الاثنين، ٥ ذو الحجة ١٤٤٣ هـ ، ٠٤ يوليو ٢٠٢٢
بحث متقدم

تونس ... إلى أين؟ (4) تونس على خطى أتاتورك

تونس ... إلى أين؟ (4) تونس على خطى أتاتورك
الأربعاء ١٩ يناير ٢٠٢٢ - ١٥:٥٩ م
43

تونس ... إلى أين؟ (4) تونس على خطى أتاتورك

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

كان الحبيب بورقيبة -أول رئيس لجمهورية تونس- شديد الإعجاب بكمال أتاتورك مؤمنًا باتجاهه العلماني (اللا ديني) في تركيا، سائرًا على نهجه وخطاه؛ لذا نجد عددًا من الشوارع في مدن تونس تحمل اسم أتاتورك تخليدًا له، وتعميقًا لذكراه في نفس الشعب التونسي!

ولكن بورقيبة مع عظيم إعجابه وتقديره لدور أتاتورك عاب عليه أمرًا واحدًا في سياسته وهو تصريحه بالعلمانية في الدستور، وذكر أنه كان عليه أن يعلن إسلامية الدولة ويطبِّق العلمانية في الواقع، وبهذا لا يترك مجالًا لاتهام الدولة بالتخلي عن الدِّين. 

بعد إعلان الاستقلال في مارس 1956 وفي 13 أغسطس عام 1956 تم وضع مجلة الأحوال الشخصية، والتي بدأ العمل بها في الأول من يناير 1957، وتضمنت هذه المجلة عددًا من القوانين المخالفة، بل المناقضة صراحة للشريعة الإسلامية، ومنها:

أ- قانون بتحريم تعدد الزوجات (في الفصل 18): حيث يعاقب بالسجن لمدة عام وغرامة مالية أو بإحدى العقوبتين كلُّ مِن تزوج وهو في حالة الزوجية، ويعد الزواج الجديد باطلًا! وهذا مخالف للقرآن الكريم الذي أباح التعدد، قال -تعالى-: "فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة"، وهو مخالف للسنة النبوية، ولهدي الصحابة، ولإجماع المذاهب الإسلامية كلها، ولعمل الأمة خلال أربعة عشر قرنًا.

ب- تحريم زواج الرجل من مطلقته ثلاثًا بعد طلاقها من زوج غيره (في الفصل 19): بدعوى سد ذريعة المحلل، وهذا أيضًا مخالف صراحة للقرآن الكريم؛ لقوله -تعالى-: "فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنَّا أن يقيما حدود الله". 

ج- إجازة التبني: على أن يكون المتبني رشيدًا ذَكَرًا كان أو أنثى، متزوجًا، على أن يكون الفرق بين عمر المتبني ومَن يتبناه 15 سنة على الأقل، وعليه يحمل المتبني لقب المتبني، ويجوز له أن يبدِّل اسمه، ويكون للمتبني نفس حقوق وواجبات الابن الشرعي، ولكن تبقى موانع الزواج المنصوص عليها! وهذا مخالف لصريح القرآن الكريم، قال الله -تعالى-: "وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم"، وقد أجمعت كل المذاهب الإسلامية على تحريم التبني.

- إلغاء المحاكم الشرعية، وإغلاق الديوان الشرعي، وذلك بموجب الأمر الصادر في 25 سبتمبر 1956، ونشر ذلك بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد: 77. 

- في عام 1958 تم حل جميع الأوقاف والأحباس الشرعية الموقوفة على جامع الزيتونة الأعظم وعلمائه وطلابه، وعلى غيره من المساجد والمؤسسات الخيرية الأهلية، ومصادرتها والاستيلاء عليها. 

- في عام 1959 كان منع التعليم الديني. 

- محاولات تفتيت الأسرة التونسية: بسن قوانين تخالف الشرع، منها: قانون إلغاء قوامة الرجل على المرأة؛ بدعوى أنها إهانة للمرأة، وقانون الحد من السلطة الأبوية في البيت.

-  في 1960 كانت مناداة بورقيبة بمنع الصوم في رمضان بدعوى أن الصوم يقلل من الإنتاج، ويعوق تقدم ونهضة البلاد.

 - في عام 1962 كان إلغاء العمل بالتقويم الهجري في تونس. 

- في عام 1969 كانت حملة إلغاء جميع المصليات والمساجد القائمة بالدوائر العمومية بما في ذلك مساجد الجامعات والمعاهد، والمستشفيات، والمصانع والإدارة والسجون، وحظر الصلاة على العمال والموظفين في أوقات العمل. 

-  في عام 1968 بدأت المناداة بمنع تحجب النساء في تونس الحجاب الشرعي؛ بدعوى أن الحجاب زي طائفي. 

- التضييق على الأنشطة الدينية من دروس وحلقات تحفيظ قرآن، ونحوه، وإنشاء المكتبات الدينية داخل المساجد.    

- توقيع الحكومة التونسية على معاهدة نيويورك المتعلقة بحرية الزواج بعض النظر عن الموانع الشرعية، بما يبيح لغير المسلم الزواج من التونسية المسلمة، وقد صادق مجلس النواب هناك على هذه المعاهدة، وعليه أصبح بالإمكان زواج التونسية المسلمة بغير المسلم، وأصبحت هذه ظاهرة لافتة للنظر في المجتمع التونسي (راجع في ذلك كتاب: "تونس الإسلام الجريح" تأليف محمد الهادي مصطفى الزمزمي، ص 113-114، وانظر: "الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة" ص 215).      

- السماح بالبغاء العلني في الكثير من الولايات بتونس، وعد الدعارة من المهن الحرة بوضع قانون لتنظيم مهنة الدعارة. 

وقد حكم بورقيبة تونس بقبضة من حديد من يوليو1957 إلى أن عزله زين العابدين بن على في نوفمبر1987 بانقلاب سلمي، وفرض عليه الإقامة الجبرية في بيته، وحجب أخباره عن الإعلام حتى وفاته في إبريل سنة 2000.

وقد فرض بورقيبة على التونسيين خلال فترة حكمه الطويلة علمانية شرسة، ومكَّن لها في ظل نظام حكم شبه ديكتاتوري ظاهره أنه نظام جمهوري، وحقيقته: أنه نظام مستبد.

وكل ما وصلت إليه تونس من بُعدٍ عن الشريعة الإسلامية في ظل علمانية بورقيبة يعده العلمانيون والليبراليون هناك مكتسبات ومرتكزات لا يمكن التراجع عنها حتى بعد رحيل بورقيبة، بل يسعون حاليًا إلى التمادي في مخالفة الشرع خاصة فيما يتعلق بأحكام المواريث بالدعوة إلى مساواة المرأة بالرجل في كل صور الميراث في مخالفة صريحة للكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ لذا فالوضع في تونس صعب للغاية في مواجهة علمانية لا تختلف كثيرًا عن علمانية أتاتورك في تركيا.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com


تصنيفات المادة