الأربعاء، ١٨ رجب ١٤٤٤ هـ ، ٠٨ فبراير ٢٠٢٣
بحث متقدم

الرشد (2) أصحاب الكهف وإبراهيم عليه السلام

الرشد (2) أصحاب الكهف وإبراهيم عليه السلام
الثلاثاء ١٥ مارس ٢٠٢٢ - ١٧:٢٢ م
69

الرشد (2) أصحاب الكهف وإبراهيم عليه السلام


كتبه/ شريف الهواري

ضرب لنا القرآن أمثلة على حقيقة الرشد كمادة لحسم الصراع بين الحق والباطل، وهناك أمثلة من القرآن الكريم، أولها: 

1- قصة الفتية: 

يذكر القرآن العظيم قصة هؤلاء الفتية الذين كانوا يعيشون في مملكة كافرة تعج بالشرك والفساد، فهؤلاء الفتية قرروا أن يهاجروا بدينهم، وقالوا نفر إلى الله، وتسللوا وخرجوا بكلبهم فآواهم المبيت إلى كهف، لكنهم يحملون الهم ويفكرون في المصير؛ كيف يرتبون الأولويات؟!

وماذا سيفعل الملك الظالم معهم؟!

عندما دخلوا إلى الكهف قالوا: "ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدًا"، فهؤلاء الفتية لم يدعوا على الملك الظالم ومَن عاونه، ولم يدعوا بالنصر والتمكين أولًا، ولكن طلبوا الرحمة والرشد لكي يحسنوا تحقيق المصلحة ويدرؤوا المفسدة، ويرتِّبوا الأولويات، ليتخطوا العراقيل والعقبات، ويصلوا إلى سلامة الله وأمنه وإلى بر الأمان. 

هؤلاء الفتية أحسنوا الاختيار، وأصابوا كبد الحقيقة؛ لأنهم يعلمون أساليب الباطل؛ ولذلك كانوا يحتاجون إلى الرشد، وإلى العلم، وإلى الحكمة، وإلى الإتقان؛ لضبط الأولويات في تلك المحنة. 

تعالوا معا نعيش سويًّا هذه الفترة التي نحن فيها الآن، والأحداث المتتابعة التي ألمت بنا كأمة؛ في سوريا والعراق، ومصر، واليمن وليبيا، إلخ، والواقع ما زال مؤلمًا، كثير منا يحب الدين، لا نستطيع أن نشكك في حبهم للدين وغيظهم من الباطل، ومن الانحراف والفساد، لكن: "وكم من مريد للخير لا يبلغه"، فسيطرت عليهم العواطف وقادتهم لاصطدام مبكر؛ فتعجلوا واندفعوا فكانت النتائج مؤلمة!

وفي تلك الظروف، هناك مَن استطاع أن يحافظ على رأس ماله، ويفوت الفرصة على أعدائه، واستطاع أن يتخطى الألغام والعراقيل والعقبات، ويصل بأبنائه الى بر الأمان بإذن الله، فأولئك الذين نحسبهم أن لديهم نصيبًا وافرًا من (الرشد).

2- قصة إبراهيم عليه السلام مثال آخر: في أحرج مرحلة من مراحل الصراع بين الحق والباطل، انتشرت فيها عبادة الأوثان والأصنام والكواكب، وعبادة البشر، كان لا بد من وجود مخرج، وهنا وقفة نتأمل فيها: أن الله عز وجل يرشدنا -وحتى قيام الساعة- أننا حينما يشتد الصراع ويكثر الفساد، لا بد أن نبحث عن الشباب، فنقوم بعمل تأهيل مبكر، وتجهيز وإعداد جيد للشباب حتى يستطيع أن يحمل الراية، ويمر بها من حقول الألغام والفتن حتى يسلمها للأجيال القادمة. 

في مرحلة الصراع تلك، وقع الاختيار على شاب من الشباب اسمه إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: "ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين"، يقول المولى عز وجل من باب التفخيم والتعظيم عن نفسه سبحانه وتعالى: أعطيت هذا الفتى رشده من قبل أن يُكلَّف، من قبل أن تبدأ المواجهة، من قبل أن يشتد الصراع، من قبل أن يقوم على عملية التأصيل والتنظير على الحق، ودحض شبهات الباطل عند كبراء عُباد الأصنام وعند عُباد الكواكب أو عند عُباد البشر حتى ألجمهم فبهت الذي كفر، وأعطاه الله سبحانه وتعالى (الرشد)، وهو في سن الشباب، فعندما تحدثوا عنه وعن فعله قالوا: "سمعنا فتىً يذكرهم يُقال له إبراهيم". 

وأنتم كذلك يا شباب، الأمل حقيقة في النهوض بأنفسكم، بأُسركم، بمجتمعاتكم، ببلدكم، بوطنكم، بأمتكم، بالبشرية أجمع؛ ولذلك فإن التهيؤ لعملية تحصيل الرشد مهمة جدًّا. 

فمن الضروري أن يكون لديك رشد حتى تسهم وتشارك ويكون لك دور، فهذه قضية في غاية الأهمية؛ سيدنا إبراهيم عليه السلام كان لها، فأفحم عُباد البقر والأصنام، وعُباد الكواكب، وعباد البشر، وعباد النمرود؛ ولذلك اغتاظوا وتوعدوا وهددوا كعادتهم، وشنوا عليه حرب تحبيط، وحربًا نفسية، وقرروا أن يحرقوه بتلك الوحشية فقيدوه بالسلاسل على مدخل البلدة حتى يهزموه نفسيًّا، ويكون عبرة لمن يراه حتى لا يؤمن بما يدعو إليه، فهل نجحوا أن يهزموه نفسيًّا أو يحبطوه؟ لا والله أبدًا كان في ثباتٍ عجيبٍ حتى وهو في طريقه إلى النار، وأتاه جبريل عليه السلام فقال: "حسبي الله ونعم الوكيل". 

كان يعرف دوره ورسالته، فبالرشد ثبت وبذل وضحى ونُجي، "قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم"، فكانت العاقبة أن جُعلت الرسالة فيه وفي ذريته إلى قيام الساعة، واُختير لإمامة الملة الحنيفية السمحة؛ وذلك لأنه وُرّث الرشد. 

وللحديث بقية إن شاء الله.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

الكلمات الدلالية

تصنيفات المادة