الاثنين، ٢٢ شوال ١٤٤٣ هـ ، ٢٣ مايو ٢٠٢٢
بحث متقدم

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (47) قصة إحياء الطيور الأربعة (9)

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (47) قصة إحياء الطيور الأربعة (9)
السبت ١٨ ديسمبر ٢٠٢١ - ١٧:١٨ م
28

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (47) قصة إحياء الطيور الأربعة (9)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقال الله -عز وجل-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ‌أَرِنِي ‌كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة:260).

الفائدة الخامسة:

دلّتْ الآيةُ الكريمة على أن الإيمان أصلٌ وله كمالٌ، وقد ذكرنا في الفوائد الأربعة السابقة تفاوت أقوال القلب وأعماله بالكمّية والكيفية، وأما زيادة الإيمان وكماله بالنظر إلى زيادة أعمال اللسان والجوارح، فأصل أعمال اللسان هو النطق بالشهادتين، وهو ركن من أركان الإيمان، وهو المقصود بقول مَن يقول: الإيمان قول وعمل، فيجعلون القول -الذي هو نطق الشهادتين- ركنًا مستقلًا؛ لأن حكم الشهادتين مستقل عن حكم أعمال اللسان الأخرى، وهي في الحقيقة أقوال، لكن سُمّيت أعمالًا؛ لأن نطق الشهادتين به يثبت أصل الإسلام ظاهرًا وباطنًا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يخرجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَلَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ)، وقال: (مَن ماتَ وهو يَعْلَمُ أنَّ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، دَخَلَ الجَنَّةَ) (رواه مسلم)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ويُقِيمُوا الصَّلَاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذلكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ، وحِسَابُهُمْ علَى اللَّهِ) (متفق عليه).

ويُلحظ في هذا الحديث: أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هي في استمرار العصمة لا في أصلها، فإن الإجماع المعلوم من الدِّين بالضرورة -كما نقله ابن رجب الحنبلي- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقبلُ الإسلامَ ممَّن نطق الشهادتين، ويجعله بذلك مسلمًا، ثم بعد ذلك يُؤمر بالصلاة والزكاة.

فأصل العصمة يَثبتُ بالنطق بالشهادتين، واستمرارها بالمحافظة على الصلاة والزكاة؛ فإنَّ مَن امتنع عن ذلك حلَّتْ عقوبتُه، فالصلاة والزكاة مِن حق لا إله إلا الله، أما باقي أعمال اللسان أو أقوال اللسان فهي التي تقع في الصلاة، وفي الحج، وفي التسبيح، والتكبير والتهليل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وسائر أقوال اللسان التي يحبها الله، وكذا أعمال الجوارح؛ فهذه كُلها يزيد الإيمانُ وينقصُ بها؛ ولذلك زيادة الإيمان ونقصانه بِناءً على تفاوتِ أعمالِ الجوارح مع أقوالِ اللسان، مَردُّ ذلك إلى أن أعمال الجوارح من الإيمان، وقد دلَّ على ذلك قولُ الله -تعالى-: (وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ)، أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ) (متفق عليه)، فبوّبَ عليه البخاريُّ باب: "صيام رمضان من الإيمان"، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (متفق عليه)، وبوّبَ عليه البخاريُّ باب: "قيام رمضان من الإيمان".

وكذا أداء الزكاة وأداء خُمس الغنيمة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لوفد عبد القيس: (آمُرُكُم بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ‏، أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وأَن تُقيمُوا الصَّلاةَ وتُؤتُوا الزَّكَاةَ، وأَن تُؤدّوا خُمُسَ ما غَنِمْتُمْ) (متفق عليه).

وهذه الأحاديث صريحة في أن أعمال الجوارح داخل مسمَّى الإيمان، وهذه المسألة موضع نزاع كبير بين أهل السنة والمُرجِئة؛ فالمُرجئة -وهم الذين غَلوا في جانب الرجاء- سُمُّوا مرجئة من التأخير؛ لأنهم أخَّروا العمل، فهم يقولون: "الإيمان هو التصديق فقط بالقول واللسان".

والغلاة منهم -وهم الجهمية-: يغالون في الإرجاء، يقولون: "الإيمان هو المعرفة، ولو لم ينطق الشهادتين"، وهذا هو الضلال المبين؛ لأن إبليس يَلزم أن يكون مؤمنًا عندهم؛ لأن عنده معرفةً بالله، وضلَّ بعد كفره وإبائه واستكباره، يقول: (خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)، ويقول: (رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)، فهو يؤمن بالربوبية؛ يُؤمن أن الله خلقه، ويؤمن أن الله -سبحانه وتعالى- هو الذي يُنظِر من يشاء، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ومع ذلك كله لم يكن مؤمنًا؛ لأن الإيمان ليس هو المعرفة فقط، بل لا بد معه من انقياد القلب وعمله ومحبته، وتعظيم لله -عز وجل-، وسائر أعمال القلوب، ولا بد كذلك من نطق اللسان.

ويلزمهم -يلزم المرجئة-: أن يكون فرعون مؤمنًا كذلك؛ لقول الله -عز وجل-: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)، ومَن قال بإيمان إبليس وفرعون خرج مِن مِلَّة الإسلام -والعياذ بالله-.

وقد دخل الإرجاء على كثيرٍ مِن الناس في عصرنا، كمَن يقول: "إن اليهود والنصارى مؤمنون؛ لأنهم يعلمون أن لا إله إلا الله، ويعلمون أن الله خلقهم"، وهذا القول في تجويز تكذيب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وكذا عدم النطق بالشهادتين مُنَاقِض لأصل الإسلام -والعياذ بالله-.

ومن أهم مسائل الخلاف بين أهل السنة والمُرجِئة: أنهم لا يُدخِلون عملَ القلب في الإيمان عند أكثرهم، وإن كان منهم مَن يُدخِل أعمالَ القلب في الإيمان مِن المتقدمين، وأما عمل الجوارح فهم متفقون -حتى مرجئة الفقهاء- على أنه عندهم ليس من الإيمان، وعندهم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأشدّ خلاف بين أهل السنة وبين مَن أخرج أعمال القلوب مِن الإيمان هو في عمل القلب، وذلك بأنهم يُجوّزون ترك حب الله -عز وجل- والخوف منه، والإخلاص له، وأعمال القلوب بلا نزاع -وبالنص كما سبق- ركن في الإيمان لا يحصلُ الإيمانُ إلا بها، فلو أن إنسانًا ليس عنده أصل حب الله، فضلُا على أن يكون مُبغضًا لله، أو ليس عنده حب للرسول -صلى الله عليه وسلم-، فضلًا على أن يكون مُبغضًا للرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فهذا لا يكون مؤمنًا أصلًا، بل هو كافر، حتى ولو نطق الشهادتين فإنه يكون منافقًا النفاق الأكبر.

ولو أن إنسانًا عنده حب الله وحب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، لكنَّ هذا الحب ضعيف، فإذا ما جاءته شهوة قدَّم حب تلك الشهوة على حب الله ورسوله؛ فهذا عنده أصل الإيمان، وإيمانه ناقص يستحق به العقوبة في الدنيا والآخرة، وأما كامل الإيمان الواجب: فهو الذي يُقدِّم حبَّ الله وحبَّ رسوله -صلى الله عليه وسلم- على ما تحبه نفسه من الشهوات المحرمة؛ فالله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فهذا هو المؤمن الإيمان الكامل الواجب الذي كَمَّلَ القدر الواجب مِن إيمانه؛ فالذي عنده أصل الإيمان مستحق للعذاب، ولكنه لا يُخَلَّد في النار، ومَن عنده الإيمان الواجب مستحق للنجاة من أول وهلة، ودخول الجنة من أول وهلة، وأما لو زال أي عمل من أعمال القلوب بالكُلية لزال الإيمان بالكلية، وإن كنا لا نستطيع أن نعرف ذلك في الدنيا إلا بأن يصرِّح صاحبه بالقول، كمَن قال بلسانه: إنه لا يحب الله، أو لا يحب رسوله -صلى الله عليه وسلم-، أو لا يحب القرآن، أو أن يعمل عملًا يدل دلالة ظاهرة على زوال عمل القلب: كمَن يرمي المصحف في القاذورات فهذا كفر ناقل عن الملة، ونحن لم نعرف كفر هؤلاء مِن قلوبهم، إنما علمناه مِن لسانه أو عمله للكفر بجوارحه.

فأما إذا كان لا يحب القرآن باطنًا ولم يصرِّح بذلك، فهو ليس مؤمنًا عند الله -عز وجل-، بل هو كافر في الباطن، وإن عاملناه مسلمًا لو نطق الشهادتين، وكمَن يقول: إنه لا يخاف الله، أو قال: إنه لا يخاف النار، أو قال إنه لا يخاف القيامة، ولو أنه منذ أسلم وهو ولا يخاف الله ولو ذرة، فهو لم يكن مؤمنًا ابتداءً، كان منافقًا، والذي يقول: إنه لا يخاف الله كفر بهذه الكلمة؛ لأن الله -عز وجل- يقول: (وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)، فمَن لم يخف الله ليس مؤمنًا، وقال الله -تعالى-: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)، فأصل التوكل ركن في أصل الإيمان، وكذا أصل الرجاء، فاليأس مِن رحمة الله ناقل عن ملة الإسلام، كما قال الطحاوي -رحمه الله-.

موضع الخلاف مع هؤلاء المرجئة في قضية عمل القلب؛ إذ إن أصلَ عمل القلب ركن في أصل الإيمان، وهم يقولون: لا يلزم إلا التصديق والمعرفة، عامتهم يشترطون نطق الشهادتين، والجهمية منهم لا يشترطون ذلك، وكلها ضلالات، وأما أعمال الجوارح؛ فهذه مسألة عظيمة أيضًا يختلف فيها أهل السنة مع المُرجئة، فأهل السنة: يقولون إن عمل القلب واللسان والجوارح جزءٌ من الإيمان -كما سبقَ بيانُه-، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الإيمانُ بِضْعٌ وَسَبعُونَ أَوْ بِضعٌ وسِتُونَ شُعْبَةً: فَأفْضَلُهَا قَولُ: لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ، وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الأذَى عَنِ الطَّريقِ، والحَياءُ شُعبَةٌ مِنَ الإيمان) (متفق عليه، وهذا لفظ مسلم).

وإن كان العلماءُ مِن أهل السنة يختلفون: هل من أعمال الجوارح ما يكون تركه كفرًا ناقلًا عن الملة أم لا؟ وهذا النزاع بينهم لا يزيد على الأركان الأربعة؛ فلا نزاع بين أهل السنة فيما زاد على الأركان من الأعمال الواجبة أنَّ تركه لا يكون كفرًا، بل معصية، وكذا فعل الكبائر معصية وليست كفرًا؛ خلافًا للخوارج القائلين: إن الكبائر يكفر الإنسان، والمعتزلة الذين يقولون: إن الكبائر تُضيِّع أصل الإيمان وتخلّد صاحبها في النار، وهو في منزلة بين المنزلتين.

وأما الأركان الأربعة: فهي مسألة خلافية بين أهل السنة، وجماهيرهم على أن الأركان الأربعة إذا تركها تكاسلًا لم يَخْرُج من الملة؛ لأحاديث الشفاعة المستفيضة المتواترة في خروج عُصَاة الموحِّدين الذين يشهدون: "أن لا إله إلا الله" مِن النار.

وللحديث بقية -إن شاء الله تعالى-.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

تصنيفات المادة