نقد الكهنوت الصوفي (1)

نقد الكهنوت الصوفي (1)
عبد المنعم الشحات
الجمعه ١٨ يونيو ٢٠٢١


نقد الكهنوت الصوفي (1)


كتبه/ عبد المنعم الشحات


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛


فمِن المُبَشِّرات التي تدلنا على أن الحق أبلج، وأنه ينتشر -بحمد الله- بما له من ‏بهاء، وبما لحجته من سلطان؛ حتى مع حملات التشويه، واستثمار الأخطاء، هي: تلك الوقفة التي وقفها بعض الشباب تجاه ممارسات صوفية لمشايخ، لهم ‏وضعهم ومكانتهم عند مريديهم، ومع هذا؛ فقد وقف هؤلاء الشباب منكرين ‏أي محاولة ولو كانت لطيفة أو مستترة لإيجاد وساطة بينهم وبين ربهم في ‏الدعاء والعبادة!


ومِن هنا جاءت هذه النصيحة النقدية للمدرسة التي تقوم على ثلاثة موارد فكرية لكلِّ جانب مِن ‏جوانب الشخصية الإسلامية، وهي: سنية الفقه على الطريقة المذهبية غالبًا، وعقيدة المتكلمين، وصوفية السلوك كما قال "ابن عاشر" في منظومته:


في عقد الأشعري وفقه مالك                        وفي طريقـة الجنيـد السالـك


وبالطبع ربما نجد عند غير ابن عاشر الشافعي بدلًا مِن مالك، وربما نجد ‏عند غيرهما الماتريدي بدلًا من الأشعري، وأبا حنيفة بدلًا من مالك.


وأيًّا ما يكن الثلاثة؛ فسنجد دائمًا أن إمامَ الفقه الذي ينتسِبون إليه أحد ‏الأئمة الأربعة، وإذا قارنته بإمام الكلام والتصوف الذي ينتسِبون إليه؛ ‏فستجده أعلم، وقبوله في الأمة أوسع وأشهر؛ فضلًا عن أن الأئمة الأربعة ‏ينتمون للقرون الخيرية -بفضل الله-.


ومِن ثَمَّ فنحن ندعو أرباب هذه المدرسة أن يجعلوا إمامهم في الفقه هو ‏إمامهم في العقيدة والسلوك، أو -على الأقل- أن يرجعوا إلى منهج الإمام الغزالي الذي صاغ ذلك المنهج ‏الثلاثي؛ فإنه لو أدرك زماننا ووجد نفورَ الشباب -بفضل الله- مِن تلك المشارب الصوفية؛ لأفتى ‏المنتسبين إليه أن يتركوا الدعوة إلى مناهجهم الكلامية وتجاربهم الصوفية، ويتركوا ‏العوام لينعموا بيقين السلف كما صرَّح في غير ما كتابٍ مِن كتبه، منها: "المنقذ من الضلال"، ‏والذي صَرَّح فيه بأن علم الكلام لا يثبت شيئًا، وأن غايته أن يرد به على الفلسفة، وأنه ‏بعد خوضه غمار تلك المعارك احتاج إلى اليقين؛ فلم يجده إلا في التجارب الصوفية! مع تأكيده أن لا هذا ولا ذاك هو منهج السلف، وتشديده على نصيحة مَن لم يحتج إلى ‏هذا: أن يثبت على منهج السلف، وتصريحه بأن أسعد الناس بالقرب مِن منهج السلف هم أصحاب الإمام أحمد.


ورحم الله الغزالي، لو أتعب نفسه قليلًا، واستعمل ذكاءه الوقَّاد في بحث كيف وصل ‏السلف إلى هذا اليقين، ربما كان له شأن آخر.


إن الشكوك التي فَرَّ منها الغزالي إلى الصوفية لا تزيدها الصوفية في زماننا إلا اشتعالًا؛ حيث ‏تتربص العالمانية بالشباب لتنفِّرهم مِن الدِّين؛ بزعم أنه يجعلهم عبيدًا لرجال الدِّين، وأنه ‏يسوق الخرافة! وكل هذه التُّهَم تصدق على الصوفية؛ لا سيما في صورتها الطرقية التي ‏استقرتْ عليها منذ القرن السادس الهجري بشكلٍ كبيرٍ.


إن الخلاف الفكري بيننا وبين تلك المدرسة لن يمنعنا أن نحبَّ الخيرَ لهم، وأن نتعاون معهم؛ لا سيما ونحن في خندق الشريعة نعود سويًّا إلى الفقه ‏السُّنِّي، وعلينا أن نوحِّدَ الجهودَ للتصدي للحرب الشعواء ضده.


والمعركة الآن تتمحور حول محاولة تغيير ما تبقَّى مِن ‏الشريعة مطبَّقًا بقوة المجتمع مِن: الأحوال الشخصية، والأخلاق، والآداب العامة، ونرجو ألا يدفع هذا الخلاف رموزَ هذه المدرسة إلى السَّير عكس التيار، ودفع أبناء الأمة ليكونوا لقمة سائغة تفترسها تيارات الإلحاد والعلمنة.


وفي ضوء هذا التوجُّه أرجو: أن يفسِّروا هذه النصيحة، والتي سأجتهد أن أكون فيها ‏موضوعيًّا دائمًا، هادئًا غالبًا؛ إلا في معالجة بعض الانحرافات التي تستحق ‏أن تُوصَف بالألفاظ المنفِّرة المناسِبة.


‏ التجربة في الفكر الصوفي:‏


1- بدأ الفكر الصوفي بمسافة انحرافٍ يسيرةٍ عن مصدر العلوم الشرعية، ‏قام بها بعض الوعاظ في القرن الثاني الهجري، ‏ومِن ثَمَّ اعتمدوا على الأحاديث الضعيفة، ثم على شيءٍ من الذوق والرأي، و‏التقط الباطنية الخيط؛ فأدخلوا عليهم أنواعًا ‏فاحشة مِن الفساد والانحراف، ثم ‏جاء الغزالي فحارب الباطنية، ولكنه أقرَّ بالتجربة الصوفية كوسيلةٍ ‏لاستجلاب اليقين، ثم ‏جاءت الطرق الصوفية في القرنين: السادس والسابع الهجريين، فتوسعت ‏في هذا الباب توسعًا كبيرًا، فجعلت من هذا الباب بكل ‏وضوح نوعًا مِن تشريع ‏عبادات لم يأذن بها الله، وقد قال -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ‏الْإِسْلَامَ دِينًا(المائدة:3)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ(متفق عليه).


وقد أنكر الصحابة -رضي الله عنهم- ‏هذا الانحراف، وهو ما زال شيئًا يسيرًا ‏جدًّا، فقال ابن مسعود -رضي الله عنه- لمَن أضافوا هيئة يسيرة في الذكر -بأن ‏وضعوا ‏في أيديهم حصى، وجعلوا لهم إمامًا في الذكر يقول لهم: سبِّحوا مائة فيسبحون، حمِّدوا مائة ‏فيحمدون-: "مَا هَذَا الَّذِي أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حصًى نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ. قَالَ: فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ، فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيْءٌ وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ! هَؤُلَاءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُتَوَافِرُونَ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ، وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أوْ ‌مُفْتَتِحُو ‌بَابِ ‌ضَلَالَةٍ! قَالُوا: وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا أَرَدْنَا إِلَّا الْخَيْرَ. قَالَ: وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ" (أخرجه الدارمي في سننه، 1/ 287، وصححه الألباني).


فكيف لو رأى ابن مسعود -رضي الله عنه- مَن يوصي ‏الناس بقول: "اهمن سقك ‏حلع يصو" على أن يكون (1111 مرة!)، فإن زاد أو نقص ‏فلن يحصل الأثر كما في مقطع فيديو للشيخ "علي جمعة!".‏


والذكر هو: حضور المذكور في قلب الذاكر، والتعبير عن ذلك بلسانه؛ فكيف ‏يمكن أن يكون التعبير بحروفٍ مبعثرة كهذه -وهذا ‏هو أحسن احتمالاتها-؟! وإلا فلن تكون إلا ذكرًا لأسماء شياطين!‏


وعجبًا لمَن ترك العبادات والأذكار النبوية الثابتة عن النبي -صلى الله ‏عليه سلم- على اعتبار أنها رسوم أعاقت قلوبهم عن ‏الانطلاق، فكانت نتيجة ‏تحليق قلوبهم بعيدًا عن الأذكار النبوية أن خَرَّت من السماء في وادي: "اهمن سقك حلع يصو" ‏السحيق! ‏(سنحاول معالجة تاريخ التصوف بشيءٍ مِن البسط في مقالات أخرى -إن شاء الله-‏‏)‏.


التجربة ليست لعموم المكلفين، وإنما هي لمَن ألبس خِرْقة التصوف بالإسناد:‏


وبعد أن اتسعت الفجوة بين المشروع وبين ما تفعله الطُّرُق الصوفية، ‏فجأة تسابقتِ الطرق الصوفية بعد أكثر من خمسة أو ‏ستة قرون لادِّعاء ‏أسانيد تتصل إلى علي -رضي الله عنه- أو إلى غيره مِن الصحابة كأبي بكر ‏الصديق -رضي الله عنه-، ‏وهذه الأسانيد (التي يُطلَب منا أن نصدِّق أنها بقيت طوال هذه القرون ‏سِرِّيَّة) لو افترضت صحتها -وهيهات هيهات!- فلن تشهد ‏مثلًا لعبارة: "اهمن ‏سقك حلع يصو"، وإنما غاية ما يدعيه أصحابها أن الصحابي (سواء كان أبا بكر أو ‏عليًّا -رضي الله عنهما-) أَذِن ‏للحسن البصري -رحمه الله- الذي اتَّفق علماء ‏الرجال -من غير الصوفية- على أنه لم يلقَ لا أبا بكر، ولا عليًّا -رضي الله ‏‏عنهما-.‏


ثم ادَّعى كلُّ شيخ سندًا إلى الحسن البصري -رحمه الله-!


ولا ندري: أي أزمة تلاميذ تلك التي جَعَلَتْ صحابيين جليلين لديهما عِلْم ‏نَافِع للأمة أيما نفع، فيُسِرُّ به كلُّ منهما لرجلٍ واحدٍ مِن صغار التابعين (وفي ‏الواقع هو لم يلقَ أيًّا منهما بإجماع علماء الرجال مِن غير الصوفية)، ثم يستمر هذا التعليم الخفي إلى أن يظهر لنا بعد 600 سنة؟!


المهم، المدعى أنه أُذِن له بالتجربة وألبس الخرقة، ثم أَذِن هو لفلان، وهكذا ‏إلى أن أذن للشاذلي وغيره مِن مشايخ الطرق، ‏وبالطبع فأسانيد هذه الطرق مليئة برجالٍ لم يَسمع عنهم المحدِّثون شيئًا، ولم توزن عدالتهم وضبطهم بموازين رجال الحديث ‏‏(والصحيح أنه لا وجود ‏لهم أصلًا!).‏


والذهبي -رحمه الله- في كتابه: "تاريخ الإسلام" بعد ما ساق السند الذي ادَّعاه الشاذلي إلى عليٍّ -‏رضي الله عنه- قال: "وهذا نَسَبٌ كان ‏الأوْلَى بِهِ ترْكه، وترْك كثير مما قاله في تواليفه من الحقيقة، وهو رَجُل ‏كبير القَدْر، كثير الكلام، عالي المقام. لَهُ شِعر ونثْر ‏فيه مُتشابهات وعبارات، يُتكلَّف لَهُ ‏فِي الاعتذار عَنْهَا".‏


المريد ليس له إلا تجربة شيخه وبعد الاستئذان:‏


ومرة أخرى: يُصدَم مَن دخل التصوف طالبًا للتحرر مِن الرسوم كما أوهموه أن هذا ‏الحق ليس إلا لرجالٍ معدودين استطاعوا ادِّعاء أن ‏معهم تلك الأسانيد، وبما أننا نتكلم عن مريدٍ أعرض عن الأذكار والأوراد النبوية، ولهث وراء ‏تجارب هؤلاء المتكبرين مِن ‏الشيوخ والطُّرقيين؛ فسيكون السؤال المنطقي: ‏هل يمكن للمريد أن يقرأ أو أن يتعلم هذه التجارب؟! ‏


فلو أردتَ الإجابة عن هذا السؤال مستنِدًا إلى قواعد الشرع؛ لوجدتَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ‏علَّمنا الطريق إلى الله، فمَن تعلمه منه ‏مباشرة، ومَن تعلمه عمَّن تعلمه منه؛ تجدهم ‏كلهم في عبادتهم ودعائهم يتوجهون إلى ربهم -عز وجل- بغير واسطة، كما قال -تعالى-: ‏‏(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ‏فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (آل عمران: 186)، فإذا استعملتَ قياس الأَوْلَى؛ فستجزم أن عدم الحاجة إلى الإذن في تجارب ‏البشر مِن باب أولى، وأننا لو سَلَّمنا جدلًا للبدعة التي تَدَّعي ‏الإذن للمكلَّفين أن يجرِّبوا ‏في العبادة، ثم تغاضينا عن كارثة: أن هذا الإذن لفريقٍ دون آخر، ولكن لا يمكن أن ‏تتصور أن يقول ‏قائلٌ: إنه صاحب التجربة وكأنه معه براءة اختراع لهذه العبادة ‏المخترعة! وبالتالي: لا يمكنك الاستفادة منها إلا بهذا الإذن، ‏ولكن دعنا نضع كل ‏الاحتمالات الممكنة للإجابة على سؤال: هل يمكن لأحدٍ أن يتعلم تلك التجربة ويستفيد منها؟! ‏


وهنا أمامك ثلاثة احتمالات:‏


الأول: نعم بالطبع، فلن تكون مقيَّدة بأكثر من العبادات المشروعة بالوحي.‏


الثاني: نعم، ولكن يفضَّل الإذن مِن صاحب التجربة.‏


الثالث: لا يمكن إلا بإذنٍ خاصٍّ.‏


وقد تجد مَن يقول بالإجابة الأولى ليكتفي بكارثة التجربة، ولكن دون الوقوع في كارثة "الاستئذان" المكرِّسة للكهنوت الصوفي.


وقد تجد مَن يقول بالإجابة الثانية.


وقد تجد مَن يقول بالإجابة الثانية ثم يقلبها إلى الثالثة بالتحذير الشديد أنها بلا إذنٍ تكون محدودة الفائدة، بل قد تنقلب ضررًا!


وقد يمثِّل لها بعضهم بالطبيب أو المدرِّب الذي ‏يضع برنامجًا علاجيًّا لكلِّ شخص يتناسَب مع حالته، وهو قياس مع الفارق؛ حيث إن الإذن المطلوب هنا قد يكون عبر وسائط، وليس بناءً على تقييم حاجة الشخص.


وعلى أية حال؛ فأنت لستَ في حاجةٍ إلى مناقشة مَن يجيب بأيٍّ مِن الإجابتين الأوليتين؛ لانك  إذا رجعت إلى شيوخ الطريقة فلن ‏تجد إلا الإجابة الثالثة وفقط -كما سترى في الفقرة التالية-.


الغماري يبيِّن لنا أن الذاكر بغير واسطة من الخَلْق كاللقيط أو المنتسِب إلى غير أبيه:‏


قال الغماري في كتابه: "البرهان الجلي في تحقيق انتساب الصوفية إلى ‏علي": "أما بعد، فلا يخفى على ذوي البصائر ‏والعقول: أن الفنون كلها لابد فيها مِن واسطة، ‏ومَن لا واسطة له في فنه لا بركة له فيه، ولو حصل فيه على الغاية القصوى، ‏فبركة ‏الفن وسره وروحه (وجود الواسطة فيه)، فمَن رُزقها رُزِق الفن وبركته، ومَن حرمها ‏حُرِم الفن وبركته، وهو أمر لا ‏يحتاج إلى برهان؛ إذ ليس الخبر كالعيان. ‏


ولما كان التصوف أولاها بذلك وأحقها بما هنالك، وكان مَن لا شيخ له فيه لا يُعبَأُ به ‏ولا يُلتَفَتُ إليه، بل هو عندهم لقيط لا أب ‏له، وسقيط لا طعم فيه!". ‏


ثم قال: "وقد قال الجنيد -رضي الله تعالى عنه-: سبق في علم الله القديم ألا يدخل أحد الحضرة إلا ‏على يد عبدٍ مِن عباده. وقال ‏القطب أبو العباس أحمد المرسي -رضي الله عنه-: ما ‏صارت الأبدال أبدالًا إلا بمجالسة أمثالنا!".‏


‏ثم قال: "وقال "العارف الشعراني" في "مدارج السالكين إلى رسوم طريق العارفين": "اعلم أيها ‏المريد -وفقنا الله وإياك لمرضاته-: ‏أن مَن لم يعرف آباءه وأجداده في الطريق؛ فهو أعمى، ‏وربما انتسَب إلى غير أبيه، فيدخل في حديث: "لعن الله مَن انتسب ‏إلى ‏غير أبيه"، ومرادنا بمعرفة الآباء، محكمة الاقتداء بهم في الأخلاق الشرعية، وقال ‏سيدي عمر بن الفارض -رضي الله عنه-: ‏


نسب أقرب في شرع الهوى ‏            بيـنـنا مِـن نـسـبٍ من أبوي"‏


وفي صحيح مسلم: (مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ ‏مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا)، والحديث ‏شَمَلَ -بطريق الإشارة- أدعياء الطريق كلهم.‏"


إذن فمنهج التجريب الصوفي انتهى بنا إلى كهنوتٍ يشرِّع فيه مَن حاز رُتْبَة الولاية، ويتبعه المريد مستسلمًا كالميت بين يدي ‏المغسِّل!


هذا كلامهم الصريح المدوَّن المؤيَّد بالنقول، يكتبونه ويطبعونه، ويدرِّسونه؛ فإذا ‏عُوتِبوا تأولوه تأويلًا متعسفًا يُطَمْئِنون به القلقين، ويسكِّتون ‏به المُنْكِرين، مع بقاءِ أصلِ الكلام -كما هو- مدوَّنًا متداولًا يمثِّل مرجعية ثابتة!


فلو لم تكن هذه تَقِيَّة؛ فماذا تكون التَّقِيَّة؟!


والصوفية ينظِّرون للتَّقِيَّة بجلاءٍ ووضوحٍ -كما سنبين في الفقرة التالية-.


الصوفية والتَّقِيَّة:


ذكر الشيخ السعيدي في مقالة: (السلفية والصوفية: نصحٌ بعلمٍ، وحكمٌ بعدلٍ‏) نماذج لمواطن صَرَّح فيها أعلام الصوفية بالعمل ‏بالتقية، وهي: روى الكلاباذي (ت: 380هـ) في كتاب: "التعرف لمذهب أهل التصوف" عن الجُنيد أنه ‏قال للشبلي: "نحن ‏حبَّرنا هذا العلم تحبيرًا، ثم خبأناه في السراديب، فجئتَ أنتَ ‏فأظهرته على رؤوس الملأ. فقال: أنا أقول وأنا أسمع، فهل في ‏الدارين ‏غيري؟!" (التعرف لمذهب أهل التصوف، ص 172).‏


ونقل الشعراني (ت: 973هـ) عن الجنيد: "كان يستر كلام أهل الطريق عمَّن ليس منهم، ‏وكان يستتر بالفقه والإفتاء على ‏مذهب أبي ثور، وكان إذا تكلَّم في علوم القوم أغلق ‏باب داره، وجعل مفتاحه تحت وركه" (اليواقيت والجواهر في بيان عقائد ‏الأكابر، ص ‏‏9302). ‏


ونقل الشعراني أيضًا عن الشاذلي قوله: "امْتَنَعَتْ عنِّي الرؤيا لرسول الله -صلى الله ‏عليه وسلم-، ثم رأيته، فقلت: يا رسول ‏الله: ما ذنبي؟ فقال: إنك لستَ بأهل لرؤيتنا، لأنك ‏تُطلِع الناس على أسرارنا" (الطبقات الكبرى للشعراني، 2 / 75). ‏


المراجعات بدل مِن التَّقِيَّة:‏


تعرَّضت الصوفية عَبْر تاريخها لكثيرٍ مِن عمليات النقد الذاتي والمراجعات.


فالغزالي ‏أوقف تيار الباطنية الذي كاد أن يلتهم ‏الصوفية. ‏


والإمام ابن حجر تَصَدَّى لتيار التصوف في الأزهر، وأوذي في سبيل ذلك.


قال الشعراني في طبقاته: "ومنهم: سيدي الشيخ محمد بن أحمد الفرغل -رضي الله تعالى عنه-… مِن الرجال ‏المتمكنين أصحاب التصريف!


ومِن كراماته: ... ومرَّ عليه شيخ الإسلام ابن حجر -رضي الله عنه- بمصر يومًا حين جاء في شفاعة لأولاد عمر، فقال في سرِّه ‏: ما اتَّخذ الله مِن وليٍّ جاهل، ولو اتَّخذه لعلَّمه -على وجه الإنكار عليه-، فقال له: قف يا قاضي، فوقف فمسكه ‏وصار يضربه، ويصفعه على وجهه! ويقول: بل اتَّخذني وعلَّمني!".‏


هكذا يرى الصوفية جزاء الإمام الحافظ ابن حجر، إذا حَدَّث نفسه بنقد لواحدٍ منهم، وسواء صَحَّت القصة أم لا؛ فهي إدانة ‏شنيعة لهم؛ لكونهم هم مَن يرويها، وهي تعبِّر عن مدى معاناة ابن حجر معهم، وسوف نقف مع هذه القصة في مقالةٍ قادمةٍ -بإذن الله-.‏


وألَّف البقاعي تلميذ الحافظ ابن حجر: ‏‏"تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي".‏


وفى العصر الحديث تأثَّر "السنوسي" بشيخ الإسلام ابن تيمية؛ فأنشأ حركة صوفية سُنِّيَّة ‏بعيدة عن الخرافة، وجاهد الاحتلال ‏بدلًا من موادعة الاحتلال الذي كان مقترنًا باسم: "‏الصوفية"، وعن بعض أفراد هذه الحركة أخذ الشيخ "محمد عبده" تعاليمه ‏الأولى كما ذكر "أحمد أمين" ‏في كتاب: "زعماء الإصلاح في العصر الحديث"، وبهذه الروح قاد عملية إصلاح ‏الأزهر التي ما ‏زال الأزهر يجني ثمارها إلى الآن. ‏


وفي هذه الآونة كثيرًا ما سمعنا مِن رموزٍ صوفيةٍ: إنكار منهج التصوف الفلسفي، وإنكار ما يُفعَل عند القبور مِن الطواف بها ‏والتبرك بحَدِيدِها؛ فضلًا عن طلب الحاجات ‏من أصحابها، وإن كان هذا مع قولهم  بمشروعية الصلاة في المساجد المقامة عليها؛ ‏إلا ‏أنها كانت خطوة على الطريق.


فهل نأمل أن يكون طريق المراجعات بديلًا عن التقية والطمأنة وبقاء تربية الأتباع ‏على ‏المعاني الفاسدة والتي تضر الأمة؟! لا سيما في ظلِّ ما نلمسه مِن الارتباط الطردي بين انتشار ‏الخرافة، وانتشار العالمانية والإلحاد مِن الجانب الآخر.


هل لهذا المنهج المُخْتَرَع مِن أدلةٍ نقليةٍ؟


الأصل في الطُّرُق الصوفية أنها تترفع عن الفقه، وتتعالى على الدليل، ويقولون لأهل السُّنَّة: أنتم أخذتم دينكم ميتًا عن ميتٍ، ونحن أَخَذْنَا دِينَنَا عن الحي الذي لا يموت!"، كما قال إِبْرَاهِيم سبتية: "حضرت مجلس أبي يَزِيد، والناس يقولون: فلان لَقِيَ فلانًا، وأخذ مِن علمه وكتب مِنْهُ الكثير، وفُلَان لَقِيَ فُلَانًا، فَقَالَ أَبُو يَزِيد: مساكين أخذوا علمهم ‌ميتًا ‌عَنْ ‌ميتٍ، وأخذنا علمنا عَنِ الحي الذي لا يموت!" (ذخائر الأعلاق لابن عربي، ص 153، الجواهر والدرر للشعراني بهامش الإبريز، ص 268).


ولكن السبكي -رحمه الله وعفا عنه- طَوَّر هذا الأمر، وقد كان على "مدرسة الغزالي" ‏في مذهبية الفقه، وأشعرية العقيدة -على تعصبٍ شديدٍ فيها-، وصوفية السلوك؛ وانتمى للطريقة الشاذلية بما فيها مِن بدع القبور والمشاهد، والغلو في الصالحين -بكلِّ صوره ‏مِن: التوسل، والتبرك-، وبملكته الفقهية حاول تمرير كل انحرافات الصوفية بما فيها مظاهر الغلو ‏في الصالحين، والمشاهد، والقبور؛ لتبدو كما لو كانت تستنِد إلى أدلةٍ شرعيةٍ ‏سُنِّيَّة! وهذا عن طريق تضعيف الصحيح، وتصحيح الضعيف، والتلاعب بالقواعد ‏الأصولية! كما بين ذلك الحافظ "ابن عبد الهادي" مِن ‏تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمهما الله- في كتابه: "الصارم المنكي في ‏الرد على السبكي".


وما مِن بدعةٍ مِن بدع التصوف إلا وابتدع لها شبهات واستدلالات تخرجها في صورة المسائل الشرعية، ومنها بالطبع: "التجربة والاستئذان"، ومِن ثَمَّ صار لِزَامًا علينا بيان باطلها، وهذا ما سنتناوله في مقالةٍ قادمةٍ -بإذن الله-.


ونسأل الله أن يهدينا إلى ما اختُلِف فيه مِن الحق بإذنه. ‏


وللحديث بقية -إن شاء الله-. ‏


موقع أنا السلفي


www.anasalafy.com