السبت، ١٧ ربيع أول ١٤٤٣ هـ ، 23 أكتوبر 2021
بحث متقدم

الشعبوية!

الشعبوية!
طلعت مرزوق
الأحد 10 أكتوبر 2021 - 17:25 م


الشعبوية!



كتبه/ طلعت مرزوق


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  


فما زال هذا المصطلح محل جدل بين الباحثين: "هل الشعبوية ظاهرة اجتماعية وسياسية أم أيديولوجيا، أم حركة سياسية، أم ثقافة لها طبيعتها الخاصة، أم خطاب خاص بفئات معينة توجد خارج مؤسسات السلطة والنخبة".


ومع ذلك يمكن التدليل على معنى المصطلح مِن اشتقاقه مِن كلمة "الشعب"؛ فالشعبوية مُشتقة مِن تمثيل الشعب أو الناس العاديين في صراع مُفترض ضد "النُخبة" سواء تلك المُمثلة بالسلطة، أو الأشخاص والجماعات المتنفذة في المجتمع بشكل رسمي أو غير رسمي.


ويدَّعي الشعبويون: أن حكم النُخبة أدى إلى تهميش الناس العاديين، وأوقع الظلم بهم، ولا حل لهذه المشاكل بدون إزاحة النُخبة عن الحكم.


فالشعبويات السياسية تتغذى على أحاسيس التهميش، والحرمان والغضب لدى المجتمع، أو شرائح منه؛ سواء كانت هذه الأحاسيس حقيقية أو مُتخيلة.


ويُستخدم مصطلح الشعبوية بالمعنى السابق دائمًا على سبيل الازدراء، وفي مقابل الغوغائية في غالب الأحيان.


بدأ استخدام المصطلح في أواخر القرن التاسع عشر، ويتفق معظم دُعاة الشعبوية في تبسيط استخدام مفردة "الشعب" وأنهم صوته وصداه، وضميره، فضلًا عن احتكار تمثيله دون مراعاة قواعد التفويض الدستوري والقانوني.


فالخطاب الشعبوي مُبهم وعاطفي، لا يعتمد الأفكار والرؤى، لكن يميل إلى إلهاب المشاعر، وإثارة الحماس ليتطابق مع المزاج السائد، دون أي فائدة في التعامل مع المشاكل الواقعية.


وللشعبوية عدة خصائص أولية، منها:


- أنها تُمثِّل ثورة ضد النُخبة.


- أنها تزعم أن السياسة في متناول الجميع، واعتبارها مُعقدة ما هي إلا مكيدة وضعها النخبويون لعزل الشعب عن عملية صنع القرار.


- مُعظم جمهور الخطاب الشعبوي مِن الفقراء والأميين.


- غالب دُعاة الشعبوية ضد انتشار الإسلام في أوروبا، سواء تحقق ذلك بمنع الهجرة، أو غيره.


ويحتاج الخطاب الشعبوي لينتشر وينجح وجود زعماء ذوي كاريزما يستطيعون تلخيص محتوى هذا الخطاب الأخلاقي ببراعة، وحشد الجمهور المُهمش لصالحه، عبر وعود الخلاص مِن ظلم النُخبة التي تُقدِّم مصالحها، أو مصالح الدول الأجنبية، أو الشركات الكبرى، أو المهاجرين، على مصالح "الشعب".


وبسبب طابع الشعبوية التبسيطي والأخلاقي المُضلِل، ترتاب عادة في المؤسسات، وتعتبرها أداة بيد النُخبة لفرض هيمنتها على الجمهور، وسرقة موارده، فلا تفاصيل ولا أرقام في الحلول الشعبوية.


وقد وصفت رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي أحداث اقتحام الكونجرس بأنها "اعتداء من اليمين الشعبوي الذي مثله ترامب على القيم الديمقراطية".


بينما يرى أخرون أن صدام ترامب مع الحزب الديمقراطي ومؤيديه لم يكن كما ادعت نانسي بيلوسي صدامًا بين أنصار الديمقراطية وبين الشعبويين اليمينيين، بل كان صدامًا بين شعبوية اليسار وشعبوية اليمين، والتي وجدت لتبقى حاكمة للمشهد الأمريكي في المدى المنظور على أقل تقدير.


ويتضح مما سبق: أن الشعبوية ليست نظرية في السياسة، فلا يوجد إطار نظري تقدمه، أو أيديولوجيا مِن مبادئ، وأدوات، وأهداف مترابطة فيما بينها.


ويتواجد الشعبويون بامتداد الطيف السياسي: اليميني واليساري، ويرفعون الشعارات البراقة، مثل: "أوروبا للأوروبيين"، و"نحن الشعب"، و"كل السلطة للشعب"، وغير ذلك.


ولا يمكن بأي حال اعتبار الخطاب السياسي الإسلامي، المبني على السياسة الشرعية بضوابطها، مِن الخطابات الشعبوية بمعناها السلبي؛ لأنه أيديولوجيا متكاملة تتميز بالربانية، والتفرد، والشمول، والمرونة.


موقع أنا السلفي


www.anasalafy.com