الاثنين، ٥ ذو الحجة ١٤٤٣ هـ ، ٠٤ يوليو ٢٠٢٢
بحث متقدم

الفساد (118) الحصاد المر لـ(125) سنة سينما (9) أكاذيب الروايات والأفلام التاريخية

الفساد (118) الحصاد المر لـ(125) سنة سينما (9) أكاذيب الروايات والأفلام التاريخية
الأربعاء ٠٢ فبراير ٢٠٢٢ - ٢١:٣٧ م
58

الفساد (118) الحصاد المر لـ(125) سنة سينما (9) أكاذيب الروايات والأفلام التاريخية

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتقوم صناعة الأفلام التاريخية على كتابة الرواية التاريخية، حيث يشكِّل التاريخ مصدرًا ثريًّا للحكايات والروايات، ومن خلال الرواية التاريخية المكتوبة يعيد الراوي صياغة التاريخ وَفْق منظور فني يستوعب إحساس الرأي العام والوجدان الشعبي وتطلعاته.

ومن هنا ارتبطت الأفلام التاريخية بالرواية التاريخية، ففي الرواية التاريخية يضع الكاتب -أو الروائي- بصمته ورؤيته وتصوره للحدث أو الشخصية التاريخية، وفي الفيلم التاريخي يضع مخرج الفيلم تصوره ورؤيته لتصوير هذه الرواية التاريخية.

وعلى ذلك ومن خلال هذه الكتابة الأدبية وهذه الدراما السينمائية لم تعد الرواية التاريخية أو الفيلم التاريخي مجرد سرد جاف للأحداث كما وقعت في الماضي.

الرواية التاريخية:

(لقد عرفت الرواية التاريخية على أنها مزيج ما بين التاريخ والخيال بأسلوب روائي مبني على معطيات تاريخية، وكلما كانت هذه المعطيات دقيقة وغير مشكوك في صحتها سهلت عملية السرد الروائي الناقد (جورج لوكاتش) في كتابه تاريخ الرواية -وهو من أهم المصادر عن الرواية التاريخية- يعرف الرواية التاريخية بأنها: (رواية تاريخية حقيقية، أي: رواية تثير الحاضر، ويعيشوها المعاصرون بوصفها تاريخهم السابق للذات)، وهنا يأتي دور الكاتب الروائي في أن يضفي على الوقائع التاريخية رؤاه وتجاربه وتحليلاته، كما يضيف إليها من خياله قصصًا وشخوصًا وأحداثًا جانبية على هامش الأحداث التاريخية) (راجع مقال: (الجزء المنسي أو المخفي) كتابة (قاتا يامبا) من جنوب السودان - المجلة العربية - الرياض - عدد ذي الحجة 1442 هـ - يوليو 2012، ص 36).

(إن عبارة: "الرواية التاريخية" لا تخلو من مفارقة إذ هي تقوم على التأليف بين كلمتين قد يكون الربط بينهما عسيرًا إن لم نقل محالًا هما الرواية والتاريخ، فلئن كان يجمع بينهما أن كلًّا منهما خطاب لغوي يوجهه باث إلى متقبل ليعلمه، وليوقع فيه أثرًا فإن الفرق بينهما يكمن في طبيعة كل منهما؛ ذلك أن الخطاب التاريخي يعرف بكونه مرجعيًّا أو وقائعيًّا في حين أن الخطاب الروائي يقدِّم بوصفه تخييليًّا.

والمقصود بالخطاب المرجعي هو الخطاب الذي يستهدف التعبير عن تجربة معيشة واقعة لغايةٍ نفعيةٍ، في حين أن الخطاب التخييلي هو ذلك الخطاب الذي لا يحيل على حقيقة تاريخية خارجة عنه، بل يصور عالمًا مبتكرًا متخيلًا؛ إما بطريقة مخترعة، وإما بطريقة واقعية، أي: مشاكلة لما يحدث في الواقع لإحداث أثر جمالي) (راجع مقال: "صراع المرجعي والتخييلي" كتبه دكتور محمد القاضي من تونس - المجلة العربية العدد السابق، ص 38).

ويعد القرن السابع عشر الميلادي هو القرن الممهد لظهور فن الرواية عامة في أوروبا، وفي القرن التالي أخذت في التشكل، أما الرواية التاريخية في أوروبا فكانت نشأتها الفعلية في القرن التاسع عشر الميلادي.

في كتاب: (الرواية التاريخية) يتبنى جورج لوكاش (أطروحة مفادها: أن الرواية التاريخية وليدة بداية القرن التاسع عشر، مع سقوط نابليون. وفي تحليله للسياق الاجتماعي والتاريخي لظهورها يركز على الثورة الفرنسية وآثارها على (وولتر سكوت)، الذي جعلها الأساس التاريخي لمنجزه الروائي، وهو يناهض الحركة الرومانسية التي كانت سائدة.

تشكَّلت الرواية التاريخية في الغرب وتطورت مع الزمن باعتبارها نوعًا سرديًّا صارت له مع الزمن تاريخية خاصة) (راجع مقال: "السيرة الشعبية وجذور الرواية التاريخية العربية" كتبه سعيد يقطين من المغرب - المجلة العربية العدد السابق، ص 43 بتصرفٍ).  

أما في منطقتنا العربية: فظهرت الرواية التاريخية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. واستندت بدايات كتابة الرواية العربية -التي هي امتدادا للرواية الغربية- إلى التاريخ بوصفه منهلًا فبدأت الرواية العربية بالرواية التاريخية كما وقع في الغرب، (حيث أصدر سليم البستاني (1848- 1884) ثلاث روايات، فكان بذلك رائد الرواية العربية التاريخية الذي فتح الطريق إلى غيره، ثم تلاه جورجي زيدان (1861- 1914) الذي كتب اثنتين وعشرين رواية تاريخية، أطلق عليها روايات تاريخ الإسلام، وجاءت رواياته (في صورة خلط متعمد بين الحقائق والأوهام).

وحيث إن السيرة الشعبية تندرج ضمن السرد التاريخي الذي يقدِّم رؤية شعبية للتاريخ حيث (تنبني السيرة الشعبية على وقائع وأحداث عرفتها الرقعة الجغرافية العربية الإسلامية، لكن الراوي الشعبي انتخب من كل التاريخ شخصيات رآها تمثِّل مشاعره وأحلامه وطموحاته في الصراع ضد الحبشة والفرس قبل الإسلام، من خلال انتخاب (أبطال) تاريخيين، مثل: سيف بن ذي يزن، وعنترة بن شداد، والزير سالم. كما أنه تتبع تاريخ الدولة الأموية والعباسية والصراع العربي ضد الروم والصليبيين من خلال أبطال متخيلين: الأميرة ذات الهمة، وشخصية واقعية هي الظاهر بيبرس؛ مزج الراوي الشعبي بين المادة التاريخية والخيال الشعبي بطريقة خاصة، فجاءت نصوص السيرة الشعبية ذات ملامح واقعية وذات مرجعية تاريخية، ولكنه أفسح المجال لخياله فكانت العجائب والغرائب والخيال المجنح؛ ولذلك فعندما نقرأ السيرة الشعبية العربية اليوم نجدها لا تختلف كثيرًا عما تزخر به الروايات التاريخية والفنتازيا من عوالم وأبعاد واقعية و متخيلة).

لذا فإن (العرب عندما أطلعوا على الرواية الغربية وعملوا على ترجمتها والشروع في محاولة الكتابة الروائية وجدوا في السيرة الشعبية ما يناظر ما تقدمه عوالم هذا النوع السردي من صور وأشكال تتصل بالواقعي والتاريخي والخيالي، فوجههم هذا إلى إعطاء أهمية خاصة للسيرة الشعبية العربية)، (كما أن بعض كتاب الرواية استلهموا بعض عوالمها أو حاولوا السير على منوالها، ويعد سعي جورجي زيدان إلى كتابة التاريخ الإسلامي من خلال سلسلة من الروايات المتعددة، وكأنه يستلهم السيرة الشعبية العربية بكيفية غير مباشرة).

ويمكن القول: إن الروائي العربي (لم يستلهم الرواية التاريخية الغربية أو السرد التاريخي العربي فقط، ولكن أيضًا استفاد من السيرة الشعبية، وقدَّم بعض ملامحها من خلال تقنيات الرواية الحديثة والمعاصرة) (المقالة السابقة بتصرفٍ).

وقد تضافرت محاولات كتابة الرواية العربية عامة والتاريخية خاصة من خلال جهود على الجارم (1881- 1949)، ومحمد فريد أبو حديد (1893-1967)، وجهود علي أحمد باكثير (1910 - 1969).

وقد تطورت الرواية التاريخية من البساطة إلى العمق إلى أن ظهرت روايات تاريخية تعد أكثر نضجًا، بل وأوسع توزيعًا وانتشارًا كما هي في روايات نجيب الكيلاني (1931 - 1995)، وجمال الغيطاني (1945 -2015).

وقد مهَّدت جهود رواد الرواية التاريخية في ظهور الرواية الأدبية الحديثة التي مِن روادها نجيب محفوظ (1911 – 2006)، واللافت أن: رحلة نجيب محفوظ مع الرواية بدأت أيضًا بالروايات التاريخية المتعلقة بزمن الفراعنة إذ اعتمد على التاريخ الفرعوني في أعماله المبكرة في روايات (عبث الأقدار) و(كفاح طيبة) و(رادوبيس).

وقد تنازعت الرواية التاريخية جدليتان (تذهب إحداهما إلى مناقشة الوقائع بوصفها تأريخا لا يصح المساس به أو التعرض إليه، بما قد يحرف المعنى عن سياق بنائه القائم على سرد الحدث التاريخي المباشر دون تدخلات، أما الجدلية الأخرى فترى إمكانية استثمار الحدث التاريخي في نسج العمل الروائي والاستناد إلى منظومة الحقائق التاريخية في تشكيل الفعل الجمالي الفني القائم على جملة من المرتكزات أبرزها البناء التخييلي)، (لكن ثمة مسار آخر يذهب نحو إمكانية الجمع بين الجدليتين أو التوفيق بين الاتجاهين، بما لا يفقد أحدهما لصالح الآخر قيمة ما يناضل من أجله، وهو اتجاه يقوم على فكرة إمكانية دمج الوقائع التاريخية بوصفها أحداثا فعلية ومعلومات واقعية في بناء عمل روائي تخييلي جمالي فني) (راجع افتتاحية المجلة العربية العدد السابق).

الرواية والتاريخ:

يرى المهتمون بالرواية أن الرواية (فن سردي تخييلي، ويعني بسرد مجموعة من الأحداث، ويهتم بوصف الشخصيات وَفْق أبعادها المختلفة، لتبدو للمتلقي كائنًا مكتمل الملامح لتبرير تصرفاتها وعلاقاتها بالعناصر الروائية الأخرى، وتعني الرواية -أيضًا- بالفضاء الذي يحتضن الأحداث، وتنمو فيه الشخصيات وتتحرك، وأساليبها متنوعة تتمثل في السرد والوصف والحوار)، (أما مفهوم الرواية التاريخية فيتمثل في أنها رواية يمتزج فيها الواقع التاريخي بالتخييلي مع اختلاف في طغيان أحد الجانبين على الآخر. ومن مفاهيمها أنها الرواية التي تتخذ من الماضي غبر عصوره المختلفة فضاء لها، وتتحدث عن أحداث وشخصيات تاريخية، ووظيفتها الإبراز للشخصيات الحاضرة في الأحداث، وهي إما أن تخترع الماضي أو ترويه أو تبعثه وتجدده) (راجع مقالة: "المفاهيم والمنطلقات والإشكالات" كتبه د. علي بن محمد الحمود من الرياض - المجلة العربية - العدد السابق، ص 13 بتصرفٍ).

(والفرق بين عمل الروائي والمؤرخ يتمثَّل في أن عمل المؤرخ يتجه إلى تقديم الحقائق التاريخية، أما الروائي فعمله الجمع بين ما جاء في المصادر التاريخية من أقوال متضاربة، وتقديمها بعد دراسة المرحلة التاريخية التي يتحدث عنها من جوانبها المختلفة، ومِن ثَمَّ يعيد تأويل الأحداث ويسردها بقالب قصصي وَفْق رؤيته للتاريخ والعالم، ويكشف عن جوانب لم يعنَ بها التاريخ ولم يقف عليها.

ويمكن القول: إن التاريخ يستنطق الماضي، والرواية التاريخية تحاور الواقع الماضي والحاضر، والمجال متسع أمام الرواية التاريخية لاختيار موضوعاتها، فيمكن الانطلاق من اختيار حدث من الأحداث التاريخية الكبرى لتجليته وتقديم رؤية جديدة خاصة به، أو اختيار شخصية مشهورة لتجلية مواقفها وربما محاكاتها أو الدفاع عنها، أو شخصية مغمورة لاتخاذها قناعًا لإسقاطها على الواقع .

وهناك اتجاه آخر يتمثل في اختيار فضاء تاريخي وإسقاطه على الواقع، وقد يشير بإشارات يسيرة إلى ذلك العصر دون التصريح به، أو يذكر حدثًا أو شخصية ترشد إلى ذلك العصر، وهناك اتجاه يعد حديثًا نسبيًّا يتمثَّل في استدعاء الشخصيات التاريخية وتوظيفها فنيًّا لتفسير الواقع وربما محاكمته) (المصدر السابق بتصرفٍ).

ضوابط للكتابة التاريخية:

مما ذكرنا يتبيَّن لنا: أن على المتلقي ألا ينظر إلى الرواية التاريخية أو الفيلم التاريخي بوصفها مستندًا توثيقيًّا للأحداث التاريخية والوقائع، لكن مع ذلك ينبغي التنبه هنا إلى أن هناك مواقف وأحداث وشخصيات في التاريخ تشكل مفاتيح أساسية في عصرها؛ لذا ينبغي توضيحها في العمل الأدبي -إن تطرق إليها- بقدرٍ كافٍ مِن الوضوح والنقل عنها بأمانة وصدق لمكانتها في التاريخ ولمكانتها في النفوس، وإلا صارت الرواية ضائعة الدلالة مفتقدة للصدق الواجب ولا تكشف الحقائق والخبايا.

وأهم وأخطر هذه الشخصيات صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لذا أفتى علماء المسلمين قديمًا وحديثًا بعد جواز تمثيل أي شخصية من شخصيات الصحابة -رضي الله عنهم- صوتًا كان أو الصورة في الأعمال الفنية؛ خاصة تجسيد شخصيات العشرة المبشرين بالجنة، وفي مقدمتهم: الخلفاء الراشدون؛ لذا فإن هناك ضوابط شرعية وعلمية ينبغي مراعاتها وعدم الخروج عليها في الكتابة عن تاريخ الإسلام وشخصياته عامة وعن تاريخ الصحابة وشخصياتهم خاصة، من أهمها:

- أن جيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين لهم تميُّز يوجب على مَن يكتب عنهم النظر في سيرتهم بما يوافق ما قدَّموه من أعمال، وما لهم من مناقب وفضائل، فإن لهم ما ليس لغيرهم من قوة الإيمان ونصرة الدين والجهاد الصادق في سبيل الله، ونشر الدين وتعليمه للناس وتبليغه في الآفاق، مع عدالتهم وإخلاصهم في القول والعمل؛ لذا أثنى الله عليهم ومدحهم في الكثير من آيات كتابه، وجعل من صفات الصالحين ممَّن جاء بعدهم أن يبجلهم ويدعو لهم ويستغفر لهم، قال -تعالى-: "والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا"، وأخبر عنهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهم خير قرون الأمة؛ لذا كان مِن الواجب على مَن يتعرض لسيرتهم أن يجعل همه إبراز فضائلهم، وذكر مناقبهم، وبيان قدرهم وشرفهم، ونشر أعمالهم الصالحة؛ ليحبب فيهم شباب الأمة، ويحملهم على الاقتداء بهم والتأسي بأعمالهم، والاعتزاز بالانتساب إليهم، وبذلك يرتبط حاضر الأمة بماضيها العريق، ويستكمل الأبناء مسيرة الآباء.

- أن يكون الكاتب ممَّن يلتزمون بالإسلام علمًا وعملًا؛ فليس من المقبول أن يقيم أعمال رجالات الإسلام مَن لا يعرف الإسلام عقيدة ومعاملات، وأخلاقيات وسلوكيات، وهي بلا شك تؤثِّر في حياة المسلم -المطلوب تقييمها- عملًا وفكرًا، ومنهجًا وسلوكًا؛ ولهذا رأينا المستشرقين يسيئون فهم مواقف في تاريخ الإسلام، ويصورون أصحابها كمحترفي السياسة المعاصرين وطلاب الدنيا والمتنازعين عليها؛ هذا بالإضافة إلى ما في صدور هؤلاء المستشرقين من الحقد للإسلام والكره للمسلمين الأوائل أصحاب الفتوحات العظيمة والذين على أيديهم سقطت دولة الروم، وليس من المقبول فيمن يكتب عن المسلمين أن لا يكون عدلًا ثقة صالحًا في عمله مستقيمًا في خلقه؛ وإلا فكيف يستأمن على كتابة تاريخ المسلمين وتقييم أحداثه؟! أما إذا كان الكتاب ممَّن لا يقيم لدين الإسلام وزنًا، بل قد يهاجمه صراحة أو بأسلوب ملتوي؛ فكيف لهذا أن يكتب عنه؟! وأنى لهذا أن يأخذ الناس تاريخهم منه؟!

- أن يلتزم الكاتب الأخذ من المصادر والمراجع الإسلامية ويقدِّمها على غيرها؛ فإنها مصادر مبنية على منهج علماء الإسلام في كتابة التاريخ، وأهم ما يميزه: التثبت في الأخبار بإثبات بأسانيد الروايات المنقولة والحكم عليها من خلال نظرة إسلامية ثابتة للمواقف والأحداث.

فالمصادر التاريخية الإسلامية على نوعين:

- مصادر في إثبات الروايات: وهي مصادر تعتمد على الأسانيد في نقل الروايات، وقد وضع علماء الحديث قواعد لمعرفة الروايات الصحيحة من السقيمة، واتبعوا في ذلك منهجًا دقيقًا مدونًا في كتب مصطلح الحديث ومأخوذًا من كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.

والهدف من ذلك: التثبت في الرواية بالسؤال عن الرواة والنظر في الأسانيد؛ لتمييز المتصل من المنقطع، ولمعرفة العدول من الرواة وضع العلماء علم الجرح والتعديل، كما أن هناك قواعد للموازنة بين الروايات المختلفة للترجيح بينها، وهذه العلوم يجب على الكاتب أن يلم بها، وهذه المصادر يجب على الكاتب الرجوع إليها.

- مصادر في تقييم الحوادث والحكم عليها: إذ إن تفسير حوادث التاريخ والحكم على المواقف وتقييم الرجال ينبع مِن نظرة الكاتب ومنهجه في النقد والحكم، ومَن يكتب عن الإسلام ورجاله يجب ألا يخرج عن نظرة الإسلام ومنهجه في الكون والإنسان والحياة، فلا يجوز أن يكون التفسير تفسيرًا ماديًّا يحصر المؤثرات على حركة التاريخ البشري على عوامل مادية بحتة كما في الفكر الماركسي عند الكتاب اليساريين، ولا يجوز أن يكون تفسيرًا يعتمد على أثر البيئة الخارجية كما عند كتاب الفكر المادي الغربي.

إن التفسير للتاريخ يجب أن يراعي دور الإنسان ومسئوليته عن التغيير الاجتماعي في إطار الأحكام الشرعية الموضحة لما هو حق وصواب وما هو باطل وخطأ.

والخلاصة: لا بد أن يعتمد الكاتب على المصادر الإسلامية وأن يكون ملمًّا بعلم الرواية (دراسة الأسانيد)، وملمًّا بعلم الدراية (نقد المتون والحكم عليها)، ومحيطًا بالنظرة الإسلامية في تقييم الأحداث؛ وإلا فلا ثقة فيما ينقل من روايات، ولا اطمئنان لما أبدى فيها من أحكام وآراء.

(وقد عاب العلماء على كثير من المؤرخين ممَّن ليسوا على علم الرجال والجرح والتعديل أو ممن عرفوا بالتعصب، أو كانت كتبهم مشحونة بالأخطاء في النقل، أو استطالوا على صفوة الخلق وأئمة الدين، أو أثنوا على أهل البدع والضلال، فإن مثل أولئك ربما وضعوا من أناس، ورفعوا أناسًا؛ إما لتعصب أو لجهل أو لاعتماد على نقلٍ لا يوثق به؛ لذا اشترط العلماء في المؤرخ شروطًا منها:

- الصدق في القول وعدالة الحال.

- أن في نقله من المصادر يعتمد اللفظ دون المعنى؛ إذ يخشى مع الرواية بالمعنى البعد عن مراد القائل، فيختلف الحكم بين عبارة القائل وعبارة الناقل.

- أن لا يكون الذي نقله من الذاكرة.

- أن يسمِّي المنقول عنه.

قال الحافظ السخاوي في الإعلام بالتوبيخ: (وأما شروط المعتني بالتاريخ: فالعدالة مع الضبط التام الناشئ عنه مزيد الإتقان والتحري؛ سيما فيما يراه من الوقائع التي كانت بين أعيان الصدر الأول من الصحابة -رضي الله عنهم-؛ لما أمرنا من الإمساك عما كان بينهم، والتأويل له بما لا يحط من مقدارهم، ويلتحق بذلك ما وقع بين الأئمة؛ سيما المختلفين في المناظرات والمباحثات) (راجع للاستزادة: "عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة وأهل البيت والرد على الشيعة الإثني عشرية" د. علاء بكر ط. دار العقيدة الإسكندرية، 1/ 121– 126).

أخطاء تاريخية وأكاذيب:

تحتوي الكثير من الروايات والأفلام التاريخية على أخطاء تاريخية متعمدة أو غير متعمدة وأكاذيب درامية مختلقة ومفتعلة، والغالب أن كثيرًا من المتلقين من العوام والبسطاء يصدقونها ويبنون عليها معارفهم وقناعاتهم، والكثير منها تمضي عليه السنون الطوال دون أن يتصدى أحد لبيان أخطائها أو يكشف أكاذيبها الدرامية الزائفة.

وهذا باب واسع يصعب حصره، ولكن نذكر هنا مثالًا عليه بارزًا:

ففي عام 1963 تم إنتاج فيلم (الناصر صلاح الدين) أحد العلامات البارزة في السينما المصرية، والذي ضم عددًا كبيرًا من الفنانين المعروفين، وقام بإخراجه المخرج المشهور يوسف شاهين بتكلفة إنتاجية كبيرة، وقصة الفيلم للكاتب يوسف السباعي، بينما أعد سيناريو وحوار الفيلم كلٌّ من: محمد عبد الجواد، ونجيب محفوظ، وعبد الرحمن الشرقاوي.

والفيلم ما زال يلقى قبولًا بين مشاهدي الأفلام عبر العقود الستة الماضية، وما زال يعرض للآن من وقتٍ لآخر في بعض المناسبات الوطنية في التليفزيون المصري.

والفيلم يحتوي على أخطاء وأكاذيب كثيرة كارثية لم يتنبه لها معظم المشاهدين للفيلم، وبالتالي بنوا عليها معلوماتهم وقناعاتهم عن تلك الفترة التاريخية المهمة في تاريخ الأمة، والتي كانت قبل الاطلاع على الفيلم مجهولة لديهم، بينما يرى مَن تنبهوا لها أنها أخطاء وأكاذيب كارثية كُتبَت ومُثِّلت عمدًا، ومنها:   

1- ادِّعاء أن عيسى العوام أحد قائدي جيش صلاح الدين كان نصرانيًّا، والحقيقة: أنه كان مسلمًا، وكان يقوم بنقل الأموال سباحة إلى المحاصرين في عكا، وقد مات -رحمه الله- غريقًا.

2- ادِّعاء أن والي عكا كان خائنًا، وإظهاره وهو يصب الخمر لملوك الفرنجة، والحقيقة: أن والي عكا (بهاء الدين قراقوش) كان شجاعًا مخلصًا لصلاح الدين، ودافع عن عكا ببسالة في مواجهة الصليبيين لفترة طويلة.

3- إظهار شخصيتين غير معروفتين تاريخيًّا، هما: فرجينيا الجميلة، ولويزا قائدة إحدى الفرق الصليبية.

4- إطلاق المسلمين في الفيلم على القدس اسم: (أورشاليم!)، وهذه تسمية عبرية ليست عربية، والعرب يسمون القدس بيت المقدس، لا أورشاليم.

5- تصوير قتل صلاح الدين للسفاح (رينو دي شاتيون)، والذي يطلق عليه العرب لقب (إرناط)، بعد مبارزة بينهما بعد وقوعه في الأسر، والحقيقة: أن إرناط وقع في الأسر وأوتي به إلى صلاح الدين مكبلًا بالقيود، فعرض عليه الإسلام فأبى فقتله، وكان إرناط قد خرق الهدنة بين صلاح الدين والصليبيين وتعرض لقافلة للمسلمين وقتل أفرادها، ولما ذكره أفراد القافلة بأمر الهدنة قال لهم باستهزاء قولوا لمحمدكم -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- يخلصكم؛ لذا أصر صلاح الدين على قتله؛ لجرأته على مقام النبي -صلى الله عليه وسلم- واعتراض قوافل المسلمين وقتله لأفرادها، وبالطبع لم يبارزه.

6- ادِّعاء أن ريتشارد الأول (قلب الأسد) أصيب بسهم مسموم نتيجة لمؤامرة من الدوق آرثر، وهذا ليس بصواب.

7- تصوير أن هناك علاقة كانت تجمع بين عيسى العوام ولويزا الصليبية ثم وضع نهاية سعيدة لها.

8- الزعم أن ريتشارد الأول قتل 70 من الأسرى المسلمين بعد استيلائه على عكا، والحقيقة: أنه قتل 2700 أسير، كان قد استبقاهم لإكراه صلاح الدين على شروطه، ثم أمر بقتلهم حتى لا يتحمل مؤنة استبقائهم، وحتى لا يكونوا عائقًا لسير جيشه.

9- مخالفة المعروف تاريخيًّا أن حاكم ألمانيا لم يصل إلى عكا مع جيشه؛ لأنه مات في الطريق، ولم يصل من جيشه إلى الشام إلا خمسة آلاف فرد فقط.

10- مخالفة المعروف تاريخيًّا أن صلاح الدين لم يقابل ريتشارد قلب الأسد على الإطلاق، وفي المفاوضات التي تمت بينهما اكتفى صلاح الدين بإرسال مندوب مِن طرفه، كما أن صلاح الدين لم يقم بزيارة ريتشارد في خيمته أثناء مرضه كما في أحداث الفيلم، ولكن فقط بعث له بثلج وفاكهة.

11- تصوير صلاح الدين كداعية إلى القومية العربية تارة، وترديده مقالة: (الدين لله والوطن للجميع!) العلمانية تارة أخرى، وهي دعوات وعبارات لم تكن في عهده.

12- مخالفة ما عرف تاريخيًّا من أن (إرناط) تزوَّج من (ستيفاني) حاكمة الكرك، وكانت أكبر منه سنًّا، ولم يتزوج من فرجينيا الجميلة.

13- مخالفة المعروف تاريخيًّا من أن ريتشارد انسحب من الشام مضطرًّا وعاد لأوروبا؛ خوفًا على فقده للعرش.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com


تصنيفات المادة