الأحد، ١٢ صفر ١٤٤٣ هـ ، 19 سبتمبر 2021
بحث متقدم

لماذا يتفق المسلمون في هلال شهر ذي الحجة ولا يتفقون في هلال شهر رمضان؟

لماذا يتفق المسلمون في هلال شهر ذي الحجة ولا يتفقون في هلال شهر رمضان؟
د/ ياسر برهامي
الأحد 25 يوليو 2021 - 10:25 ص


السؤال:


لماذا يختلف المسلمون في هلال شهر رمضان وثبوت دخوله، أما في أيام الحج وشهر ذي الحجة فيتفقون جميعًا؟


الجواب:   


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛


فهم يتفقون في ذي الحجة للحديث الشريف: (وَعَرَفَةُ يَوْمَ تَعَرِّفُونَ) (أخرجه الشافعي في الأم والبيهقي في السنن الكبرى، وصححه الألباني)، أما في رمضان، فالأصل أن لكلِّ أهل بلد رؤيتهم، وهذا هو الصحيح.


وننقل لك فتوى سابقة في هذا الأمر، وهي:


"اختلاف المطالع في رؤية الهلال، واشتراك البلدان في جزءٍ مِن الليل


السؤال:


1- ما حكم الأخذ بقول جمهور العلماء في الصوم مع أول بلد إسلامي يعلن رؤية هلال رمضان سواء كان السعودية أو ليبيا أو اليمن أو غير ذلك؟


2- كيف يكون لمصر رؤية مستقلة عن السعودية، وهي تشترك معها في الليل أصلاً؟ وهل يجوز أن تصوم مكة دون المدينة إن ظهر الهلال في مكة، فمكة والمدينة رؤيتهما واحدة، وكذلك لابد أن تكون مصر والسعودية، وكل بلاد المسلمين، فما الجواب بالتفصيل يا شيخ؟


3- سامحني يا شيخ على الاستطراد... لكن أليس في القول بأن لكل أهل بلد رؤيتهم المستقلة تفرقة للمسلمين، وإلا فهل مثلاً: لو الهلال ظهر في الصعيد يحق أن يقول أهل الإسكندرية -أو غيرها-: لنا رؤيتنا الخاصة، ونحن لم نرَ الهلال، ولم يظهر عندنا؟! فكذلك مع الدول الإسلامية كلها؟


4- أخبرني أحد الإخوة مِن كبار السن أن "الدعوة السلفية" كانت في أول الأمر في التسعينيات أو قبل ذلك تصوم مع السعودية، وقامت بعمل مصلى عيد بمفردها، ثم تراجعت عن هذه الأفعال بعد ذلك خشية الفتنة، فهل هذا صحيح؟


الجواب:


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛


1- فالصحيح في هذه المسألة ما دل عليه قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: (فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمُ تُضَحُّونَ، وَعَرَفَةُ يَوْمَ تُعَرِّفُونَ) (أخرجه الشافعي في الأم والبيهقي، وصححه الألباني)، فصم وأفطر مع البلد الذي أنتَ فيه.


2- لا دليل على اعتبار جزءٍ من الليل من كتاب أو سنة، والعبرة في ذلك بعمل المسلمين في البلد الذي أنتَ فيه؛ لحديث: (الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ... )، فلو انفصل العمل في مكة عن المدينة أو تبوك أو غيرهما كما كان في الصدر الأول لأمر سياسي أو لأمر مذهبي أو لتقسيم إداري كما كان زمن معاوية وابن عباس -رضي الله عنهما-، كأن يكون القاضي في بلد أو الإمام أو المفتي الذي يحكم بدخول الشهر يرى أن لكل أهل بلد رؤيتهم؛ لوجب على الناس أن يصوموا ويفطروا مع صوم أهل بلدهم وفطرهم؛ فهذا عمل الصحابة وأكثر السلف.


3- العبرة بعمل الناس في البلد الذي أنتَ فيه، فلو كان هناك مفتي أو قاضٍ أو حاكم للبلاد التي مُثـِّل بها وقد اختلفوا في مذاهبهم؛ لكان على كل أهل بلد أن يصوموا ويفطروا مع أهل بلدهم؛ للحديثين السابقين: (الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ... )، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: (فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمُ تُضَحُّونَ، وَعَرَفَةُ يَوْمَ تُعَرِّفُونَ)، وليس هذا تفرقة بيْن الناس، بل خلافه -خصوصًا إذا جهر به صاحبه- هو الذي يؤدي إلى الفتنة، أما مَن يرى لزوم الصوم والفطر دون اعتبار لاختلاف المطالع والبلاد؛ فهذا مذهب معتبر، وإذا أخذ به القاضي أو المفتي أو الحاكم وأعلن دخول الشهر به ثبت دخوله، وثبت الصوم والفطر على الناس، ومَن أصر على المخالفة ظانًا أنه يعمل بقول الجمهور؛ فليُسِر بذلك، ولا يجهر به.


4- نحن كنا نقول ذلك بالفعل، والمسألة اجتهادية في: هل لكل أهل بلد رؤيتهم أم يصوم المسلمون في كل العالم لرؤية الهلال في بلد واحد؟


وأنا قد رجعتُ إلى القول بأن لكل أهل بلد رؤيتهم؛ لحديث كريب -رحمه الله-: أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ، بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الْهِلالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلالَ فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلالَ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ: "لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلاثِينَ، أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أَوَ لا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ: "لا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (رواه مسلم)، وقد ذكر الترمذي -رحمه الله- بعد روايته لهذا الحديث في سننه أن العمل على هذا عند أهل العلم، فقال -رحمه الله-: "حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ لِكُلِّ أَهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتَهُمْ".


وقول ابن عباس -رضي الله عنهما-: "هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" ظاهر جدًّا في أن هذا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم-، أما جعله موقوفًا على ابن عباس -رضي الله عنهما- كما قال بذلك بعض العلماء كالشوكاني -رحمه الله-؛ فهذا خلاف الظاهر، لأنه قول صحابي لم يُعرف له مخالف مِن الصحابة مع انتشار العمل به؛ هذا فضلاً عن الفتنة في إظهار المخالفة لمن خالف".


موقع أنا السلفي


www.anasalafy.com