الأحد، ٤ ذو الحجة ١٤٤٣ هـ ، ٠٣ يوليو ٢٠٢٢
بحث متقدم

معارك حاسمة (11) أحداث معركة القادسية

معارك حاسمة (11) أحداث معركة القادسية
الاثنين ٢١ فبراير ٢٠٢٢ - ١٨:٥٢ م
48

معارك حاسمة (11) أحداث معركة القادسية

كتبه/ أحمد فريد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

لم يكتفِ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا القَدْر من إذلال مرازبة فارس، بل تناول رمحه واتجه صوب أسطورة الفرس العسكرية رستم، وهو يتكئ على رمحه، والرمح يدب في البسط الفارسية المزخرفة فيقطعها من خلفه، فلم يترك بساطًا في طريقه إلا قطعه!

ووقف أهل فارس في صمت عجبًا من ثقة هذا العربي الذي يحتقرهم في عقر دارهم، وكأنه يريد أن يوجِّه رسالة عابره للتاريخ للمسلمين من بعده: لا تجعلوا زخارف الحضارة الدنيوية المزيفة تنال من ذرة كرامة في ثقتكم بأنفسكم كمسلمين، فالله أعزكم بأعظم نعمة في الوجود، نعمة الإسلام، فأنتم الأعزة، ومن دونكم هم الأذلة، نظر رستم إلى هذا العربي بتعجب، وقال له: ما جاءكم؟ فأجابه ربعي بن عامر رضي الله عنه بكلمات صارت تتناقل من جيل لآخر: لقد ابتعثنا الله لنخرج مَن شاء مِن العباد مِن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فمن قبل ذلك منا قبلنا منه، ومَن لم يقبل قبلنا منه الجزية، وإن رفض قاتلناه حتى نظفر بالنصر، فقال له رستم محاولًا النيل من ثقة ربعي رضي الله عنه: قد تموتون قبل ذلك، فأجابه ربعي بكل ثقة: وعدنا الله عز وجل الجنة لمَن مات منا على ذلك، وأن الظفر لمن بقي منا، فقال له رستم محاولًا استعطافه: فهل لك حتى نأخذ الرأي من قادتنا وأهلنا؟ 

فقال له ربعي بكل استخفاف: نعم أعطيك، كم تحب: يومًا أو يومين؟ 

قال رستم مستعطفًا ربعي بن عامر: أعطني أكثر. 

فقال له صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنَّ لنا ألا نمكن أذاننا من الأعداء، وألا نؤخرهم عند اللقاء أكثر من ثلاث، وإلا حاربناك في اليوم الرابع.

ثم انطلق ربعي بن عامر رضي الله عنه إلى فرسه الهزيلة، وجموع الفرس تنظر إليه ليعبر بفرسه تلك القنطرة راجعًا لمعسكر المسلمين، لينظر رستم إلى مستشاريه ويقول لهم.: هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل؟!

فقالوا له: معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا، تدع دينك إلى هذا الكلب! فنظر إليهم رستم مستهجنًا عليهم تلك النظرة السطحية للأمور، فتعالت أصوات مَن حوله مِن الفرس يتهمونه بالجبن والضعف، فما كان من رستم إلا أن سكت عن الكلام، وأظهر لهم نيته للقتال، ولكنه في قرارة نفسه كان يخفي أمرًا آخر؛ ألا وهو: مفاوضة المسلمين مرة أخرئ، وتقديم المزيد من التنازلات علهم يرجعون إلى صحرائهم؛ لذلك بعث إلى سعد مرة أخرى يريد التفاوض من جديد.

فبعث له سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه هذه المرة بصحابي آخر رسولًا لرستم هو حذيفة بن محصن البارقي الأزدي رضي الله عنه، ولم يكن الرسول هذه المرة كمَن سبقه من قبيلة تميم العدنانية، بل كان من قبيلة الأزد القحطانية الفرع الآخر للعرب، وكان الله عز وجل أراد أن يشترك العرب جميعًا لإذلال الفرس المجوس، ولعل ذلك يكون سببًا رئيسيًّا يفسِّر كره الشيعة الروافض من الفرس وأذنابهم لكل ما هو عربي، فالشيعة في كتبهم يومنون بأن أول شيء سيقوم به مهديهم المزعوم هو إبادة العرب عن بكرة أبيهم، وسيبدأ أول ما يبدأ بقريش قبيلة رسول الله صلى الله عليه وسلم! بل إن إمام الشيعة يذكر في كتابه: "بحار الأنوار" بان مهديهم المزعوم سيقتل حين خروجه سبعين قبيلة عربية!

ولا شك أن حذيفة بن محصن رضي الله عنه أراد أن يحطِّم الرقم القياسي في إهانة الفرس المجوس، وسحق شرف مرازبة فارس، فلم يكتفِ حذيفة بالدخول على معسكر الفرس راكبًا فرسه التي داست فوق البسط المزخرفة، بل ظل صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم راكبًا حتى وصل إلى رستم؛ ليس ذلك فحسب، بل اختار هذا الفارس العربي بأن يخاطب قائد إمبراطورية ساسان من فوق فرسه، فقال له رستم: انزل يا عربي، فقال له حذيفة: لا أنزل، أنتم دعوتموني، فإن أردتم أن آتيكم كما أحب وإلا رجعت. 

فلم يكن أمام رستم إلا أن يقبل على مضض بهذه الطريقة المهينة التي يعامله بها صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، طريقة ذلك العربي عندما قال له رستم: ما جاء بكم؟ فقال حذيفة: إن الله عز وجل مَنَّ علينا بدينه وأرانا آياته، فعرفناه وكنا له منكرين! ثم أمرنا بدعاء الناس إلى ثلاث، فأيها أجابوا قبلناه: الإسلام وننصرف عنكم، أو الجزاء (أي: الجزية)، أو المنابذة (أي: الحرب)، فقال له رستم: هل من الممكن أن تعطينا فرصة؟ 

فقال له رستم: إذًا تقاتلونا في اليوم الرابع؟

فقال الأسد العربي حذيفة بن محصن رضي الله عنه بكل عزة وثقة: ثلاثة أيام ليس من اليوم، بل من أمس.

وللحديث بقية إن شاء الله.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com


تصنيفات المادة