الثلاثاء، ٢٩ ذو القعدة ١٤٤٣ هـ ، ٢٨ يونيو ٢٠٢٢
بحث متقدم

سنة مهجورة منسية (الدعاء عند رؤية الهلال)

سنة مهجورة منسية (الدعاء عند رؤية الهلال)
الجمعة ٠١ أبريل ٢٠٢٢ - ٠٨:٥٣ ص
62

سنة مهجورة منسية (الدعاء عند رؤية الهلال)

كتبه/ علاء بكر  

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن السنن التي هجرها الناس جهلًا بها أو تغافلًا عنها، وتهاونًا بها، الدعاء الوارد عن الرسول صلى الله عليه وسلم عند رؤية الهلال في أول الشهر الهجري، سواء كان هلال شهر رمضان أو غيره من الشهور، وإن كان هذا الدعاء في رمضان أوكد؛ لعظم أجر العمل الصالح فيه.

وهذا الدعاء والذكر فيه إظهار للعبودية والتوجه بالقلب واللسان إلى الله تعالى وحده مع التبرؤ من المعتقدات والخرافات والأباطيل المتعلقة بالتنجيم والكهانة، وادِّعاء الغيب ونحوها. 

روى الدارمي وغيره -واللفظ له- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال: "الله أكبر، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام والتوفيق لما يُحب (بضم الياء) ربنا ويرضى، ربنا وربك الله" (حسنه الألباني)

والمراد بالهلال القمر في أول ليلتين أو ثلاث من الشهر الهجري، وسمِّي بالهلال من الإهلال، وهو رفع الصوت، نقل منه إلى رؤية الهلال؛ لأن الناس يرفعون أصواتهم إذا رأوه للإخبار عنه ليعلم الجميع بدخول الشهر.

وقد بدأ الدعاء بالتكبير (الله أكبر): لما فيه من الإقرار ببديع صنع الله تعالى؛ إذ الهلال آية من آيات الله تعالى الدالة على كونه مدبرًا للملكوت ومسيرًا للأفلاك، وفيه مشروعية التكبير عند شهود الآيات العظام ليمتلئ القلب تعظيمًا لله تعالى وإكبارًا له.

وختم الدعاء بقوله -والخطاب للهلال الذي استهل-: "ربي وربك الله"؛ إقرارا بأن الله تعالى وحده الخالق، وتنزيهًا له عن أن يشاركه غيره من المخلوقات في تدبير الكون. 

وهذا فيه التبرؤ مما كان -وما يزال- عليه عُبَّاد الكواكب والنجوم، وهو ما يعرف عندهم بعلم التأثير (العلم الروحاني) أو التنجيم، والذي ما زال يرتبط به الكثيرون شرقًا وغربًا على ما فيه من الدجل والخرافات، فيدعون الاستدلال بحركات الكواكب والنجوم وسيرها على الحوادث الأرضية، وهذا من الشرك الأكبر إن اعتقد أن هذه النجوم هي المدبِّرة للأمور أو مشتركة في تدبيرها، وإن اعتقد أنها سبب فقط فهو أيضا من الكفر، لكنه كفر غير مخرج من الملة، ولكن يسمَّى كفرًا لدخوله في قوله صلى الله عليه وسلم على أثر سماء كانت من الليل: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، أما مَن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" (راجع: "القول المفيد على كتاب التوحيد" للشيخ محمد بن صالح العثيمين).  

وقد بيَّن القرآن الكريم هذه القضية بيانًا واضحًا في قصة محاجة إبراهيم عليه السلام لقومه الذين كانوا يعبدون الكواكب ويعتقدون فيها، قال تعالى: "فلما جن عليه الليل رأى كوكبًا ... "، وطبَّق النبي صلى الله عليه وسلم ذلك تطبيقًا عمليًّا شافيًا لما كُسفت الشمس في عهده، ووافق ذلك وفاة ابنه إبراهيم عليه السلام، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحدٍ، ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك؛ فادعوا الله وكبِّروا، وتصدقوا وصلوا" (متفق عليه)

أما علم التسيير (علم الفلك) المبني على دراسة ومتابعة نظام ومدارات الأفلاك، والاستفادة منها في معرفة الأوقات والجهات؛ فهذا عِلْم مشروع، مبني على دراسة نظام الله تعالى الدقيق في الكون، والاستفادة منه، قال تعالى: "يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج"، وقال تعالى: "وعلامات وبالنجم هم يهتدون"، وقال تعالى: "الشمس والقمر بحسبان"، وقال تعالى: "وكل في فلك يسبحون"، وقال تعالى: "والقمر قدرناه منازل"، فالمؤمن يستفيد من علم التسيير النافع ويرفض علم التأثير الباطل، وهذا الذكر النبوي يبيِّن هذا المعنى ويبرزه بوضوح.

وما بين الإقرار بالتوحيد في أول الذكر: (الله أكبر)، وآخره: (ربنا وربك الله)، يكون التوجُّه بالدعاء والطلب من الله تعالى وحده، الذي تعلَّقت به القلوب دون غيره، بما فيه خير الدنيا وخير الآخرة.

(اللهم): نداء، أي: يا الله.

(أهله علينا): أي: أطلعه علينا وأرنا إياه.

(بالأمن): مقترنًا بالأمن من المخاوف الدينية والدنيوية؛ فهو وحده سبحانه وتعالى بيده الأمن منها كلها، كما قال تعالى: "فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف".

(والإيمان): ووفقنا في هذا الشهر للإيمان القولي والفعلي واجعلنا صادقين فيه.

(والسلامة): ووفقنا لسلامة الدين والدنيا.

(والإسلام): واجعلنا مستسلمين لك.

(والتوفيق لما يحب ربنا ويرضى): من الأعمال الصالحات.  

وينبغي استقبال القبلة عند الدعاء بهذا الدعاء لا استقبال الهلال؛ لما تقرر في الشرع أنه لا يستقبل بالدعاء إلا ما يستقبل بالصلاة.

قال الألباني رحمه الله في تعليقه على كتاب: (الكلم الطيب برقم: 162): "ولذلك كان على رضي الله عنه لا يرفع رأسه عند قوله هذا الدعاء، وكذلك ابن عباس رضي الله عنهما كره الانتصاب للهلال" (في المعجم الوجيز: (انتصب): ارتفع. يُقَال: نصبه فانتصب، وانتصب للحكم: قام له وتهيأ).  

فائدة: قد يقال ورد الحديث بالتعوذ بالله تعالى عند طلوع القمر؛ لقول عائشة رضي الله عنها: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فإذا القمر حين طلع، فقال: "تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب" (صححه الألباني)، فهل بين ما ذُكِر وبين هذا الحديث تعارض؟

فالجواب: المراد بالغسق الظلمة، والوقوب الدخول في هذه الظلمة ونحوها. والمراد هنا دخول الليل بظلمته، والقمر آية الليل ودليل عليه، فالمراد ظلمة الليل.

يقول شيخنا محمد إسماعيل المقدم حفظه الله: "فلعل سبب الاستعاذة منه في حال وقوبه؛ لأن أهلَ الفساد ينتشرون في الظلمة، ويتمكنون فيها أكثر مما يتمكنون منه في حال الضياء، فيقدمون على العظائم وانتهاك المحارم، فأضاف فعلهم في ذلك الحال إلى القمر؛ لأنهم يتمكنون منه بسببه، وهو من باب تسمية الشيء باسم ما هو من سببه، أو ملازم له؛ أفاده الحافظ أبو بكر الخطيب) (راجع: "النصيحة في الأذكار والأدعية الصحيحة").  

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

الكلمات الدلالية