الأحد، ١٢ صفر ١٤٤٣ هـ ، 19 سبتمبر 2021
بحث متقدم

التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة (6) تعامل الطفل مع النقود

لا يخفي على حضراتكم أن النقود قوام الحياة الآن؛ فبها يتحصل الإنسان على حاجياته

عصام حسنين
الأربعاء 06 يناير 2021 - 00:00 ص

التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة (6) تعامل الطفل مع النقود

كتبه/ عصام حسنين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

ففي هذا المقال نتناول -إن شاء الله- أساسًا مهمًّا، يربط الطفل بالمجتمع الذي حوله؛ ألا وهو: تعامله مع النقود.

- فلا يخفي على حضراتكم أن النقود قوام الحياة الآن؛ فبها يتحصل الإنسان على حاجياته، ولابد أن يكون اكتسابها من حلال، وإنفاقها -أيضًا - يكون باعتدال في حلال.

- ولهذه الأهمية لابد وأن يتربي الطفل التربية الصحيحة للتعامل المعتدل مع النقود اكتسابًا وإنفاقًا، وهذا يحتاج إلي جهد من الوالدين عظيم، ولا يُستكثر ذلك في الطريق إلي الولد الصالح؛ لأن من عرف شرف ما يطلب، هان عليه ما يبذل.

- يتعرف الطفل على النقود في سن مبكرة -الرابعةِ مثلًا-، عندما يرى أمه تشتري السلع والحاجيات من السوق بالنقود، وأبوه يتحدث مع أمه عن النقود التي تخصص لميزانية البيت، وأخوه الأكبر -مثلًا- يُوَجَّه في شراء حاجياتٍ للبيت بالنقود ونحو ذلك؛ فالنقود مقابل عمل، والنقود لقضاء أغراض خاصة.

- لذلك ينبغي أن يُعطَى من المال -بقدر محدد- ما يُشترى له ما يحبه، وأن يعوَّد أن يطلب المال بإذن، وأن يكون في حدود المتاح.

- كما يعوّد ألا يأخذ نقودًا من أحد إلا بموافقة أبيه أوأمه، وما يعطاه من جَد، أوعمّ، أو قريب، ينبغي أن تنفق عليه، والأنسب في ذلك أن يُعلّم الادخار لشراء شيء محبب له بتخصيص "حصَّالة" يُودِع فيها ما يُعْطاه من النقود التي تزيد على حاجته.

- كما ينبغي أن يعوَّد الطفل على استثمار المدَّخَرات بالطرق السليمة: كنفقة على احتياجاته، وصدقة على الفقراء والمساكين، ويقوم بإعطائها لهم بنفسه، وهذا يجعل في قلبه الرحمة والشفقة على ضعفاء المسلمين.

- وينبغي أن يُعوَّد الطفل الاستخدام الصحيح للنقود في حدود إمكانيات الأسرة، وأن يحمد الله دائمًا على نعمه، وأن ينظر في آمور الدنيا إلى الأقل منه، ويجعله يرى بعينيه مَن لا مأوى له، ومَن يسكن الأكواخ، ونحو ذلك، ويجعله يتصدق عليهم.

- بذلك يقوى عنده خلق القناعة بما آتاهم الله من فضله، وينمو عنده خلق الرحمة والشفقة على ضعفاء المسلمين.

- وأن يُعلَّم -بالممارسة- ألا يأخذ نقودًا يجدها في المنزل؛ لأنها ليست من حقِّه، ولأنها مخصصة لأغراض أخري، وأن يقول: وجدت هذا، ويكافئ على ذلك ويُشجع، مع الإشباع في حدود المستطاع، وأن تكون النقود في متناول اليد، ويقال له: "إن احتجت شيئًا؛ فقل: إني أريد كذا".

- وقد يُختبر بإلقاء نقود في طريقه؛ لينظر ماذا يفعل؟

- ولو أتى بها كوفئ على ذلك مكافأة عظيمة، وقد يقال له: لأنك أمين! خذها لك.

- وإن لم يأتِ بها نُبِّه، وعُلِّم أنه إذا وجد نقودًا في البيت أتى بها لأبيه أو أمه، وهو بذلك يكون أمينًا يحبه الله تعالي، وسيُكافئ على ذلك مكافأة كبيرة (شيء يحبه).

- ويُعوّد إذا بلغ سنًّا يعي فيه معنى الشراء أن يشترى ما يريده لنفسه من حلواء ونحوه، وما يريده البيت أيضًا، ويُستحب أن يكون هذا بالمران والتدريب من أبيه أو أخيه الكبير؛ فيُريه كيف يشتري ما ينفعه، وكيف لا يُغبن في شرائه، وحتى يكتسب الثقة والجرأة في التعامل الاجتماعي، بعيدًا عن الانطوائية، ويتعلم تحمُّل مسئولية السعي على رزقه فيما بعد.

- وليعلم الأبوان أن ابنهما هذا سيتعامل مع المجتمع شاءا أم أبيا؛ فلا داعي للخوف الزائد.

- وهذا نأخذه من سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فعن أنس -رضي الله عنه- قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَذْهَبُ، وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: (يَا أُنَيْسُ أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟) قَالَ قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ أَنَسٌ: وَاللَّهِ لَقَدْ خَدَمْتُهُ تِسْعَ سِنِينَ، مَا عَلِمْتُهُ قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ أَوْ لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: هَلَّا فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟! (رواه مسلم).

- وينبغي تعويد الطفل خدمة نفسه وخدمة والديه؛ بأن يعوّد تنظيم غرفته وفراشه، وإتيانه بكوب الماء لنفسه -مثلًا- إن احتاج، ونحو ذلك؛ مما يعوده النشاط والبذل، وخدمة نفسه، وألا يكون عالة على غيره، وإن نجح الوالدان في تعويد ولدهما على ذلك؛ فقد أسسا فيه أسسًا اجتماعية مهمة تنفعه فيما بعد، ولا يخفى ما في إهمال ذلك بالتدليل الزائد من مفاسد هي ضد منافع اعتماده على نفسه.

وينبغي أن يكون أسلوب هذا التعويد هو الحزم والرفق مع المتابعة، وهذا أيضًا نأخذه من سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فعندما هاجر النبي -صلي الله عليه وسلم- إلى المدينة جاءت أم سليم -رضي الله عنها- بابنها أنس -وهو ابن عشر سنين- قالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَادِمُكَ أَنَسٌ، ادْعُ اللَّهَ لَهُ، قَالَ: (اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ) (رواه مسلم).

وقال أنس -رضي الله عنه-: "خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَشْرَ سِنِينَ، وَاللهِ مَا قَالَ لِي: أُفًّا قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا؟ وَهَلَّا فَعَلْتَ كَذَا؟" زَادَ أَبُو الرَّبِيعِ: لَيْسَ مِمَّا يَصْنَعُهُ الْخَادِمُ. (رواه مسلم).

- فإن ذهب الطفل إلى الروضة، ووجد أطفالًا ينفقون أموالًا على حاجياتهم أكثر منه؛ فلا يجد غضاضة في نفسه من ذلك، ولابد وأن يكون معه نقود -بقدرٍ محددٍ- ينفق منها باعتدال على حاجته، وبذلك نَقيه من الانحراف المالي والنفسي.

- ومن الأهمية التربوية بمكان: المتابعة لما يأتي به من الروضة أو المدرسة بالنظر في حقيبته، وإذا وُجد شيء ليس من حاجياته، سُئل: من أين؟ فإن قال: وجدته في الفصل. قيل له: أعطه لمدرس الفصل لينظر مالكه. وإن قال: وجدتها في فناء المدرسة، يؤمر بإعطائه لمدير المدرسة أو الاختصاصي الاجتماعي. وإن قال: أعطانيه زميل لي. يقال له: لا تَقبل من أحدٍ شيئًا؛ إلا إذا كنت في حاجة لها؛ فتستعمله ثم ترده، وكذلك إذا طلب زميلك منك شيئًا ليس معه فأعطه، حتي يتعلم أن يُعطِي كما يحتاج أن يأخذ؛ وهذا كله صيانة للطفل من الانحراف المالى.

- وأذكر حديثًا دار بين مجموعة من المثقفين حول الفرْق بين التربية قديمًا وحديثًا؛ فقال أحدهم -رحمه الله-: "كانت أمهاتنا لا يعرفن القراءة والكتابة، وخَرَّجوا مدرسين وأطباء ومهندسين، والآن الأمهات خريجات الجامعات، وفشلت الكثيرات فيما نجحت فيه الأُوليات!

كانت أمي إذا رجعتُ من المدرسة تُمسك بالحقيبة وتُخرج جميع ما فيها، فإن وجدت شيئًا ليس لي، قالت: من أين؟ وتنظر في الكراسات: فإن وجدت علامة (x) تقول: لماذا هذا خطأ؟!".

نعم. إنها المتابعة الدقيقة التي تؤصل عند الطفل قواعد الأمانة، والقناعة، وعدم التعرض لممتلكات الآخرين، والأخذ بأسباب التفوق الدراسي، والحرص على ما ينفعه.

والله المستعان، وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

يتبع -إن شاء الله-.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

تصنيفات المادة