الأربعاء، ١٥ ذو القعدة ١٤٤٥ هـ ، ٢٢ مايو ٢٠٢٤
بحث متقدم

الكبير الذي قاد المؤسسة في ظل تلاطم الأمواج.. قراءة في عقل الشيخ أبو إدريس -رحمه الله-

الكبير الذي قاد المؤسسة في ظل تلاطم الأمواج.. قراءة في عقل الشيخ أبو إدريس -رحمه الله-
الاثنين ١٥ أبريل ٢٠٢٤ - ١٨:٠٤ م
1129

 

الكبير الذي قاد المؤسسة في ظل تلاطم الأمواج.. قراءة في عقل الشيخ أبو إدريس -رحمه الله-

كتبه/ أحمد الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الحديث عن الكبار مهمة ليست سهلة، ولا ينبغي أن يتصدر لها إلا من يتقنها، وليس لمثلي أن يُعرِّف بقَيّم الدعوة السلفية وأحد أبرز مؤسسيها فضيلة الشيخ المهندس محمد عبدالفتاح أبوإدريس رحمه الله رحمة واسعة وأفسح له في قبره، إلا أنه في السنوات الأخيرة من عمر الشيخ قد يسر الله لي عدة لقاءات معه بلغت ما يزيد عن خمسة وعشرين لقاء تحدث فيها الشيخ عن تاريخ العمل السلفي في مصر، وعن أشياء كثيرة تخص مسيرة الدعوة ومنهجها ورموزها، نسأل الله أن ييسر خروج هذا التاريخ إلى النور في القريب العاجل بإذن الله.

 والحقيقة التي لا جدال فيها أن الشيخ رحمه الله يعد أحد مؤسسي العمل السلفي في مصر بلا نزاع، حيث قاد رحمه الله مع إخوانه من المشايخ الكرام سفينة السلفية في مصر في وقت لم يكن للسلفية فيه كيان قائم، بل يعود الفضل بعد الله وحده في تشييد هذا الكيان وإقامة بنيانه إلى هؤلاء المؤسسين من مشايخ الدعوة السلفية وعلى رأسهم الشيخ أبوإدريس رحمه الله.

 وإذا كان بعض الشباب لا يعرف الشيخ رحمه الله لأنه ليس له ظهور إعلامي ولا تواجد ظاهر إلا أن المشايخ الذين تسمع عنهم الآن في الداخل والخارج، الموافق منهم لمواقف الدعوة والمخالف لها يعرفون الشيخ عن ظهر قلب، بل للشيخ رحمه الله على كثير منهم يد وفضل نسأل الله أن يجزيه عن الإسلام خير الجزاء، وقد شهد بهذه الحقيقة كثير من الدعاة والشيوخ قبل ثورة 2011 وبعدها.

 وسوف أعرض في هذه السطور بعض الملامح العامة لشخصية الشيخ رحمه الله من خلال حواراتي معه على مدار عامين أو يزيد.

 أولا: الرسوخ العلمي

تسمع كثيرا تهمة تلوكها ألسنة الخصوم حين يقولون "الدعوة السلفية دعوة علمية" وهي عندنا شرف ومكانة ندعو الله أن نحققها ونعمل لها ونداوم على القيام بحقها، ولكن كيف أصبحت هذه الدعوة بهذه الصبغة العلمية البارزة حتى أنها من شدة التصاقها بهذا السمت كانت في بداية نشأتها تسمى بالمدرسة السلفية، وكان رئيسها يسمى بِقَيّمِ المدرسة السلفية تيمّنا باسم ابن القيم رحمه الله حيث كان والده قيم المدرسة الجوزية فأطلق عليه ابن القيم وصار علما عليه، وهكذا لقب الشيخ رحمه الله بقيم المدرسة السلفية.

 وكان من جملة الأسئلة التي دارت في حواراتي مع الشيخ: كيف تكونت شخصية المشايخ العلمية حتى صارت لها هذه البصمة الفريدة وتلك الطريقة التي تشبه طريقة الأوائل في التقعيد والتنظير والتأصيل للمسائل الشرعية، فقال الشيخ ما ملخصه، يمكنك أن تعزو ذلك لعدة أسباب منها:

 (1) الطلب الجاد والنهم الشديد لطلب العلم: فقد كنا في بدايات الطلب نقضي كل أوقاتنا بين الكتب وليس لنا هم سوى تحصيل العلم وقراءة الكتب وتحرير المسائل، فلا يمر على أحدنا يوم إلا وقد قرأ فيه المئات من الصفحات دون كلل أو ملل، مع التزام قاعدة ألا يؤخذ القول إلا بدليله وأن يحرر الخلاف في كل مسألة لمعرفة درجة الخلاف والقول الراجح الموافق للأدلة.

 وتجربة المشايخ العلمية تشبه بدرجة كبيرة تجارب كبار علماء السلفية في العصر الحديث أمثال الشيخ الألباني والشيخ محمد بن إبراهيم وغيرهم من كبار العلماء الذين تفوقوا على أقرانهم في عصرهم وتكونت لهم شخصية علمية ذاتية بما حباه الله لهم من فهم وذكاء، ثم بجدية في الطلب وسعة في الإطلاع وحرص على الترقي والاستزادة.

 (2) الجماعية والتعاون على الطلب: حيث وفق الله مشايخ الدعوة من اليوم الأول إلى قضية العمل الجماعي وكان لهذه الجماعية أثر كبير في مضاعفة التحصيل العلمي في أبواب العلم المختلفة، فكان كل شيخ يعرض ما حصله على إخوانه ويتبادل الجميع هذا الأمر حتى يعم النفع الجميع، مع المطالبة بالشرح والتدريس لتزكية العلم وتثبيته.

 (3) الحرص على قضية تعظيم الدليل وجعلها محور الارتكاز في اختيارات الدعوة: فبعد عدة سنوات من تأسيس المدرسة السلفية أصبح لدى المشايخ منهجية علمية مميزة واختيارات خاصة للمناهج العلمية والكتب الشرعية، وقاموا بخدمة التراث السلفي بصور متعددة، منها إعادة طبع أمهات الكتب السلفية وإتاحتها لطلبة العلم قبل شيوع دور نشر الكتب وسهولة وسائل الطباعة، حيث كانت الدعوة وقتها تصدر سلسلة علمية شهيرة تحت عنوان "السلفيون يتحدثون" صدر منها اثنى عشر عددا، ومنها تدريس كتب التراث في دروس وسلاسل علمية مما جعل لها القبول والانتشار بين طلبة العلم.

وقد قص لي الشيخ أبوإدريس قصة اختيار كتاب "معارج القبول" على سبيل المثال كأحد الكتب التي درس المشايخ من خلالها مسائل العقيدة، رغم أن الكتاب لم يحقق في بلده الشهرة والانتشار الذي حققه في مصر، فالشيخ حافظ حكمي رحمه الله مؤلف الكتاب ليس له تلك الشهرة الموجودة بين أبناء الدعوة السلفية في مصر، وقصة ذلك أن الشيخ رحمه الله قد عثر على الكتاب في المطبعة السلفية حيث كانت المطبعة تطبعه لصالح مؤسسة سعودية وتركت بعض النسخ في المطبعة، فلما اطلع عليه الشيخ رحمه الله أعجب بطريقته في عرض مسائل العقيدة وكثرة استدلاله بالنصوص وبروز الصبغة السلفية في الكتاب وحرصه على إسناد الأقوال إلى السلف في أكثر من طبقة مما يجعل للكتاب قوة كبيرة في الاستدلال على عقيدة السلف، وقد حقق الشيخ رحمه الله أحاديث هذا الكتاب وعلق عليه في طبعة منشورة بفضل الله، كما حقق الشيخ كتاب فتح المجيد في شرح كتاب التوحيد، وقد جمعت في طبعة واحدة بعد ذلك مع كتاب فضل الغني الحميد للشيخ ياسر برهامي حفظه الله.

 والشيخ له شخصية علمية فريدة في اختيار الكتب وتقييمها والتعليق عليها، كما أن إطلاعه الواسع على مؤلفات ابن تيمية وابن القيم من ناحية، وتعامله مع كتب التراث بحرص بالغ وتدقيق شديد أورث عنده تميزا علميا واضحا في عمر مبكر جدا، وذلك فضل الله يعطيه من يشاء.

 وقد كان من الأمور التي وفق الله المشايخ لها من اليوم الأول عدم الوقوع في آفة التعصب المذهبي والتحجر الفقهي، ولكن الدعوة انفتحت على المذاهب متمسكة بقاعدة أن كل يؤخذ منه ويترك كما ذكر الأئمة الأجلاء مع التعظيم الكامل للدليل، فنجت الدعوة من التعصب الفقهي كما نجت من الوقوع في الشذوذات الفقهية، ومن دلائل ذلك أن الشيخ رحمه الله كان شافعي المذهب، وقد حقق بنفسه كتاب كفاية الأخيار في الفقه الشافعي، كما أنه حقق كتاب الكافي لابن قدامة في الفقه الحنبلي. ولما ظهرت الخدمة الجليلة لكتاب منار السبيل على يد العلامة الألباني رحمه الله أصبح الكتاب اختيار الدعوة السلفية في مناهجها العلمية، ولم يجد الشيخ غضاضة من ذلك، لأن اختيار الأقوال من بين المذاهب الفقهية إنما يكون حسب قوة وظهور الدليل.

والشيخ له باع كبير في تحقيق كتب التراث، وكان قد أسس لذلك مركزا من أجل تحقيق هذا الهدف، ولكنه توقف عن العمل في منتصف التسعينيات، كما أن الدعوة كانت قد أسست معهد الفرقان لتدريس العلوم الشرعية، وكان المشايخ يدرسون فيه فروع العلم المختلفة، وقد تخرج منه كثير من الدعاة والشيوخ في مصر ممن أصبح لهم تأثير كبير بفضل الله في أماكنهم ومحافظاتهم بعد ذلك.

 وقدر الله أن ينشغل الشيخ رحمه الله بإدارة المؤسسة ويتفرغ من أجل هذا الشأن، فتوقف إنتاجه العلمي نظرا لانشغاله، لكن لم يتوقف طلبه للعلم ومتابعته، وخلال جلساتي مع الشيخ كان يذكر بعض المسائل العلمية وينصح بقراءة بعض الكتب ويذكر مصادر بعض المسائل مع أنه كان يشتكي من النسيان وضعف الذاكرة!!

 ثانيا: الثبات المنهجي والفكري

من المعلوم أن الدعوة السلفية تميزت بترسانة من القضايا الفكرية والمنهجية التي اتسمت بها وصارت علما عليها، وقامت الدعوة بخدمتها والتأليف فيها، وقد جعل الله هذه القضايا سببا في عصمة أبناء هذا الكيان من الانحراف الفكري أو التشوه المنهجي كما حدث مع بعض التيارات والجماعات والأفراد.

 وكان سؤالي لفضيلته: كيف وصلتم إلى هذه الخلاصات، وكيف تميزتم بهذا المنهج في وقت مبكر من عمر الدعوة رغم أن أعماركم كانت لا تسمح بهذا العمق الشديد والوضوح الفذ؟

فكانت خلاصة الإجابة كما يلي:

لقد من الله علينا بالمنهج السلفي من حيث لا ندري ولا نحتسب وكأننا طُبعنا على السلفية، ثم جاءت قراءاتنا العلمية معضدة لذلك التوجه السلفي فازداد رسوخا وثباتا. ولأن الواقع كان فقيرا من المرجعيات السلفية حيث لم يعد هناك سوى بعض شيوخ جماعة أنصار السنة متفرقين هنا وهناك دون نشاط حقيقي أو حركة فعلية فأوجد ذلك الشغور شعورا بالتحدي عندنا جميعا أنه ليس من الأمانة أن نتقاعس أو نتكاسل عن القيام بهذا الدور، لذلك كانت أعيننا على المراجع السلفية الكبرى ننهل من علومها ونتعلم منها فقه الاستنباط ونأخذ عنها مصادر التلقي وأدوات الاستدلال.

 

ثم كان لتواجدنا داخل جماعة الإخوان بعد هذه المرحلة الأولى من طلب العلم أن ندرك وحدنا أخطاء جماعة الإخوان المنهجية وأن نكتشف بأنفسنا مواطن العطب والخلل في فكر الجماعة (بالمناسبة لم يكن للفكر المدخلي ظهور حتى هذه اللحظة، بل طلب الدكتور ربيع المدخلي في وقت لاحق بعد ذلك أن يجلس مع الشيخ أبو إدريس لكي يعرف منه انتقاداته على فكر الجماعة ومنهجها قبل أن يتركها هو ويصبح من ألد أعداءها).

هذا التواجد أوجد عند الشيخ وإخوانه أمصالا قوية تجاه آفات الإخوان الفكرية والمنهجية والحركية والتنظيمية، فوقاهم الله شرور التجربة والخطأ وحماهم من المحاولات الفاشلة.

وزاد من عمق هذه الوقاية الفكرية والحماية المنهجية ما عجت به الساحة المصرية من تيارات وأفكار منحرفة، فظهر فكر التكفير وتيار القطبية وظهرت جماعات الصدام والعنف من الجهاد والجماعة الإسلامية وما ترتب على فكرهم من انحرافات ومفاسد، كما أن السرورية حاولت التسلل إلى الداخل المصري عبر بعض الدعاة، وفي كل ذلك يقوم المشايخ بالدراسة والبحث الشرعي المدعوم بالنظر الواقعي والبصيرة الدعوية.

فخرجت من رحم تلك الأزمات أبحاث الدعوة المنهجية التي كانت تنشرها في مجلة صوت الدعوة، فظهر نتاج الدعوة الفكري في أبحاث: فقه الجهاد، وفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفقه الخلاف، والعمل الجماعي، والسلفية ومناهج التغيير، وقضية الحكم بغير ما أنزل الله، وقضايا الإيمان والكفر والعذر بالجهل، والولاء والبراء، والموقف من الديمقراطية وغيرها من المسائل الحساسة والقضايا الحرجة.

وحق لكل سلفي أن يفخر بهذا النتاج العلمي الهائل والنادر الذي لم يفرز لنا الاجتهاد المعاصر مثله منذ عصر شيخ الإسلام وحتى ظهور الدعوة في سبعينيات القرن الماضي، فجزى الله الشيخ أبا إدريس خير الجزاء وبارك في علم مشايخنا وعلمائنا الذين صاغوا تلك القضايا وحرروها وسطروها في كتبهم ومؤلفاتهم حتى أصبحت درعا فكريا واقيا من الانحرافات، كما صارت ترياقا شافيا من كل شذوذ أو غلو أو شطط يقع فيه البعض هنا أو هناك.

 ثالثا: النقاء التربوي

ذكر الشيخ رحمه الله أنهم كانوا منتبهين منذ اليوم الأول لتأسيس الدعوة لأهمية تحقق الجوانب التربوية والسلوكية في من ينضم إلى صفوف هذه الدعوة المباركة فضلا أن يكون من رموزها وشيوخها. وقد ذكر الشيخ رحمه الله شيئا من أحوال إخوانه في قضية التعبد، ولم يذكر شيئا عن نفسه رحمه الله، فقال: الطراز الأول من المشايخ كان لهم اهتمام خاص وواضح بقضية العبادة، وكان لهذا التعبد أثر ظاهر في سلوكهم وأخلاقهم وانتشار دعوتهم بين الناس رغم الحرب الضروس التي شنتها جماعة الإخوان عليهم والحرب الشعواء التي أشعلوها عليهم بمجرد إعلان الانفصال عن الجماعة، وكان الشيخ يقول لإخوانه لا تنزعجوا من هذا التشويه الممنهج، فهم لا يحسنون غيره، وستنكسر هذه الحملة بإذن الله على صخرة صبركم وصمودكم وتعلقكم بالله تعالى، وقد كان بفضل الله عز وجل فقد انتشرت الدعوة وفتح الله لها قلوب العباد.

 وقد ذكر الشيخ رحمه الله عددا من المحاور التي كان لها أثر كبير في ظهور الجانب التربوي عند المشايخ في تلك الفترة وما تلاها من أجيال:

(1) الاهتمام بالعبادات الذاتية والجوانب التعبدية الشخصية من صلاة النوافل، وقيام الليل، وصيام النوافل، والأذكار والأوراد المختلفة، ونوافل الحج والعمرة، مع الاهتمام الخاص بالقرآن حفظا وتلاوة وتفسيرا.

(2) التواضع والحرص على خمول الذكر وإنكار الذات، وهذه الأخلاق يلمسها كل من اقترب من هذا الجيل من المشايخ، فلو رأيت أحدهم يصلي في المسجد ما ميزته عن عوام الناس لا في هيئته ولا مشيته، بل تجد التواضع وخفض الجناح للمؤمنين، حتى الألقاب ما كانوا يخلعون على أنفسهم شيئا من ألقاب التفخيم والتعظيم.

وقد ذكر الشيخ رحمه الله أنهم كانوا يكتبون قبل أسمائهم الأخ فلان، وينادون بعضهم بعضا بهذا اللقب، أما الوظائف الدعوية فكانوا يتدافعونها ولا يسعون إليها فضلا عن أن يتقاتلوا من أجلها، وهذا أثر من التخلق بأخلاق السلف في المعاملة.

(3) الحرص على ترسيخ معاني الإخوة الإيمانية، من الحب في الله والتزاور والتهادي والتناصح والتعاون، وغيرها من المعاني التي تخلق في القلب رصيدا من الحب يبقى على مدار السنين والأيام، ولو رأيت المشايخ في جنازة الشيخ رحمه الله وبعضهم رافقه طيلة خمسون عاما لعلمت أثر شجرة المحبة التي زرعت في القلب فظلت يانعة مورقة عبر الأيام والليالي. وقد ذكر الشيخ رحمه الله عن إخوانه من الشيوخ باعتباره أسبقهم في العمل ما يفرح له كل مؤمن، وما يفخر به كل منتم لهذه الدعوة المباركة.

(4) الجمع بين الانضباط الإداري والروح الأخوية في العمل الدعوي، فالاهتمام بالإنجاز والنجاح الإداري لا يأتي على حساب العلاقات الأخوية وتعظيم فقه الحب في الله بكل توابعه ومقتضياته، فلا يكون هم الإداري أو المسئول أن يتمم الأعمال الدعوية دون اعتبار لمعاني الحب في الله، خاصة ونحن نعمل عملا تطوعيا لا مجال معه للتطبيق الصارم لقواعد الإدارة في العمل الربحي الخالص، ويبقى العمل تحت مظلة الحب في الله كفيلا بحل المشكلات وإزالة العقبات في طريق الدعوة. ولو رأيت الشيخ وهو هين لين سهل التعامل قريب من القلوب وهو مع ذلك يدير بجدية ودقة = لعلمت سرا من أسرار نجاح تلك الدعوة رغم عدم تفرغ قادتها في الأغلب لهذه المهمة فقط.

(5) إحياء كتابات السلف في أعمال القلوب وتزكية النفس وفق أصول السنة وقواعد الوحي، فالدعوة السلفية بفضل الله من أكثر الكيانات نشرا لمؤلفات السلف في أعمال القلوب وتزكية النفوس، ووضعت ذلك في مناهجها العلمية، حتى انتشرت كتابات ابن القيم وابن رجب وابن قدامة وابن الجوزي وغيرهم بين أبناء الدعوة كأثر من آثار اهتمام المشايخ بها. والآن بعد ما يزيد على الأربعين عاما من عمر الدعوة نجد أن جل هذه الكتب قد شرحها شيوخ الدعوة ما بين شروح صوتية ومكتوبة ومحققة ومهذبة، فلله الحمد والمنة.

 رابعا: الانضباط الإداري

نأتي هنا إلى الجانب الذي برع فيه الشيخ وظهر فيه تميزه، وقد أخرته عمدا حتى لا يظن ظان أن هذا هو كل ما يحسنه الشيخ، وأنه ليس لديه سواه، مع أنه لو كان ذلك حقا لكفاه، لأن إدارة مؤسسة بحجم الدعوة السلفية تحتاج إلى رجل من طراز خاص، لأن تطبيق الإدارة وممارستها بكفاءة ونجاح يختلف جذريا عن معرفة قواعدها النظرية فقط، ونسأل الله أن يجعل للشيخ نصيبا من كل عمل صالح تم في هذه الدعوة.

فالشيخ رحمه الله من النوادر الذين يصدق عليهم أنه قائد بالفطرة، حيث كان يتمتع بالشخصية الإدارية العميقة منذ يومه الأول، وقد سرد الشيخ رحمه الله شيئا من مسيرته الدعوية منذ أن كان أميرا للجماعة الإسلامية في الحركة الطلابية قبل خروج جماعة الإخوان من السجون، وفي الفترة التي عمل فيها تحت مظلة الجماعة ثم بعدما تركها وأسس مع إخوانه المدرسة السلفية، فقد كان رحمه الله في كل هذه المراحل يتبوأ مقعد القيادة لمن حوله لما حباه الله به من صفات كثيرة منها: الحكمة وبعد النظر، والحلم والصبر والأناة، والقدرة على حل المشكلات، والقدرة على فهم الشخصيات وتحليلها، والقدرة على وضع الخطط والبرامج والمستهدفات، والقدرة على توظيف الآخرين ووضعهم في أماكنهم الصحيحة، وقلة الكلام وكثرة الصمت والتأمل وحفظ الأسرار، والقدرة على إسداء النصح وانتقاء العبارات والألفاظ، وغيرها كثير، وهذا أمر يشهد له فيه القاصي والداني.

وقد ذكر الشيخ مجموعة من الضوابط والمنطلقات الإدارية جعلها الله سببا في حفظ الدعوة واستقرار شؤونها، وهي كما يلي:

(1) ربط الناس بالمنهج والكيان وليس الأفراد، وهذه من أعظم مآثر الشيخ وميزاته، فقد كان يمكنه رحمه الله وهو يقع في أعلى درجات السلم الإداري للمؤسسة أن يربط الأتباع بشخصه ورمزيته، ولكنه على العكس تماما توارى عن الأنظار وفر من الكاميرات والأضواء، وآثر حياة الخمول وعدم الشهرة في سبيل بناء الكيان، وجعل الانتماء على المنهج ثم الكيان، وهذا الأمر قضى على داء العصبية المقيتة التي تعاني منها بعض الكيانات والجماعات.

(2) الإعلاء من شأن العمل المؤسسي والتنظيمي، فمعلوم أن النمط السائد في الجماعات والكيانات وقت تأسس الدعوة، هو البيعة والسمع والطاعة وغيرها من مفردات إدارة الجماعات، ولكن الشيخ رفض هذا النمط لظلاله السيئة، وممارساته المغلوطة. ولكنه في المقابل لم يترك الدعوة تضربها عواصف الفوضى والعشوائية وإنما وضع لها القواعد الحاكمة على العمل والضابطة لمساراته فحقق من خلال ذلك الانضباط الإداري مع عدم الانحراف الفكري.

(3) الاهتمام بإجراء الشورى الإدارية والالتزام بنتائجها، فلم يحتكر الشيخ لا هو ولا غيره من المؤسسين قضية صناعة القرار والانفراد به، بل حرص رحمه الله على تطبيق الشورى في طبقات الكيان المختلفة خاصة في القرارات المصيرية، فهناك قرارات يتخذها مجلس الإدارة المنتخب ويقوم بإجراء شورى داخلية للوصول إلى القرار الصائب، وتتساوي أصوات الأعضاء داخل المجلس، فلا فرق بين المشايخ المؤسسين وغيرهم فكل له صوت واحد بينما كان البعض يطالب أن يكون للرئيس ونائبه صوتان، وهناك قرارات يجمع لها الجمعية العمومية من أجل التشاور واستطلاع الرأي، ويجرى فيها قاعدة التصويت والترجيح حسب الأغلبية، وهناك قرارات يجمع لها أهل الخبرة وذوي الرأي من أجل الدراسة وعقد ورش العمل المعمقة من أجل الوصول إلى القرار السليم بإذن الله.

(4) التمسك بالعمل الجماعي المؤسسي وعدم الذوبان في التيار العام، وهذا الأمر حفظ كيان الدعوة من الذوبان في كيانات أخرى قد أعدت خصيصا لأجل تفتيت كيان الدعوة. فقد حافظ الشيخ رحمه الله مع إخوانه على العمل تحت مظلة الكيان وتحمل ضريبة ذلك من سهام تضرب شخوصهم وتنال من أعراضهم، وكان بإمكانهم التخلي عن هذا الكيان تحت وطأة الضربات الشديدة من هنا وهناك، وكان بإمكانهم أن ينالوا من الشهرة والمكانة والصدارة عند الناس إذا هم تخلوا عن هذا البناء، ولكنهم آثروا حمايته بأبدانهم وأعراضهم وصمدوا في وجه محاولات الاغتيال المعنوي الكثيرة التي دبرها الخصوم من أجل إثنائهم عن الاستمرار في الحفاظ على الكيان.

 (5) ترسيخ مبدأ أن المؤسسة أكبر من الأفراد، وأعظم ثمرة لهذه القاعدة أن الشيخ توفاه الله ولم تتوقف الدعوة بوفاته بل ترك الشيخ خلفه مؤسسة قوية ودعاة أجلاء وشيوخا أمناء كل منهم يقف على ثغر من ثغور الدين والمنهج، ولو كانت الدعوة تتأثر بالأفراد لماتت بموتهم وانحسرت بمرضهم واندثرت بانشغالهم. وهذا الأمر كان له بالغ الأثر في أن يكون انتماء الأعضاء داخل المؤسسة للكيان وليس للأفراد، فربما سافر البعض أو انشغل أو مات ولكن تبقى السفينة ماخرة بفضل الله وتظل المسيرة مستمرة بإذن الله تعالى.

(6) امتصاص الصدمات التي تعرضت لها الدعوة، فلم تخلو مسيرة الدعوة من ابتلاءات وعراقيل اعترضت طريقها، ووفق الله تعالى مشايخ الدعوة للتحلي بالصبر والحكمة وحسن الثبات، حتى مرت تلك المحن بفضل الله وخرجت الدعوة من كل واحدة منها أقوى عودا وأشد صلابة، ويكفي ما تعرضت له الدعوة من محاولات الخنق والحصار على يد بعض الجماعات الصدامية بعد عام 2013 حتى نال المشايخ الكثير من الأذى الشخصي، ولكنهم صمدوا وصبروا حتى بانت الأمور وظهرت الحقائق، وهذه سمة بارزة في كل رموز الدعوة وشيوخها، حيث باعوا جاههم وتصدقوا بأعراضهم في سبيل الحفاظ على سلامة البلاد والعباد وحماية جناب المنهج والدعوة.

 خامسا: الجانب الأخلاقي والإنساني

مما لاشك فيه أن مصابنا جميعا في الشيخ جلل باعتباره أبا ووالدا وقائدا لهذه الدعوة المباركة. أما أنا فلم يكن لي كبير تواصل مع الشيخ رحمه الله نظرا لتفاوت السن والمكانة، ولكن قدر الله لي في السنوات الأخيرة أن أقترب من الشيخ إداريا في بعض الأعمال، ثم قدر الله لنا خيرا كثيرا عندما وافق الشيخ على إجراء بعض الحوارات معه فيما يخص تاريخ الدعوة خاصة في مراحلها الأولى وفترة عملها قبل الثورة. فكنت أقابله كل أسبوع في حوار شيق يمتد إلى أكثر من ساعة يسهب فيها الشيخ من ذاكرته في أحداث مر عليها عشرات السنوات وهو يذكرها بأشخاصها وتفاصيلها كأنها حدثت بالأمس.

هذا القرب من الشيخ كشف عن جوانب إنسانية كثيرة في شخصية الشيخ مما يأسرك من أول لحظة، فعلى قدر ما للشيخ من هيبة وتقدير في النفوس إلا أنه يكسر عنك هذا الحاجز بابتسامة جميلة واسعة ترسل إليك الطمأنينة والأنس. والشيخ دقيق في متابعته الإدارية لكنه في نفس الوقت رفيق ولين، فيعاتبك بلطف ورقة، فيقول ما كان ينبغي فعل كذا، والأفضل أن نفعل المرة القادمة كذا، وهذا ليس مما تنفرد به في الرأي بل لابد من شورى وقرار.. وغيرها من أساليب العتاب الرقيق والمحاسبة الرفيقة.

وكان الشيخ في لقاءاته الأخيرة شديد التعب والإجهاد ولكنه كان شديد الحرص على حضور اجتماعات مجلس الإدارة. وكنت أجلس معه بعدها في الغالب، فكان لا يتمكن من مواصلة الحديث بعد انتهاء الاجتماع نظرا لشدة التعب، فتجده يبالغ في الاعتذار أنه يتعبني في الحضور دون لقاء وأنه يتحرج من ذلك غاية الحرج، فجزاه الله عنا خير الجزاء ووسع له في قبره، وإن مصابنا فيه حقا لجلل.

ولا أريد أن أطيل في ذكر صفاته التي حباه الله بها، ولكن يكفيه في ذلك أنه كان رحمه الله خلوقا بكل ما تحمله الكلمة من معان شرعية وعرفية.

أكتفي بهذا القدر من سرد لبعض ملامح الشيخ رحمه الله، وهي ليست ترجمة ذاتية خالصة، ولكنها خليط من سماته ومآثره وأدواره، ممزوجة بقيم الدعوة وثوابتها ومنطلقاتها، ونسأل الله أن ييسر خروج رسالة ندون فيها بعض ما أوصانا الشيخ بنشره بإذن الله.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

 


الكلمات الدلالية