الاثنين، ٥ ذو الحجة ١٤٤٣ هـ ، ٠٤ يوليو ٢٠٢٢
بحث متقدم

القرآن المكي والمدني

حيث كان القوم كذلك نزل الوحي المكي قوارع زاجرة، وشهبًا منذرة، وحججًا قاطعة يحطم وثنيتهم في العقيدة

القرآن المكي والمدني
أحمد فريد
السبت ٢٤ أكتوبر ٢٠١٥ - ١٤:٤٧ م
5652

القرآن المكي والمدني

كتبه/ أحمد فريد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

يقول الأستاذ مناع القطان رحمه الله:

فحيث كان القوم في جاهلية تعمي وتصم، يعبدون الأوثان ويشركون بالله وينكرون الوحي ويكذبون بيوم الدين، وكانوا يقولون: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (الصافات: 16)، ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (الجاثية: 24)، وهم ألداء في الخصومة، أهل مماراة ولجاجة في القول، عن فصاحة وبيان، حيث كان القوم كذلك نزل الوحي المكي قوارع زاجرة، وشهبًا منذرة، وحججًا قاطعة يحطم وثنيتهم في العقيدة، ويدعوهم إلى توحيد الألوهية والربوبية، ويهتك أستار فسادهم، ويسفه أحلامهم، ويقيم دلائل النبوة، ويضرب الأمثلة للحياة الآخرة، وما فيها مِن جنة أو نار، ويتحداهم -على فصاحتهم- بأن يأتوا بمثل القرآن، ويسوق إليهم قصص المكذبين الغابرين، عبرة وذكرى، فتجد في مكي القرآن ألفاظًا شديدة القرع على المسامع، تقذف حروفها شرر الوعيد، وألسنة العذاب، فكلا الرادعة الزاجرة والصاخة والقارعة، والغاشية، والواقعة، وألفاظ الهجاء في فواتح السور، وآيات التحدي في ثنايها، ومصير الأمم السابقة، وإقامة الأدلة الكونية، والبراهين العقلية .. كل هذا تجده في خصائص القرآن المكي.

وحين تكونت الجماعة المؤمنة بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وامتحنت في عقيدتها بأذى المشركين، فصبرت وهاجرت بدينها، مؤثرة ما عند الله على متع الحياة، حين تكونت هذه الجماعة نرى الآيات المدنية طويلة المقاطع، تتناول أحكام الإسلام، وحدوده، وتدعو إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله، وتفصِّل أصول التشريع، وتضع قواعد المجتمع، وتحدد روابط الأسرة وَصِلات الأفراد وعلاقات الدول والأمم، كما تفضح المنافقين وتكشف دخيلتهم، وتجادل أهل الكتاب وتلجم أفواههم، وهذا هو الطابع العام للقرآن المدني.

وقال العلامة بدر الدين الزركشي ما ملخصه:

ومِن فوائده: معرفة الناسخ والمنسوخ، والمكي أكثر من المدني.

اعلم أن للناس في ذلك ثلاثة اصطلاحات:

أحدها: أن المكي ما نزل بمكة، والمدني ما نزل بالمدينة.

والثاني: وهو المشهور أن المكي ما نزل قبل الهجرة، وإن كان بالمدينة، والمدني ما نزل بعد الهجرة، وإن كان بمكة.

والثالث: أن المكي ما وقع خطابًا لأهل مكة، والمدني ما وقع خطابًا لأهل المدينة، وعليه يحمل قول ابن مسعود الآتي: لأن الغالب على أهل مكة الكفر، فخوطبوا بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، وإن كان غيرهم داخلًا فيهم.

وكان الغالب على أهل المدينة الإيمان، فخوطبوا بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وإن كان غيرهم داخلًا فيهم.

وذكر الماوردي: أن البقرة مدنية في قول الجميع، إلا آية وهي: ﴿وَاتّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (البقرة: 281)؛ فإنها نزلت يوم النحر بمنى.

ونزولها هناك لا يخرجها عن المدني بالاصطلاح الثاني، أن ما نزل بعد الهجرة مدني سواء كان بالمدينة أو بغيرها.

وقال الماوردي في سورة النساء: هي مدنية إلا آية واحدة نزلت في مكة في عثمان بن أبي طلحة حين أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منه مفتاح الكعبة ويسلمها إلى العباس فنزلت: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (النساء: 58) والكلام فيه كما تقدم.

ومِن جملة علامات أن كل سورة فيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، وليس فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فهي مكية، وفي الحج اختلاف، وكل سورة فيها ﴿كَلَّا﴾، فهي مكية، وكل سورة في أولها حروف المعجم فهي مكية إلا البقرة وآل عمران، وفي الرعد خلاف، وكل سورة فيها قصة آدم وإبليس فهي مكية، سورة البقرة، وكل سورة فيها ذكر المنافقين فمدنية سوى العنكبوت.

وقال هشام عن أبيه: كل سورة ذكرت فيها الحدود والفرائض فهي مدنية، وكل ما فيه ذكر القرون الماضية فهي مكية.

والقول بأن السورة المكية لا بد أن يكون الخطاب فيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، والمدنية لا بد أن يكون الخطاب فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ليس على الإطلاق.

فإن سورة البقرة مدنية وفيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا ربَّكُمْ﴾ (البقرة: 21)، وفيها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا في الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (البقرة: 168).

وسورة النساء مدنية وفيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم﴾ (النساء: 1)، وفيها ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيّهَا النَّاس﴾ (النساء: 133).

وسورة الحج مكية وفيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (الحج: 77).

فإن أراد المفسرون أن الغالب ذلك فهو صحيح، ولذا قال مكي: إنما هو في الأكثر وليس بعام.

وقال الشيخ العلامة طاهر الجزائري: قال ابن شيطا: جملة ما نزل في المدينة تسع وعشرون سورة في النصف الأول، خمس سور متواليات: الفاتحة، والبقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، ثم التوبة والأنفال والتوبة، ثم الرعد.

وإحدى وعشرون سورة في النصف الثاني وهي: الحج والنور والأحزاب، ثم القتال والفتح والحجرات، ثم الحديد إلى خاتمة التحريم عشر سور، ثم الإنسان وباقي سور القرآن الخمس والثمانين مكية على خلاف في خمس، وهي: القمر والرحمن والإخلاص والمعوذتان.

وقال أيضًا: السور التي بين الحديد والتحريم ثمان: وهي سورة المجادلة، والحشر، والممتحنة، والصف، والجمعة، والمنافقون، والتغابن، والطلاق.

قال أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري في كتابه: (التنبيه على فضل علوم القرآن): مِن أشرف علوم القرآن علم نزوله وجهاته، وترتيب ما نزل بمكة ابتداءً ووسطًا وانتهاءً، وترتيب ما نزل بالمدينة كذلك، ثم نزل بمكة وحكمه مدني، وما نزل بالمدينة وحكمه مكي، وما نزل بمكة في أهل المدينة، وما نزل بالمدينة في أهل مكة، ثم ما يشبه نزول المكي في المدني، وما يشبه نزول المدني في المكي، ثم ما نزل بالجحفة، وما نزل ببيت المقدس، وما نزل بالطائف، وما نزل بالحديبية، ثم ما نزل ليلًا، وما نزل نهارًا، وما نزل مشفعًا، وما نزل مفردًا، ثم الآيات المدنيات في السور المكية، والآيات المكية في السور المدنية، ثم ما حمل مِن مكة إلى المدينة، وما حمل مِن المدينة إلى مكة، وما حمل مِن المدينة إلى أرض الحبشة، ثم ما نزل مجملًا، وما نزل مفسرًا، وما نزل مرموزًا، ثم ما اختلفوا فيه، فقال بعضهم: مدني.

هذه خمسة وعشرون وجهًا مَن لم يعرفها ويميز بينها لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله تعالى.

·       فوائد العلم بالمكي والمدني:

قال الأستاذ مناع القطان رحمه الله: وللعلم بالمكي والمدني فوائد أهمها:

أ- الاستعانة به في تفسير القرآن، فعن معرفة مواقع النزول تساعد على فهم الآية وتفسيرها تفسيرًا صحيحًا، وإن كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويستطيع المفسر في ضوء ذلك عند تعارض المعنى في آيتين أن يميز بين الناسخ والمنسوخ، فإن المتأخر يكون ناسخًا للمتقدم.

ب- تذوق أساليب القرآن، والاستفادة منها في أسلوب الدعوة إلى الله، فإن لكل مقام مقال، ومراعاة مقتضى الحال من أخص معاني البلاغة، وخصائص أسلوب المكي في القرآن والمدني منه تعطي الدارس منهجًا لطرائق الخطاب في الدعوة إلى الله بما يلائم نفسية المخاطب، ويمتلك عليه لبه ومشاعره، ويعالج فيه دخيلته بالحكمة البالغة، ولكل مرحلة من مراحل الدعوة موضوعها وأساليب الخطاب فيها، كما يختلف الخطاب فيها، كما يختلف الخطاب باختلاف أنماط الناس، ومعتقداتهم وأحوال بيئتهم، ويبدو هذا واضحًا وجليًّا بأساليب القرآن المختلفة في مخاطبة المؤمنين والمشركين والمنافقين وأهل الكتاب.

جـ- الوقوف على السيرة النبوية مِن خلال الآيات القرآنية: فإن تتابع الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ساير تاريخ الدعوة بأحداثها في العهد المكي، والعهد المدني، منذ بدأ الوحي حتى آخر آية نزلت، والقرآن الكريم هو المرجع الأصيل لهذه السيرة الذي لا يدع مجالًا للشك فيما روي عن أهل السير موافقًا له، ويقطع دابر الخلاف عند اختلاف الروايات.

 

فصل في معنى الحضري والسفري

والنهاري والليلي والشتائي والصيفي

قال العلامة طاهر الجزائري ما ملخصه:

"نزل أكثر القرآن في الحضر، وقد نزل منه في السفر، وقد تتبع العلماء ذلك فذكروا ما وقفوا عليه منه:

1- فمِن ذلك سورة الفتح.

2- ومِن ذلك: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: 3).

3- ومِن ذلك: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (النساء: 58) نزلت في جوف الكعبة في فتح مكة.

4- ومِن ذلك: سورة المرسلات.

·       ذكر النهاري والليلي من القرآن:

كان القرآن ينزل ليلًا ونهارًا أكثر، وقد تتبع العلماء الليلي فذكروا ما وقفوا عليه منه.

1- فمِن ذلك: سورة الفتح.

2- ومِن ذلك: سورة المنافقون، فقد أخرج الترمذي عن زيد بن أرقم أنها نزلت ليلًا في غزوة تبوك.

3- ومِن ذلك: سورة المرسلات، ففي صحيح الإسماعيلي أنها نزلت ليلة عرفة بغار منى وهو في الصحيحين بدون قوله: ليلة منى.

·       ذكر الشتائي والصيفي في القرآن:

قال الواحدي: أنزل الله في الكلالة آيتين: إحداهما في الشتاء، وهي التي في أول النساء، والأخرى في الصيف، وهي التي في آخرها.

ومِن الصيفي: الآيات النازلة في غزوة تبوك؛ فقد كانت في شدة الحر.

ومِن الشتائي: الآيات التي في غزوة الخندق مِن سورة الأحزاب، فقد كانت في شدة البرد، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ (الأحزاب: 9).

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

 

تصنيفات المادة