فوائد وعبر من قصة نبي الله الخضر -عليه السلام- (4)

(عجائب الخضر الثلاث)

سعيد محمود
الخميس ٠٤ فبراير ٢٠٢١

فوائد وعبر من قصة نبي الله الخضر -عليه السلام- (4)

(عجائب الخضر الثلاث)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

المقدمة:

- تذكير مختصر بما سبق.

- التمهيد بأن المشهد الأخير في القصة، يحمل المسائل الثلاث العجيبة التي علَّمها الله -عز وجل- للخضر، ولم يعلمها موسى -عليهما السلام-.

المشهد الأخير: (مسائل الخضر الثلاث):

- المسألة الأولى: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ -أي: بلا أجرة-، فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إِلَّا وَالخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ بِالقَدُومِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ قَدْ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا (لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا . قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا . قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا) (الكهف:71-73)، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (وَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا) (رواه البخاري).

- المسألة الثانية: ثم خرجَا من السفينة، فبينما هما يَمشيانِ على الساحل إذ أبْصَر الخضر غلامًا يلعب مع الغِلمان، فأخذ الخضرُ رأسه بيده، فاقتلعه بيده فقتَله، فقال له موسى: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) (الكهف:74-75)، قال: وهذه أشدُّ من الأولى، (قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا) (الكهف:76).

- المسألة الثالثة: (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ)، قال: مائل، فقال الخضرُ بيده (فَأَقَامَهُ)، فقال موسى -عليه السلام-: \"قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يُضيِّفونا: (لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا . قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) (الكهف:77-78). فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ فَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا) (رواه البخاري).

- جواب الخضر على تساؤلات موسى -عليهما السلام- في المسائل الثلاث: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا . وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا . فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا . وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) (الكهف:79-82).

الفوائد والعِبَر حول المسألة الأولى:

- (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا): قال سعيد بن جُبَير: \"كان ابن عباس يقرأ: (وَكان أمامَهم ملِك يأخذ كلَّ سفينة صالحة غصبًا)\".

- كان موسى -عليه السلام- معذورًا فيما فعل، لما رأى مِن المنكر الظاهِر، وهو: إتلاف المال، وعدم حفظ جميل أصحاب السفينة الكرام! وقد تقرر في كل الشرائع إنكار المنكر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَان) (رواه مسلم).

- لكن فعل الخضر -عليه السلام- وان كان منكرًا في ظاهره؛ إلا أنه عين المعروف، وحقيقته في باطنه الذي لا يعلمه موسى -عليه السلام-: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا).  

- فعل الخضر -عليه السلام- بما علمه من ربه، إعمال للقاعدة الشرعية العظيمة: \"مراعاة المصالح والمفاسد\"، قال القرطبي -رحمه الله-: \"ففي هذا من الفقه: العمل بالمصالح -إذا تحقق وجهها-، وجواز إصلاح كل المال بإفساد بعضه\" (تفسير القرطبي).

وقال ابن القيم -رحمه الله-: \"فإن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن المكلفين ما أمكن، فإن لم يمكن رفعه إلا بضرر أعظم منه، أبقاه على حاله، وان أمكن رفعه بالتزام ضرر دونه، رفعه به\" (إعلام الموقعين).

- وقد استنبط علماء الإسلام من القصة وغيرها القواعد الشرعية المختلفة الألفاظ، والتي تدور حول \"تحقيق المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها\"، ومنها: (قاعدة: احتمال أخف الضررين).

- من الأدلة على القاعدة من غير القصة: قوله -تعالى-: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام:180)، وقول موسى بعد قتله القبطي المحارب الظالم: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ) (القصص:15)، وذلك لما يترتب عليه من مفسدة أكبر وأشد.

وفي حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (دَعُوهُ)، فَلَمَّا فَرَغَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِذَنُوبٍ فَصُبَّ عَلَى بَوْلِهِ\" (متفق عليه).

قال النووي -رحمه الله-: \"وفيه: رفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما\".

الفوائد والعِبَر حول المسألة الثانية:

(وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا . فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا): قال سعيد بن جُبَير: \"كان ابن عباس يقرأ: (وأمَّا الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين)\".

- كان موسى -عليه السلام- معذورًا أيضًا فيما فعل، لما رأى مِن المنكر الظاهِر النكارة، وهو قتل غلام صغير غير مكلَّف، ولم يرتكب جرمًا! وقد تقرر في كل الشرائع إنكار المنكر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَان).  

- لكن فعل الخضر -عليه السلام- وإن كان منكرًا في ظاهره؛ إلا أنه عين المعروف وحقيقته في باطنه الذي لا يعلمه موسى -عليه السلام-: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَ?لِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا).

- فعل الخضر -عليه السلام- بما علمه من ربه، إعمال للقاعدة الشرعية العظيمة: \"مراعاة المآل في الأمور\": قال ابن بطال كما في الفتح: \"قول الخضر: (وأمَّا الغلام فكان كافرًا) هو باعتبار ما يؤول إليه أمره، أن لو عاش حتى يبلغ\" (فتح الباري).

- ولكن... قتل الغلام صغيرًا أمر خاص بالخضر -عليه السلام-؛ وإلا فالغلام حال قتله لم يكن صائلًا؛ لما أرسل نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن قتل الصبيان في الحرب، قال: \"إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَأَنْتَ فَلَا تَقْتُلْ مِنْهُمْ أَحَدًا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ تَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا عَلِمَ الْخَضِرُ مِنَ الْغُلَامِ حِينَ قَتَلَهُ\" (رواه مسلم).

قال ابن حجر -رحمه الله-: \"لا يجوز الإقدام على قتل النفس ممن يتوقع منه أن يقتل أنفسًا كثيرة قبل أن يتعاطى شيئًا من ذلك، وإنما فعل الخضر ذلك لاطلاع الله -تعالى- عليه\" (فتح الباري).

الفوائد والعِبَر حول المسألة الثالثة:

(وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا).

- كان موسى -عليه السلام- معذورًا أيضًا فيما فعل، لما رأى من المنكر الظاهر، فهو يصلح الجدار لأهل القرية اللئام، مع ما سبق مِن الإساءة -ظاهرًا- لأصحاب السفينة الكرام، وقد تقرر في كل الشرائع إنكار المنكر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَان).   

- لكن فعل الخضر -عليه السلام- وإن كان منكرًا في ظاهره؛ إلا أنه عين المعروف وحقيقته في باطنه الذي لا يعلمه موسى -عليه السلام-: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَ?لِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا).

- لقد حفظ الخضر -عليه السلام- كنز الصغار مِن أن يصل اليه أهل القرية اللئام الكبار: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ).

- العمل الصالح يبقى أثره في الذرية ولو بعد حين: (وكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا)، قال جعفر بن محمد: \"كان بين الغلامين وبين الأب الصالح سبعة آباء!\".

فائدة إيمانية تربوية من تعبيرات الخضر -عليه السلام-:

- لماذا اختلف التعبير من الخضر -عليه السلام- عن الإرادة فيما فعل: (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا)، (فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً)، (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا

- الجواب: أنه لما ذكر العيب أضافه إلى إرادة نفسه، فقال: (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا)، ولما ذكر القتل عبر عن نفسه بلفظ الجمع تنبيهًا على أنه مِن العظماء في علوم الحكمة، فلم يقدم على هذا القتل إلا لحكمة عالية، ولما ذكر رعاية مصالح اليتيمين لأجل صلاح أبيهما، أضافه إلى الله -تعالى-؛ لأن المتكفل بمصالح الأبناء، لرعاية حق الآباء ليس إلا الله -سبحانه وتعالى- (التفسير الكبير).

خاتمة: مسألة عقدية مهمة وخطيرة:

- لا يجوز لأحدٍ الخروج على شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم-، محتجًا بخروج الخضر على شريعة موسى، أو أن ذلك يسع الأولياء باعتبار أن الخضر ولي؛ قال ابن تيمية -رحمة الله-: \"فلفظ: الشرع والشريعة، إذا أريد به الكتاب والسُّنة لم يكن لأحدٍ مِن أولياء الله ولا لغيرهم أن يخرج عنه، ومَن ظن أن لأحدٍ مِن أولياء الله طريقًا إلى الله غير متابعة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- باطنًا وظاهرًا فلم يتابعه باطنًا وظاهرًا؛ فهو كافر.

ومَن احتج في ذلك بقصة موسى مع الخضر، كان غالطًا من وجهين: أحدهما: أن موسى لم يكن مبعوثًا إلى الخضر، ولا كان يجب على الخضر اتباعه؛ فإن موسى كان مبعوثًا إلى بني إسرائيل، وأما محمد -صلى الله عليه وسلم- فرسالته عامة لجميع الثقلين -الجن والإنس-، ولو أدركه مَن هو أفضل مِن الخضر كإبراهيم وموسى وعيسى، وجب عليهم اتباعه؛ فكيف بالخضر سواء كان نبيًّا أو وليًّا؟! ولهذا قال الخضر لموسى: (إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ لاَ تَعْلَمُهُ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لاَ أَعْلَمُهُ) (متفق عليه)، وليس لأحدٍ من الثقلين الذين بلغتهم رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- أن يقول مثل هذا.

الثاني: أن ما فعله الخضر لم يكن مخالفًا لشريعة موسى -عليه السلام-، وموسى لم يكن عَلِم الأسباب التي تبيح ذلك، فلما بيَّنها له وافقه على ذلك، فإن خرق السفينة ثم ترقيعها لمصلحة أهلها خوفًا من الظالم أن يأخذها إحسان إليهم، وذلك جائز. وقتل الصائل جائز وان كان صغيرًا، ومن كان تكفيره لأبويه لا يندفع إلا بقتله جاز قتله، ولهذا قال ابن عباس -رضى الله عنهما- لنجدة الحروري لما سأله عن قتل الغلمان-: إن كنت علمت منهم ما علمه الخضر من ذلك الغلام؛ فاقتلهم وإلا فلا تقتلهم. وأما الإحسان إلى اليتيم بلا عوض، والصبر على الجوع؛ فهذا من صالح الأعمال، فلم يكن في ذلك شيء يخالِف شرع الله\" (مجموع الفتاوى، فصل: أجمع السلف والأولياء على أن الأنبياء أفضل من الأولياء)(1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال الدكتور عمر الأشقر -رحمه الله-: \"ضلَّ أقوام مِن هذه الأمة إذ ينتهكون الحرمات، ويرتكبون المنهيات، فإذا أنكر عليهم منكر، قالوا: حقيقة الأمر الخافية غير المظهرة البائنة، ويحتجون على ذلك بقصة الخضر، وإفساده للسفينة، وقتله للغلام! وهذا ضلال كبير يفتح باب الشر، ولا يستطاع إغلاقه بعد ذلك، والقول بنبوة الخضر يغلق هذا الباب، ثمَّ ليس لأحدٍ مِن هذه الأمة أن يخالِف الشريعة الإسلامية، فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرَّمه الله، فمَن رام خلاف الشريعة عوقب معاقبة المخالف، وإن زعم ما زعم... وقد أطال جماعة من محققي العلماء في إيراد الأدلة المبطلة لهذه الخرافة، منهم: ابن كثير في البداية والنهاية (1/326)، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان (4/184)، وقد ألَّف ابن حجر العسقلاني رسالة في ذلك سمَّاها: الزهر النضر في نبأ الخضر، وهي مطبوعة ضمن الرسائل المنيرية (2/195) (انظر: الرسل والرسالات: ص 24، وما بعدها).

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com