الأربعاء، ٢٦ ربيع ثانى ١٤٤٣ هـ ، ٠١ ديسمبر ٢٠٢١
بحث متقدم

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (39) قصة إحياء الطيور الأربعة

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (39) قصة إحياء الطيور الأربعة
كتبه/ ياسر برهامي
السبت ٢٣ أكتوبر ٢٠٢١ - ١٦:٥١ م
50


الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (39) قصة إحياء الطيور الأربعة


كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ ‌لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة:260).

هذه قصة عظيمة ذكرها الله -سبحانه وتعالى- عن إبراهيم -عليه السلام- لبيان عظيم قدرته -عز وجل-، فهي تدل على وحدانيته لا شريك له، وعلى إحياء الموتى؛ الذي هو أوضح دليل على البعث والقيامة، والجزاء والحساب.

 وهذه القصة وقعتْ من إبراهيم -عليه السلام- ليست على سبيل الشك بنصِّ قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (نَحْنُ أحقُّ بالشكِّ مِنْ إبراهيمَ إِذْ قَالَ: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)" (متفق عليه)؛ فهذا دليل على أنه لم يشك؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يشك، وإنما قال: (نَحْنُ أحقُّ بالشكِّ مِنْ إبراهيمَ) أي: فكما توقنون أني لا أشك، فكذلك أيقنوا أن إبراهيم لم يشك في قدرة الله -كما سيأتي بيانه-.

قال ابن كثير -رحمه الله-: "ذكروا لسؤال إبراهيم -عليه السلام- أسبابًا؛ منها: أنه لما قال لنمرود: ربي الذي يحيي ويميت؛ أحبَّ أن يترقَّى من علم اليقين في ذلك إلى عين اليقين، وأن يرى ذلك مشاهدةً فقال: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ ‌لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)، ثم ذكر حديث أبي هريرة عن النبي -صلى لله عليه وسلم- (نَحْنُ أحقُّ بالشكِّ مِنْ إبراهيمَ)، ثم قال: فليس المراد ها هنا بالشك ما قد يفهمه مَن لا علم عنده بلا خلاف. وقد أجيب عن هذا الحديث بأجوبة، ثم لم يذكرها -رحمه الله-.

قال أبو سليمان الخطابي: ليس في قوله: (نَحْنُ أحقُّ بالشكِّ مِنْ إبراهيمَ) اعتراف بالشك على نفسه، ولا على إبراهيم؛ لكن فيه نفي الشك عنهما، يقول: إذا لم أشك أنا في قدرة الله -تعالى- على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى بأن لا يشك، وقال ذلك على سبيل التواضع والهضم من النفس، وكذلك قوله: (لَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ يُوسُفُ، ثُمَّ أتانِي الدّاعِي لَأَجَبْتُهُ) (متفق عليه) (قلتُ: أي داعي المَلِك؛ الذي قال: ائتوني به).

وفيه الإعلام: أن المسألة مِن إبراهيم -عليه السلام- لم تعرض من جهة الشك؛ ولكن من قِبَل زيادة العلم بالعيان؛ فإن العيان يفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يفيده الاستدلال، وقيل: لما نزلت هذه الآية، قال قوم: شك إبراهيم، ولم يشك نبينا -صلى الله عليه وسلم-، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا القول تواضعًا منه وتقديمًا لإبراهيم على نفسه. انتهى كلام الخطابي. 

قال ابن كثير -رحمه الله-: وقوله: (قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ): اختلف المفسِّرون في هذه الأربعة: ما هي؟ وإن كان لا طائل تحت تعيينها؛ إذ لو كان في ذلك مهم لنصَّ عليه القرآن، فروي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: هي الغُرْنُوق، والطاوس، والديك، والحمامة. وعنه أيضًا: أنه أخذ وزًا، ورَأْلًا -وهو فرخ النعام- وديكًا، وطاوسًا. وقال مجاهد وعكرمة: كانت حمامة، وديكًا، وطاوسًا، وغرابًا.

وقوله: (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) أي: قطعهن. قاله ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، وأبو الأسود الدؤلي، ووهب بن منبه، والحسن، والسدي، وغيرهم.

وقال العوفي، عن ابن عباس: (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ): أوثقهن، فلما أوثقهن ذبحهن، ثم جعل على كل جبل منهن جزءًا، فذكروا أنه عمد إلى أربعة من الطير فذبحهن، ثم قطعهن ونتف ريشهن، ومزقهن وخلط بعضهن في بعض، ثم جزأهن أجزاء، وجعل على كل جبل منهن جزءًا، قيل: أربعة أجبل. وقيل: سبعة. قال ابن عباس: وأخذ رؤوسهن بيده، ثم أمره الله -عز وجل- أن يدعوهن، فدعاهن كما أمره الله -عز وجل-، فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش، والدم إلى الدم، واللحم إلى اللحم، والأجزاء مِن كل طائر يتصل بعضها إلى بعض؛ حتى قام كل طائر على حدته، وأتينه يمشين سعيًا؛ ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها، وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم -عليه السلام-، فإذا قدَّم له غير رأسه يأباه، فإذا قدَّم إليه رأسه تركب مع بقية جسده بحول الله وقوته؛ ولهذا قال: (وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) أي: عزيز لا يغلبه شيء، ولا يمتنع مِن شيء، وما شاء كان بلا ممانع؛ لأنه القاهر لكل شيء، حكيم في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره.

قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب في قوله: (وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) قال ابن عباس: ما في القرآن آية أرجى عندي منها.

وروى ابن جرير بسنده عن سعيد بن المسيب قال: اتفق عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص أن يجتمعا ونحن شبيبة، فقال أحدهما لصاحبه: أيُّ آية في كتاب الله أرجى لهذه الأمة؟ فقال عبد الله بن عمرو: قول الله -تعالى-: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ‌لَا ‌تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر:53). فقال ابن عباس: أما إن كنت تقول هذا، فانا أقول: أرجى منها لهذه الأمة قول إبراهيم: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ ‌لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي).

وروى ابن أبي حاتم بسنده عن ابن المنكدر أنه قال: التقى عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، فقال ابن عباس لابن عمرو بن العاص: أيُّ آية في القرآن أرجى عندك؟ فقال عبد الله بن عمرو: قول الله -عز وجل-: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ‌لَا ‌تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، فقال ابن عباس: لكني أنا أقول: قول الله: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ ‌لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) فرضي مِن إبراهيم قوله: (بَلَى)، قال: فهذا لما يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان. وهكذا رواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه" (انتهى من تفسير ابن كثير).

فهذه الآية جعلها ابن عباس -رضي الله عنهما- أرجي آية؛ لأن الله تجاوز بهذه الأمة عما حدَّثَت به أنفسها؛ ما لم تعمل به أو تكلَّم، كما أخبر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقصة إبراهيم -عليه السلام- تؤكِّد هذا المعنى؛ فالله لا يؤاخذ بخواطر النفوس، ويرضى من عباده باليقين، ولا يقدح فيه الوساوس التي لم تصل إلى درجة الشك، فالله -سبحانه وتعالى- لا يؤاخذ العباد بوساوس النفوس، ولكن يؤاخذهم بالشك أو بالتكذيب، والشك هو استواء الطرفين، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأَنِّي رَسولُ اللهِ، لا يَلْقى اللَّهَ بهِمَا عَبْدٌ غيرَ شاكٍّ، فيُحْجَبَ عَنِ الجَنَّةِ) (رواه مسلم)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ما مِن أحَدٍ يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، صِدْقًا مِن قَلْبِهِ، إلّا حَرَّمَهُ اللَّهُ على النّارِ) (متفق عليه).

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com