الثلاثاء، ٢٩ ذو القعدة ١٤٤٣ هـ ، ٢٨ يونيو ٢٠٢٢
بحث متقدم

متى يكون عامل الوقت في صالحنا؟

هناك يقين بالنهاية، نهاية الصراع، أنه لصالح أهل الإيمان والإسلام الحق

متى يكون عامل الوقت في صالحنا؟
ياسر برهامي
الخميس ١٤ مايو ٢٠١٥ - ١١:١٤ ص
1796

متى يكون عامل الوقت في صالحنا؟

ياسر برهامي

الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله-صلى الله عليه وسلم- وبعد:

كثيرا ما يشغلنا في وقائع الأحداث ماذا بعد؟ ماذا سيأتي بعد؟ ماذا سيحدث غدا؟ كل الناس دائما تتطلع إلى المستقبل، وماذا سيحدث فيه؟ ونقول:

كيف نجعل الزمن في صالحنا؟ وليس كما يظن البعض أن الهلاك أو الضياع ينتظركم في المستقبل، أو كما يقال باللغة المعاصرة: -الدور جاي عليكم- ومرحلة مؤقتة -وهتشوفوا بعد كده-

متى يكون الزمن في صالحنا؟ كيف نجعل الزمن في صالحنا؟

ونقول: هذا الأمر دل عليه القرآن، إذا عملنا بما أرشدنا الله -عز جل- إليه في كتابه فسيكون الزمن في صالحنا، سواء رضي عنا راض من الناس أو سخط، رضي الراضون أو سخط الساخطون. نحن ليس توكلنا ولا اعتمادنا على علاقتنا بالبشر، على أن الناس -مثلا أهل المال أو أهل السلطان أو أهل القوة أو غير ذلك- هم راضون عنا؛ فلذلك أمورنا ستستمر. نحن يمكننا أن نعيش -ولا أقصد نعيش أي ناكل ونشرب لكن أن نعيش- بالتزامنا ودعوتنا في وسط أشد الكارهين وفي أشد سطوتهم.

وليس أبغض عند أهل الشرك من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأهل الإيمان ومع ذلك عاشوا بدينهم عاشوا بدعوتهم في وسط هذه الكراهية الفظيعة، بل وكل الجهد الذي بذلوه من أجل إيقاف هذه الدعوة وهذا الدين. وكذلك اليهود: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ} وكانوا في المدينة وإن لم يكن التسلط لليهود في المدينة كما كان تسلط المشركين في مكة ومع ذلك عاش المسلمون بدينهم ودعوتهم ودولتهم وأيدهم الله -عز وجل- وكان الزمن أيضا في صالحهم.

نقول باختصار كيف نجعل ذلك أو متى يكون ذلك؟ خاتمة سورة هود توضح لنا هذا الأمر قال الله عز وجل: {وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿120﴾ وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ ﴿121﴾ وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ ﴿122﴾ وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿123﴾}

الفائدة التي ذكرناها إجابة السؤال مستفادة من قوله تعالى: {وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ}: يقين بأن الوقت سيثبت صحة ما نحن عليه، وظهور ما نحن عليه، وانتصار ما نحن عليه انتصار أهل الإيمان {وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ}، كما قال الله عز وجل: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}.

إذن هناك يقين بالنهاية، نهاية الصراع، أنه لصالح أهل الإيمان والإسلام الحق، كما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم-. كيف إذن نكون سائرين على هذا الطريق المعلوم النهاية الحتمية التي هي ظهور الإسلام وأهله؟

أن نثبت على الحق، تثبت أفئدتنا على الحق من خلال الاتعاظ بقصص الأنبياء في كتاب الله -عز وجل-، والتذكر للمعاني التي جاءوا بها، وقاموا بها، وعملوا بها، ودعوا إليها،

{وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} كيف تثبت الأفئدة؟

بمطالعة قصص الأنبياء قصص القرآن من أعظم يثبت الأفئدة، ويوضح القضايا العقدية الإيمانية التي جاء بها الأنبياء، يوضح الأمور العبادية التي كانوا يفعلون بها كما تجدها في قصة شعيب أنهم قالوا لشعيب: { أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ } فهو يصلي.

وكذلك قضية التوحيد هي أوضح القضايا قضايا عقدية وقضايا عبادية واضحة جدا لك أحد أنه يصلي. وكذلك أنبياء الله عز وجل سيدنا موسى -عليه السلام- أول ما أمر به في أوامر الطور الإلاهية: { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي}. كذلك يقول في سؤاله مبينا ما الذي يريد: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴿25﴾ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ﴿26﴾ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ﴿27﴾ يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴿28﴾ وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ﴿29﴾ هَارُونَ أَخِي ﴿30﴾ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴿31﴾ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ﴿32﴾ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ﴿33﴾ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ﴿34﴾ إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا}

في قضايا عقدية، قضايا عبادية، قضايا سلوكية وخلقية. سوف تجد أشياء مبهرة في أخلاق الأنبياء وسلوك الأنبياء. تأمل في قصة يوسف -صلى الله عليه وسلم- في كيفية عفته إحسانه إلى الناس صبره على البلاء. والإحسان صفة أساسية {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} تعففه عما حرم الله، عظم الصبر على ما يصيبه مع كونه دائما هو متأهل للإحسان إلى غيره، وبهذا يكسب قلوبهم ويكسب قبولهم لما يدعوهم إليه، أو على الأقل يجعلهم يقدرونه ويعرفون منزلته.

المواقف السلوكية والمواقف الدعوية وكيفية مواجهة الازمات وكيفية مواجهة شبهات الباطل كل هذا موجود في قصص الأنبياء تتثبت به الأفئدة.

{ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ } الاتعاظ بما جرى للأنبياء، الموعظة نقل ما سمعته إلى حالك وواقعك وأن تنفذ ما استفدته وليس مجرد التسلي بالقصة.

{وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} تحقيق التذكر الذكر، وتحقيق معاني الإيمان هي التي ينتفع بها أهل الإيمان .

{وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ} ولها تفسيران كلاهما صحيح، وفي غاية الأهمية والفائدة:

الأول: اعملوا على إمكانكم، اعملوا على تمكنكم اعملوا على قدر ما تستطيعون من الباطل.

الثاني: على طريقتكم، على ما أنتم عليه من هذا الباطل.

طبعا الأمر ليس غرضه لا الإيجاب ولا الاستحباب ولا الإباحة وإنما الأمر غرضه الاستهانة والتحقير وإظهار اليقين ببطلان ما هم عليه واضمحلاله وزهوقه كما تقول لمن يخالفك وقد يهددك (اعمل كل ما عندك) في المثل العامي يقول: (أعلى ما في خيلك اركبه). يدعي أنه سوف يفعل به كذا وكذا فيقول له: اعمل كل ما بدا لك؛ لأنه يستهين به لأنه يحتقر ما يهدده به. فمن أين حصل ذلك والرسول -صلى الله عليه وسلم- كان في مكة هو وجماعة المؤمنين في حالة الاستضعاف وغير ممكنين، ولكن من أين حصل ذلك؟ من كمال التوكل على الله كمال الارتفاع عن الأرض كمال الاقتراب إلى السماء بالقلب كمال القرب من الله -عز وجل- بالقلب وعندما يصعد القلب عاليا تصغر كل موازين الدنيا، وكل حواجز الدنيا وعقبات الدنيا لا يكون لها وزن ولا قيمة في حس المؤمن.

ثم: {إِنَّا عَامِلُونَ} بمعنى كمال التوكل وشعور الانسان بالاستهانة بقوة الباطل وأهله وإن كان ذلك لا يعني عدم الأخذ بالأسباب كما ارتبط عند الكثيرين للأسف أن التوكل معناه ترك الأخذ بالأسباب أو مصادمة السنن الكونية أو الشرعية وهذا الذي يؤدي دائما إلى أنواع من الفساد؛ مصادمة السنن الكونية أو السنن الشرعية أو مصادمتهما معا.

فالذي يترك ما أُمر به من الشريعة ويظن أنه بذلك يحسن سياسة الأمور، ثم هو في الحقيقة يصادم السنن الكونية في مراعاة القدرة والعجز، والمصلحة والمفسدة، والمقارنة بين قوته وقوة مخالفه وعدوه؛ يصادم ذلك كله يصادم من الناحيتين، ثم بعد ذلك يطلب معالي الأمور وأرفع أنواع النصر وأعلى أنواع التمكين إنسان مغبون إنسان غائب عن الوعي عندما يفعل ذلك؛ لكن كمال التوكل يكون معه عمل {إِنَّا عَامِلُونَ} أي: على تمكننا وعلى طريقتنا.

وهذان الشرطان هما من أهم ما يلزمنا أن نعمل على طريقتنا دون انحراف والطريقة بمعنى المنهج، وثوابته: هي الأمور التي عليها البيِّنات ليس كما يظن البعض أن أي تغير في موقف من المواقف بل وحتى في رأي من الآراء هو تنكب عن الطريق.

كان هناك دراسة مهمة: لماذا تعددت الآراء والأقوال والروايات داخل المذهب الواحد من مذاهب الأئمة الأربعة، والحقيقة أن هذا من الثراء الفكري والفقهي والإنصاف لأنه يرى رأيا ثم يظهر له دليل فيغير هذا الرأي، نقول: كل مذهب تجد فيه ذلك، الشافعي مثلا تجد فيه قولا قديما وقولا حديثا، غير الوجوه التي لأصحاب الوجوه. أما مذهب الإمام أحمد فهناك روايات متعددة عن الإمام -رحمه الله- فضلا عن أيضا التخريجات التي يستخرجها أئمة المذهب. وغيره المذاهب كلها فيها كذلك.

نقول إنما الثبات على طريقتنا، معالم الطريقة هي: البيِّنات؛ نصوص الكتاب، نصوص السنة، إجماع سلف الأمة. هذه هي البينات التي لا بد من الحفاظ عليها. ثم على تمكننا على إمكاننا نعمل بكل ما نقدر عليه، نبذل كل ما في وسعنا لا تقصير ولا تكاسل ولا يأس ولا مطالبة بما لا نقدر عليه.

{إِنَّا عَامِلُونَ} نفعل ما في وسعنا ليس المطلوب أكثر مما نطيق، ولا نسأل عما لا نُطيق ولا نقدر عليه.

هذه القضية كثير من الشباب يقعون في المهالك بسبب أنهم ظنوا أن الشرع يكلفنا ما لا طاقة لنا به، ثم البعض الآخر يتوانى ويتكاسل فيتأخر، لذلك نقول وعلى التفسيرين كلاهما غاية في الأهمية. نعمل على طريقتنا ونعمل على تمكننا، هنا لا نعبأ بما عند الآخرين.

{وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ}، هنا يكون الزمن في صالحنا والوقت في صالحنا.

وتكرار نفس المهام هي قوله عز وجل {وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} إجابة على متى يحدث ذلك، متى يزهق الباطل ويثبت الحق؟ {وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} من الذي يقرر ذلك؟ {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ} الواجب علينا؟ {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} كمال العبادة، كمال التوكل. {إِيّاكَ نَعبُدُ وَإِيّاكَ نَستَعينُ}. {إِنَّا عَامِلُونَ} على طريقتنا مع كمال التوكل على الله الذي أدى إلى الاستهانة بالباطل وأهله {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.

وجزاكم الله خيرا.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com