الأحد، ١٦ شعبان ١٤٤٥ هـ ، ٢٥ فبراير ٢٠٢٤
بحث متقدم

غزة رمز للعزة (1) مختصر للأوضاع التاريخية في غزة

غزة رمز للعزة (1) مختصر للأوضاع التاريخية في غزة
الأربعاء ٣١ يناير ٢٠٢٤ - ١٠:٢٦ ص
100

غزة رمز للعزة (1) مختصر للأوضاع التاريخية في غزة

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد أسس الكنعانيون مدينة غزة في القرن الخامس عشر ق. م، التي كانت عبر التاريخ محورًا في طرق القوافل التجارية في العالم القديم، ولم يكن لغزة طوال تاريخها حكمًا مستقلًا حيث احتلها بسبب موقعها الجغرافي غزاة كثيرون، لكن بعد أن فتحها المسلمون العرب عام 635م صارت مركزًا إسلاميًّا مهمًّا.

ويمثِّل قطاع غزة حاليًا المنطقة الجنوبية من السهل الساحلي الفلسطيني المطل على البحر الأبيض المتوسط، ويأخذ القطاع شكل شريط ساحلي ضيق يقع شمال شرق شبه جزيرة سيناء، يبلغ طول قطاع غزة نحو 41 كيلو متر، بينما يبلغ عرضه ما بين 6-12 كيلو متر، وتبلغ مساحته الإجمالية نحو 365 كيلو متر، ويشهد القطاع حاليا كثافة سكانية عالية إذ يسكنه رغم صغره نحو 3و2 مليون نسمة، غالبيتهم مسلمون مع أقلية من النصارى.

ولقطاع غزة حدود مع فلسطين التاريخية بطول 51 كيلو متر، وحدود مع مصر عند رفح بطول 11 كيلو متر، ويتكون القطاع من خمس محافظات: محافظتي: غزة وشمال غزة شمالًا، ثم محافظة دير البلح في الوسط، وجنوبًا محافظتي: خان يونس، ورفح. وفي القطاع شارعان رئيسيان طويلان: شارع صلاح الدين الذي يمتد بطول القطاع بدايته من أعلاه شمالًا (شمال غزة) حتى أسفله جنوبًا (رفح) بطول نحو 45 كيلو متر، وشارع الرشيد (الكورنيش) الممتد بطول ساحل البحر المتوسط. والقطاع صيفه حار شبه جاف، وشتاؤه ممطر دافئ، تهطل غالبية أمطاره بين شهري: نوفمبر وفبراير.

ومن الناحية التاريخية:

كان قطاع غزة -وهو جزء من فلسطين والشام- تحت حكم الدولة العثمانية حتى عام 1918م، ثم أصبح -كسائر أرض فلسطين- بعد هزيمة الدولة العثمانية وسقوطها في الحرب العالمية الأولى تحت الانتداب البريطاني. وعند صدور قرار منظمة الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين كانت غزة ضمن حدود الدولة العربية في فلسطين، وبعد حرب 1948 وطبقًا لاتفاقية الهدنة بين مصر وإسرائيل في 24 فبراير 1949 وضع خط للتقسيم -وليس بخط حدود دولية- وأصبح القطاع تحت إدارة العسكرية المصرية لتتولى مصر إدارة شئونه.

وقد شهد القطاع خلال حرب 1948 وما بعدها نزوح مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى القطاع والمعيشة فيه، فارين من اعتداءات ومجازر اليهود؛ الذين عمدوا إلى تهجير هؤلاء الفلسطينيين بالقوة من ديارهم داخل إسرائيل المعلن عنها في 15 مايو 1948، وكذلك من الأراضي التي سعى اليهود إلى احتلالها وضمها إلى إسرائيل المعلنة رغم أنها داخل حدود الدولة العربية الفلسطينية في قرار تقسيم فلسطين عام 1947 بين اليهود والعرب، وقد أقيمت لهؤلاء اللاجئين مخيمات للعيش فيها، ونظرًا لضخامة أعدادهم وشدة احتياجاتهم كان إنشاء وكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين في نوفمبر 1948، التي تطورت في ديسمبر 1949 من هيئة إغاثة إلى هيئة للإغاثة وللتشغيل أيضًا، والتي عرفت اختصارًا باسم: (الأونروا).

وكان غرض الغرب من إنشاء هذه الهيئة هو العمل على تحويل قضية فلسطين بعد نكبة 1948 إلى مجرد قضية لاجئين، حيث لجأ كثير من الفلسطينيين النازحين إلى دول عربية مجاورة، بينما لجأ 55% من النازحين إلى فلسطين العربية وقطاع غزة؛ مما تسبب في مضاعفة عدد السكان بالقطاع الذي أصبح مكتظًا بالسكان.

وقد قُدِّر وقتها عدد اللاجئين الفلسطينيين بنحو 752 ألف لاجئ، منهم نحو 20 ألف فقط يعملون وقادرون على إعالة أنفسهم؛ بالإضافة إلى إعالة نحو 60 ألف آخرين، ونحو 150 ألف لهم وسائل خاصة يمكنهم العيش منها، بينما هناك نحو 652 ألف في حاجة إلى المعونة والإغاثة، وقد ساهمت 33 دولة في تمويل هيئة الإغاثة وقتها بمبلغ تجاوز 30 مليون دولار. (راجع: الأهرام عدد الجمعة 8 ديسمبر 2023، ص 2).

حكومة عموم فلسطين:

اتخذت الجامعة العربية قرارًا بإنشاء حكومة فلسطينية، باسم: (حكومة عموم فلسطين)، واختارت الجامعة (أحمد حلمي باشا) أحد الشخصيات العربية الوطنية رئيسًا لتلك الحكومة، وأعقب ذلك عقد المؤتمر الفلسطيني الوطني في غزة في 30 سبتمبر 1948 لإضفاء الشرعية الشعبية على الحكومة، وشهد المؤتمر حضورًا كبيرًا. وقد اعترفت مصر بحكومة عموم فلسطين في 12 أكتوبر 1948، وكذلك اعترفت بها من الدول العربية كلٌّ من المملكة السعودية والعراق وسوريا ولبنان واليمن، إلى جانب اعتراف أفغانستان بها.

ولتكوين نواة لجيش فلسطيني لهذه الحكومة تم تدعيم قوات (الجهاد المقدس) المشاركة في حرب 1948، وتم تأليف قيادة لإدارة شئون القتال في المنطقة الجنوبية من فلسطين، وكانت وحدات هذا الجيش تعمل تحت إشراف القيادة المصرية، ولكن مع تدهور أحوال القتال خلال حرب 1948 وتعرض الجيوش العربية للهزائم، وتزايد عدد اللاجئين الفلسطينيين الفارين إلى قطاع غزة زادت مشاكل القطاع الاقتصادية، ومع تزايد الخطر المحدق اضطر أعضاء الحكومة إلى مغادرة غزة.

وفي اتفاقية الهدنة بين مصر وإسرائيل في فبراير 1949 تم تحديد تسليح قطاع غزة، وألزمت مصر بأن تكون قواتها هناك دفاعية، مما أعاق البرنامج العسكري لحكومة عموم فلسطين.

ورغم وجود تأييد عربي لحكومة عموم فلسطين؛ إلا أن الحكومة فقدت الفاعلية المطلوبة للاستمرارية لعدة أمور، منها:

- عدم تواجد إجماع عربي على الاعتراف بهذه الحكومة.

- عدم السعي الجاد للحصول على اعتراف العالم الخارجي لهذه الحكومة.

- عدم انسحاب الدول العربية من الأجزاء الفلسطينية الموجودة تحت سيطرتها وتسليمها لهذه الحكومة، مع إبقاء القوات العربية المقاتلة للوقوف أمام العصابات اليهودية.

- عدم تقديم الدعم المالي الكافي لتلك الحكومة.

- عدم تشكيل جيش فلسطيني لإنقاذ فلسطين وتحرير ما فقد منها.

ورغم اعتراف الأمم المتحدة وقتها بإسرائيل بالأردن فلم تصدر من الأمم المتحدة أي إشارة إلى اعترافها رسميًّا بحكومة عموم فلسطين كممثل للشعب الفلسطيني، ولعل مما ساهم في عدم الاعتراف هذا فقدان تلك الحكومة للإجماع العربي أو التأييد العربي القوي لها، ولفتور الجامعة العربية في التعامل مع تلك الحكومة.

وفي 23 سبتمبر 1952 قررت الجامعة العربية تجميد أعمال حكومة عموم فلسطين، وبوفاة أحمد حلمي باشا رئيس حكومة عموم فلسطين أسدل الستار على هذه الحكومة. (للاستزادة راجع في ذلك: "حكومة عموم فلسطين في ذكراها الخمسين"، تأليف: محمد خالد الأذعر، وتقديم محمد حسنين هيكل - ط. دار الشروق).

مصر وإدارة قطاع غزة:

تولت مصر إدارة غزة عبر مرحلتين: الأولى: كانت بين عامي: 1948 و1956، والثانية: بين عامي: 1957 و1967، وبينهما كانت هناك مدة قصيرة استولت فيها إسرائيل على القطاع خلال العدوان الثلاثي عام 1956.

وقد تولى عبد الله رفعت الحكم الإداري المصري في المرحلة الأولى، وفيها أعانت مصر القطاع على وضع دستور لحكم غزة، مما مهد بعد ذلك في إقامة أول مجلس نيابي فلسطيني خلال المرحلة الثانية من الحكم الإداري المصري للقطاع، والذي افتتح رسميًّا في مدة حكم مصر الثانية للقطاع، بينما تولى اللواء محمد حسن عبد اللطيف منصب الحاكم الإداري للقطاع في عام 1957، واستمر في هذا المنصب حتى حرب 1967، أي: طوال عشر سنوات كانت الأراضي الصالحة للزراعة في غزة لا تتجاوز ثلث مساحة القطاع، والباقي مجرد كثبان رملية، وكانت الموالح أهم المحاصيل، إلى جانب محاصيل صغيرة من العنب والتين، والتفاح والمشمش، بينما كانت غلة الحبوب ضعيفة؛ لذا تقرر إقامة مشروع لاستصلاح الأراضي غير المزروعة لتحسين الإنتاج الزراعي.

أما النشاط الصناعي في القطاع فلم يكن له شأن إذ كان هناك مصنعًا ميكانيكيًّا لصناعة النسيج معطلًا، ويتم صناعة النسيج يدويًّا مع قلة تواجد الغزل، مما ترتب عليه استيراد القطاع الأقمشة من الخارج، وكانت هناك صناعة الصابون ومعاصر لزيت السمسم، إلى جانب دبغ الجلود وصناعة طوب البناء، ونظرًا لضعف اقتصاد القطاع فكانت مصر تتحمل في فترة إدارتها للقطاع سد أي عجز بين الإيرادات والمصروفات، كما كانت تدعم مصر القطاع بالدقيق لإغاثة الفقراء، وتصدر أيضًا الغزل المصري للقطاع. (راجع: الأهرام عدد الجمعة 24 نوفمبر 2023، ص 2).

وقد شهدت غزة في المرحلة الثانية لحكم مصر الإداري إقامة أول مجلس نيابي فلسطيني، والذي تم اختياره بالتعيين مع مراعاة وجود ممثلين عن كل بلدة في القطاع، مع وجود عضو ممثل للاجئين أيضًا في القطاع، وقد افتتح أعمال المجلس أنور السادات السكرتير العام للاتحاد القومي مندوبًا عن الرئيس عبد الناصر.

احتلال إسرائيل لغزة:

ظلت غزة من بعد حرب 1948 تحت الإدارة المصرية، ولكن خلال العدوان الثلاثي من إنجلترا وفرنسا وإسرائيل على مصر في عام 1956 استولت إسرائيل على قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء، ثم أرغمت إسرائيل بعد ضغوط دولية على الانسحاب من قطاع غزة ومن سيناء، لتتولى مصر من جديد إدارة شئون القطاع.

وقد شهد قطاع غزة خلال مدة الاحتلال القصيرة تلك مجازر من إسرائيل، وتعقبًا للشباب الفلسطيني الذين كانوا ينتمون لجيش التحرير، كما حاولت إسرائيل خلال هذه المدة من الاحتلال تغيير واقع القطاع تمهيدًا لضمه إلى أراضيها، ولكن تصدى لها أهل غزة، كما حاولت إسرائيل تدويل القطاع عن طريق تعديل مهام واختصاصات قوات الطوارئ في المنطقة لتبقى غزة تحت حكم قوات الطوارئ بعيدًا عن الرعاية المصرية، ولكن تصدى لها الأهالي مرة أخرى مدعومين من مصر ففشلت المحاولة، وظلت قوات الطوارئ حتى انسحابها مقتصرة على واجباتها الأساسية من مراقبة وقف إطلاق النار، وتعقب القوات المعتدية إلى خطوط الهدنة، وفي ظل استقرار الحكم المصري الإداري للقطاع انسحبت قوات الطوارئ من أراضي القطاع، وخلال حرب يونيو 1967 استولت إسرائيل على قطاع غزة مرة أخرى.

غزة تحت الاحتلال الصهيوني:

شهدت غزة تحت الاحتلال الإسرائيلي من يونيو عام 1967 ظروفًا غاية في القسوة والسوء حيث:

- فر من غزة عشرات الآلاف من أهالي القطاع خوفًا من ارتكاب مجازر إسرائيلية جديدة، كما حدث خلال الاحتلال العسكري لغزة خلال العدوان الثلاثي في عام 1956.

- منعت سلطة الاحتلال عودة كل من كانوا خارج قطاع غزة من أهله من الفلسطينيين عند اندلاع حرب 1967 من العودة إلى القطاع، واعتبرتهم من النازحين الذين ليس لهم حق العودة لأرضهم وديارهم، ولم تعد تشملهم أي إحصائيات إسرائيلية للقطاع.

- دأبت قوات الاحتلال طوال سنوات الاحتلال على القيام بالعقوبات الجماعية للفلسطينيين في القطاع من خلال اقتحام المنازل ليلًا للبحث عن السلاح واعتقال الكثيرين من الرجال والشبان لمدد مختلفة دون توجيه تهم إليهم، إلى جانب فرض حظر التجوال على السكان.

سرحت سلطة الاحتلال الآلاف من موظفي الحكومة من الفلسطينيين، وأحرقت بعض مراكب الصيادين لحرمان أصحابها من مصدر رزقهم.

- منع قيام أي مؤسسات أو نقابات فلسطينية.

ومن خلال تلك القبضة الحديدية للاحتلال:

- تكرر من بداية السبعينيات فرض حظر التجول من وقت لآخر في المخيمات، وتكررت عمليات التدمير المتعمد لمنازل أي مشتبه فيهم لدى سلطة الاحتلال، وتكرر الإتلاف لمساحات كبيرة من بساتين البرتقال بدعوى تمهيد الطرق للمركبات الإسرائيلية، وكان يصحب ذلك عمليات تفتيش للبيوت بطريقة همجية والضرب بوحشية، والاستجواب والاعتقال، والتعذيب والسجن لفترات متفاوتة لمئات الفلسطينيين، وفرض الغرامات الكبيرة بآلاف الشيكل (العملة الإسرائيلية) على الأهالي، مع تواجد دوريات عسكرية تجوب الشوارع في كل المدن والقرى لإحكام السيطرة على القطاع.

- تم شق الطرق داخل المخيمات المكتظة بالسكان بعد تجريف آلاف المنازل، وتشريد الآلاف من سكانها ونقل الكثير منهم إلى سيناء المحتلة في 1967 وإلى (أريحا) المحتلة في الضفة الغربية لنهر الأردن.

- فرض الكثير من القيود والتضييق على الدراسة خاصة الجامعية والرقابة على الصحف، ومنع أي أنشطة نقابية، ومنع أي أنشطة أدبية أو ثقافية تعبر عن الهوية الفلسطينية، ومنع أي تظاهر أو تجمع سلمي باستخدام القوة المفرطة؛ مما تسبب مرارًا في قتل وجرح متظاهرين واعتقال المئات منهم وحبس الكثيرين منهم حبسًا إداريًّا تعسفيًّا، إلى جانب فرض العديد من صور الضرائب والرسوم المرتفعة على سكان القطاع. ورغم صدور قرارات شجب متعددة من منظمة الأمم المتحدة لتلك السياسات الظالمة والممارسات الوحشية، فلم تتوقف سلطة الاحتلال عن تلك السياسات والممارسات، بل تزايدت وتيرتها وشدتها مع الأيام.

معاناة سكان القطاع تحت الاحتلال:

- عانى سكان غزة من تدخل سلطة الاحتلال الإسرائيلية في شئون الدراسة والتعليم من خلال إرغام الطلاب الفلسطينيين على الانصياع لما تفرضه عليهم على حساب القيم والهوية العربية الفلسطينية، بل ودفع الاحتلال الشباب إلى ترك الدراسة والتعليم، والتوجه إلى سوق العمل أو الهجرة خارج القطاع تحت وطأة الحياة الاقتصادية الصعبة في القطاع نتيجة لإضعاف الاحتلال لاقتصاد القطاع من خلال التحكم الكامل فيه وتوجيهه، إذ عمدت سلطة الاحتلال ربط اقتصاد القطاع المنهك باقتصاد إسرائيل المتطور بما يحقق الهيمنة على اقتصاد القطاع لخدمة الاقتصاد الإسرائيلي، وجعل سوق القطاع المحلي سوقًا مغلقًا لتصريف البضائع والمنتجات الإسرائيلية، واتخاذ القطاع ليكون طريقًا بصورة غير مباشرة لغزو المنتجات الإسرائيلية لأسواق الدول العربية المجاورة.

- كما عانى سكان غزة من ضعف وتدهور الأوضاع الصحية، إذ أهملت سلطة الاحتلال تحسينها فعانى الأهالي بصورة دائمة من ضعف ونقص الخدمات الصحية اللازمة، يتضح ذلك عند مقارنة الأوضاع الصحية في غزة والأوضاع الصحية داخل إسرائيل، وهو ما دفع الفلسطينيين أصحاب الأمراض الشديدة إلى طلب العلاج في المستشفيات داخل إسرائيل.

مقاومة أهل القطاع للاحتلال:

رغم شدة قمع سلطة الاحتلال فقد قاوم الفلسطينيون الاحتلال وتصاعدت صور المقاومة وبلغت ذروتها في (انتفاضة الحجارة) عام 1987م، وقد سميت تلك الانتفاضة التي بدأت في 8 ديسمبر 1987 بانتفاضة الحجارة حيث كانت الحجارة هي الأداة الرئيسية للمقاومة فيها؛ خاصة من الأطفال الفلسطينيين، والذين أطلق عليهم إعلاميًّا (أطفال الحجارة).

بدأت شرارة الانتفاضة من قطاع غزة بنزول الفلسطينيين إلى الشوارع للتظاهر، وقيامهم بمواجهة الدوريات الإسرائيلية وقذفها بالحجارة، وامتدت إلى سائر المناطق المحتلة الأخرى. وقد بلغت وحشية جنود الاحتلال في مواجهتها؛ أن قاموا بإطلاق الرصاص على المتظاهرين، وتكسير عظام الأطفال، وإجهاض الحوامل، وغير ذلك من الممارسات التي أظهرت للعالم على قلة نقل صورها وتداولها إعلاميًّا، مقدار القمع المفرط للاحتلال والظلم الفادح للفلسطينيين.

استمرت تلك الانتفاضة مشتعلة طوال عامي: 1988 و1989 ببسالة وشجاعة منقطعة النظير رغم ضخامة التضحيات التي قدمتها، وقد تحولت الانتفاضة إلى عصيان مدني واسع في مواجهة الاحتلال. وفي المقابل قام جيش الاحتلال بحملة اعتقالات واسعة، وضرب وتعذيب بلغ حد تكسير عظام المتظاهرين والمعتقلين عقابًا لهم على قذفهم لجنود الاحتلال بالحجارة، إلى جانب هدم المنازل ومصادرة الممتلكات والأراضي.

وقد بلغ المعدل اليومي لشهداء الانتفاضة مع نهاية الشهر الثامن للانتفاضة ما بين 3 - 4 شهداء يوميًّا، ومعدل الجرحى نحو 396 جريحًا يوميًّا؛ منهم أطفال ونساء وشيوخ، وقد تم اعتقال نحو 30 ألف معتقل ومعتقلة، وبلغ عدد الجرحى والمصابين ممن كسرت عظام أطرافهم نحو 17 ألف مصاب، منهم 25% من الأطفال، وتم نسف نحو مائة بيت ترك سكانها في العراء، كما تم إبعاد 28 شابًا فلسطينيًّا عن وطنهم بدعوى قيادة الانتفاضة، وتعرضت أكثر من 200 امرأة فلسطينية من الحوامل للإجهاض.

وقد شهدت تلك الانتفاضة ظهور حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وكانت البداية من (جباليا) في غزة، ومع دخول عام 1990 تراجعت وتيرة الانتفاضة وتحولت إلى مواجهات محدودة بعد أن كانت جماهيرية.

وفي أعقاب حرب تحرير الكويت (حرب الخليج الثانية) تمكنت المساعي الأمريكية من رعاية مفاوضات للسلام بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل. وبعد اتفاق (أوسلو) في سبتمبر 1993 قبلت إسرائيل فيها قيام حكم ذاتي محدود للسلطة الفلسطينية الوليدة في قطاع غزة وفي أريحا بالضفة الغربية، وعليه تم استقبال ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية استقبالًا جماهيريًّا عند دخوله غزة في 11 يوليو 1994.

الانتفاضة الفلسطينية عام 2000:

بدأت الانتفاضة في أعقاب الزيارة الاستفزازية للإرهابي آريل شارون للمسجد الأقصى، حيث جرت مواجهات بين المصلين في المسجد الأقصى وجنود الاحتلال الذين أطلقوا الرصاص على المصلين، فكانت الشرارة للانتفاضة التي امتدت من القدس إلى كل أرجاء فلسطين. وقد تميَّزت هذه الانتفاضة بشدة وتصاعد العمليات المسلحة من رجال المقاومة الفلسطينية ضد جنود الاحتلال، وقد حشدت سلطة الاحتلال 60 ألف جندي لمواجهة الانتفاضة ودفعت بمئات من الدبابات والطائرات، وهاجمت المدن الفلسطينية بشراسة من البر والجو والبحر، ودمرت البنية التحتية في الأراضي الفلسطينية، بل ودمرت مؤسسات السلطة الفلسطينية.

وقد بلغ عدد الشهداء 4412 فلسطينيًّا، وبلغ عدد الجرحى 48322، بينما قتل من الجيش الإسرائيلي 334 جنديًّا، وقتل من المستوطنين اليهود 735 مستوطنًا، بينما بلغ عدد الجرحى 4500 إسرائيليًّا، مع إعطاب 150 دبابة إسرائيلية، وتدمير عدد من المدرعات وسيارات الجيب الإسرائيلية. وقد شهدت تلك الانتفاضة عدة اجتياحات إسرائيلية للضفة الغربية وقطاع غزة، وكان من أصعب أحداث الانتفاضة التي تداولتها وكالات الأنباء العالمية فيديو مقتل الطفل (محمد جمال الدرة)، وهو يحتمي في حضن أبيه الأعزل الذي كان يختفي بدوره خلف (برميل) حجري يتقي به رصاص جنود الاحتلال الذي لا يتوقف، وأيضًا مقتل الطفلة (سارة) وهي داخل سيارة والدها، وضرب سيارات الإسعاف لمنع وصولها إلى الجرحى والمصابين من الفلسطينيين. وقد توقفت الانتفاضة بصفة رسمية بتوقف العمليات العسكرية عقب اتفاق هدنة تم توقيعه في شرم الشيخ في فبراير 2005 بين الرئيس الفلسطيني محمد عباس أبو مازن -الذي تولى رئاسة السلطة الفلسطينية بعد وفاة ياسر عرفات- وبين أريل شارون -المتسبب في هذه الانتفاضة- رئيس وزراء إسرائيل وقتها.

حماس وحكم غزة:

مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية عام 1987 ظهرت حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، بقيادة اثنين من قادة الإخوان المسلمين: الشيخ أحمد ياسين، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وبدأ التحضير للعمل المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي. وفي عام 1991 اعتقلت سلطات الاحتلال الشيخ أحمد ياسين -رئيس حركة حماس- والمئات من أعضاء الحركة، وحكم على الشيخ بالسجن مدى الحياة، ثم أفرج عنه في عام 1997 خلال عملية تبادل أُفرِج فيها عن اثنين من عملاء الموساد كان ألقي القبض عليهما في الأردن مقابل الإفراج عن الشيخ.

وعندما أجرت السلطة الفلسطينية انتخابات المجلس التشريعي الأول عام 1996 قاطعتها حماس، وعقب تنفيذ حماس لعدد من العمليات العسكرية ضد جنود الاحتلال اغتالت إسرائيل الشيخ أحمد ياسين في 22 مارس 2004، ثم اغتالت الدكتور عبد العزيز الرنتيسي في 17 إبريل 2004.

وفي عام 2005 وافقت الحكومة الإسرائيلية على خطة شارون بالانسحاب الأحادي من قطاع غزة، وبالفعل انسحبت القوات الإسرائيلية من قطاع غزة بالكامل في 12 سبتمبر 2005 حيث أعلن انتهاء الحكم العسكري الإسرائيلي للقطاع، وقد عدت حماس ذلك انتصارًا لها.

وقد فرضت إسرائيل عقب انسحابها سيطرتها الخارجية على القطاع بحصاره برًّا وبحرًا وجوًّا، كما سيطرت سيطرة غير مباشرة على الحياة الداخلية في القطاع من خلال التحكم في بوابات الدخول والخروج من القطاع، كما أقامت منطقة عازلة داخل القطاع، وأعطت نفسها حق اقتحام القطاع والتوغل فيه في أي وقت شاءت.

شاركت حماس في الانتخابات المحلية في الضفة الغربية وقطاع غزة فحصلت على 38% من أصوات الناخبين. ثم شاركت في يناير 2006 في الانتخابات التشريعية الثانية، فنالت أغلبية مقاعد المجلس التشريعي أكثر قليلًا من نصف المقاعد، بينما حصلت منظمة فتح في تلك الانتخابات على أكثر قليلًا من ثلث المقاعد، ونظرًا لكون رئيس السلطة الفلسطينية (أبو مازن) من منظمة فتح، ولكون معظم موظفي السلطة أيضًا من منظمة فتح، وكذلك أجهزة الأمن الفلسطينية تابعة لمنظمة فتح، فقد ظهرت العقبات أمام تشكيل حركة حماس التي تمارس المقاومة المسلحة لحكومة السلطة الفلسطينية؛ خاصة وأن هذه السلطة إنما تعمل متعاونة مع الاحتلال الإسرائيلي، مما يجعل الجمع بين التزامات السلطة وبين الاستمرار في المقاومة المسلحة متعارضًا.

عرضت حماس تشكيل حكومة وحدة وطنية، لكن الفصائل الفلسطينية الأخرى أحجمت عن المشاركة، بينما عارضت إسرائيل حكم حماس، كما أعلنت الإدارة الأمريكية مقاطعة حكومة حماس، مع إبداء تأييدها لمحمود عباس الذي طالب بتشكيل حكومة وحدة وطنية تلبي المطالب الدولية.

اندلعت الاشتباكات بين فتح وحماس، وجرت محاولة لاغتيال وزير داخلية الحكومة التي شكلتها حماس، وأخرى لاغتيال (إسماعيل هنية) رئيس هذه الحكومة، وبعد جهود عربية لحل الأزمة تم التوصل إلى (إعلان مكة) في 8 فبراير 2007؛ وعليه قدم هنية استقالة حكومته، مع تكليفه بتشكيل وزارة جديدة في مناطق الحكم الذاتي، لكن إعلان مكة لم يمنع تجدد الاقتتال بين فتح وحماس من جديد وتدهورت الأحوال، فقامت حماس بالسيطرة بالقوة على قطاع غزة في يونيو 2007 لتنفرد بحكمه، وبالتالي فصله سياسيًّا وجغرافيًّا عن الضفة الغربية، وهو ما اعتبرته فتح انقلابًا عسكريًّا.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

الكلمات الدلالية

تصنيفات المادة