الثلاثاء، ٢٩ ذو القعدة ١٤٤٣ هـ ، ٢٨ يونيو ٢٠٢٢
بحث متقدم

بيروبيجان ... وطن يهودي لا يسكنه اليهود (1)

بيروبيجان ... وطن يهودي لا يسكنه اليهود (1)
الخميس ٣١ مارس ٢٠٢٢ - ١٢:٣٢ م
50

بيروبيجان ... وطن يهودي لا يسكنه اليهود (1)

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبيروبيجان هي عاصمة -وأكبر مدن- منطقة الحكم الذاتي (الأوبلاست اليهودية الذاتية) في روسيا، وهذه المنطقة كثافتها السكانية قليلة؛ تحدها من الجنوب والغرب الصين الشعبية، ومن الشمال الغربي منطقة (أمور أوبلاست)، ومن الشمال الشرقي والشرق أقليم (خابازروفسك). 

فما حكاية بيروبيجان (أو إسرائيل الأولى)؟ 

الوطن اليهودي المنسي، الوطن الأول لليهود من ثلاثينيات القرن الماضي، أي: وطنٌ سبق إعلان دولة إسرائيل على أرض فلسطين المحتلة بستة عشر عامًا، وما زال هذا الوطن باقيًا لهم إلى الآن، وهو قطعًا حل عادل وعملي للقضية الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي، بعيدًا عن ظلم الشعب الفلسطيني واضطهاده؛ خاصة وأن مساحة هذا الوطن أكبر من مساحة فلسطين، وحجمه يعادل مساحة سويسرا، أو مساحة بلجيكا، وقد تم تخصيصه ليكون وطنًا قوميًّا لليهود فكان أول وطن تطلع إليه اليهود عمليًّا في العصر الحديث، ولكن رفضته -وترفضه- الصهيونية العالمية التي تسعى جاهدة إلى كتم حقيقة أن هناك bidjan.

بيروبيجان مقاطعة روسية تتمتع بالحكم الذاتي، خُصِّصت لليهود، وهي تقع شرق سيبيريا، خلف نهر (مامو) الذي كان يفصل بين الاتحاد السوفيتي السابق ومنشوريا.

وقد اشتق اسمها من رافدي النهر: (بيرو) و(بيجان)، والإقليم حار صيفًا، وبارد ممطر شتاءً، ويحتوي على منطقة سهلية صالحة للزراعة، ومنطقة جبلية تتوافر فيها غابات كثيفة غير مستغلَة تتوافر فيها أنواع ثمينة من الأخشاب وحيوانات ذات فراء.

والإقليم غني بالموارد الطبيعية؛ خاصة في قسمه الشمالي، وبه العديد من الثروات المعدنية أبرزها: الفحم، والزئبق، والنحاس، والحديد، والذهب، والمرمر، والأحجار شبه الكريمة.

وتوجد بها وفرة مِن مياه الري من خلال أنهار كثيرة كبيرة وصغيرة وبحيرات، ويتركز سكانها في جزئها الشمالي، وجزئها الجنوبي، وهذه المقاطعة ضمتها روسيا إليها عام 1858، وهي حاليًا جزء من إقليم خباروفسك. 

بداية القصة:      

أخذت حدود الاتحاد السوفيتي شكلها النهائي عام 1920، ونتيجة استقلال العديد من دول أوروبا الشرقية صار هناك عدد كبير من اليهود داخل مناطق الاتحاد السوفيتي؛ 80 % منهم في أوكرانيا وروسيا البيضاء.

وقد أعطت الحكومة البلشفية اليهود حقوقًا سياسية، بل أصبحت معاداة اليهود جريمة، وأصبح من حق المواطن اختيار انتمائه العرقي باختياره المحض، واستند تحديد الانتماء القومي إلى اللغة التي يحدد المواطن أنها لغته القومية.

ثم رأت الحكومة البلشفية توجيه يهود روسيا نحو الزراعة والاستيطان الزراعي استمرارًا لمحاولات الحكومة القيصرية من قبل، والتي استهدفت تحويل اليهود إلى عنصرٍ منتجٍ؛ لذا أسست لجنة الاستيطان الزراعي اليهودي (كوزمت)، وقد طبِّقت التجربة أولًا في أوكرانيا وفي شبه جزيرة القرم حيث توجد الأماكن الصالحة للزراعة.

وقد وصلت التجربة إلى قمة ازدهارها في أواسط الثلاثينات، لكن رأى المسئولون السوفيت أن شبه جزيرة القرم لا توجد فيها أرض زراعية كافية، كما أن السكان المحليين عارضوا عملية توطين اليهود بينهم، كما أن تركيز العنصر اليهودي في هذه المنطقة الإستراتيجية القريبة من غرب أوروبا قد يؤدي إلى خلق مشاكل ذات طابع أمني في المستقبل؛ مما أدَّى إلى تراجع التجربة والقضاء عليها.

وقد تلا ذلك اتجاه الحكومة البلشفية إلى مشروع جديد لدمج اليهود وتذويبهم، وهو ما يمكن تسميته: بـ(ترويس) اليهود، أي: جعلهم مواطنين روس.

وقد بدأ المشروع في عام 1928 عندما وقع اختيار الحكومة السوفيتية على منطقة بيروبيجان لتشجيع التوطين اليهودي في الإقليم التابع له، وهو إقليم قليل الكثافة السكانية، كان يسكنه وقتها نحو 27 ألف نسمة على اتساعه.

وذلك لتحقيق عدة أهداف سوفيتية، منها: 

- زيادة الكثافة السكانية في تلك المنطقة ذات الحدود مع الصين واليابان.

 - تعمير كل أرجاء الاتحاد السوفيتي خصوصًا الأطراف. 

 - زيادة تكيف اليهود مع النظام السوفيتي الجديد.  

بالإضافة إلى تحقيق أهداف أخرى خارجية سياسية، منها:

- إحباط دعاية العناصر اليهودية المعادية للسوفييت. 

- كسب تأييد يهود العالم؛ خاصة يهود الولايات المتحدة الأمريكية. 

- الاتجاه إلى تحسين العلاقات مع الغرب في تلك الفترة. 

(ونظرًا لكل هذه الاعتبارات قررت القيادة السوفيتية: أن تمنح اليهود إقليمًا خاصًّا بهم حيث يكون بمقدورهم أن يطوروا ثقافتهم وتقاليدهم الخاصة في إطار قومي ومحتوى اشتراكي، فيصبح مركزًا للثقافة اليهودية (اليديشية) ومجالًا لتحقيق هوية اليهود؛ باعتبارهم أقلية شرق أوروبية أو قومية يديشية). 

(وقد تم تشكيل جهازين للإسراع في تنفيذ المشروع، وصدر مرسوم مارس 1928 متضمنًا تخصيص جميع الأراضي في منطقة بيروبيجان للمستوطنات اليهودية مع منحة المنطقة صفة (دائرة قومية يهودية)؛ رغم أنها لم تكن تضم أي يهود آنذاك! كما نص المرسوم صراحة على أن المنطقة ستتحول إلى مقاطعة يهودية ذات حكم ذاتي إذا ما سار التوطن اليهودي بنجاح فيها.

وفي القانون السوفيتي: تعتبر المقاطعة ذات الحكم الذاتي وحدة إدارية تتمتع بشيء من الكيان الذاتي، والمفروض أنها تمثِّل كيانًا مستقلًا لمنطقة معينة تحوي سكانًا من قومية واحدة لا يكفي عددهم لتأليف جمهورية مستقلة) (راجع في ذلك: (موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية) د. عبد الوهاب المسيري - ط. دار الشروق، 1/ 388 بتصرفٍ).

وبالفعل في عام 1928 وصلت أول دفعة من اليهود السوفيت قوامها: 950 شخصًا إلى بيروبيجان، وخلال 5 سنوات هاجر إليها نحو عشرين ألف شخص، لكن عاد منهم اثنا عشر ألفًا، أي: بقي في المنطقة ثمانية آلاف فقط؛ مما يشير إلى احتمالية عدم نجاح تنفيذ المشروع، ولكن في أعقاب احتلال اليابان لمنشوريا -المتاخمة لبيروبيجان- عام 1932 أعلنت السلطات السوفيتية في مايو 1934 رسميًّا منح منطقة بيروبيجان صفة (مقاطعة يهودية ذات حكم ذاتي)؛ هذا رغم عدم وجود أبرز شروط منح صفة المقاطعة ذات الحكم الذاتي حسب الدستور السوفيتي، وهو وجود أغلبية من سكان قومية معينة، وهي صفة لم تكن لم تكن متوفرة لليهود وقتها في منطقة بيروبيجان؛ ولهذا وضعت الحكومة السوفيتية لتشجيع هجرة اليهود خطة جديدة لتوطين اليهود من خلال اختيار الكفاءات بدل الهجرة الطواعية العشوائية، لكن عدد اليهود خلال الثلاث سنوات التالية -حتى عام 1937-  لم يتجاوز عشرين ألف نسمة، بما يشكِّل نحو 24 % من السكان.

وفي السنوات السابقة للحرب العالمية الثانية -وخلال سنوات هذه الحرب- تعرَّض مشروع التوطين لحالةٍ من الجمود؛ خاصة وقد قاد (ستالين) في هذه الفترة حملة تطهير في الحزب الشيوعي، والدولة شملت العديد من القيادات، منها قيادات يهودية. 

تقييم التجربة ونتائجها في تلك الفترة:

كان مشروع الاستيطان الزراعي اليهودي في بيروبيجان إحدى الوسائل الرامية إلى محاولة دمج اليهود في المجتمع السوفيتي على المستويين: الاقتصادي والثقافي، من خلال توجيه اليهود للتحول من المدن وممارسة التجارة، إلى العمل في قطاع الزراعة، أي: تحويل اليهود من طبقة بورجوازية منعزلة غير منتجةٍ إلى طبقة عاملةٍ منتجةٍ، ومندمجةٍ في المجتمع، وهو ما كان يتحدث عنه دائمًا الصهاينة الاشتراكيون (البوند).

والبرجوازية: تصنيف اجتماعي أطلقه السياسيون وعلماء الاجتماع في أوروبا على الطبقة التي كانت تملك وسائل الإنتاج الصناعي أو الزراعي، وأحيانًا على الطبقة الوسطى من الرأسماليين، وهذه الطبقة مذمومة في نظر الماركسية. 

حزب البوند:

مع مطلع القرن العشرين اشتعلت الفوضى والمشكلات داخل روسيا القيصرية، وانتشرت الأفكار الاشتراكية الماركسية، وساهم يهود روسيا فيها بتأسيس الحزب الاشتراكي الثوري، وغيره من الحركات، وخلال عام 1905 حدثت سلسلة من الاغتيالات والاعتقالات تعرَّض لها مَن شارك في الثورة -ومنهم اليهود- إلى الاضطهاد، فكان حل الأحزاب اليهودية وحظر نشاطها، ومنع المراسلات باليديشية، ومصادرة المطبوعات التي تستخدم فيها اللغة العبرية.

ورغم محاولة قيصر روسيا وقتها إنقاذ الأوضاع من خلال إجراءات إصلاحية؛ إلا أن القوى الثورية المناوئة لم تلتفت إلى ذلك، وتجمَّعت واستطاعت عزل القيصر عام 1917، واستلم الشيوعيون الحكم، فيما عُرِف بثورة أكتوبر (تشرين الأول) عام 1917. (راجع في ذلك: (إسرائيل الأولى: بيروبيجان) دكتور أسعد السحمراني - أستاذ العقائد والأديان المقارنة - جامعة الإمام الأوزاعي - بيروت - دار النفائس، ط الثانية 1425 هـ - 2004، ص 18- 19)

وكان بعض اليهود ممن تبنوا اندماج اليهود في الإمبراطورية الروسية -أو سواها من دول أوروبا- مع المحافظة على الثقافة الخاصة باليهود، قد تبنوا الفكر الاشتراكي، وجمعوا بين الفكرة الصهيونية الحديثة بعد ظهورها على يد هرتزل وبين الاشتراكية؛ فتحول عددٌ مِن اليهود إلى الماركسية عرفوا بالطبقة الثورية، وشكلوا اتحادًا عامًّا للعمال اليهود المنتشرين في روسيا وبولندا وليتوانيا (البوند)، الذين عرضوا أنفسهم على أنهم يعملون لثورة اشتراكية عالمية تسعى لإنشاء مجتمع تسوده المساواة والعدالة (راجع المصدر السابق، ص 26 – 27).

لقد كان هدف الحزب الشيوعي: أن يكون لليهود السوفيت إقليم خاص يتمتع بالحكم الذاتي، تتفاعل فيه الثقافة العلمانية التي تستخدم اللغة اليديشية مع الاشتراكية الماركسية المطبقة حديثًا، ومن خلال تعليم علماني (لا ديني)؛ لتكوين يهود يكون لهم دورهم الوطني السوفيتي، وكان ذلك في رأيهم حلًّا عمليًّا لمشكلة اليهود في روسيا وشرق أوروبا، وهم أغلبية اليهود في العالم وقتها. 

ولم يخلو الوضع من غرابة؛ ففي الوقت الذي كان لينين يعادي المسلمين والمسيحيين ويعادي الـدِّين؛ فها هو يأمر بخصوصية لليهود، ويشجِّع الاستيطان اليهودي في إقليم خاص بهم، وهذا يشير إلى مقدار ما كان عليه نفوذ اليهود في السلطة السوفيتية وقتها (راجع المصدر السابق، ص 21).    

ولكن هذه الخطوة  رغم ما حققته من دمج لليهود؛ فقد جاءت متناقضة مع التحول الكبير في الاقتصاد السوفيتي من الزراعة إلى الصناعة من خلال مشروع السنوات الخمس (1929 إلى 1934)؛ فقد أكَّد مشروع السنوات الخمس أهمية التنمية الصناعية التي خصصت لها الاعتمادات الضخمة، وزاد معها الطلب على الأيدي العاملة؛ مما ساهم في تحول الجماعات اليهودية إلى عنصر منتج، لكن من خلال الصناعة إذ قامت المنظمات اليهودية التوطينية -مثل جمعية الاستيطان اليهودي (إيكا) ومنظمة إعادة التأهيل والتدريب (أورت) ولجنة التوزيع المشتركة- بفتح مدارس لتدريب اليهود على الحِرَف.

كما قامت حكومات أوكرانيا وروسيا البيضاء بفتح مدارس لتدريب الشباب اليهودي على الصناعة؛ مما أدَّى إلى توفير أعمال في القطاع الصناعي والحكومي، وهجرة الآلاف من اليهود إلى داخل روسيا في المدن الواقعة خارج منطقة الاستيطان في بيروبيجان؛ حتى إنه لم تكن هناك بطالة بين اليهود بحلول عام 1930، وظهرت بين يهود روسيا طبقة جديدة من الموظفين والعاملين الحكوميين في المشاريع الصناعية؛ مما ساهم في استيعاب هؤلاء اليهود ودمجهم في روسيا، أي: حل المسألة اليهودية التي عانت منها روسيا القيصرية من قبل.

وظهر بوضوح أثر ذلك في زيادة عدد اليهود في مدينتي: موسكو وليننجراد -وهما أكبر مدينتين روسيتين- إلى نحو 575 ألفًا عام 1937، بعد أن كان عدد اليهود فيهما عام 1897 نحو 26 ألف يهودي فقط!

وتغيَّر وضع اليهود الوظيفي؛ فصار عدد العمال اليهود عام 1939 نحو: 6و30 % من اليهود العاملين، وعدد الحرفيين: 1و10 %، وعدد الفلاحين: 8و5 %، أي: أن نحو نصف العاملين من اليهود صاروا من العمال والفلاحين، بينما بقي نحو 6و40 % من اليهود العاملين في الوظائف الكتابية، وبقي 9و2 في وظائف أخرى؛ بما يعني أن الوظائف الكتابية لليهود حلَّت محل التجارة التي كانت قبل ذلك أهم وظيفة يضطلع بها اليهود. 

أما في الجانب الثقافي: فكان هدف السلطات الروسية يرمي إلى الدمج الثقافي لليهود، أو تأكيد الثقافة اليديشية العلمانية اللادينية بعيدًا عن الثقافة الدينية اليهودية، أي: تشجيع اللغة اليديشية لتكون وسيلة للتعبير عن ثقافة يهودية علمانية؛ لذا أنشأت الحكومة السوفيتية عام 1918 قسمًا خاصًّا للشئون اليهودية هدفه نشر ديكتاتورية البروليتاريا بين الجماهير اليهودية، بتأييد دعاة الاندماج من اليهود أعضاء الحزب الشيوعي، ومَن وافقهم وانضم إليهم من قطاعات العمال اليهود.

وقد قام قِسْم الشئون اليهودية بتصفية الأطر التعليمية التقليدية بين اليهود: كالمدارس، والمعاهد، ومنعت التدريس بالعبرية، وتجريم النشاط الصهيوني.

وفي المقابل: أُنشئت مدارس ابتدائية وثانوية لغة التدريس فيها اليديشية؛ بالإضافة إلى كليات تربوية لإعداد معلِّمين لليديشية، وقد اعترف في هذه الفترة باللغة اليديشية لتكون إحدى اللغات المعترف بها في المحاكم، كما تم تشجيع الأدب اليديشي "خاصة المسرح"؛ مما جعل هذه الفترة تشهد ازدهارًا لهذا الأدب. 

ورغم إقبال الطلاب اليهود على المدارس التي يتم فيها التدريس باللغة اليديشية أول الأمر؛ إلا أن أعداد الطلبة اليهود بدأت في الانخفاض تدريجيًّا نتيجة الإقبال على المدارس الحكومية الروسية لتوفر فرص العمل بعدها؛ خاصة مع تغير الأوضاع الوظيفية لليهود وزيادة هجرتهم إلى المدن؛ لذا ازدادت أعداد الطلبة اليهود في المدارس الحكومية في أوكرانيا، وفي روسيا البيضاء على حساب اللغة والثقافة اليديشية، وانصرف كثير من اليهود عن التحدث باليديشية أو دراستها، وانصرف كثير من الكتاب اليهود الروس من الكتابة باليديشية إلى الكتابة بالروسية، وتقلص عدد الطلبة اليهود الذين يدرسون في المدارس اليديشية إلى 33 % في عام 1931، ثم إلى 20 % في عام 1939، ومِن ثَمَّ أغلقت عدة مدارس يديشية بسبب ذلك، وعليه تزايدت وتيرة اندماج اليهود في المجتمع الروسي، وتزايدت نسبة الزواج المختلط بين اليهود وغير اليهود في الزيجات اليهودية.

أما حملات التطهير التي شنها ستالين بين عامي: 1936 و1939 داخل قيادات وكوادر الحزب الشيوعي السوفيتي في تلك الفترة، والتي طالت قيادات وأعضاء من اليهود؛ فلم تترك أثرًا ملحوظًا على عملية (ترويس اليهود)؛ إذ نظر إليها غالب اليهود في روسيا على أنها مجرد صراع بين ستالين ومعارضيه (انظر (للاستزادة: "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية"، 1 / 478 - 488).

موقف الحركة الصهيونية من المشروع:

عارضت الحركة الصهيونية العالمية مشروع توطين اليهود في بيروبيجان منذ البداية؛ رغم أنه كان حلًّا مناسبًا وسهلًا للمسألة اليهودية في روسيا وأوروبا؛ تارة بدعوى أن المنطقة غير مناسبة، مطالبة بالقرم أو أوكرانيا بديلًا لها، وتارة بدعوى أن اليهود لم يمارسوا الزراعة إلا حديثًا، أو أن المكان ليس له أية دلالة تاريخية لليهود.

والحقيقة أن المشروع كان يضعف أطماع الفكرة الصهيونية المتطلعة إلى إقامة وطن قومي استعماري لليهود في فلسطين بتأييد من الغرب، وفي مقدمته: بريطانيا صاحبة "وعد بلفور" (وهو ما يثبت أن الصهيونية لم تستهدف حل المشكلة الملحة عند اليهود بقدر ما استهدفت تحقيق أساطير بعضهم! ومن ناحية أخرى: فإن مشروع بيروبيجان كان امتدادًا لأفكار (البوند)، أي: التعبير عن الخصائص الذاتية اليهودية في إطار الدولة الاشتراكية، ومع هذا فقد رفضته الحركة الصهيونية عامة والصهيونية الاشتراكية خاصة.

ومن جانب ثالث: فإن الحركة الصهيونية قد عارضت المشروع؛ رغم أن السوفيت كانوا يهدفون منه إلى تحويل اليهود من طبقة بورجوازية منعزلة غير منتجة إلى طبقة عاملة مندمجة في المجتمع ومنتجة، وهو ما تحدث عنه الصهاينة الاشتراكيون دائمًا. 

وأخيرًا: فإن مشروع بيروبيجان قد أثار من جديد الخلاف القديم بين يهود العالم حول ما عُرِف بقضية اليهود الإقليمية؛ ولهذا فقد أيدت المشروع بعض الجمعيات اليهودية في الولايات المتحدة، وغرب وأوروبا وأمريكا اللاتينية، وكان من بينها: لجنة التوزيع الأمريكية اليهودية المشتركة (جوينت)، والمؤسسة الأمريكية اليهودية المشتركة للزراعة (أجروجوينت)، والجمعية الأمريكية للتوطين اليهودي في الاتحاد السوفيتي (وقد عُرِفت باسم: (إيكور)، أي: فلاح بالعبرية)، في حين عارضته كل اتجاهات الحركة الصهيونية باعتباره تجسيدًا لفكرة قومية الدياسبورا (القومية اليديشية)، ولكن في ظل نظام اقتصادي مختلف) (موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، 1/ 389- 390).  

الأوضاع بعد نهاية الحرب العالمية الثانية: 

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية أظهر اليهود حماسًا للتوطن في بيروبيجان، فبلغ عدد اليهود في منتصف 1948 نحو خمسة وثلاثين ألفًا، منهم مَن جاء خلال هجرة منظمة، ومنهم من جاء هربًا من القوات النازية الزاحفة نحو موسكو، ومنهم مَن جاء بحثًا عن مكان جديد يبدأ فيه حياة جديدة. 

وفي هذه المرحلة من التوطين (تمت تنمية الطابع اليهودي اليديشي للمقاطعة، فأُنشئِت مزارع جماعية يهودية ومجالس فرعية، واستخدمت اليديشية كلغة رسمية، وأسس مسرح يديشي ومكتبة عامة)، (كما أقيمت مؤسسة طباعة عصرية، وصنعت آلات كاتبة بالحروف التي تكتب بها اللغة اليديشية) (راجع المصدر السابق، ص 389 بتصرف).

لكن شهدت بيروبيجان حملة تطهير جديدة من الحكومة السوفيتية أثَّرت على مشروع التوطين من جديد؛ حيث برزت اتهامات ليهود بيروبيجان بالتجسس مع الخارج، وبالتآمر لفصل الإقليم عن الاتحاد السوفيتي وتسليمه لليابان، وبالتالي: قلَّت هجرة اليهود إلى الإقليم من جديد تدريجيًّا، فتقلص العدد إلى خمسة وعشرين ألف نسمة عام 1968، ثم زاد التقلص ليصل إلى أقل من تسعة آلاف عام 1989.          

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com


الكلمات الدلالية

تصنيفات المادة