الأربعاء، ٢٣ جمادى ثانى ١٤٤٣ هـ ، ٢٦ يناير ٢٠٢٢
بحث متقدم

وقفات مع آيات (12) (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ... ) (موعظة الأسبوع)

وقفات مع آيات (12) (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ... ) (موعظة الأسبوع)
كتبه/ سعيد محمود
الثلاثاء ٠٢ نوفمبر ٢٠٢١ - ٠٨:٥٧ ص
46

وقفات مع آيات (12) (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ... ) (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد قال -تعالى-: (‌تَبَّتْ ‌يَدَا ‌أَبِي ‌لَهَبٍ ‌وَتَبَّ . مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ . سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ . وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ . فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) (المسد).

قصة نزول الآية:

عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَرَجَ إِلَى الْبَطْحَاءِ، فَصَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ فَنَادَى: يَا صَبَاحَاهْ، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَقَالَ: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ ‌مُصَبِّحُكُمْ ‌أَوْ ‌مُمَسِّيكُمْ، أَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟) قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا تَبًّا لَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) إِلَى آخِرِهَا. (متفق عليه)(1).

ـ ولم يكتفِ بذلك، بل طفق هو وزوجته "أم جميل" يعملان على تكذيب النبي -صلى الله عليه وسلم- وإيذائه: روى الإمامُ أحمد بسنده عن ربيعة بن عباد، قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي سُوقِ ذِي الْمَجَازِ، وَهُوَ يَقُولُ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوا)، وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، وَوَرَاءَهُ رَجُلٌ وَضِيءُ الْوَجْهِ، ‌أَحْوَلُ ذُو ‌غَدِيرَتَيْنِ يَقُولُ: إِنَّهُ صَابِئٌ كَاذِبٌ يَتْبَعُهُ حَيْثُ ذَهَبَ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَذَكَرُوا لِي نَسَبَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالُوا لِي: هَذَا عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ. (رواه أحمد بسندٍ حسنٍ).

وقال ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله: (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ): "كانت تضع الشوك في طريق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة فاخرة، فقالت: لأنفقنّها في عداوة محمدٍ، فأعقبها اللّه منها حبلًا في جيدها من مسد النار".

وأخرج ابن أبي حاتم عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: "لما نزلت: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) أقبلت العوراء "أم جميل" بنت حرب، ولها ولولة وفي يدها فهر، وهي تقول: ‌مُذَمَّمًا أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالس في المسجد، ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، قد أقبلت وأنا أخاف عليك أن تراك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إنها لن تراني، وقرأ قرآنًا اعتصم به، كما قال -تعالى-: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا) (الإسراء: 45)، فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر، ولم ترَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالت: يا أبا بكر، إني أخبرت أن صاحبك هجاني؟ قال: لا ورب هذا البيت ما هجاك، فولت وهي تقول: قد علمتْ قريش أني ابنة سيدها، قال الوليد: فعثرت أم جميل في مرطها وهي تطوف بالبيت، فقالت: تعس مذمم" (تفسير ابن كثير).

وقفات مع الآيات وقصة النزول:

(1) الآيات من الأدلة الباهرة على النبوة الظاهرة:

لقد أجرى الله بتقديره عدم إيمان أبي لهب آية ومعجزة على صدق رسوله -صلى الله عليه وسلم-: قال ابن كثير: "قال العلماء: وفي هذه السورة معجزة ظاهرة، ودليل واضح على النبوة، فإنه منذ نزل قوله -تعالى-: (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ . وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ . فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ)، فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان، لم يقيض لهما أن يؤمنا، ولا واحد منهما؛ لا ظاهرًا ولا باطنًا، لا سرًّا ولا معلنًا، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة على النبوة الظاهرة.

الله وحده الذي يملك هداية القلوب ويصرفها، فأبو لهب الشريف يرفض هداية البيان؛ لأن الله لم يقدر له هداية التوفيق: قال -تعالى-: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (الأنعام:125)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ) (رواه مسلم).

مَن أطاع الأنبياء الذين جاءوا بهداية الإرشاد والبيان، هو على طريق هداية التوفيق التي بيد الله وحده: قال -تعالى-: (‌فَأَمَّا ‌مَنْ ‌أَعْطَى ‌وَاتَّقَى . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل: 5-7)، وقال: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) (النساء: 80).

(2) طبيعة وظيفة الداعي:

يراد مِن هذه الوقفة التنبيه على أن الداعي لا يَعمل في ميدانٍ واحدٍ، ولكنه يعمل في ميدانين -إصلاح نفسه، وإصلاح غيره- ونفسه واحدة وغيره كثير، والمحصلة أنه يعيش للناس أكثر من نفسه.

مشهد التكليف الأول واشتماله على كل ذلك: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنذِرْ . وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ . وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ . وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ . وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) (المدثر: 1-7).

شاهد التكليف في إصلاح نفسه ليحرز مرضاة الله ويصير للناس أسوة: (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ . وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ).

ـ شاهد التكليف في إصلاح غيره، بالبلاغ وتحذير الناس من عذاب الله: (قُمْ فَأَنذِرْ).  

لذا فالداعي يعيش حياته كلها في تعب ومسئولية إلى آخر لحظة في عمره؛ لأن الناس لا يتوقفون عن الخطأ، قال -تعالى- لسيد الدعاة: (‌وَاعْبُدْ ‌رَبَّكَ ‌حَتَّى ‌يَأْتِيَكَ ‌الْيَقِينُ) (الحجر: 99).

- ولذا فالداعي إلى الله أشرف الناس وظيفة ومكانة، في قوله وعمله: قال -تعالى-: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت: 33).

كان الحسن البصري إذا تلا هذه الآية، قال: "هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحًا في أجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله"، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ ‌العُلَمَاءَ ‌وَرَثَةُ ‌الأَنْبِيَاءِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

(3) طبيعة طريق الدعوة:

أخطأ مَن يظن أنه طريق التعبُّد والتنسك بلا مشاكل ولا أذى، أو أنه طريق الشهرة والتعالي في الأرض: (الشاهد ما تقدَّم في سبب النزول، وكيف ظلت قريش تجابه الدعوة النبوية).

ـ المعاناة ومواجهة الصد والتكذيب، والإيذاء والعداء والتشهير والتضييق، وهذه هي طبيعة الطريق، وسنة الله في أوليائه المؤمنين وحملة دينة العظيم: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟!)، قَالَ وَرَقَةُ: "نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلا عُودِيَ" (متفق عليه)، وقال -تعالى-: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) (إبراهيم: 13)(2).

ـ فلا بد للداعي من الصبر؛ لأنه سلاح بقاء الدعوات، ونيل الدرجات: قال الله -تعالى-: (وَاصْبِرْ على مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور) (لقمان: 17)، وقال: (فَاصْبِرْ ‌كَمَا ‌صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) (الأحقاف: 35)، وقال: (‌أُولَئِكَ ‌يُجْزَوْنَ ‌الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا) (الفرقان: 75)، وقال: (سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (الرعد: 24).

خاتمة:

تذكير بالآية وسبب النزول، والإشارة إلى عظيم جهاد النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدعوة إلى الله، ففي جواب أبي لهب ما يدل على ذلك؛ فلقد أوذي النبي -صلى الله عليه وسلم- في الله أشد الإيذاء، وظلَّ على ذلك حتى مات مِن أثر سمِّ اليهود -لعنهم الله-، فجزاه الله خير ما جزى به نبيًّا عن أمته.

ونسأله -تعالى- أن يجعلنا هداة مهديين، وأن يجمعنا مع سيد الدعاة في جنات النعيم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال ابن كثير -رحمه الله-: "الأول: دعاء عليه، والثاني: خبر عنه؛ فأبو لهب هذا هو أحد أعمام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واسمه: عبد العزى بن عبد المطلب، وكنيته: أبو عتبة، وإنما سُمِّي: "أبا لهب"؛ لإشراق وجهه، وكان كثير الأذية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- والبغضة له، والازدراء به، والتنقص له ولدينه.

(2) بل قد يكون أشد الأذى حاصل من أقرب الناس للداعي، قال -تعالى- في مناشدة النبي قرابته في الكف عن إيذائه: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ‌الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (الشورى: 23).

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com