حياتنا بين الواقع والمأمول

حياتنا بين الواقع والمأمول
وائل رمضان
الأربعاء ١٢ مايو ٢٠٢١

حياتنا بين الواقع والمأمول

كتبه/ وائل رمضان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد اقتضت سنة الله في الكون أن يكون للإنسان هدفٌ تنعقد حوله الآمال، وغاية يسعى للوصول إليها في حياته المهنية أو الاجتماعية أو المادية، وأسمى الغايات وأنبلها هي: الظفر بمحبة الله -تعالى-، وتحصيل بره ورضاه، وحياة الإنسان محصورة بين واقع يعيشه، ومأمول ينشده، وهذه المساحة بين الواقع والمأمول عليها مدار سعادته أو شقائه.

والناس في هذا الشأن صنفان:

- صِنفٌ تَغَلْغَلَ همُّ الآخرة في نفسه، وَوَصَلَ سُوَيْداء قلبه، فهان عليه ما فاته من دُنياه؛ لأنه على يقين أنَّ مستقره وبقاءه في الدار الآخرة، (وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (الأعلى:17)، لا يطغى إن أَقْبَلَتْ إليه الدُّنيا، ولا يغتمّ إن أدبرتْ عنه، تراه عالي القدر، لا يقعد عن المكْرُمات، ولا تَتَوانى همته عنِ الصَّالحات الباقيات، ويستبق دائمًا الخيرات.

وصِنفٌ تملَّك قلبَه حبُّ الدنيا حتى صار همًّا له، ففُتِن بها وبزهرتها، حتى أضحت غايته؛ فلها يطلب، وبها يرضى، ومن أجلها يغضب، وبسببها يوالي، وعليها يعادي، فهو مغبون، يسعى نحو السراب يحسبه ماءً، حتى إذا جاءه خانه ظنه، وفاته أمله، وبقي عطشه ودامت حسرته.

ولقد بيَّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك في الحديث: (مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

وشعور الإنسان بالعجز عن تحقيق أهدافه وآماله في الدنيا، يصيبه بالإحباط، ويفقده الشعور بالرضا، وإذا فقد الإنسان الرِّضا، علا قلبَه الهمُّ والغمُّ، وشعر بخيبة الأمل عندما يجد البون شاسعًا بين واقعه وبين ما كان يؤمله ويطلبه، فتراه متسخطًا على أحواله، فلا هو براضٍ عن زوجة ولا ولد، ولا قانع برزق الله له، ودائمًا متطلع لما في يد الآخرين، وهذا جزاء كل مَن لم يرضَ بقدر الله -تعالى-، ففي الحديث: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ) (رواه مسلم).

ولقد بيَّن لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علاج ذلك، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ) (رواه مسلم)، فالإنسان إذا نظر إلى مَن فوقه في المال والجمال، ونحو ذلك، قد يتحسَّر، وقد يتألم، لكن ينظر إلى مَن دونه مِن الفقراء، ونحو ذلك؛ حتى يعرف قدر نعمة الله عليه؛ هذا في أمور الدنيا، أما في أمور الآخرة وأمور الطَّاعات فلينظر إلى مَن فوقه؛ ليتأسَّى بهم، وليقتدي بالأخيار، كما قال -تعالى-: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) (الحديد:21)، وقال -جل شأنه-: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (البقرة:148).

فعلى المرء أن يكون على قناعة تامَّة بأن الله الحكيم اقتضت حكمته بين خلقه أن جعلهم متفاوتين في الرزق؛ لأمر يريده -سبحانه-، قال -تعالى-: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ) (النحل:71)، وهذا قد يكون للابتلاء والاختبار، فقد كتب عمر -رضي الله عنه- رسالة إلى أبي موسى الأشعري، يقول له فيها: \"اقْنَعْ بِرِزْقِكَ في الدُّنْيا، فَإنَّ الرَّحْمَنَ فَضَّلَ بَعْضَ عِبادِهِ عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ، بَلاءً يَبْتَلِي بِهِ كُلًّا، فَيَبْتَلِي بِهِ مَن بَسَطَ لَهُ كَيْفَ شُكْرُهُ فِيهِ، وشُكْرُهُ لِلَّهِ أداؤُهُ الحَقَّ الَّذِي افْتَرَضَ عَلَيْهِ فِيما رَزَقَهُ وخَوَّلَهُ\".

ولقد غرس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في نفوس المسلمين فضيلة \"القناعة والرضا\"، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، بل إن الله -تعالى- نهى نبيه -صلى الله عليه وسلم- عن النظر إلى ما ابتُلي به المشركون من زهرة الحياة الدنيا، فقال -تبارك وتعالى-: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طه:131).

وأخيرًا: فإن الحياة الطيبة لا تُنَال إلا في ظل طاعة الله -تعالى-، قال -عز وجل-: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل:97)

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

 

 

ربما يهمك أيضاً