الأحد، ٢١ شوال ١٤٤٣ هـ ، ٢٢ مايو ٢٠٢٢
بحث متقدم

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (48) قصة إحياء الطيور الأربعة (10)

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (48) قصة إحياء الطيور الأربعة (10)
الأربعاء ٢٩ ديسمبر ٢٠٢١ - ١٩:٥١ م
16

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (48) قصة إحياء الطيور الأربعة (10)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقال الله -عز وجل-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ‌أَرِنِي ‌كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة:260).

الفائدة السادسة:

قاعدة "الإيمان له أصل وكمال" هي من خصائص أهل السنة والجماعة، لم يشاركهم فيها غيرهم من أهل البدع في الإيمان، المرجئة من جانب، والوعيدية من الخوارج والمعتزلة من الجانب الآخر، وذلك بناءً على اعتقاد أهل السنة من أن الإيمان يزيد وينقص، ويتبعض ويتشعب، كما أخبر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو ما خالفهم فيه أهل البدع بسائر طوائفهم، فقد نفوا اجتماعَ الكفر والإيمان، والطاعة والمعصية في الشخص الواحد.

والمقصود باجتماع الكفر والإيمان في قلب العبد: اجتماع أصل الإيمان مع الكفر الأصغر، أو النفاق الأصغر، أو الفسق الأصغر، والظلم الأصغر، أو أن يوجد في القلب شيء من الإيمان يُحبِطه الكفر الأكبر، ولا يزال موجودًا في القلب؛ كإبليس ظلّ يعرف ربَّه بعد أن أبى واستكبر، وكان من الكافرين، قال: (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى ‌يَوْمِ ‌يُبْعَثُونَ) (الحجر:36)، فقد أيقن أن الله ربه وأنه هو الذي يحيي ويميت ويُنظِر، وأنه يُقر بيوم يبعثون، وأن هناك بعثًا بعد الموت، ويقر بالقيامة، ومع ذلك كله فهو كافر؛ وذلك لأن الشرك محبط للعمل، كما قال -عز وجل-: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ . بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ) (سورة الزمر: 65 - 66).

الشرك الأكبر، والنفاق الأكبر، والظلم الأكبر، والفسق الأكبر المخرج من الملة، قد يوجد في القلب معه شيءٌ من التصديق والمعرفة، بل وربما شيءٌ من أعمال القلوب، لكن زال من القلب بعضُها الآخر، وزال نُطق اللسانِ بالشهادتين، وحصل في القلب الإباء والاستكبار، فخَوُفُ إبليس من ربه -عز وجل- حين قال -سبحانه وتعالى-: (وَإِذْ ‌زَيَّنَ ‌لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال: 48)، ذلك مع استمرار الإباء والاستكبار في قلبه؛ أحبط أثر ذلك الخوف، كما أحبطَ أثر التصديق بوجود الله وربوبيته، وخلقه لعباده، وبَعثه لهم، والإقرار باليوم الآخر.

كما أن أهل الكتاب يقرون بالله -عز وجل- خالقًا رازقًا، بل يُقرون به معبودًا، وكذلك أقروا برسل الله في الجملة، وآمنوا برسلهم، وبالكتب المنزلة عليهم، لكنهم لمّا ادَّعوا لله -عز وجل- الولدَ؛ حبطتْ أعمالُهم بذلك، وحبطَ إيمانُهم، وكذلك لما كذّبوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكذّبوا كلام الله -عز وجل- المُنزّل عليه القرآن العظيم، فقد كذبوا الله؛ فقد كفروا بالله وأشركوا بالله، فحبط تصديقُهم؛ ولذا سماهم الله لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، في قوله -عز وجل-: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ‌وَلَا ‌يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة:29)، فهذا في اجتماع شيء من التصديق -بل وبعض أعمال القلوب- مع وجود الكفر الأكبر في قلب الإنسان، فيحبطه، ولا يظهر أثره المعتبر شرعًا، بل الكفر هو الذي يبقى أثرُه حتى يُخلّد صاحبه في النار.


وأما المسألة الأولى في اجتماع الكفر والإيمان في القلب -أَعني اجتماع أصل الإيمان مع الكفر الأصغر والظلم الأصغر- فقد دلَّت عليها دلائل كثيرة، مثل: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَيُّما عَبْدٍ أَبَقَ مِن مَوَالِيهِ فقَدْ كَفَرَ) (رواه مسلم)، وقال: (ليسَ مِن رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أبِيهِ وهو يَعْلَمُهُ إلَّا كَفَرَ) (رواه مسلم)، وقال للنساء: (يَكْفُرْنَ) قيلَ: أيَكْفُرْنَ باللَّهِ؟ قالَ: (يَكْفُرْنَ العَشِيرَ) (رواه البخاري)، وغير ذلك من الأدلة الدَّالَّة على اجتماع أصل الإيمان والكفر الأصغر، وهذا كله فرع على قاعدة الإيمان له أصل وكمال، وقد دلَّت عليه آية إحياء الطيور الأربعة في سورة البقرة، التي نحن في صدد فوائدها.

والمقصود بأصل الإيمان: هو الحد الذي مَن نقص عنه إيمانُه صار كافرًا، ومَن لم يبلغه لم يدخل في الإسلام، قال محمد بن نصر المروزي: "إِنَّ الْإِيمَانَ أَصْلٌ مَنْ نَقَصَ مِنْهُ مِثَقالَ ذَرَّةٍ زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْإِيمَانِ، وَمَنْ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ اسْمُ الْإِيمَانِ، وَلَكِنَّهُ يَزْدَادُ بَعْدَهُ إِيمَانًا إِلَى إِيمَانِهِ، فَإِنْ نَقَصَتِ الزِّيَادَةُ الَّتِي بَعْدَ الْأَصْلِ لَمْ يَنْقُصِ الْأَصْلُ" (تعظيم قدر الصلاة، 2/700)، وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "وَهُوَ مُرَكَّبٌ -أي الإيمان- مِنْ أَصْلٍ لَا يَتِمُّ بِدُونِهِ وَمِنْ وَاجِبٍ يَنْقُصُ بِفَوَاتِهِ" (كتاب الإيمان الأوسط، 1/99)، وقال: "ومَن ترك فروع الإيمان لا يكون كافرًا حتى يترك أصل الإيمان"، وقال أيضًا: "وهو -أي: الإيمان- في الكتاب بمعنيين: أصل وفرع".

ومما اتفق أهلُ العلم على أمور هي أصل في الإيمان، فمَن تركها فقد كفر، هي أصول أربعة متفق عليها، وقد اختلفوا فيما سواها؛ فالأصول المتفق عليها:

أولًا: قول القلب وهو ما لم يحدث فيه نزاع بين أهل القبلة، فضلًا عن أهل السُّنة؛ إلا ما كان من خلاف للكرّامية وغلاة الجهمية عند مَن فرَّق منهم بين الإقرار والتصديق.

والمقصود بقول القلب: التصديق بشهادة أن لا إله إلا الله، ومَن بَلَغه خبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالخبر أي رسول، لزمه التصديق به، وكذا الإيمان بالملائكة والكتب والرسل، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وأما مَن لم تبلغه دعوة رسول قط بلا إله إلا الله فهو كافر، وإن كان معذورًا، لا يُعذّب حتى تبلغه الحجة الرسالية، أو يمتحن يوم القيامة.

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "قال أهل السنة: إن مَن ترك فروع الإيمان لا يكون كافرًا حتى يترك أصل الإيمان وهو الاعتقاد".

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي -في فتح الباري شرح صحيح البخاري-: "الإيمان قسمان: أحدهما إيمانٌ بالله، وهو: الإقرار والتصديق، والثاني: إيمان بالله وهو الطاعة والانقياد، فنقيض الأول كفر، ونقيض الثاني فسق، وقد يُسمى كفرًا، ولكن لا ينقل عن الملة"، وقال: "والإيمان القلبي وهو التصديق لا تقتسمه الغرماء من مظالمهم، بل يبقى على صاحبه؛ لأن الغرماء لو اقتسموا ذلك لخُلد بعض أهل التوحيد في النار".

الأصل الثاني المتفق عليه: قول اللسان، وهو نطق الشهادتين، وهذا محل اتفاق بين أهل القبلة، إلا الجهمية ومَن وافقهم، حيث جعلوا الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، ومنهم متأخرو الأشاعرة، قال الحافظ ابن رجب: "ومعلوم أن الجنة يستحق دخولها بالتصديق بالقلب مع شهادة اللسان".

الثالث من الأمور المتفق عليها: عمل القلب، والمقصود هو أصل عمل القلب، ونعني به: أن كل عمل واجب من أعمال القلوب فأصله أصل في الإيمان، وفي هذا الأصل يبدأ التمايز بين المرجئة وأهل السنة، حيث إن المرجئة يجعلون الإيمان هو الاعتقاد والقول فقط دون أعمال الجوارح، وبعضهم أدخل بعض أنواع عمل القلب في الإيمان مثل: الصالحية، والشمارية، والتومانية، ولكن أكثرهم لا يجعلون عمل القلب داخلًا في الإيمان.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "فأصل الإيمان في القلب وهو قول القلب وعمله، وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد).

وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "والدين القائم بالقلب من الإيمان علمًا وحالًا هو الأصل"، وقد فسر معنى الحال في موضع آخر، فقال: "يدخل في ذلك ما يُسمَّى مقالًا وحالًا، مثل: الصبر والشكر، والخوف والرجاء، والتوكل والرضا، والخشية والإنابة"، وقال: "مَن ترك الأعمال شاكرًا بقلبه ولسانه؛ فقد أتى ببعض الشكر وأصله، والكفر إنما يثبت إذا عُدمَ الشكر".

وقال أيضًا: "ولا بد أن يكون مع التصديق شيء من حب الله وخشيته؛ وإلا فالتصديق الذي لا يكون معه شيء من ذلك ليس إيمانًا البتة" (انتهى من مجموع الفتاوى).

الأصل الرابع الذي هو من الأصول المتفق عليها: تركُ النواقض: القولية والعملية والاعتقادية، واعلم أن ترك كل ما نهى الشرعُ عنه من الإيمان، وترك ما هو كفر أكبر من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة داخل في أصل الإيمان بلا خلاف عند أهل السنة.

قال ابن منده -رحمه الله-: "قال أهل الجماعة: الإيمان أصله المعرفة بالله، والتصديق له وبه، وبما جاء من عنده بالقلب واللسان، مع ترك التكبر والاستنكاف والمعاندة، ومع الخوف والحب والخضوع له والتعظيم، فمَن أتى هذا الأصل فقد دخل في الإيمان، ولَزمه اسمه أحكامه، ولا يكون مستكملًا له حتى يأتي بفرعه".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وسادسها: أنه يلزمهم -أي: المرجئة- أن مَن سجد للصليب والأوثان طوعًا، وألقى المصحف في الحش عمدًا، وقَتَل النفس بغير حق، وقتل كلَّ مَن رآه يصلي، وسفك دم مَن يراه يحج البيت، وفعل ما فعلته القرامطة بالمسلمين؛ يلزمهم أنه مؤمن" إلى أن قال: "فمَن لم يتركها دلَّ ذلك على فساد إيمانه الباطن".

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com


تصنيفات المادة