الثلاثاء، ٦ ذو الحجة ١٤٤٣ هـ ، ٠٥ يوليو ٢٠٢٢
بحث متقدم

مسلمو أوكرانيا بين المطرقة والسندان

مسلمو أوكرانيا بين المطرقة والسندان
الأحد ٢٧ فبراير ٢٠٢٢ - ١٩:٤١ م
185

مسلمو أوكرانيا بين المطرقة والسندان

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

تقع أغلب أوكرانيا داخل السهل الأوروبي الشرقي، تحديدًا على خط الطول 32 درجة شرقًا، وعلى دائرة 49 درجة شمالًا.

وتعد أوكرانيا من دول أوروبا الشرقية حيث تقع في الجزء الأوسط منها على مفترق طرق النقل الرئيسية من أوروبا إلى آسيا، وهي أكبر دولة أوروبية في المساحة بعد روسيا، لكنها تقع بكاملها داخل أوروبا؛ فتحد أوكرانيا من الشرق روسيا، وتحدها بيلاروسيا من الشمال، وسلوفاكيا والمجر وبولندا من الغرب، بينما تحدها رومانيا ومولدوفا من الجهة الجنوبية الغربية.

وتقع أوكرانيا على السواحل الشمالية للبحر الأسود وبحر آزوف، وتقع جمهورية القرم -وهي لم تزل دوليًّا جزءًا من أوكرانيا- في شبه جزيرة تعد كامتداد لجنوب أوكرانيا بين البحر الأسود غربًا، وبحر آزوف شرقًا، ويفصلها شرقًا عن روسيا مضيق كيرش.

ويعد المسلمون حاليًا في أوكرانيا أقلية؛ سواء الأصليون منهم أو الوافدون من العرب وغيرهم، ويعانون من مشاكل كثيرة تهدد تمسكهم بدينهم وهويتهم الخاصة في ظلِّ تنامي الصراع العالمي حول أوكرانيا بين روسيا وأمريكا، فبينما تذكر المصادر الرسمية أن عدد المسلمين في أوكرانيا يقترب من نصف مليون مسلم، من إجمالي السكان البالغ 47 مليون نسمة، فيرى البعض أن عددَ المسلمين أكثر من ذلك بكثيرٍ؛ خاصة مع ضم مسلمي جمهورية القرم المحتل من قِبَل روسيا، وإن كان يعد دوليًّا جزءًا من أوكرانيا، فيمكن أن يصل عدد المسلمين هناك إلى مليوني مسلم.

وفي أوكرانيا جاليات عربية تقدر بنحو 80 ألف نسمة يتواجدون في المدن الكبيرة، منهم طلاب ورجال الأعمال، وعائلات عربية، وأسر مختلطة بالزواج من نساء أوكرانيات، وتعد الجالية السورية أكبر هذه الجاليات العربية؛ خاصة بعد لجوء عددٍ من الأسر السورية لأوكرانيا؛ بالإضافة إلى فلسطينيين وعراقيين وأردنيين.

أما المسلمون من غير العرب فهم مسلمون قادمون من آسيا الوسطى؛ خاصة من الطاجيك والأوزبك، الذين أجبروا على الهجرة بالآلاف قسرًا واضطرارًا، أو هربًا من المجازر التي ارتكبها السوفييت إبان الحكم الشيوعي، ويعيش المسلمون الأصليون في أوكرانيا في المدن الشرقية من البلاد وأغلبها يسيطر عليه الانفصاليون الموالون لروسيا.  

وشبه جزيرة القرم تمتد من البر الأوروبي في البحر الأسود شرقي أوروبا، ويربطها باليابس برزخ ضيق في شمالها تمر عبره خطوط المواصلات، وتحيط بها مياه البحر الأسود من الجنوب والغرب، وتبلغ مساحتها: 26150 كيلو متر مربع، ويبلغ عدد سكانها: 2355030 نسمة وَفْقًا لتعداد عام 2019 م، ويأتي اسم شبه جزيرة القرم من الكلمة التتارية (كيريم)، والتي تعني الجدار.

 وقد وصلها الإسلام عن طريق التتار المسلمين في عهد القبيلة الذهبية، والذين استقروا في المنطقة عام 740 هـ - 1339م، وكانوا قسمًا من دولة المغول. 

من تاريخ الإسلام في أوكرانيا والقرم: 

 دخل الإسلام أوكرانيا تاريخيًّا من قرون طويلة ترجع على النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي؛ قيل: إن ذلك جاء نتيجة التعامل مع التجار المسلمين. وقيل: إن ذلك كان نتيجة جهود دعاة من فقهاء مسلمين سمح لهم ملك الخزر الذي اعتنق الديانة اليهودية بالبقاء في مملكته، فدخل على أيديهم جمع من الخزر في الإسلام.

وتذكر مصادر تاريخية أوكرانية: أن مدينة (لوهانسك) شرق البلاد شهدت بناء أول مسجد للمسلمين في ذلك الوقت، أي أكثر من ألف سنة.

وقد انتشر الإسلام في الجزء الأوروبي من روسيا في مدتين زمنيتين: 

الأولى: في القرن الرابع الهجري حيث اعتنق البلغار الإسلام على يد الدعاة والتجار المسلمين (الذين كانوا يتاجرون في الفراء وسائر السلع التي كانوا يحصلون من البلاد الشمالية، وقد أرسل إليهم الخليفة المقتدر العباسي (295 - 320هـ) (908 - 932م) قائده أحمد بن عباس، ويعرف بابن فضلان، ليقوم على تثبيتهم على الدين، وتعليمهم مبادئ الدين وشعائره، ويعد ابن فضلان من أوائل الرحالة الجغرافيين المسلمين في تلك الديار) (راجع في ذلك: (حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة) د. جميل عبد الله محمد المصري ط. التاسعة 1435 هـ - 2014 م - مكتبة العبيكان للنشر والتوزيع - الرياض، ص 496).

الثانية: على يد المسلمين التتار (من القبيلة الذهبية التي أسسها جوجي بن جنكيزخان، وأسلم أميرها بركة خان (654 - 665 هـ) (1256- 1267 م)، فأصبح حوض الفولغا بأكمله إسلاميًّا، وحاضرته مدينة (السرا) على ضفاف الفولغا)، (وظهر من هذه الأسرة محمد أوزبك (713 - 741 هـ) (1313- 1340 م) الذي اشتهر بحماسه لنشر الإسلام بين الأهالي، وامتدت دولته من شمال بحر آرال إلى مصب الفولغا، مع امتداد إلى الغرب حتى بلاد القرم، فوطَّد أركان الإسلام في تلك البلاد التي كانت تحت سلطانه) (المصدر السابق، ص 496).

وقد زار الرحالة ابن بطوطة تلك البلاد، وذكر أن مدينة السرا (فيها ثلاثة عشر مسجدًا لإقامة الجمعة ... وأما المساجد سوى ذلك فكثيرة جدًّا)، وقد (كانت إمارتا موسكو وكييف النصرانيتين تدفعان الجزية للتتار المسلمين).

(وعلى ذلك فكان في روسيا ثلاث ديانات: 

الإسلام: ويدين به التتار، وهم يحكمون البلاد ويدعون للإسلام.

النصرانية: ويدين به الصقالبة الروس، ولهم إمارتان موسكو وكييف، ويدفعون الجزية للمسلمين. 

الوثنية: ويدين بها بعض قبائل الروس وبعض القبائل الأخرى) (المصدر السابق، ص 497)

ولما (تجزأت دولة التتار الواسعة وتحللت القبيلة الذهبية عام 813 هـ -أي: قبل فتح القسطنطينية بأقل من ربع قرن- وظهر على أنقاضها في روسيا ثلاث دويلات هي: خانات القرم، والقازان، والاسترخان، وأخذت المناطق الخاضعة تتمرد عليها بالانفصال، فاستقلت إمارة موسكو، ورفضت دفع الجزية عام 885 هـ - 1480 م، وأسست دولة قوية بزعامة إيفان الثالث (867 - 911 هـ) (1462 - 1505 م)، بعد أن بقيت تدفع الجزية 240 عامًا للتتار المسلمين) (المصدر السابق، ص 497 - 498)

وبعد نجاح العثمانيين في القضاء على الدولة البيزنطية نهائيًّا عام 1453م - 857 هـ (أعلن إيفان الثالث الحرب الصليبية، واعتبر موسكو وارثة للإمبراطورية البيزنطية، وتمكن من هزيمة أحمد خان سلطان قازان مستغلًا انقسام مملكة بركة خان المغولي إلى ثلاث دويلات)، (وأخذت موسكو تنتقص دار الإسلام في روسيا شيئًا فشيئًا)، ثم قام إيفان الرابع بن أمير موسكو فاسيلي الثالث بشن حرب ضد المسلمين بتحريض من البابا، (فاحتل خانية قازان الإسلامية التي كانت مركزًا لحضارة إسلامية عريقة زاهرة عام 960 م - 1552 هـ، وضمها إلى دولته، فكانت أول البلاد الإسلامية التي وقعت تحت براثن الاستعمار الروسي بعد ستين سنة من سقوط غرناطة في الأندلس)، كما احتل خانية أسترخان (الحاج طرخان) وضمها عام 965 م - 1557 هـ)، (ولم يبقَ من روسيا الأوروبية إلا بعض الأجزاء، وشبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا عام 1198 هـ - 1783 م) (المصدر السابق، ص 498 بتصرفٍ).

وكان القرم بعد انحلال دولة المغول (التتار) قد كوَّنوا دولة تحت حكم أسرة كيراي منذ سنة 836 هـ - 1427 م، وقد قويت هذه الدولة ومدَّت نفوذها باسم الدولة العثمانية، وقد بلغت هذه الدولة قوتها في عهد السلطان محمد كيراي في النصف الثاني من القرن العاشر الهجري فهاجمت موسكو سنة 979 هـ - 1571م، وانتقمت منها لما فعلته بالمسلمين التتار في البلاد الشرقية، ولكن الروس انتصروا على القرم وانتزعوا منهم الأراضي الشمالية عام 1091هـ - 1680م، وهذا ما جعل العثمانيون ينزلون إلى شبه جزيرة القرم، واتخذوا لهم مراكز في جنوبها، وتسلموا مضيق (كيرش).

(ولما أصاب العثمانيون الضعف قام الروس بغزو شبه الجزيرة سنة 1149 و1150 و1151 هـ - 1736 و1737 و1738 م، واستولوا عليها نهائيًّا سنة 1192 هـ - 1783 م) (راجع المصدر السابق، ص 503 - 504).

وقد أصدرت إمبراطورة روسيا كاترين الثانية مرسومًا أعلنت فيه ضم الإمارة إلى الإمبراطورية الروسية متعهدة للمسلمين بضمان حقوقهم في أملاكهم وحرياتهم الدينية، ولم يكن هذا الوعد إلا تضليل لأهل الجزيرة؛ فقد صادرت الحكومة بعد سنوات خيرة أراضي المسلمين ووزَّعتها على النبلاء، وطردت منها مئات الألوف من المسلمين وسمحت بتدفق سيول من المهاجرين الروس، ليصبح هذا الشعب أقلية في وطنه أمام كتلة روسية تفوقه في الثروة. 

وبعد الثورة الشيوعية في روسيا عام 1917 م - 1336 هـ استقلت القرم، لكن الشيوعيون عادوا بعد مقاومة عنيفة فأهلكوا وقتلوا عشرات الألوف، ونقلوا عشرات الألوف، ونصبوا على البلاد رئيسًا يهوديًّا، وهدموا المساجد والمعاهد.

وظلت شبه جزيرة القرم جزءًا من الاتحاد السوفيتي من عام 1921م إلى أن تنازل عنها الزعيم الروسي خرتشوف -خليفة ستالين- في عام 1954 م لأوكرانيا، والتي كانت وقتها إحدى الجمهوريات السوفيتية، وفي عام 1928 م - 1347 هـ اتجه الشيوعيون إلى جعل شبه جزيرة القرم موطنًا لليهود الروس.   

ولما غزا الألمان المنطقة خلال الحرب العالمية الثانية اتهم الروس السكان بأنهم عملاء للألمان، وعليه دخل الروس العاصمة عام 1943 م - 1362 هـ، فقاموا بطمس معالم الإسلام فيها؛ خاصة المساجد الأثرية وقتلوا مئات الألوف، وأجلوا الكثيرين عن البلاد، وأعلنوا إلغاء جمهورية القرم من الوجود وضمت إلى جمهورية أوكرانيا السوفيتية، وفي عام 1967م - 1387 هـ أعلن مجلس السوفييت براءة تتار القرم من تهمة التعاون مع الألمان، وألغي قرار الاتهام السابق، ولكن بعد فوات الأوان. 

وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي تجددت المشاحنات السياسية بين موسكو وكييف حول وضع القرم، وفي فبراير 2014 م احتل مسلحون موالون لروسيا البرلمان القرمي، وأعقب ذلك دخول القوات الروسية، وأجرى في مارس استفتاء في القرم للانفصال عن أوكرانيا والانضمام لروسيا الاتحادية، وجاءت نتيجته لصالح الانضمام لروسيا، وقد رفضت أوكرانيا والدول الغربية هذا الاستفتاء ونتيجته. 

صور من معاناة مسلمي أوكرانيا:  

- رغم أنه لا يوجد قانون صريح في أوكرانيا يمنع الحجاب؛ إلا أن الواقع أن هناك اضطهاد للمسلمات المحجبات والتضييق عليهن في الوظائف الحكومية، كما يتعرضن لمضايقات عنصرية من العديد من السكان، وتعاني المسلمات المحجبات من عدم السماح لهن بوضع صورهن على جواز السفر وهن محجبات.   

 - ويعاني المسلمون في أوكرانيا من غياب المدارس الخاصة التي تتوافق مع هويتهم الإسلامية، ففي العاصمة الأوكرانية كييف والتي يعيش فيها 100 ألف مسلم لا تتوفر فيها إلا مدرسة نظامية واحدة، ورغم أن القانون الأوكراني لا يمنع إنشاء مدارس خاصة للأقليات، لكن الصعوبة تكمن في إجراءات التراخيص التي تحتاج لوقت طويل للقيام؛ إضافة إلى التكلفة الكبيرة التي تحتاجها تلك المدارس الخاصة لبناء أو شراء مبانٍ مناسبة وإعدادها، والمصاريف الباهظة لتسيير العمل فيها، وما يترتب على ذلك من مطالبة الآباء بتسديد رسوم يعجز أغلب أولياء الأمور عن تسديدها. 

- ويعاني المسلمون كذلك من صعوبة بناء المساجد؛ بسبب المعوقات والعراقيل الإدارية والمماطلة في البت في طلبات بناء المساجد، مع ضعف الدعم المالي الذي يتلقاه المسلمون والعرب في أوكرانيا، وللمساجد أهميتها القصوى في أداء الصلوات والشعائر، وتحفيظ القرآن الكريم، وتعليم اللغة العربية.

- ومن الناحية العقائدية: يتعرض المسلمون في أوكرانيا -وهم أهل سنة- إلى حركة تشيع نشطة تزداد بينهم، يقودها مركز المصطفى الإسلامي في أوكرانيا، الذي يمارس نشاطًا محمومًا من خلال عددٍ مِن المؤسسات والجمعيات التي تعمل على نشر التشيع. 

وهذا كله يبيِّن حاجة مسلمي أوكرانيا الشديدة إلى الدعم المادي والمعنوي لتثبيت دينهم وتحصينهم، من خلال بناء المدارس الخاصة والمساجد للحفاظ على دينهم؛ خاصة أن البلاد عامة تعاني من أزمة اقتصادية حادة وتدنٍّ في قيمة العملة، ويعاني شرق البلاد من صراعات سياسية عنيفة؛ بسبب الانفصاليين الموالين لروسيا تنذر بحرب بين روسيا والدول الغربية بزعامة أمريكا.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com