الثلاثاء، ٢٩ ذو القعدة ١٤٤٣ هـ ، ٢٨ يونيو ٢٠٢٢
بحث متقدم

حاجة كل مسلم إلى الاعتناء بالسنة (2) الحرص على طلب السنة

حاجة كل مسلم إلى الاعتناء بالسنة (2) الحرص على طلب السنة
الثلاثاء ١٠ مايو ٢٠٢٢ - ١٧:٥٨ م
42

حاجة كل مسلم إلى الاعتناء بالسنة (2) الحرص على طلب السنة


كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فلماذا على المسلم أن يعتني بالسنة النبوية الشريفة؟

لا بد من تنمية الحرص على طلب السنة النبوية في النفوس؛ فهو المدخل للوصول إلى كنوز وخيرات هذا العِلْم العظيم، والانتفاع بهذه السنة في حياتنا، والذي لو حققناه لانصلح حال الأمة، بل وسادت العالم.           

ومن وسائل تنمية هذا الحرص في الناس، وغرس محبة السنة فيهم: التعرف على أهمية السنة النبوية في حياتنا.

(إن نصوص سنة نبينا محمدٍ صلى الله عليه لو كانت عند أهل حضارة أخرى؛ لكتبوها في المحافل والمجامع والميادين العامة، ولتغنوا بذكرها ونقشوها في بيوتهم، بل في قلوبهم! إننا نراهم يتغنون بنصوص وحِكَم مفكريهم التي لا تعد شيئًا بالنسبة لحكمة نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم؛ فيا لله العجب ما أغفلنا عن هذه الطاقة التي منحنا الله إياها، فنتركها ونذهب لدراسة طرق وأساليب توليد الطاقة المعنوية عند الشرق أو الغرب، فصدق علينا قول الله تعالى: "أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير"!

إن حبَّ السنة ليس دعوى تُقَال باللسان، ويصرَّح بها في الخُطَب والكلمات، وتسطَّر بها الصحف وموجات الأثير، بل هي حقيقة لها علامات ومقاييس وموازين، مَن جاء بها صدق قوله وأقر على دعواه.

ومِن هذه العلامات:

1- كثرة قراءتها ومطالعة كتبها. 

2- محاولة حفظها، والحزن والأسف على فوات ذلك.

3- الفرح بمجالسها ومنتدياتها ولقاءتها.

4- الشوق إليها إذا طالت الغيبة عنها.

5- تطبيقها في جميع جوانب الحياة) (راجع: مفاتح تدبر السنة والقوة في الحياة).

(وهذا يكون بالقراءة عن أخبار السلف في تعظيمهم لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، واجتهادهم في خدمته، والأخبار والقصص في هذا المجال كثيرة مشهورة، وكتب السنة والتراجم قد حفلت بالكثير من الأخبار والنماذج الحية التي تبعث في نفس المسلم الهمة لتعظيم السنة والنشاط في كتابتها وحفظها، والعمل بها ونشرها والدعوة إليها.

ومن الكتب المهمة في هذا المجال: كتاب: (سير أعلام النبلاء) للحافظ الذهبي، وكتاب: (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) للخطيب البغدادي، وكتاب: (الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي، وكتاب (جامع بيان العلم وفضله) لابن عبد البر.

فينبغي على كلِّ ناصح لنفسه ألا ينقطع عن القراءة في هذا الجانب لئلا يضعف تعظيمه للسنة، وتضعف قيمتها في قلبه فيزهد فيها ويهجرها، فالقراءة عن أهمية الشيء مفتاح الاهتمام به والحرص عليه) (المصدر السابق)

ومعلوم أن المسلم مأمور بالتزام ما جاءت به الشريعة الإسلامية من أحكام في الكتاب والسنة، كما أنه مأمور بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل أحواله، ومعلوم أن أفعال المرء وأقواله لا تخرج عن الأحكام الخمسة في الشريعة: الوجوب أو الاستحباب أو الإباحة أو الكراهة أو التحريم، وهي تعرف من خلال دراسة الكتاب والسنة دراسة مفصلة.

وعليه فإنك أخي المسلم (لو تأملت أمور حياتك اليومية تجد أنه ما من أمر من الأمور إلا وللقرآن والسنة فيها توجيه وتعليم؛ سواء كان ذلك حركة جوارح أو حركة مشاعر، وفيها يتضح الفرق بين العالم والجاهل. إن حاجتك للعلم تتزامن مع كلِّ حركة من حركاتك اليومية التي تعد بآلاف الحركات أنت فيها إما عالم أو جاهل، عالم مغتبط بعلمك قرير العين بمنة الله عليك أو جاهل غافل تشقى ولا تدري سبب شقائك.

قال الإمام أحمد: حاجة الناس إلى العلم أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب؛ ذلك أن الحاجة للطعام والشراب تكون مرة أو مرتين في اليوم بينما حاجتهم للعلم بعد الأنفاس! وصدق الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو مَن هو في عِلْمه وفقهه، وكثرة قراءته للقرآن الكريم، ولأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.

فيا ليتنا نفقه هذه الحقيقة وتسيطر على أفكارنا ومشاعرنا؛ إذ لو حصل ذلك لأمكن وضع نهاية لمشاكلنا التربوية والاجتماعية ولصلحت أحوالنا الخاصة والعامة) (راجع: مفاتح تدبر السنة).

والسُّنة مفسِّرة ومبيِّنة للقرآن في تطبيقه والعمل به: قال الله تعالى: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون"، وقال تعالى: "كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون".

(لقد فقه سلفنا الصالح أهمية السنة، وأدركوا عظيم قدرها، فكانوا يبذلون النفس والنفيس والغالي والرخيص في سبيل تحصيلها، ولو كان ذلك كلمات معدودات، والأمثلة والصور والنماذج في هذا المجال كثيرة سطَّرها التاريخ بمدادٍ مِن نور، فبقيت منارات تشرأب إليها الأعناق ويقتدي بها السائرون) (المصدر السابق).

(وبعد أن تطورت وسائل الكتابة والطباعة، وتطورت وسائل الاتصال تعارف العلماء وطلاب العلم على نسخ معينة بالضبط والإتقان تعرف بأسماء محققيها، لكن يبقى ضرورة المشافهة بها على الشيوخ للتأكد من صحة نطق اللفظ وفهم المعنى، وهذا والحمد لله متيسر في كلِّ حاضرة من حواضر المسلمين اليوم ولا يحتاج إلى رحلة، بل يحتاج إلى حرص وجود وسخاء بالوقت والجهد، وذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء) (المصدر السابق).

وتتميز السنة بأمورٍ ليست في غيرها، منها:

- إنها سهلة واضحة ميسَّرة: فقد أوتي النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم؛ لذا فأحاديثه موجزة تجمع المراد في أقل كلمات وأبلغ ألفاظ، فمعظم كلامه (بيِّن واضح يشترك في فهمه العالم والعامي والكبير والصغير والرجل والمرأة؛ عدا نسبة قليلة تحتاج إلى توضيح من جهة ارتباط بعضها ببعض، فتكون مخصصة أو منسوخة أو مقيدة، وأيضًا بعض الكلمات الغريبة تحتاج إلى بيان؛ لعدم فشو استعمالها بين الناس، أما استغلاق السنة على البعض؛ فهو بسبب عدم التدبر وضعف الصلة بها، وقلة بل ندرة القراءة، وعدم إلقاء السمع والتركيز حين سماعها، بل يسمعها بأذنه بينما قلبه في كلِّ وادٍ مِن أو أودية الدنيا يهيم، بعد ذلك يقول: إن فهم السنة أمر صعب، فيؤثر الانشغال بالقيل والقال على سماع السنة وتعطير المجالس بها) (المصدر السابق).

لذا (فينبغي أن نقرِّب السنة للناس، ونقتصر في بيانها وشرحها على ما تدعو الحاجة إليه، ولو كان الشرح قليلًا؛ لأننا إذا فعلنا ذلك نرسِّخ في أذهانهم أن السنة واضحة سهلة، فيقبلون على قراءتها وتدبرها؛ أما أن نقعد ونهول ونبالغ في شرح بعض العبارات؛ فهذا وإن كان قصد قائله خدمة السنة وحراستها، فإنه قد يؤدي إلى عكس مقصوده) (المصدر السابق).

- إنها حماية من الانحراف الفكري والسلوكي: مما لا شك فيه أن تربية النشء والأمة على ما ورد في الكتاب والسنة في قضايا التوحيد والفكر، والتربية والسلوك يصحِّح كثيرًا مِن المفاهيم، وينعكس ذلك على سلامة الأمة وأمنها مِن كثيرٍ مِن المشكلات الفكرية والتربوية.

وهذه كلمة نوجهها (إلى المسئولين عن التربية والتعليم في العالم الإسلامي: إن أردتم الأمن والسلامة من المشكلات الفكرية والتربوية؛ فليس أمامكم إلا القرآن والسنة ببرامج مكثفة، وبيان واضح يمنع الانحراف، فيفهمها وينزلها على غير ما دلَّت عليه. إن التاريخ يشهد أن العلاقة طردية بين العلم -ومنه: التوحيد- وبين الأمن، وقبل شهادة التاريخ شهادة رب العالمين إذ يقول: "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون"، فمحاولة إبعاد العلوم الشرعية عن مناهج التعليم أو تقليصها مع الإغراق في العلوم الدنيوية بحجة سوق العمل؛ فهذا سيكون على حساب أمن المجتمع واستقراره على المدى البعيد، وبوادر ونذر هذا الخطر بدأنا نذوقها من أقرب الناس إلينا.

إن العودة الصادقة لتدبر القرآن والسنة بطريقة صحيحة، وبآليات كافية؛ لهو السبيل لتحقيق الأمن المنشود والرخاء المقصود.

إن تغييبَ بعض نصوص القرآن والسنة بحجة علاج المشكلات الفكرية؛ هو سبب في توليد مثل هذه المشكلات؛ فغياب دور نصوص الكتاب والسنة في مناهج التربية والتعليم أو عدم بيان هذه النصوص بيانًا صحيحًا يجعل شبابنا يتقبل أفكار ومفاهيم مغلوطة محرفة، أو يطبقونها تطبيقًا خاطئًا، فيجنون على أنفسهم وأمتهم.

لقد انتشرت في أيامنا الحالية برامج للتنمية البشرية، والبرمجة اللغوية العصبية، ودورات في التطوير والتغيير كلها صور من الاستيراد الثقافي مأخوذة ومترجمة من الحضارة الغربية.

(إن التبعية الفكرية للحضارات القوية في العالم انهزامية غير مقبولة مهما كان المبرر والواجهة التي غلف بها والجسر الذي تعبر فوقه إلى ثقافتنا وحضارتنا، (إننا لن نتحرر ماديًّا حتى نتحرر فكريًّا)، (والسبب في وجود هذه الظاهرة عدم التفريق بين الاستيراد الممنوع وبين الانتفاع المشروع بما عند الحضارات الأخرى في أمور الحياة المادية؛ فهذه مسألة يقع الخلط فيها كثيرًا، ولا يوفَّق للبصيرة في هذا الأمر إلا مَن هدي إلى الصراط المستقيم الذي فَرَض على المسلم أن يدعو بالهداية إليه كل يوم سبعة عشر مرة على الأقل).

ورغم أن هذه الأفكار والمفاهيم (ينتهي إسنادها إلى الحضارة الغربية وهي مقطوعة الإسناد عن القرآن والسنة) (المصدر السابق)، فإنك (حينما تستمع لمدربي البرمجة وهم يشرحون فرضياتها أو يدافعون عنها ويجيبون عما أورد عليها من ملاحظات؛ فإنك تتعجب: كيف يحاول هؤلاء التشبث بمثل هذه الفرضيات والدفاع عنها، مع أن عندهم أضعاف أضعافها من حِكَم وقواعد موجودة في السنة النبوية تظهر لمَن قرأها وتدبرها وأطال الوقوف عند حكمها.

إن مثل هذا التمسك والاعتداد والفرح بهذه الفرضيات يُقبَل من أولئك الذين لا يعرفون القرآن، ولم يطلعوا على سنة نبينا صلى الله عليه وسلم؛ لأنه منتهى علمهم وهم يحسبون بما قرروه أنهم حازوا سَبْقًا علميًّا، واكتشفوا أدواتٍ لم تكن موجودة في هذا الوجود، فيحسن بالمشتغلين بهذا العلم أن يعطوا من وقتهم القدر الكافي لتدبر السنة والتأمل في مضمونها؛ إذ إنهم لو فعلوا ذلك لوجدوا ضالتهم المنشودة، ولاستغنوا بما عندهم عما عند غيرهم، ولعلموا أن ما يسعون لتحقيقه من تغيير وتطوير موجود في السنة.

فيا أيها المدرِّبون، ويا أيها المبرمجون: خذوا من السنة النبوية ما تشاءون من المُسَلَّمَات التربوية والقواعد النفسية، فهي معين لا ينضب، وكنز لا يفنى، خذوا واشرحوا واعقدوا الدورات لتطوير الحياة.

إنها دعوة مفتوحة إلى مَن آتاهم الله العلم بركنيه: الفهم (الذكاء)، والحفظ (الذاكرة)، أن يبينوا للناس القواعد التربوية والمسلَّمات النفسية، ويدربوا الناس عليها، ويبينوا تطبيقاتها في الحياة.

إن هذه القواعد هي التي تمكَّن بها النبي صلى الله عليه وسلم من تغيير الناس، وتطويرهم من أمة بدوية بدائية إلى أمةٍ ذات حضارة قويمة مكينة، استمرت قرونًا طويلة، ولا تزال تملك تلك الطاقة التي تمكِّنها بعون الله أن تعود إلى ما كانت عليه) (المصدر السابق بتصرفٍ).

هل وصلت التبعية للغرب أننا صرنا لا نستطيع أن نربي أبنائنا إلا عن طريق مَن تشربوا علوم جامعات الغرب والشرق الفكرية والتربوية المادية التي حَوَت بين جنبيها الغث والسمين؟!

نعم (إن كان المراد أن هؤلاء جمعوا بين التخصص في القرآن والسنة وتحت لوائهما فحسن، أما إن كانت الأخرى وهو الواقع والمُشَاهَد؛ فلا (المصدر السابق بتصرفٍ).

- أنها نبراس للعلوم التربوية: (إن السنة النبوية لمَن فَتَح الله تعالى له أبوابها هي المنطلق لإطلاق قدرات الإنسان، وهي الوقود الذي يولِّد الحماس والنشاط، والطاقة والإبداع)، قال تعالى: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا)،

يقول ابن القيم رحمه الله: (وما ظنك بمَن إذا غاب هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك، ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي، وما لجرح بميت إيلام! وإذا كانت السعادة معلقة بهديه صلى الله عليه وسلم؛ فيجب على كلِّ مَن أحب نجاة نفسه أن يعرف هديه وسيرته وشأنه، وما يخرج به عن خطة الجاهلين، والناس بين مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء) (مختصر زاد المعاد).

إن نشر السنة بين الناس وتدبرهم لها يسهم بشكل كبير في تربية النفوس وتهذيب الأخلاق، ونتيجة لذلك تقل المشاكل والمخالفات والجرائم، ويوجد الجد في الحياة والالتزام في أداء الواجبات دون حاجة إلى أجهزة مراقبة أو حراسة أو إدارات متابعة، فهناك رقابة داخلية تعمل على مدار الساعة، فإذا تحقق هذا؛ فانظر ماذا يترتب عليه من مصالح عظيمة؟!

وللحديث بقية إن شاء الله.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com


الكلمات الدلالية

تصنيفات المادة