الثلاثاء، ٢٩ ذو القعدة ١٤٤٣ هـ ، ٢٨ يونيو ٢٠٢٢
بحث متقدم

فقد قيل ...!

فقد قيل  ...!
الأحد ٢٢ مايو ٢٠٢٢ - ٠٩:٤٦ ص
26

فقد قيل  ...!


كتبه/ محمد خلف

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فمن أعظم موانع تحقيق الإخلاص لله سبحانه وتعالى: حب الدنيا، وغفلة القلب عن الآخرة.

ومن أعظم أسباب علاج القلب وصلاحه: دوام ذكر الله والدار الآخرة في دوامها واقترابها، والموقف للحساب والجزاء؛ ولذلك في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنَّ أخوَفَ ما أخافُ عليكُمُ الشِّركُ الأصغرُ: الرِّياءُ، يقولُ اللهُ يومَ القيامةِ إذا جَزى النّاسَ بأعمالِهم: اذهَبوا إلى الذينَ كنتم تُراؤونَ في الدُّنيا، فانظُروا هل تَجِدونَ عِندَهم جزاءٍ؟!".

فبَعْد ما بيَّن لهم شدة خوفه عليهم من الرياء -الشرك الخفي وسمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا شركًا أصغر- نقلهم هذه النقلة المباشرة إلى الدار الآخرة، والجزاء والحساب، وأن هؤلاء المرائين ليس لهم جزاء عند الله تعالى؛ فليذهبوا إلى مَن كان يسعون إلى مدحهم ومراءتهم، ولينطروا: هل يجدون عندهم من جزاء؟! ولن يجدوا. وفي ذلك دليل على خسارة هذه الصفقة، وحبوط هذه الأعمال غير الخالصة لوجه الله تعالى، نسأل الله العافية.

وكذا في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنَّ أوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَومَ القِيامَةِ عليه رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ به فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، قالَ: فَما عَمِلْتَ فيها؟ قالَ: قاتَلْتُ فِيكَ حتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قالَ: كَذَبْتَ، ولَكِنَّكَ قاتَلْتَ لأَنْ يُقالَ: جَرِيءٌ، فقَدْ قيلَ، ثُمَّ أُمِرَ به فَسُحِبَ علَى وجْهِهِ حتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ ... ".

وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "فقد قيل"، وقِف عندها كثيرًا، أي: ما كنتَ تسعى إليه في الدنيا من المدح والثناء والعلو، فقد قيل؛ أي: ذهب وانتهى، والآن ستُسحب على وجهك ثم تلقى في النار!

ذهبت اللذات الموهومة، وبقيت الآلام والحسرات؛ لذلك علينا أن نبحث عن النعيم الباقي الذي لا ينفد، وقرة العين والمنزلة العالية عند العلي العظيم التي لا تنقطع، فذاك -والله- العز والشرف، نسأل الله أن يجعلنا من المخلصين.

ونكثر من الإقبال على قراءة القرآن بالتدبر؛ فهو من أعظم أسباب التذكير بالآخرة، وزيادة اليقين، ونزور القبور كما حثَّنا على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فإنها تذكر الآخرة، ونوقن أن هذا هو مصيرنا عاجلًا أو آجلًا، لا مفر منه، فننشغل بما سينفعنا فيه، ويكون سببًا لنيل رحمة ربنا سبحانه وعفوه، لا ما يضيعنا ويكون سببًا لعذابنا، ونتفكر فيمن سبقنا منهم؛ سواء من أخلص واتقى، ومَن لم يخلص وعصى، الجميع ماتوا وبقي العمل، والله تعالى أعلم بمن اتقى، ولنكثر من الدعاء والانكسار لله تعالى أن يصلح قلوبنا، ونستعيذ به من الرياء والسمعة، ونقول كما علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه لاتقاء الشرك: "قولوا: اللَّهمَّ إنّا نعوذُ بِكَ من أن نُشْرِكَ بِكَ شيئًا نعلمُهُ، ونستَغفرُكَ لما لا نعلمُهُ".

نعوذ: أي: نحتمي بك، ونستجير بك أن نشرك بك، وهي كقوله صلى الله عليه وسلم: "وأعوذ بك منك"،  فلا شك أن استشعار القلب هذه المعاني حال دعائه يورثه فقرًا وانكسارًا، وذلًّا مع حسن ظنه بربه وتوكله عليه، وصبره ومجاهدة نفسه، فإن الله سبحانه سيوفقه لصراطه المستقيم، ويصلح عمله ونيته كما قال سبحانه وبحمده: "وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ".

 فأبشر أيها الكريم؛ فهذا قَسَم مؤكَّد من القريب المجيب سبحانه وبحمده، ومَن أصدق مِن الله قِيلًا.

وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com


 


الكلمات الدلالية

تصنيفات المادة