الاثنين، ٥ ذو الحجة ١٤٤٣ هـ ، ٠٤ يوليو ٢٠٢٢
بحث متقدم

العلامات الحسان على حسن الاستعداد لشهر رمضان (7) المنازل الإيمانية على طريق الفوز برمضان

العلامات الحسان على حسن الاستعداد لشهر رمضان (7) المنازل الإيمانية على طريق الفوز برمضان
الثلاثاء ٠٥ أبريل ٢٠٢٢ - ٢٢:١٤ م
75

العلامات الحسان على حسن الاستعداد لشهر رمضان (7) المنازل الإيمانية على طريق الفوز برمضان

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

- الغرض مِن الموعظة:

إثارة الهمم للمنافسة بالأعمال الصالحة للفوز بالأجر العظيم في رمضان.

المقدمة: رمضان أعظم موسم للمنافسة:

- رمضان موسم طاعة يبعث على المنافسة، والفائزون فيه يسيرون على طريق الفوز بالجائزة الكبرى: قال تعالى: (‌إِنَّ ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌وَعَمِلُوا ‌الصَّالِحَاتِ ‌لَهُمْ ‌جَنَّاتٌ ‌تَجْرِي ‌مِنْ ‌تَحْتِهَا ‌الْأَنْهَارُ ‌ذَلِكَ ‌الْفَوْزُ ‌الْكَبِيرُ) (البروج: 11)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، أعَدَّهَا اللهُ تَعَالَى لِمَنْ أطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأفْشَى السَّلاَمَ، وَصَلَّى بِالليْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ(رواه أحمد وابن حبان، وحسنه الألباني). وهذه أعظم أوصاف الصائم.

الإشارة إلى تسلسل الكلام عن الأعمال التي تضمن الفوز برمضان، والتي هي كالمعالم المنيرة على الطريق.

المنزلة الثالثة: الإقبال على القرآن:

- القرآن مِن أعظم المنازل الإيمانية على طريق الفوز برمضان بعد الصيام: قال الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ(البقرة: 185)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الصِّيَامُ ‌وَالْقُرْآنُ ‌يَشْفَعَانِ ‌لِلْعَبْدِ ‌يَوْمَ ‌الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

سيد السائرين على الطريق يحتفي برمضان بتعميره بالقرآن: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ ‌أَجْوَدُ ‌مَا ‌يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ" (متفق عليه).

وكان يؤكِّد هذه المنارة على الطريق، ويمعن في أهميتها، حتى يختم بها حياته: عن فاطمة -رضي الله عنها- قالت: "إِنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ حَدَّثَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ بِهِ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي" (متفق عليه).

وكان السلف من أتباعه يلتزمون هذه المنارة، حتى إنهم يتفرغون للقرآن تلاوة وحفظًا وعرضًا: "كان الزهري -رحمه الله- إذا أقبل رمضان يتوقف عن التحديث، ويقول: إنما هو لتلاوة القرآن وإطعام الطعام"، "وكان عثمان -رضي الله عنه- يختمه مرة كل ليلة"، "وكان الشافعي -رحمه الله- يختمه مرتين كل ليلة".

ولمَ لا؟ وقد علموا فضل الإقبال على القرآن، وكيف أنه سبب في مضاعفة الحسنات في سائر الأوقات؛ فكيف بشهر تضعيف الأجور والحسنات؟!: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ(رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ(رواه أحمد، وصححه الألباني).

- فائدة: إن قراءة سورة الإخلاص تعدل خمسمائة حسنة؛ فكيف بسورة ق؟ وكيف بالبقرة؟ وكيف بالقرآن كله؟! وكيف لو كررت ذلك مرات؟! (عدد حروف القرآن الكريم 320015 x 10 = 3. 200. 150).

- لا عذر لك في هجر القرآن، فالعاجز عن التلاوة، لا يعجز عن السماع: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجْرَانِ(متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم- لابن مسعود -رضي الله عنه-: (اقْرَأْ عَلَيَّ) قَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: (إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي(متفق عليه).

قم ... وجهِّز مصحفك، واجعله رفيقك في رمضان، لتقوى به الصلة بعد رمضان، فيكون صاحبك وشفيعك في العرصات: (الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).

المنزلة الرابعة: الإقبال على القيام والتراويح:

- القيام مِن أعظم المنازل الإيمانية على طريق الفوز برمضان بعد الصيام والقرآن: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ(متفق عليه)، وقال: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ(متفق عليه).

كان سيد القائمين يقوم العام كله، ويشتد أكثر ما يكون في رمضان؛ لا سيما العشر الأواخر: عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: "أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ" (متفق عليه).

وكذلك كان السلف الكرام يحرصون على أن يقوم بهم الليل كله حبًّا في القيام، فبشَّرهم بالأجر الكثير على العمل القليل: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

فكان القيام سلواهم في دنيا الفتن، ولا يحول بينهم وبينه سفر ولا مشقة: "عن أبي سفيان -رضي الله عنه- قال: "لما فتح النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة، جاءتني هند فقالت: إني أريد أن أبايع محمدًا! وقد رأت أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد أقاموا ليلة الفتح في المسجد الحرام يتهجدون، فقلتُ: قد رأيتك تكفرين! قالت: أي والله، والله ما رأيتُ الله عُبد حق عبادته في هذا المسجد قبْل الليلة، والله إن باتوا إلا مصلين قيامًا وركوعًا وسجودًا" (حياه الصحابة - البداية والنهاية - نقلًا عن رهبان الليل للشيخ العفاني).

ولمَ لا؟ وقد علموا أن القيام مِن أشرف الأعمال في سائر العام؛ فكيف في رمضان؟ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ دَأبُ الصَّالِحِين قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ لَكُمْ إلى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الْإِثْمِ(رواه الترمذي، وحسنه الألباني لغيره).

- فهيا إلى التراويح والتهجد، واعلم أن التعب سيزول بعد قليل، وسيبقى الأجر الكثير!

المنزلة الخامسة: الإقبال على الصدقة:

الصدقة مِن أعظم المنازل الإيمانية على طريق الفوز برمضان بعد الصيام والقرآن والقيام؛ ولذا كان سيد الصائمين يشتد بالصدقة في رمضان أكثر من غيره، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ" (متفق عليه).

وكذلك كان السلف الكرام يحرصون على الصدقة في رمضان، اقتداء بالنبي العدنان: فكان كثير منهم يؤثر بفطوره وهو صائم، منهم: "عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وداود الطائي، ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل)، "وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين"، وقال بعضهم: "لأن أدعو عشرة من أصحابي فأطعمهم طعامًا يشتهونه أحب إليَّ من أن أعتق عشرة من ولد إسماعيل".

ولمَ لا؟ وقد علموا فضل الصدقة، ومضاعفة أجرها: قال الله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ ‌يُنْفِقُونَ ‌أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 261)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

ولذا ... قم وأنفق في رمضان، يزيد رزقك في الدنيا، ويزيد أجرك في الآخرة، واعلم أن للصدقة في رمضان صور كثيرة، من أعظمها:  

أ- إطعام الفقراء والمحتاجين الذين ينتظرون رمضان من العام إلى العام: قال الله تعالى: (‌وَيُطْعِمُونَ ‌الطَّعَامَ ‌عَلَى ‌حُبِّهِ ‌مِسْكِينًا ‌وَيَتِيمًا ‌وَأَسِيرًا . إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا . إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا . فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا . وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا) (الإنسان: 8-12)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (‌أَحَبُّ ‌النَّاسِ ‌إِلَى ‌اللَّهِ أَنْفَعَهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٍ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دِينًا، أَوْ تُطْرَدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلِأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ ‌أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ -يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ- شَهْرًا) (رواه الطبراني في المعجم الكبير، وحسنه الألباني).

ب- تفطير الصائمين يجعل لك الصيام مضاعفًا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ ‌فَطَّرَ ‌صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

خاتمة:

أقبل شهر المنافسة والفوز بالأجور، فهل مِن مشمِّر؟!

قم وتجهز ولا تنتظر، وانطلق مع السائرين للفوز برمضان ... جهِّز مصحفك، ووفِّر أسباب رزقك، واهجر الكسالى، واصدق الله، يرزقك مِن حيث لا تدري: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق: 2- 3).

وللحديث بقية في المرة القادمة -إن شاء الله-.

نسأل الله أن يرزقنا حسن العمل، وأن يجعلنا من الفائزين في رمضان.

موقع أنا السلفي