الأربعاء، ١٥ ذو القعدة ١٤٤٥ هـ ، ٢٢ مايو ٢٠٢٤
بحث متقدم

مؤسسة تكوين الفكر العربي (1) - باحثون لا يقرأون والنتيجة توابل في بردة كعب ومقدمة للموطأ لم يقرأها إلا البحيري

مؤسسة تكوين الفكر العربي (1) - باحثون لا يقرأون والنتيجة توابل في بردة كعب ومقدمة للموطأ لم يقرأها إلا البحيري
الأربعاء ٠٨ مايو ٢٠٢٤ - ٠٢:٥١ ص
2351

 

 مؤسسة تكوين الفكر العربي (1) - باحثون لا يقرأون والنتيجة توابل في بردة كعب ومقدمة للموطأ لم يقرأها إلا البحيري

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد؛

فلقد خرجت علينا وسائل الإعلام بحملة إعلانية احتفالية مفادها أن مؤسسة اسمها "تكوين الفكر العربي" قد أقامت حفلها السنوي وخصصته لتكريم طه حسين -رحمه الله- تحت عنوان «خمسون عامًا على رحيل طه حسين: أين نحن من التجديد اليوم؟».

ونحن نعلم أن العرب لم يخرجوا من دروب الصحراء فيصبحوا أمة فاعلة ملء السمع والبصر إلا حينما أعزهم الله بالإسلام. كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضى الله عنه-: "إنا كنا أذل قومٍ فأعزنا الله بهذا الدين. فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله"، قالها وهو في طريقه إلى فتح بيت المقدس واستلام المسجد الأقصى، الذي في بلاد فلسطين الحبيبة مسرى رسول الله ﷺ كما أطبق على ذلك المؤرخون - وخالف فى ذلك مؤخرًا الدكتور يوسف زيدان كما سيأتي، وليسمح لنا الدكتور يوسف زيدان ألا نعير مخالفته لما أطبق عليه العلماء والمؤرخون أي درجة اهتمام-. 

وبالتالي كنا نظن أن يختار منشئو هذه المؤسسة لمهمة "تكوين الفكر العربي" أعلاما من المهتمين بالشريعة الإسلامية والثقافة الإسلامية، وممن امتلأت قلوبهم بحب الحضارة الإسلامية ففاض هذا الحب على أقلامهم وألسنتهم نشرًا لفضائلها على البشرية، أو على أقل التقديرات أن يختاروهم من رجال اللغة العربية والأدب العربي المدافعين عن قضايا الأمة العربية.

ولكن للأسف يمكنك أن تطالع اليوتيوب وتبحث عن فيديوهات يقرأ فيها يوسف زيدان أو إبراهيم عيسى أو إسلام بحيري آيات من القرآن؛ وستفاجأ بمستوى صادمٍ من عدم القدرة على تهجي ما هو مكتوب أمامهم، مع تغير تشكيل آواخر الكلمات بما يُحيل معنى كثيرا مما يقرأون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

إذن ما هي المدارس الفكرية التي ينتمي إليها باحثو مؤسسة "تكوين الفكر العربي"؟!

سوف نتناول بعض حصاد أفكارهم المر في مقالة قادمة بإذن الله، والتي منها:

- إنكار رحلة المعراج كما فعل إبراهيم عيسى.

- ودعوى أن المسجد الأقصى المعظم في شريعتنا مسجد في الطائف، وليس المسجد الذي في فلسطين كما ادعى يوسف زيدان فرد عليه إسلام البحيري: "بل هو الذي في فلسطين ولكنه لا يمثل ولا واحد على الألف من مشكلتنا مع اليهود"!

- والطعن في صلاح الدين الأيوبي كما فعل يوسف زيدان.

- وترجمة شبهات المستشرقين حول السنة والشريعة كما يفعل إسلام البحيري.

وأسوأ من هذا كله الدفاع عن إعادة طرح فلسفة وحدة الوجود كما يفعل فراس سواح ويوسف زيدان.

وتحريف عقائد المسلمين - بل واليهود والنصارى - للخروج بادعاء أن الخلافات العقدية بينهم ليست كبيرة.

 

ومن الواضح جدًا أن يوسف زيدان وفراس السواح هما كبيرا هذه المؤسسة، بل أفصحا عن أحلام تروادهما أن ينتزعا عمادة الفكر التغريبي في ثقافتنا العربية من طه حسين، حيث سأل الدكتور يوسف زيدان زميله فراس السواح هل أنت أهم؟ أم طه حسين أهم؟ فأجابه فراس أنا وأنت أهم من طه حسين.

وهو من خذلان الله لهما فبدآ المشروع بسخط من أنصار الشريعة الإسلامية والثقافة العربية الأصيلة، وسخط من أنصار التغريب بعدما تطاولا ووضعا أنفسهما في منزلة أبرز داعية للتغريب في الثقافة العربية رغم إدعاء عمادته لها "طه حسين" رحمه الله.

(سوف نفرد مقالة بإذن الله نُبين فيها توبة طه حسين وعودته إلى حضن الأمة دفاعًا عن القرآن وعن إعجازه وردًا على المنصرين، بل ودفاعه عن دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أي أنه مدح السلفية التى يراها أنصار التغريب عدوهم الأول، وهي كذلك بفضل الله ونسأل الله أن تبقى كذلك بفضله ورحمته).


ولكن لعلي اكتفى في هذه المقالة بالتوقف عند قضية أولية وهي: 

هل يستحق هؤلاء القوم لقب باحث؟

وسوف أضرب لذلك مثالين في منتهى الوضوح الأول للدكتور يوسف زيدان كبير القوم، والمثال الثاني لأصغر القوم سنا -على الأقل فيما أعلم- وهو إسلام البحيري.

- المثال الأول: يوسف زيدان وتوابل بردة كعب بن زهير بن أبي سلمى -رضي الله عنه

خرج علينا يوسف زيدان في إحدى حلقات صالونه الثقافي - وللمفارقة كانت مخصصة لبيان أهمية تعلم اللغة لفهم التراث - وتعرض لشرح قصيدة كعب بن زهير بن أبي سلمى التي جاء بها بعد فتح مكة راغبًا في الإسلام، ومعتذرًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- عما كان منه من هجاء النبي -صلى الله عليه وسلم-. وجرى فيها على عادة قومه من البدء ببكاء الأطلال أو نحوها من الأغراض، فكانت البداية بهذا البيت:

بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ                       مُتَيَّمٌ إِثرَها لَم يُجزَ مَكبولُ

ومعنى البيت واضح: أن سعادًا قد فارقته فقلبه حزين من أجل هذا. ولكن الدكتور زيدان رأى أن "مَتبولُ" هنا معناها "موضوع في التوابل"! مصاحبًا قوله بتحريك راحة يده ذهابًا ومجيئًا -بصورة تشعرك أنه يُتبل شرائح لحم أو دجاج- مما حدا ببعض المتابعين أن يتساءل: هل أراد يوسف زيدان أن يقول أن "سعاد" الحبيبة الافتراضية للشاعر من آكلي لحوم البشر؟ فتبّلت قلبه بالتوابل وأكلته؟

لكن هذا لن يتماشى مع كون هذا التتبيل كان من جراء رحيلها، لا أنه فِعْلٌ لها!

ولو فتح يوسف زيدان أي شرح للقصيدة أو حتى لو فتح معجمًا لوجد المعنى الذي أراده الشاعر أمامه، ولكنها روح الاستسهال الموجودة عند من انتزع لقب "مثقف" جعلته يُفسر اللفظ باٌقرب معنى دارج له.


وبعيدًا عن التاريخ الذي صنعه بعضهم في ميادين بحث أخرى، فمن الواضح جدًا أنه بمجرد الانضمام إلى جوقة الهجوم على التراث الإسلامي فلن يحتاج الواحد منهم إلى أن يقرأ أو يبحث.

وإنما فقط يستثمرون أضواء الإعلام عبر بعض الوسائل الإعلامية الراغبة في تلميع كل هدم في تاريخنا، فيخرج أحدهم على المشاهد وقد راجع كل شيء كالبدلة ورابطة العنق ومثبت الشعر وبريق الحذاء، ولكنه لم يراجع ما ينوي أن يبثه على المشاهد.

ولا أتحدث هنا عن أسئلة مفخخة مفاجئة من مذيع ولا سائل عبر الهاتف، بل في صلب الموضوع الذي أعده سلفًا وجاء يحدثنا فيه.

وبالطبع أثارت "توابل" الدكتور زيدان حفيظة كثير من متابعيه فردوا عليه، والقضية إلى هنا لغوية محضة، وليس فيها كلام فكري عما يسميه هؤلاء بالإسلام السياسي -وهو شفرة  لكل شيء في الإسلام يريدون مهاجمته سواء كان الحجاب أو غض البصر أو تشريعات الأسرة أو حرمة الربا أو خلافه -.

ومع هذا فقاموس هؤلاء المثقفين - ممن أتوا لتكوين فكرنا - معروف وهو: "أن منتقديهم من جماعات الإسلام السياسي أو من الإخوان أو السلفية الغارقين في تقديس التراث…". وإذا لزم الأمر فسيلجأون لقاموس "أبطال مسلسلات الأكشن وأغاني الراب" من أن المعترضين كلهم حشرات وفئران و… إلخ. (يمكن مراجعة ما دار بين يوسف زيدان ومنتقدي توابله على صفحات السوشيال ميديا).

 

المثال الثاني: مقدمة الموطأ التي لم يقرأها إلا إسلام البحيري

من يستمع إلى ما يقدمه إسلام البحيري من نقض لما تلقته الأمة بالقبول من أحاديث وأحكام عبر أربعة عشر قرنًا من الزمان؛ يشعرك أنه يمارس دور مدرس الحضانة وهو يعلم الأطفال الصغار مبادئ التفكير! فهو يكتشف لهم أخطاءهم منفردًا، ثم يشمر عن ساعده في شرحها لهم، فنجده يدعى أنه اكتشف مثلًا أن الأئمة الأربعة كلهم أسسوا مذاهبهم قبل تصنيف البخاري لصحيحه، وبالتالي فمنزلة البخاري ليست إلا منزلة وهمية صنعها من يدمنون تقديس البشر.

ولا شك أن طبقة تلاميذ هؤلاء الأئمة هم من أدركوا البخاري وأثنوا عليه ورفعوا قدره؛ ومن ثم فمن العار ألا يكلف هذا الشخص نفسه "عناء البحث" عن إجابة على لسان هؤلاء عن سؤال "لماذا عظموا البخاري ومذاهبهم في غنى عنه"؟ على الأقل باعتبارهم أناسًا عقلاء تتابعوا على هذا جيلًا بعد جيل.

وفي الواقع أن جمع الحديث كان قبل البخاري بكثير، ولكن مشروع البخاري كان أنه انتخب الأحاديث الأصح سندًا، وقام عليها في الجملة فقه الفقهاء، ولذلك رتب كتابه على أبواب الفقه. 

ولذلك اتفقت الأمة أن أصول كتب السنة ستة، وقد جاءت كلها مرتبة على أبواب الفقه، وكان من أساس التصنيف عند مصنفيها مراعاة استدلال الفقهاء بما يجمعونه. ولذلك نجد أن الترمذي كثيرًا ما يقول عبارة "وعليه العمل عند أهل العلم".

المهم أنه في ثنايا مناقشته هذا الكلام في مناظرته الشهيرة في برنامج "ممكن"، أضاف البحيري أن الإمام البخاري روى عن هشام بن عروة حديث زواج النبي -صلى الله عليه وسلم- من عائشة وحديث السحر. وأن الإمام مالك لم يروهما في "الموطأ"، مع أنه لقي هشام بن عروة. فلما قيل له: وهل هذا يعني أن كل ما لم يروه مالك عن هشام بن عروة يكون مردودًا؟ وإن رواه عنه غيره؟ قال: "نعم، هكذا قال الإمام مالك في مقدمة الموطأ"!

وحاول محاوره أن ينبهه إلى أن الإمام مالك لم يكتب مقدمة للموطأ فلم ينتبه إلا بعد عدة مرات، فقال: "ولكن الطاهر بن عاشور ذكره في التحرير والتنوير عن الإمام مالك في الموطأ"!

فتم تنبيهه مرة أخرى أن الطاهر بن عاشور معاصر و كتاب "التحرير والتنوير" له كتاب تفسير ولا علاقة له بالموطأ. فقال: "ولكنه مطلع على مخطوطات في المذهب المالكي لم تنشر"!

طيب إذا كان الطاهر بن عاشور قد اطلع على مخطوطات فهل كان منها مقدمة الموطأ؟ وإذا كان فأين اطلع إسلام البحيري عليها؟!

 

الخلاصة التي لا مناص منها: أن كل واحدٍ من هؤلاء يُحدثنا بما يترجمه عن آراء المستشرقين، دون أن يُكلف نفسه حتى أن يفتح كتابًا ليبدو الأمر كما لو كان قد قام بالبحث. 

ولعل لسان حالهم يكون ترديدًا لقول الشيخ علي عبد الرزاق عن قوله في كتاب "الإسلام وأصول الحكم" أن الإسلام مجرد علاقة روحية بين العبد وبين ربه: "أنَّها عبارة ألْقاها الشيطان على لسانه".

 

فلا ندرى كم عبارة ألقاها الشيطان على لسان وقلم أقوام. ولكن يسهل رصدها، فهي تلك العبارات المصادمة لنصوص الكتاب والسنة، الدخيلة عما ارتضته الأمة عبر تاريخها. والتي متى طولب صاحبها أن يسند لنا عباراته استعان بالمرواغة والكذب أو الإحالة على مخطوطات نما إلى عمله أن غيره قد اطلع عليها، ولكن في هذه الحالة سيبقى محتاجًا إلى تبرير علي عبد الرزاق "الشيطان الذى يكتب بقلم أحدهم ما يكتب".

 

الخلاصة: أننا أمام أقوام تجرأوا على الطعن في كثير من الثوابت مدعين أنهم وصلوا إلى هذا عبر أبحاث، لم يقوموا بها أصلًا وإنما يرددون إنتاج المستشرقين وفضائحهم العلمية من حيث الشكل حتى بغض النظر عن النتائج.

وكنت أتمنى أن يُعاملوا الأئمة الأربعة والبخاري ومسلم -وقد بقيت الأمة تنهل من نتاجهم أربعة عشر قرنًا من الزمان- معاملة طه حسين، والذي فقط لما شبهوا أنفسهم به -ولعل الذي جرأهم على هذا أنهم سوف يرعون حيث رعى هو مسبقًا قبل توبته رحمه الله- ومع هذا بسرعة غضب الغاضبون وبسرعة البرق تراجع هؤلاء، الذين أبوا -حتى من سجن منهم- أن يتراجعوا عن الطعن في أئمتنا وثوابت ديننا. هذا من حيث الشكل.

وأما من حيث المضمون: فكلامهم مصادم في كثيرٍ منه لصريح الكتاب والسنة ولما أجمعت عليه الأئمة، ويتضمن سبًا وطعنًا في الأئمة الأربعة والبخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث. أو إنكارًا للواقع الملموس الممتد جيلًا بعد جيل من كون أن المسجد الذي في القدس هو ثالث المساجد المفضلة في شرعنا.

وهي أطروحات تلتقي مع رغبات يهودية، فلا إسراء أصلا كما ادعى إبراهيم عيسى، ولو كان فهو لم يكن إلى القدس كما ادعى زيدان، ولو كان فهو لا يمثل شيئًا ذا بال كما ادعى البحيري.
وعقائد المسلمين وعقائد اليهود والنصارى لا يوجد بينها اختلاف كبير كما يدعي فراس السواح.
أو لو كانت من حيث الظاهر مختلفة؛ فالتفسير الباطني الغنوصي المنادي بوحدة الوجود يجعلهم متطابقين، ومن ثم يطالبون بأن يُفسح المجال لهذا الكفر المبين المنكر لآكد عقائد المسلمين:
"قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد"،

مع استدعاء رمز تغريبي، وهو الدكتور طه حسين تحت شعار "تكوين الفكر العربي".

وكما ذكرنا أنهم لا يعلمون أو يعلمون وينكرون أنه قد تاب وعاد للدفاع عن الإسلام وثوابته، وأدرك أن الخرافة الصوفية التي نفر من الإسلام بسببها دخيلة عليه، ومن ثم كرر النصيحة بأن تنهل كل الحركات الإصلاحية في العالم الإسلامي من منهج شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في محاربة الخرافة.

وهو ما سنتناوله تفصيلًا في مقالة قادمة بإذن الله.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

 


الكلمات الدلالية