السبت، ١٧ ربيع أول ١٤٤٣ هـ ، 23 أكتوبر 2021
بحث متقدم

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (35) دعوة إبراهيم -عليه السلام- لملك زمانه إلى التوحيد (2)

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (35) دعوة إبراهيم -عليه السلام- لملك زمانه إلى التوحيد (2)
ياسر برهامي
الأحد 26 سبتمبر 2021 - 08:39 ص


الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (35) دعوة إبراهيم -عليه السلام- لملك زمانه إلى التوحيد (2)


كتبه/ ياسر برهامي


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛


قوله -عز وجل-:


(‌أَلَمْ ‌تَرَ ‌إِلَى ‌الَّذِي ‌حَاجَّ ‌إِبْرَاهِيمَ ‌فِي ‌رَبِّهِ ‌أَنْ ‌آتَاهُ ‌اللَّهُ ‌الْمُلْكَ ‌إِذْ ‌قَالَ ‌إِبْرَاهِيمُ ‌رَبِّيَ ‌الَّذِي ‌يُحْيِي ‌وَيُمِيتُ ‌قَالَ ‌أَنَا ‌أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (البقرة:258).


قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: "هذا الذي حاجَّ إبراهيم في ربه هو ملك بابل: نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح، ويقال: نمرود بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، والأول قول مجاهد وغيره -(قلتُ: وهذه السلسلة مِن النَّسَب مما لا يعلمه إلا الله، قال الله -سبحانه وتعالى-: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) (إبراهيم:9)؛ ولذلك كان هدي الأئمة -من أهل الحديث وغيرهم- الإعراض عن مثل هذه الروايات التي لا تفيد شيئًا)-. قال مجاهد: ومَلَك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعةٌ: مؤمنان وكافران؛ فالمؤمنان: سليمان بن داود وذو القرنين، والكافران: نمرود وبُخْتَنصر. فالله أعلم -(قلتُ: وهذا مما لا دليل عليه إلا في ذي القرنين؛ لما قص الله -عز وجل- علينا في كتابه مِن أنه بلغ مغرب الشمس، أي: أقصى مكان جهة الغرب في زمانه، وبلغ مطلع الشمس، أي: بلغ أبعد مكان جهة الشرق في زمانه، وبلغ بين السدين، وأما غيره ممَّن ذُكر -حتى داود وسليمان- فلم يثبت أنهما مَلَكا جميع الأرض؛ بل ظل سليمان -عليه السلام- زمنًا لا يعرف بوجود مملكة سبأ، حتى أبلغه الهدهد بأحوالهم؛ فلذلك لا فائدة من هذا الكلام، ولا دليل عليه)-.


ومعنى قوله: (أَلَمْ تَرَ) أي: بقلبك يا محمد إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربه، أي: في وجود ربه. وذلك أنه أنكر أن يكون ثَمَّ إلهٌ غيره، كما قال بعده فرعون لملئه: (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) (القصص:38)، وما حمله على هذا الطغيان والكفر الغليظ، والمعاندة الشديدة؛ إلا تجبُّره، وطول مدته في الملك؛ وذلك أنه يُقَال: إنه مكث أربعمائة سنة في ملكه -(قلتُ: هذه المجازفة في الأرقام لا يعلمها إلا الله، وقد تجنبت الروايات الصحيحة في السنة الثابتة مثل هذه المبالغات في عدد السنوات، وإن كان لا يُستبعد؛ فقد ذكر الله -سبحانه وتعالى- عن نوح أنه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، لكن لا بد من دليل صحيح من الكتاب والسنة، وقد عُدم في مدة ملك النمرود، وكذا في مدة ملك فرعون، وغيرهما)-.


ولهذا قال: (أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ)، وكان طلب مِن إبراهيم دليلًا على وجود الرب الذي يدعو إليه، فقال إبراهيم: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ)، أي: الدليل على وجوده، حدوثُ هذه الأشياء المشاهَدَة بعد عدمها، وعدمها بعد وجودها.  


وهذا دليل على وجود الفاعل المختار ضرورةً؛ لأنها لم تحدث بنفسها، فلا بد لها من مُوجد أوجدها؛ وهو الربُّ الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له، فعند ذلك قال المُحاجُّ -وهو النمرود-: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ).


قال قتادة ومحمد بن إسحاق والسدي وغير واحد: وذلك أني أُوتي بالرجلين قد استحقَّا القتل؛ فآمر بقتل أحدهما فيُقتَل، وآمر بالعفو عن الآخر فلا يقتل؛ فذلك معنى الإحياء والإماتة.


والظاهر -والله أعلم- أنه ما أراد هذا؛ لأنه ليس جوابًا لما قال إبراهيم ولا في معناه؛ لأنه غير مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام عنادًا ومكابرةً، ويُوهم أنه الفاعل لذلك، وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله: (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي)؛ ولهذا قال له إبراهيم لما ادَّعى هذه المكابرة: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ)؛ أي: إذا كُنتَ كما تدعي من أنك تحيي وتميت فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذواته، وتسخير كواكبه وحركاته، فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق؛ فإن كُنتَ إلهًا كما ادعيت تحيي وتميت؛ فأتِ بها من المغرب. فلما عَلِم عجزَه وانقطاعه، وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام بُهت؛ أي: أُخْرِس فلا يتكلم، وقامت عليه الحجة.


قال الله -تعالى-: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)؛ أي: لا يلهمهم حجة ولا برهانًا؛ بل حجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب ولهم عذاب شديد.


وهذا التنزيل على هذا المعنى أحسن مما ذكره كثير من المنطقيين: أن عدول إبراهيم عن المقام الأول إلى المقام الثاني انتقال من دليل إلى دليل أوضح منه، ومنهم مَن قد يُطلق عبارة رَدِيَّة (أي: قبيحة)، وليس كما قالوه؛ بل المقام الأول يكون كالمقدمة للثاني، ويبيِّن بطلان ما ادَّعاه نمرود في الأول والثاني، ولله الحمد والمنة.


وقد ذكر السدي أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم ونمرود بعد خروج إبراهيم من النار، ولم يكن اجتمع بالملك إلا في ذلك اليوم، فجرت بينهما هذه المناظرة.


وروى عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم: أن النمرود كان عنده طعام، وكان الناس يغدون إليه للميرة، فوفد إبراهيم في جملة مَن وفد للميرة، فكان بينهما هذه المناظرة، ولم يُعطِ إبراهيمَ من الطعام كما أعطى الناس؛ بل خرج وليس معه شيء من الطعام، فلما قرب من أهله عمد إلى كثيب من التراب، فملأ منه عَدْلَيْه، وقال: أَشغل أهلي عني إذا قدمتُ عليهم، فلما قَدِم وضع رحاله وجاء فاتَّكأ فنام. فقامت امرأته سارة إلى العَدْلين فوجدتهما ملآنين طعامًا طيبًا فعملت منه طعامًا. فلما استيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه، فقال: أنَّى لكم هذا؟ قالت: مِن الذي جئت به. فعلم أنه رزقٌ رزقهم الله -(قلتُ: هذه القصة لا تثبت، فهي موقوفة على زيد بن أسلم، فإما أن تكون مأخوذة عن أهل الكتاب ولا حجة في كلامهم، وإما أن تكون في معنى المرسل فهي ضعيفة. والظاهر: أنها من أخبار أهل الكتاب التي لا تُصَدَّق ولا تُكَذَّب)-.


قال زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكًا يأمره بالإيمان بالله، فأبى عليه، ثم دعاه الثانية فأبى، ثم الثالثة فأبى، وقال: اجمع جموعك وأجمع جموعي. فجمع النمروذ جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس، وأرسل الله عليهم بابًا من البعوض؛ بحيث لم يروا عين الشمس، وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ودماءهم وتركتهم عظامًا بادية، ودخلت واحدة منها في منخري الملك فمكثت في منخري الملك أربعمائة سنة؛ عذبه الله بها، فكان يضرب رأسه بالمرازب في هذه المدة كلها؛ حتى أهلكه الله بها" (انتهى من تفسير ابن كثير).


قلتُ: وهذه القصة أيضًا ليست ثابتة، وإنما هي مِن أخبار أهل الكتاب، ولم يَرِد في شيءٍ مِن الآيات والأحاديث أن هناك ملكًا مؤمنًا في ذلك الزمن؛ إلا ما زعمه البعض مِن أنه ذو القرنين؛ كان في زمن إبراهيم -عليه السلام-، ولا يثبت شيء من ذلك، وفي كتاب الله وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ما يغنينا عن مثل هذه الأخبار.


وللحديث بقية -إن شاء الله-.


          موقع أنا السلفي


www.anasalafy.com