الثلاثاء، ١٢ محرم ١٤٤٤ هـ ، ٠٩ أغسطس ٢٠٢٢
بحث متقدم

حاجة كل مسلم للاعتناء بالسُّنَّة (3) من ثمرات تعلُّم السُّنَّة

حاجة كل مسلم للاعتناء بالسُّنَّة (3) من ثمرات تعلُّم السُّنَّة
الخميس ٢٦ مايو ٢٠٢٢ - ١٦:٢٤ م
59

حاجة كل مسلم للاعتناء بالسُّنَّة (3) من ثمرات تعلُّم السُّنَّة


كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن للسنة النبوية ثمرات وبركات عديدة، يتمتع بها كلُّ مَن اعتنى بالسنة، فمِن ذلك:

1- نيل ثواب العلم بالسنة:

إن ثواب طلب السنة والعمل بمقتضاها من الأمور العظيمة، ورد بيان هذا الفضل في الكثير من الأدلة في الكتاب والسنة، منها ما جاء في ثواب تعلم السنة وثواب العمل بها خاصة، ومنها ما جاء في ثواب طلب العلم وثواب العمل به عامة، والسنة بالطبع منها، فمن ذلك:

- في السنة النبوية: قوله صلى الله عليه وسلم: "نضَّر الله امرءًا سمع منا شيئًا فبلَّغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين".

- وفي القرآن الكريم: قوله تعالى: "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير) (المجادلة: 11)، وقوله تعالى: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب" (الزمر: 9)، وقوله تعالى: "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين" (يوسف: 108).

- ومن أقوال السلف في ذلك: قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "القلوب أوعية فخيرها أوعاها؛ الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع لا خير فيهم"، وقول أبي قتادة رضي الله عنه: "باب من العلم يحفظه الرجل لصلاح نفسه وصلاح من بعده أفضل من عبادة حول) (الفقيه والمتفقه).

وعن أبي هريرة وأبي ذر رضي الله عنهما قالا: "باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوع، وباب من العلم نعلمه عُمِل به أو لم يُعمَل به أحب إلينا من ألف ركعة تطوع" (جامع بيان العلم وفضله)، وقال سفيان الثوري: "ما من عمل أفضل من طلب العلم إذا صحت النية" (مفتاح دار السعادة).

(فمتى عَلِم المسلم أن في السنة ما يحقق له النجاة والحياة الطيبة، ما يجيبه على التساؤلات اليومية التي تمر به، ما يعينه على التعايش مع الواقع الذي يعيش فيه، ما يكشف له الجواب الصحيح في كل موقف يتعرض له، ما يؤمن له المستقبل في الحياة الآخرة؛ فإنه يحرص عليها أشد الحرص، ويقدرها حق قدرها ويوليها اهتمامًا بالغًا، وعناية خاصة).

(إن وجود هذا الهدف عند كل مسلم من أقوى الدوافع للعناية بالسنة والإقبال عليها، والاشتغال بها والحرص عليها) (راجع: مفاتح تدبر السنة، د. خالد عبد الكريم اللاحم).

2- الإكثار من ذكر الله تعالى ومناجاته:

هناك الكثير من الأدعية النبوية والأذكار المطلقة والمقيدة، التي تستغرق أحوال المسلم طوال يومه وليله، بها يناجي العبد ربه ويذكره ليل نهار، وتحوي معانٍ جليلة، ترفع مكانة من حفظها وداوم على ذكر الله تعالى بها، والدعاء بها؛ فلقد كان صلى الله عليه وسلم من أعظم الذاكرين لله تعالى في كل أحواله، والاقتداء به في ذلك مطلوب، قال تعالى: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله تعالى وذكر الله كثيرًا".

3- التداوي والشفاء بالسنة:

والتداوي والشفاء بالسنة على نوعين:

- تداوٍ وشفاء علمي معنوي من خلال ما حوته السنة النبوية من عقائد صحيحة، وأحكام قويمة، وأخلاق عالية وسلوكيات نبيلة، تجعل المرء طاقة متفجرة تعمل وتعطي ليل نهار.

- تداوٍ وشفاء حسي بدني من خلال ما حوته السنة النبوية من رقى شرعية، وأدعية لها أثرها العظيم في دفع البلاء وتحقيق الشفاء.

(إن العيش مع السنة يحوِّل حياتك إلى روضة من رياض الجنة تحس خلالها بالرضى والطمأنينة والسكينة، وتحس بوضوح الرؤية لأمور الحياة، فتنجو من التردد والتذبذب والشك، وتسلم من الانحراف عن الصراط المستقيم) (المصدر السابق، ص 39 -40).

والأمثلة والتجارب العملية على حصول الشفاء بالسنة على مرِّ العصور لا حصر لها من عهده صلى الله عليه وسلم إلى اليوم، فمن ذلك: ما جاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال: "يا أبا أمامة مالي أراك جالسًا في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله، فقال: أفلا أعلمك كلامًا إذا أنت إذا قلته أذهب الله همك وقضى عنك دينك؟"، قال: بلى يا رسول الله، قال: "قل إذا أصبحت وإذا أمسيت اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال"، قال: ففعلت ذلك فأذهب الله همي وقضى عني ديني".  

وعن أبي سلمة رضي الله قال: لقد كنت أرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت أبا قتادة يقول: وأنا كنت أرى الرؤيا فتمرضني حنى سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الرؤيا الحسنة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا مَن يحب، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان، وليتفل ثلاثًا، ولا يحدث بها أحدًا؛ فإنها لا تضره".

وكانت بعض الصالحات يضيق صدرها، وتحزن كلما جاءها الحيض أسفًا على فوات الأعمال الصالحة التي كانت تواظب عليها، وخاصة في رمضان، فلما سمعت بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا"؛ علمت أنه يكتب لها ثواب نيتها الصادقة حال العذر، ففرحت بذلك وزال عنها ضيق الصدر والهم، وسكنت نفسها، واطمأن قلبها إلى رحمة الله تعالى وسعة فضله. (راجع في ذلك المصدر السابق).

وحتى تظفر بالعافية والشفاء حال التداوي بالسنة النبوية؛ فعليك:

- تدبر ما تقرأ منها وتتمعن فيه، وتستحضر في قلبك ما تشير إليه.

- تكرار قراءة الأحاديث (فلا تكفي القراءة السريعة للحديث، بل قف عنده، وتأمل ما وراء الألفاظ من المعاني العظيمة التي تحول حياتك إلى جنة في الدنيا قبل جنة الآخرة، فكم يشقى الإنسان ويتنكد سنوات من عمره، ثم يجيء حديث واحد فقط لينتشله من الهم والقلق والضيق الذي هو فيه، وعندها يقول: ما أجهلني؛ إذ فرطت في هذا الكنز الذي في متناول يدي! كرر قراءة الحديث، ومتع حواسك بقراءته؛ قلِّبه على جميع الوجوه؛ لتكتشف ما فيه من جواهر ونفائس!) (المصدر السابق).

(إن هذا أيسر علاج لمعظم الأمراض النفسية لمن قدر عليه وأحس بأهميته، بل هو وقاية منها قبل وقوعها، فحينما يحرص عليها الإنسان في حال الرخاء أو الصحة والنشاط، ينتفع بها حال الشدة أو المرض والفتور. وحينما نربي عليها أطفالنا منذ الصغر؛ فإن ألفاظ السنة ومعانيها ترسخ في قلوبهم، تنمو مع نمو أجسامهم، وتقوى مع قوة عظامهم، فما كثرت في مجتمعنا الأمراض النفسية، وكثرت الانحرافات الخلقية إلا حينما أهملنا هذا الغذاء النافع المفيد، وشغلنا حياتنا باللهو سواء المباح منه أو المحرم) (المصدر السابق، ص 54).

وتأمل تلك المعاني في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما وكان ما زال غلامًا صغيرًا في مقتبل العمر: "يا غلام، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف".

وتأمل تصحيح العقيدة والفهم، ونبذ الخرافات، وأثر ذلك في الاعتقاد والعمل في قوله صلى الله عليه وسلم: "من علَّق تميمة فلا أتم الله له، ومن علق ودعة فلا ودع الله له"، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "مَن أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمدٍ".

4- التحصن والوقاية بالسنة:

من ثمرات السنة ما فيها من عموم الخير، فما من خير إلا دلنا عليه صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى عنه: "حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم" (التوبة: 128). ومن هديه ما جاء في الوقاية من الأدواء قبل وقوعها، وعلاجها إن وقعت، وهذا باب طويل، منه: ما ورد في السنة من التعوذات النبوية، نحو "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق"، و"أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة".

ومَن جَرَّب هذه الدعوات عرف مقدار نفعها بحسب قوة إيمان قائلها وقوة توكله على الله تعالى؛ فإنها سلاح، والسلاح بضاربه.

ومنه: الوقاية من السحر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تصبح سبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر"، ولعل في مؤلفات العلماء حول الطب النبوي وبيان ما فيه من النفع من صور الطب الوقائي ما يكفي ويشفي في الدلالة على هذا الأمر.

وللحديث بقية إن شاء الله.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com


الكلمات الدلالية