الأحد، ١١ جمادى أول ١٤٤٤ هـ ، ٠٤ ديسمبر ٢٠٢٢
بحث متقدم

(نصيحة موضوعية للتيارات الجهادية (1

هذه القضية قضية شائكة لكنها ككثير من القضايا لا يجدي معها التجاهل والإعراض خاصة وأن لها [كثيرًا] من الآثار والأبعاد كما نلاحظ فيها خلطًا كثيرًا بين الأوراق

(نصيحة موضوعية للتيارات الجهادية (1
محمد إسماعيل المقدم
الاثنين ١٢ يناير ٢٠١٥ - ١٢:٢٠ م
2190

نصيحة موضوعية للتيارات الجهادية (1)

د. محمد إسماعيل المقدم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد النبي الأمي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

ثم أما بعد:

فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه ، مات على شعبة من نفاق» رواه مسلم.

قوله -صلى الله عليه وسلم-: «من مات ولم يعزو، ولم يحدِّث به» بالتشديد «لم يحدِّث» لم يكلم «به» أي: بالغزو «نفسه» يعني لم يعزم على الجهاد في سبيل الله -سبحانه وتعالى- ولم يقل: «يا ليتني كنت مجاهدًا».

وقيل معنى: «لم يحدث به نفسه» لم يرد الخروج في الجهاد في سبيل الله -عز وجل- وعلامته في الظاهر إعداد عدته، قال -عز وجل- ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: 46]

ويؤيده قوله: «مات على شعبة من نفاق» أي: نوع من أنواع النفاق، أي: من مات على هذا فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد «ومن تشبه بقوم فهو منهم».

قال بعض العلماء: «إن هذا كان مخصوصًا بزمن النبي -صلى الله عليه وسلم-».

يقول القاري في «مرقاة المفاتيح»: «والأظهر أنه عام وأنه يجب على كل مؤمن أن ينوي الجهاد إما بطريق فرض الكفاية أو على سبيل فرض العين إذا كان النفير عامًا».

يعني أن النفير إذا كان عامًا فإن الجهاد يصير فرض عين فحينئذ يتعين هذا الحديث.

يقول: «ويستدل بظاهره لمن قال: «الجهاد فرض عين مطلقًا» وهذا سنناقشه إن شاء الله بالتفصيل.

يقول: «وفي «شرح مسلم للنووي» قال الإمام عبد الله بن المبارك: «نرى أن ذلك على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-». يعني أن هذا كان خاصًا بعهد النبي -صلى الله عليه وسلم-.

يقول: «قال وهذا الذي قاله ابن المبارك محتمل وقد قال غيره إنه عام والمراد أن من فعل»

أي: من لم يحدث نفسه بالغزو «فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا الوصف» لأنهم يتخلفون قال تعالى ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: 46] والسياق في المنافقين.

يقول: «فإن ترك الجهاد أحد شعب النفاق وفيه إن من نوى فعل عبادة فمات قبل فعلها لا يتوجه عليه من الذم ما يتوجه على من مات ولم ينوها».

يعني: فيه فائدة النية وأنه لو أن رجلين ماتا وقد ضيعا أو تركا عبادة معينة فلا يستوي من نوى أن يؤديها وعزم على فعلها مع من مات وهو ناوٍ أن لا يفعلها.

يقول: «وقد اختلف أصحابنا فيمن تمكن من الصلاة في أول وقتها فأخرها بنية أن يفعلها ومات أو أخر الحج كذلك قيل يأثم فيهما وقيل لا يأثم فيهما وقيل يأثم في الحج دون الصلاة ا.هـ».

على أي الأحوال هذه بعض الفوائد المتعلقة بهذا الحديث الذي رواه مسلم بسنده إلى أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق».

هذا الحديث له علاقة مباشرة بموضوعنا، وهو من الموضوعات التي لم يحصل أن تردد الإنسان فيها وفي تناولها بطريقة مبسوطة ومفصلة كمثل هذه القضية التي سنتكلم فيها إن شاء الله تبارك وتعالى.

وهناك عوامل كثيرة تحتم مناقشة هذه القضية وقد شاء الله تبارك وتعالى أن تطلب مني محاضرة في هذا الموضوع فكانت معدة وكان من المفروض أن نلقيها قبل السفر لكن ما تيسر ذلك.

والحق أن هذه القضية قضية شائكة لكنها ككثير من القضايا لا يجدي معها التجاهل والإعراض خاصة وأن لها [كثيرًا] من الآثار والأبعاد كما نلاحظ فيها خلطًا كثيرًا بين الأوراق.

وهناك كثير من الأسباب منعتني من الكلام المباشر والمفصل في هذه القضية وهي: «قضية الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى» وما يطلق عليه: «الجهاد في سبيل الله» في عصرنا لأنه طرأ في السنوات الأخيرة مصطلح جديد وفهم جديد لكلمة «الجهاد».

وهناك دائمًا مد وجزر في هذه القضية لأن لها حساسية شديدة فأول عوامل الامتناع من الكلام فيها:

-   أن الإنسان يشفق دومًا أن يقف في خندق واحد مع أعداء الإسلام، فالذين يواجهون التيارات الجهادية أغلبهم أعداء الإسلام من الداخل ومن الخارج من المنافقين والملاحدة وأعداء الله -عز وجل- في كل مكان، فهم يقفون في مواجهة من يسلك هذا السبيل لإعزاز كلمة الله تبارك وتعالى بما يراه طريقًا إلى تحقيق هذا الهدف.

فبلا شك أن في الأمر حرجًا شديدًا أن نقيل نحن أيضًا سهامًا على تلك السهام التي تطرأ عليهم، لكن من خلال موقع المسئولية أمام الله -سبحانه وتعالى- إذا كان الأمر له آثار أبعد بل هناك حرمات تنتهك فينبغي أن تستبعد العواطف وما إلى ذلك من المشاعر إذا كان الإنسان يبحث المسألة بحثًا علميًا مجردًا.

نقول: نعم قد يحصل أحيانًا اتحاد في الموقف، فعندما قامت ثورة إيران كنا نعير بنفس الشيء، فكان يقال لنا: كيف تحذرون من ثورة إيران وتقولون هذا عنها وأعداء الإسلام وأمريكا والغرب كلها يهاجمها؟ فنحن نقف في خندق واحد.

والحق أن التمادي مع هذه السياسة له ثمار غير محمودة وعواقب غير حميدة، نعم قد يحصل اتحاد في المواقف في بعض الأشياء، لكن إذا كان المنطلق مختلفًا فلا حرج في هذه الحالة، فهؤلاء ينطلقون من منطلق الحقد والعداوة للإسلام، أما إذا كان المسلمون حينما يتناصحون فيما بينهم فالحرص على الإسلام وعلى مصلحة الدعوة إلى الله تبارك وتعالى فالمنطلق مختلف.

وإذا كانت الشيوعية تحرم وتجرم الربا وتحاربه، والإسلام يحارب فهل معنى ذلك أن نقول أن الإسلام هو الشيوعية أم أن المنطلق مختلف؟!

فكذا الأمر هنا، فنحن حينما نتدارس هذه القضية هنا فإننا نتدارسها من منطلق مختلف عما ينظر من خلاله أعداء الله تبارك وتعالى.

-   أيضًا كنا نترقب بين وقت وآخر ونقول: «ننتظر حتى تمر هذه العاصفة ونتكلم بعد ذلك» فما تكاد تأتي عاصفة إلا وتأتي أخرى تترى حتى ما تكاد النفوس تتهيأ لفتح حوار متعقل في هذه القضية.

-        أيضًا ما من شك أن من العوامل المؤثرة والفعالة في تهييج الأوضاع

 بالذات في السنوات الأخيرة ما صدر ممن ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا في مقابلة الصف الإسلامي داعين إلى النار وما صدر منهم من تصرفات وظلم وأذية لعباد الله وللدعاة إلى الله -سبحانه وتعالى- وانتهاك لحرمات المسلمين مما أدى إلى حصول رد فعل في المقابل يقر الجميع ويقره الآن عامة المحللين بما أطلقوا هم عليه: «الإرهاب والإرهاب المضاد» وإن كنا نتحرج كثيرًا من استعمال هذه المصطلحات الخبيثة، وكثير من المنصفين من خصوم الإسلام يقرون أن هذا المسلك إنما هو رد فعل لمن تعدوا كل الحدود وتلفتوا من كل الضوابط وتخلوا عن كل القيم فسلكوا مسالك الجبابرة والمجرمين في تعاملهم مع هؤلاء.

-   أيضًا أن رصيد الدعوة يزيد من الخبرة ومن التجارب فلا شك أن هناك كثير من التجارب كان ينبغي أن نستفيد منها جميعًا، وكل من ينتمي إلى الصف الإسلامي.

فلا بد أن يستفيد من هذه التجارب فتكون رصيدًا جديدًا، فقد مرت الدعوة منذ بداية هذه الصحوة إلى الآن بكثير من التجارب والخبرات التي كان من المفروض أن يستفاد منها وأن تستخلص العبر وإلا فإن البعض لا يزالون يصرون على سلوك مسلك معين على أمل أن يؤدي إلى هدف مقصود.

نحن انتفعنا بلا شك في خلال فترة الصحوة الأخيرة هذه بما حصل مثلًا من نفخ الروح بما يسمى بالتجربة البرلمانية ومحاولة إعزاز الإسلام وإقامة حكم الله تعالى عن طريق سراب الديمقراطية الموهوم وما رأينا هذه الديمقراطية إلا أن القوم يعتبرونها كما كان يفعل المشركون في الجاهلية فيعتبرون الديمقراطية إلهًا يعبدونه ولكن كأصنام العجوة التي يصنعونها من العجوة، فإذا جاعوا أكلوها.

فهكذا الحال بالنسبة لهذه الديمقراطية الآن التي يعبدونها ويسبحون بحمدها فإذا احتاجوا إليها أكلوها والتهموها كما حصل في مصر وفي الجزائر فيكاد يكون المتعلق بهذا الحبل الواهي متعلقًا بسراب لا شيء وراءه ولا طائل تحته.

- أيضًا لا شك أنه مرت كثير من التجارب كان ينبغي أن نستفيد منها وأن نطلق لعقولنا وأفكارنا العنان حتى نستخلص أقصى ما نستطيعه من العبر من خلال هذه المعاناة ابتدءًا من حادثة الفنية العسكرية وهذا في العصر الأخير من بداية السبعينيات- وما تلاها من أحداث هنا في مصر إلى هذا المسلسل الأخير الذي نعيشه الآن، علامة بارزة جدًا في تاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة أحداث حماة وما أدراك ما حماة؟ وغير ذلك من الوقائع.

فكان ينبغي أن يحدث نوع من التحليل والانتفاع بهذه التجارب وأن يكون من جرائها رصيد يضاف إلى تجربة العمل الإسلامي خاصة وأننا أحيانًا نتعمد أن نغلق أعيننا ونصم آذننا عن التطلع من خلال نافذة التاريخ.

وهذا أمر من مكامن النقص الخطيرة جدًا في بعض الدعاة في هذا الزمان، الاطلاع من خلال الزخم والرصيد التاريخي العظيم الموجود والذي يفيدنا كثيرًا في تحليل هذه الظواهر.

وكما سنرى كان لهذه التجربة أثر حتى في استنباط الأحكام حين استقر إجماع أهل السنة والجماعة في قضية الخروج على الحاكم المسلم الجائر اختلفوا في أول الأمر ثم استقر إجماعهم بعد ذلك على عدم جواز الخروج على الحاكم المسلم الجائر أو الظالم أو الفاسق ما دام في دائرة الإسلام وما دام يحكم بالإسلام.

فقد استقر إجماعهم وعلل ذلك بأنهم قد جربوا ورأوا حوادث وقعت في الصدر الأول في الخروج على الحكام في الدولة الأموية وغيرها ثم استقر إجماع السلف على منع ذلك بل نصوا عليه في متون العقيدة كما ترون في «شرح الطحاوية» وغيرها من متون العقيدة فينصون على هذه القضية لخطورتها وسنبين ذلك إن شاء الله تعالى بالتفصيل.

إذن فالاطلاع من نافذة التاريخ أمر مهم جدًا وهناك دراسة طيبة فيها نوع من التحليل والاستنباط الذي نحتاج إليه وهي دراسة «حركة النفس الزكية» محمد ابن الحسن تأليف الشيخ محمد العبدة.

فقد أجرى دراسة لتطبيق فعلي لحركة من هذه الحركات حركات الخروج- وما أكثرها! وما العبر التي ينبغي استخلاصها.

هناك عوامل أخرى منها:

-        جسامة العواقب المترتبة على هذا المسلك:

فالعواقب خطيرة جدًا لكن يلاحظ في مزاج بعض من يفكرون لبعض هذه الاتجاهات نلاحظ حدة في التفكير ويكاد يغلب على الظن أن بعض من يتصدرون للإفتاء في هذه الأشياء يغلب عليهم عدم تقدير العواقب على الإطلاق مما قد يشكك في أهلية بعض هؤلاء للإفتاء في مثل هذه الأمور الجسيمة سواء في ذلك بعض الأحداث المحلية التي تحصل كعملية العلاقة مع الأقباط أحيانًا وبعض الأفعال للاستثارة أو تصعيد بعض التصرفات من خلال دول أخرى.

وتعرفون الذي حصل من التضييق على الدعوة الإسلامية في الخارج منذ وقوع التفجير في مبنى التجارة العالمي في نيويورك مع أننا لا نستطيع أن نقطع من الذي فعل، لكن لا يبعد عن طريقة تفكير بعض الناس أن هذا مسلكهم ونرجو من أن يكونوا مبرئين من ذلك.

لكن الشاهد أن أفعالًا لها مثل هذه الأصداء الكبيرة والواسعة لا تضع في الحسبان مثل العواقب بل تهملها تمامًا.

وكما أشرنا من قبل في مناسبة في موضوع الأقباط وما يحصل من التصعيد في الخارج لأقل حادثة تحصل بين المسلمين والأقباط كيف أنها توظف لكي تضم في رصيد يبرر بعد ذلك كثيرًا من المخاطر التي تهدد الأمة بأسرها.

الآن يوجد رجل في خراسان يدعي أبا عبد الله محمد بن أحمد بن خليفة الحسيني أمير المؤمنين نصب نفسه أميرًا للمؤمنين، وقصته طويلة لا نخوض الآن في تفاصيلها.

الشاهد أنه يقول: ستتحرك كتيبة الموت عما قريب من خراسان وتمر عبر إيران تحمل راية سوداء ويقول: إياكم أن يتعرض أحد لهذه الراية السوداء أو يقاومها، وستمر هذه الراية السوداء التي ستحملها كتيبة الموت من خراسان إلى إيران إلى العراق إلى الأردن إلى فلسطين في القدس!!.

وعندما كنت في الخارج قرأت بيانات أحد أتباعه يقول فيها: «أنا لن أشعلها نارًا في بقعة واحدة، أنا سأشعلها نارًا في العالم أجمع!».

فإن كان مثل هذه الأحداث الطفيفة يترتب عليها هذا الكم الهائل من الآثار الخطيرة فكيف إذا تكررت في كل موقع؟! فما من شك أن بعضنا يؤدي خدمات جليلة لأعداء الإسلام الذين يحرصون أشد الحرص على تضخيم هذه الأشياء وتشويهها وتوظيفها في التنفير عن دين الله تبارك وتعالى.

فالشاهد من الكلام الآن - وإن كنا سنفصل فيما بعد- أن هذه الأشياء تكون لها عواقب والملاحظ أن كثيرًا من الناس لا ينظرون في هذه العواقب ولا يقدرونها حق قدرها.

لكن قبل أن نتكلم في الموضوع مباشرة نقول:

إننا ننطلق بالكلام في هذا الموضع من داخل الصف الإسلامي، فنحن ما نتكلم من نفس منطلق أعداء الإسلام وأعداء الدعوة المعروفون في بلادنا أو في خارجها، لكن نتكلم على أننا من داخل العائلة الإسلامية والصف الإسلامي الذي يجمع على ثوابت لا نقاش فيها،أهم هذه الثوابت:

-        أننا جميعًا لا نرضى بواقع الأمة الحالي.

-   ثانيها: أننا جميعًا مؤمن بحتمية تغيير هذا الواقع انطلاقًا من قوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]

وإن حصل بعد ذلك اختلاف في طريقة التغيير وهذا هو الذي يتعلق بموضوعنا الآن إن شاء الله تعالى.

من مرجحات هذا الحوار الصريح الذي نحتاجه أمور كثيرة:

أولها: أن الإنسان لا بد أن يتبصر - فلا يمشي ثم ينظر بل ينظر أولًا قبل أن يمشي- وما ينظر فقط تحت قدميه، لكن تكون له نظرته للأمور وتقديراته للعواقب:

فالإسلام لا يعرف أن تفعل شيئًا دون النظر للعواقب كما أنه لا يعرف النظر في العواقب العاجلة أو العاطفية لكن لا بد أن تنظر إلى مدى أبعد وأن تأخذ بما استطعت من الأسباب في تقدير الأمور والتفكير فيها.

فلا بد أن نستحضر دائمًا عند أي تصرف نسلكه أن الدنيا دار ابتلاء وأن الآخرة هي دار ظهور النتائج فلا تتصرف في هذه الدنيا على أن النتيجة الآن بارزة أمامك لأنك لست نبيًا معصومًا يوحى إليه بحيث تقطع بأن مسلكك هو الحق الذي لا خفاء فيه ولا مرية فيه فهذه الدنيا دار ابتلاء فلا ننسى أبدًا أننا في دار امتحان وابتلاء والنتائج تظهر هناك.

وبالتالي فلا بد للإنسان قبل أن يخطو خطوة أن يستفرغ وسعه في أن يتأكد أن هذا فعلًا يقوده إلى الجنة وإلى رضوان الله تبارك وتعالى.

فمهما كانت العواطف لأن الناس يتعاملون مع بعض الأشياء بعواطف متأججة فهذه العواطف لا اعتبار لها ولا وزن، ولا اعتبار بحسن النية فالنية بينك وبين الله -عز وجل- لكن لا بد من الإصابة في العمل فنحن لا نتناقش مع أحد في حسن نيته وما نظن أن أحدًا من إخواننا الذين يسلكون هذه المسالك إن شاء الله ما نظن أبدًا أن أحدًا [منهم] يريد غير وجه الله -عز وجل- ولكن نقول: «كم من مريد للخير لا يبلغه» ونقول: إنه لا بد من استفراغ الوسع في التأكد من أن هذا فعلًا يرضي الله -عز وجل- ولهذا لا بد أن تستفرغ كل الوسع.

حصلت محن كثيرة لهذه الدعوة وما رأينا أحدًا دخل في هذه المحن إلا وكان مخلصًا كمحنة المهدي في أحداث الحرمين سنة ألف وأربعمائة للهجرة وهكذا أحداث أخرى كثيرة جدًا كان العمود الذي تقوم عليه هو العاطفة وحسن النية فحسب دون بصيرة وتقدير للأمور.

أيضًا هناك أمر مهم جدًا لأنه يحدث في ساحة العمل الإسلامي نوع من التجاوزات كما رأينا أمثلته كثيرة، مثلًا في جماعات التكفير.

وكما ذكرنا دائمًا أن المبتدع أو المنحرف يشعر بالوحشة لأنه يشذ عن منهج الفرقة الناجية فتجده يفزع أحيانًا إلى بعض المسالك لإرهاب المخالف كي يكثر عدد من معه حتى تزول عنه هذه الوحشة لأنه يستوحش فإذا رأى رجلًا على علم وليس معه ولا يوافقه فلذلك رفعوا  هذه القاعدة التي يساء استغلالها: «من لم يكفر الكافر فهو كافر».

فبالتالي أنت لم توافقني في تكفير هذا الشخص إذن فأنت كافر وليس هذا مقام الرد على سوء استعمال هذه القاعدة.

فينبغي لمن أراد وجه الله -سبحانه وتعالى- ومن أراد النصيحة للمسلمين - في مثل هذه القضايا الحساسة- أن لا يضع أي اعتبار لأي نوع من الضغوط سواء كانت هذه الضغوط من داخل الصف الإسلامي أو من خارج الصف ممن ارتضوا لأنفسهم أن يكون ضد دين الله وضد دعوة الله تبارك وتعالى.

فلا يخضع الإنسان لأي ضغوط من أي طرف من هذه الأطراف لأنه دائمًا يلوح بالاتهام وسوء والتلويح بأن من لا يشاركنا في هذا المنهج فهو من المنافقين أو فهو من كذا وكذا.

ونلاحظ أيضًا كثيرًا جدًا ملمحًا خطيرًا في بعض هذه التيارات:

وهو ازدراء العلماء والنظر إليهم بتحقير وازدراء وتنقص علاوة على سوء الظن بهم وقد يصل الأمر إلى تكفيرهم.

كما هو معلوم من الآفات التي ظهرت في بعض البقاع أن هناك من يكفر العلماء وأصبح الآن عندما يخرج الإنسان إلى الخارج يرى هذه الأشياء على الطبيعة فكل من يريد أن يقول شيئًا يقوله فما من أحد يمنعه!.

فهذا الذي يدعي أنه أمير المؤمنين الجديد يكفر الشيخ على بن حاج فرج الله كربته، ويقول عن الشيخ ابن باز تورعًا: «أنا لا أكفره ولكن هو للكفر أقرب منه للإيمان!».

ونلاحظ على بعض هذه التيارات أنهم يبدؤون بتحطيم العلماء وهز الثقة فيهم وما أكثر ما يستغلون أزمة الخليج وما صدر من بعض المشايخ من اجتهادات لنفرض على أسوأ الفروض أن هذا احتاج خاطئ فما المشكلة؟ ألم يجتهد الصحابة فأخطأ بعضهم ووقع بينهم التقاتل؟ ومع فكل إن شاء الله مثاب على اجتهاده وكل يريد مصلحة الإسلام والمسلمين.

فوجدنا هذا المنطلق يحطمون العلماء ويبقون هم المفتون الذين يقطعون ويحسمون في هذه الأمور بعد تحطيم العلماء وعدم احترامهم وازدرائهم.

أيضًا من مرجحات هذا الحوار الصريح:

أنه يحصل نوع من الخلط بين الأوراق بطريقة سيئة جدًا كما سنرى، فظاهرة خلط الأوراق ووضع الأسماء لغير مسمياتها هذا أمر شائع ويحتاج إلى توضيح.

أيضًا الإشارة إلى الحذر من موضوع التأويل فما من فتنة في تاريخ الإسلام كله وما من دم أريق أو من بدعة ظهرت ولا من فساد حصل في الأرض إلا بسبب التأويل الفاسد الذي هو عدو الدين.

فهذه كلها نضعها بين يدي الموضوع ولا بد ونحن نبحث هذا الموضوع أن الدنيا دار ابتلاء وأن النتائج هناك، فينبغي على الإنسان أن يتبصر كيرًا قبل أن يضع قدمه في طريقه وأن ينظر في العواقب وليست العواقب العاجلة فقط بل العواقب على المدى البعيد وينظر في الآفاق أما النظر تحت القدمين أو في العواقب العاجلة والفرح بها فهذا ليس من شأن العقلاء والمنصفين.

نلاحظ مثلًا فيما يتعلق بهذه القضية التي سنتكلم فيها إن شاء الله تبارك وتعالى أن هناك بعض المطبوعات تحوي مغالطات كثيرة فقد اطلعت على بعض المطبوعات يتكلم فيها أحد هؤلاء المؤلفين عن أحد العلماء الأفاضل وأنا أتحرج عن ذكر اسمه لأن الشتم الذي وجه إليه شتم فظيع.

فيذكر كلام العالم وقد يكون كلام العالم غير صحيح وقد ننكره عليه فما في ذلك بأس، وقد يكون اجتهد فأخطأ وما في ذلك من مشكلة، لكنه بعدما حكى كلامه وأقفل القوسين قال: «الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا، الحمد لله الذي عافاني مما تقول هذه الأنعام»

والعياذ بالله، فهل يمكن أن يكون في مثل هذا الإنسان خير؟! إنسان يتطاول على عالم من علماء فلا يحترم حتى شيبته فضلًا عن العلم والخدمات الجليلة للدين.

فمثل هذا المنهج الذي أوله ازدراء العلماء فما من شك أن آخره وعاقبته غير حميدة وهذا الذي نلاحظه فما وجدنا أحدًا ممن يطيل لسانه في أهل العلم وفي العلماء إلا وكانت عاقبته سيئة كما قال الحافظ ابن عساكر :: «اعلم أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك ستر منتقصيهم معلوم وأن من أطلق لسانه فيهم بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب» أو كما قال :.

وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ليس منا من لم يحرم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويعرف لعالمنا حقه» لأن تعظيم العلماء من شعائر الله بل هي من علامات وجود التقوى بالقلب كما قال -عز وجل- ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 31] 

فاحترام العلماء والتأدب معهم ليس احترامًا لأشخاصهم وإنما هو احترام لشعائر الله فالعلماء من شعائر الله التي يجب أن توقر وأن تحترم وأن لا تنتهك محارمها.

وإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن أهون الربا مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا الاستطالة في عرض مسلم بغير حق» فإذا كان هذا في آحاد المسلمين فكيف بالمسلم العالم الجليل؟!

ويقول الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «من عادى لي وليًا فقد بارزته بالحرب» قال الإمام أحمد : وغيره من الأئمة: «إن لم يكن العلماء أولياء الله فليس لله ولي».

فإذا لم يكن العلماء أحق الناس بولاية الله فليس لله أولياء يعني: أنهم أجدر وأولى  الناس بولاية الله -سبحانه وتعالى- لأنهم  الأدلاء عليه والذابون عن دينه تبارك وتعالى.

فمن الأشياء التي نلاحظها في بعض هذه المطبوعات التي أشرنا إليها مغالطات علمية جسيمة وهي منشورة وأحيانًا يطلع عليها كثير من الناس فيحصل خلط فمن خلال الحوار العلمي ننظر ونرى ما تضمنته بعض هذه الأوراق من شبهات:

فمن ذلك مثلًا الاستدلال على جواز قتل الجنود المسلمين أو بعض المسلمين أو المدنيين بعملية قتل التترس وسنوضح الفرق بوضوح في ذلك ونبين أن هذا لا يجوز في أي حال من الأحوال الاستدلال به على ما يحصل الآن من تصرفات.

من ذلك مثلًا وهو من أشد الأمور جسامة: الخلط بين أحكام الجهاد وبين أحكام الخروج على الحاكم حتى صارت كلمة «الجهاد» تطلق على الخروج على الحاكم في حين أن هذا باب مستقل تمامًا عن باب الخروج!!.

فالجهاد في سبيل الله إذا أطلق فإنما ينصرف إلى قتال الكفار لنشر دين الله -سبحانه وتعالى- والذب عنه والمعاونة على ذلك فهذا هو الجهاد اصطلاحًا، ويستعمل استعمالات أخرى لكن عند الإطلاق ينصرف إلى هذا، فهذا باب والخروج على الحاكم باب آخر.

الجهاد في سبيل الله يمدح في كل الأحوال ولا يمكن أن يذم في حال من الأحوال، فالجهاد في سبيل الله ممدوح في كل الأحوال ما دام مستوفيًا لكل الشروط الشرعية، أما الخروج بنوعيه: إما على الحاكم الجائر أو الحاكم الكافر ففيه تفصيل، فالحاكم الجائر أجمع العلماء على عدم الخروج عليه كما سنبين إن شاء الله تعالى.

أما الحاكم الكافر فقد اتفقوا على جواز ذلك لكن بشروط دقيقة جدًا، وعلى أي الأحوال فالخروج قد يذم أحيانًا وقد يمدح أحيانًا.

أما إطلاق الجهاد عند الإطلاق عليه فنشبهه بما يحصل عند الجماعات الأخرى أو الاتجاهات الأخرى من تطويع الحقائق الشرعية لمسميات لا تماثل بينها وبين هذه المسميات كما تفعل جماعة التبليغ حيث تعمد إلى كل النصوص الواردة فهم لم يكتفوا في بيان فضائل نشاطهم في الدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى- بالآيات والأحاديث الواردة في فضائل الدعوة إلى الله -عز وجل- وكانت تكفي لكنهم عمدوا أيضًا إلى النصوص الواردة في الجهاد في سبيل الله في القرآن والسنة فحولوها وصرفوها إلى الخروج بمصطلحهم هم!!.

فعندهم اصطلاح خاص بجماعة التبليغ لكلمة «الخروج» حتى عند تفسير قوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] فيطوعونها لنفس هذا المفهوم بناء على المنام الذي رآه الشيخ إلياس.

ومن ذلك قوله تبارك وتعالى ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: 46]

فيطلقون «الخروج» هنا على الاصطلاح العرفي الخاص بجماعة التبليغ وهكذا يعمدون إلى نصوص الجهاد ويطبقونها على الخروج.

كما فعلت الصوفية حينما صرفت نصوص الجهاد بمعنى جهاد النفس ويستدلون بالحديث الموضوع: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» وهو: جهاد النفس.

كذلك فعلت بعض هذه التيارات حين أطلقت مصطلح «الجهاد» على شيء لا يدخل تحت اسم الجهاد والفرق كما بينا أن الجهاد في كل الأحوال ممدوح كما سنفصل إن شاء الله، أما الخروج فقد يمدح وقد يذم بالنظر إلى الشروط والضوابط التي وضعها العلماء.

من خلط الأوراق:

ما يحصل من أناس لا علم عندهم ولا بصيرة في آيات الله تبارك وتعالى ولا فقه فيقولون: أن آية السيف نسخت كل ما قبلها من دعوة والحث على الحكمة والرفق في الدعوة واللين والصبر على المشركين والإعراض عنهم وغير ذلك من المراحل السابقة لآية السيف وآية الجهاد، ويحاكمون معنى النسخ عند السلف إلى اصطلاح حادث بعضهم بقرون أو بأزمان وهو اصطلاح النسخ المتأخر كما سنين إن شاء الله تعالى.

فهذا أيضًا من الخلط الشديد لأنه يفهم أنه حينما ينقل عن بعض السلف: «نسخت براءة كل موادعة أو كل مهادنة أو كل حكمة ودعوة بالموعظة الحسنة» فيفهمون أن كلمة النسخ هنا تمامًا مثل نسخ الخمر بحيث يحرم تمامًا امتثال الحكم المنسوخ وهذا من أخطر مواطن الضعف والزلل في تفكير القوم، والتخبط في الفهم نتيجة سوء الفهم لآيات الله تبارك وتعالى.

ولذلك كان السلف يتشددون جدًا فيمن يتصدر للكلام في الدين أو لتعليم الناس حتى يمتحنوهن في جملة من العلوم أهمها الناسخ والمنسوخ وسنزيد هذا الأمر إن شاء الله تعالى إيضاحًا.

لكننا الآن نذكر رءوس أقلام في ظاهرة خلط الأوراق ولو كان هذا الخلط نظريًا بحتًا لما كانت هناك مشكلة لكن المشكلة أنه يترتب عليه آثار بعيدة المدى أكثر مما نتصور فحينئذ نحتاج إلى مثل هذه الوقفة.

أيضًا من مظاهر هذا الخلط:

إطلاق القول بتكفير الجنود في الجيش أو في الشرطة وبالتالي استحلال دمائهم وبعض يتورع فيقول: «أنا لا أكفر الجنود، وإنما كفر من نقيب فما فوقه!».

أيضًا من مظاهر هذا الخلط:

إطلاق القول بأن بلاد المسلمين بلاد كفار وديار كفر وهذا أيضًا نقدناه من قبل حينما لخصنا كتاب «الغلو في الدين» وإن كنا سنحتاج إلى الرجوع إليه إن شاء الله باختصار، حيث يقولون: «إن ديار المسلمين قد انتهت إلى أنها ديار كفر» ثم يأتي إلى كتب الفقه - الحنفي خاصة- ويأخذ أحكام دار الكفر فيطبقها على أوضاع بلادنا اليوم!!.

مع أن تقسيم العالم إلى دار كفر ودار إسلام غير موجود في الكتاب والسنة، وإنما اضطر العلماء إلى هذا التقسيم في عصر الفتوحات كي يوظفوا ويكيفوا العلاقة بين أمة المسلمين وبين الأمم الكافرة لأنه تحصل تعاملات واحتكاكات من ارتحال أو انتقال أسرى.

فهذه الأحكام وضعت في وقت العزة والقهر والتمكين، فقد كان المسلمون قاهرون للكفار في بقاع الأرض، فهذه الأحكام لها ارتباط شديد جدًا بموضوع الغلبة والعزة والقوة، فيأخذون هذه الأحكام من الكتب ويطبقونها على واقعنا بلا أدني بصيرة.

من هذه المرجحات المهمة في هذا الباب الذي سنتكلم فيه إن شاء الله تعالى:

تضرر القائمين في ساحة الدعوة من الجماعة الأخرى من بعض المسالك التي تسلكها هذه الجماعات.

ومن ضمن شروط المنكر وهي معلومة وقد درسناها من قبل بالتفصيل- أن لا يحصل ضرر متعدٍ إلى من لا يوافقك على هذه القناعة، فساحة الدعوة الآن مشتركة فإذا استأثرت جماعة معينة بتصرف تمتد آثاره إلى غيرها فبلا شك أن هذا يخالف النظرة الفقهية السديدة وهذا إن شاء الله سنزيده تفصيلًا.

فنتكلم أولًا كلامًا نظريًا إلى حد ما ثم نناقش تطبيقه على الواقع العملي الذي نعيشه.

ففيما يتعلق بموضوع الجهاد نرسي أولًا أسسًا مهمة جدًا فيما يتعلق بهذا الموضوع وهي حكم الجهاد في الإسلام:

ما هو الجهاد؟- ما حكمه؟ وهو حالتان:

-   حكم الجهاد إذا كان للمسلمين دار وسلطان وقوة ومنعة ففي هذه الحالة ينقسم الجهاد إلى نوعين:

أ‌-      جهاد الطلب والابتداء

ب-جهاد الدفاع.

- حكم الجهاد إذا لم يكن للمسلمين دار ولا سلطان ولا منعة ولا استطاعة ففي هذه الحالة ننظر في مراحل تشريع الجهاد ونبحث عن أقربها إلى واقعنا ونمتثل الحكم فيه.

ومن المعلوم أن تشريع الجهاد قد مر بأربعة مراحل:

أولها: مرحلة الكف عن المشركين والإعراض عنهم مع الاستمرار في دعوتهم.

المرحلة.

الثانية: مرحلة إباحة القتال من غير فرض.

الثالثة: إباحة القتال للمسلمين لمن يقاتلهم فقط.

الرابعة: قتال جميع الكفار ابتدءًا حتى يسلموا أو يدفعوا الجزية.

ونسرد نصوصًا ونقولًا عن علماء المذاهب الأربعة في إثبات هذه المراحل السابقة، ثم بعد ذلك إن شاء الله ندلف إلى قضية مهمة وهي قضية: «الجهاد والنسخ»، فالنسخ في مراحل الجهاد من أهم الموضوعات فنذكر من قال بالنسخ في هذه الآية، ونناقش مذهب الإمام الزركشي : تعالى ونناقش أيضًا هل هناك فعلًا نسخ في مراحل الجهاد أم لا؟ ثم نناقش الآثار المترتبة على سوء فهم قضية النسخ في مراحل الجهاد.

وكما ذكرنا من قبل أن مشروعية الجهاد في سبيل الله لا يختلف فيها اثنان وإنما المشكلة في إطلاق واصطلاح الجهاد على تصرفات وسلوكيات لا تندرج تحته.

أيضًا قد يكون الخلاف في مدى مشروعية تحقق الجهاد في واقع معين وظروف معينة، أي أنه ينبغي أن يراعى في هذا الأمر الفرق بين ماضي الأمة وحاضرها.

ثم نذكر شروط الجهاد الشرعي، ونبين أيضًا أنه لا يجوز ذم الجهاد بحال من الأحوال.

فلا يجوز أبدًا أن يوصف الجهاد بالعنف أو التطرف أو الإرهاب أو ما إلى ذلك من المسميات لأن الذي ينكر هذا سينكر القرآن الكريم وبالتالي يخرج من ملة الإسلام، وآية الجهاد في القرآن الكريم أعظم وأوضح من أن تحتاج إلى إيرادها في مثل هذا السياق.

فالجهاد - الذي هو الجهاد الشرعي الاصطلاحي- يمدح في جميع الأحوال لا يمكن أن يذم ولا يقبل من مسلم أن يصفه بأنه إرهاب أو عنف أو تطرف أو غير ذلك، لكننا نناقش أشياء يطلق عليها «جهاد» وهي لا تندرج تحت باب الجهاد وبالتالي فهناك فرق في الأحكام بين هذه الأمور.

فهناك تصرفات تسمى جهادًا في هذا الزمان وهي إما أنها تدخل تحت باب النهي عن المنكر أو الأمر بالمعروف، أو تحت باب الخروج على الحاكم.

ولا يعترضن أحد ويقول بأن هذا يسمى جهادًا نعم يسمى جهادًا لكن ليس على الإطلاق وليس الجهاد الاصطلاحي كما أن العبادة جهاد ومدافعات الشهوات جهاد وذكر الله جهاد وكل عمل من طاعة الله فيه جهاد لأن الجهاد عبارة عن بذل الجهد والمشقة في تحصيل الطاعة، وهذا سنناقشه إن شاء الله فيما بعد.

نبدأ إن شاء الله تعالى بالكلام على:

حكم الجهاد إذا كان للمسلمين دار وسلطان وقوة على الجهاد

وكما أشرنا من قبل أن الجهاد نوعان:

الأول: جهاد الطلب والابتداء.

الثاني: جهاد الدفاع.

فجهاد الطلب هو: تطلب الكفار في عقر دارهم ودعوتهم إلى الإسلام وقتالهم إذا لم يقبلوا الخضوع لحكم الإسلام.

حكم هذا النوع أنه فرض على مجموع المسلمين أي أنه فرض على أمة المسلمين ككل يدل على ذلك قوله تعالى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 5]

وقوله تعالى ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 36]

وقوله تعالى ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 41] إلى غير ذلك من الآيات.

ومن السنة:

قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله».

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا فلا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحول منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم».

وتقدم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من مات ولم يغزو ولم يحدثه به نفسه مات على شعبة من نفاق».

وقد أجمع علماء المسلمين على أن جهاد الكفار وتطلبهم في عقر دارهم ودعوتهم إلى الإسلام وجهادهم إن لم يقبلوه أو يقبلوا الجزية فريضة محكمة غير منسوخة.

قال ابن عطية في «تفسيره»: «واستمر الإجماع على أن الجهاد على أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-  فرض كفاية فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين إلا أن ينزل العدو بساحة للإسلام فهو حينئذ فرض عين».

ومذهب الجمهور القائلين بأن ابتداء الجهاد والطلب فرض كفاية إذا قام به قام به جماعة من المؤمنين في غناء لأهل الإسلام أو لنشر الإسلام والدعوة إليه فليس على كل مسلم أن يخرج معهم. ما داموا يؤدون المهمة فلا يأثم الباقون.

واستدل الجمهور بالأدلة التالية:

أولًا: قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122].

يقول الإمام القرطبي :: «فيها» يعني هذه الآية «وهي أن الجهاد ليس على الأعيان وأنه فرض كفاية كما تقدم ؛ إذ لو نفر الكل لضاع من وراءهم من العيال ، فليخرج فريق منهم للجهاد وليقم فريق يتفقهون في الدين ويحفظون الحريم ، حتى إذا عاد النافرون أعلمهم المقيمون ما تعلموه من أحكام الشرع ، وما تجدد نزول على النبي -صلى الله عليه وسلم- ».

الدليل الثاني: قوله تعالى ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 95]

فقوله تعالى ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ إل آخره... يدل على أن القاعدين غير آثمين مع جهادهم غيرهم، يعني ما دامت تحصل الكفاية بهؤلاء الغير.

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  بعث إلى بني لحيان: «ليخرج من كل رجلين رجل» ثم قال للقاعد: «أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج » روا مسلم.

وقال -صلى الله عليه وسلم-: «من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا» رواه مسلم.

ومعناه أن الذي يقعد ولا يخرج للجهاد ما دام الخارجون تقوم بهم الكفاية إذن لا يأثمون في هذه الحالة.

كذلك من الأدلة على أنه فرض كفاية فعله -صلى الله عليه وسلم-  وسيرته فقد كان يخرج في الغزو تارة ويبقى تارة ويؤمر غيره على الغزوة أو السرية ولم يكن يخرج جميع أصحابه بل بعضهم وهذا أمر واضح مستفيض كما في غزو مؤتة وغيرها.

أما النوع الثاني من أنواع الجهاد فهو:

جهاد الدفاع

وحكمه أنه فرض عين على المسلمين عمومًا حتى يندفع شر الأعداء وهذا بإجماع المسلمين.

يقول الإمام القرطبي : تعالى: «إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار، أو بحلوله بالعقر، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافا وثقالا، شبابا وشيوخا، كل على قدر طاقته، من كان له أب بغير إذنه ومن لا أب له، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج، من مقاتل أو مكثر.

فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم.

وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج إليهم، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم، حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها واحتل بها سقط الفرض عن الآخرين.

ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضا الخروج إليه، حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة وتحفظ الحوزة ويخزى العدو، ولا خلاف في هذا».

إذن لا خلاف في أن جهاد الدفاع فرض عين على الجميع كما أشرنا، وهنا تنبيه مهم جدًا فيما يتعلق بهذين النوعيين الماضيين وهما: جهاد الابتداء (الطلب) وجهاد الدفاع.

فيذكر العلماء أنه لا خلاف في أن أحكام الجهاد المتقدمة هي إذا  كان للمسلمين دار وسلطان وكان بهم قوة على الجهاد وأما إذا لم يكن لهم قوة ولا دار ولا سلطان فهذا ما سنوضحه إن شاء الله تعالى فيما بعد في البحث حول مراحل تشريع الجهاد.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com