخذ هذه البلاد، وسقطت القدس في أيدي الحلفاء بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وبعدها مباشرة صدر وعد "بلفور" الذي تكونت به دولة إسرائيل بعد ثلاثين سنة، فبعد إحدى وثلاثين سنة من هذا الوعد أُقيمت هذه الدولة اللقيطة.

إن انهيار الخلافة لم يكن نابعًا من ضعف مادي أو عسكري، فالمسلمون -بحمد الله- فيهم كفاءات عقلية عظيمة جدًّا، قادرة على تهيئة أفضل الوسائل لقوة المجتمعات المسلمة، والحفاظ على الدين والدولة؛ لو كان هناك فهم صحيح للدين، ولو كانت هناك إرادة وعزيمة على نصرة هذا الدين، ولكن الذي حدث هو الخلل في الفهم، والخلل في الالتزام بالمنهج الإسلامي، فضاعت الخلافة، وضاع معها كل ما كان بأيدي المسلمين، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

قتل في العراق مليون نسمة في الغزو الأمريكي للعراق، أي: ما يزيد على ثلاثمائة ضعف قتلى غزة، وأيضًا لم تتغير الصورة كثيرًا، والتغيير لن يتم إلا من خلال الانتفاع بهذه المواقف المريرة التي تمر بها الأمة، وأن نوقظ الهمم في تغيير الواقع وإصلاحه، أما إذا استمر الأمر على ما هو عليه، وظل المسلمون لا يفرقون بين الولي والعدو، ولا يفرقون بين المؤمن والمنافق، الذي هو عدو الإسلام، والذي يعمل لمصلحة أعداء الدين، بل يوجد من يروج له باسم الدين؛ فبمثل هذا سيظل الواقع كما هو عليه.

فنقول: التغيير الحقيقي إذا تمَّ فعلًا؛ تتغير هذه الموازين، ويتغير الحال إلى ما يحبه الله -عز وجل- ويرضاه، ولعل أحداث غزة تكون أكبرَ أسباب هذا التغيير، وأُولى خطواته المباركة، والبُشْرَيات كثيرةٌ -بحمد الله- (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21).

والحمد لله رب العالمين.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

الكلمات الدلالية

تصنيفات المادة