الثلاثاء، ٩ ربيع أول ١٤٤٤ هـ ، ٠٤ أكتوبر ٢٠٢٢
بحث متقدم

معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما في ميزان الصحابة والعلماء(2)

معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما في ميزان الصحابة والعلماء(2)
الجمعة ١٠ يونيو ٢٠٢٢ - ١٥:٥٧ م
48

معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما في ميزان الصحابة والعلماء(2)


كتبه/ زين العابدين كامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمعاوية رضي الله عنه من كَتَبة الوحي:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ادع لي معاوية، وكان كاتبه" (أخرجه أحمد في مسنده بسندٍ صحيحٍ)، وفي رواية عند البيهقي وغيره: "وكان يكتب الوحي"، فصرح بالوحي. وقال الذهبي: "وَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ أَلْعَبُ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: "ادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ"، وَكَانَ يَكْتُبُ الْوَحْيَ" (تاريخ الإسلام للذهبي).

وبهذا يُعلَم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يأتمنه على وحي السماء.

ثناء الصحابة والعلماء عليه:

لقد أثنى كثيرٌ من الصحابة والعلماء على معاوية في حياته وبعد مماته، ويروي الطبري مرفوعًا إلى عبد الله بن عباس قوله: "ما رأيت أحدًا أخلق للملك من معاوية، إن كان ليرد الناس منه على أرجاء وادٍ رَحْب"، أما عن ولاية معاوية فعمر ولَّاه، وجمع له الشامات كلها، وأقرَّه عثمان، بل إنما ولاه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وجعله خليفة لأخيه يزيد بن أبي سفيان على الجيش الخارج لحرب الروم في الشام.

قال محب الدين الخطيب معلقًا على أثر ابن عباس: "ما رأيت رجلًا أخلق بالملك من معاوية"، وهل يكون الرجل أخلق الناس بالملك إلا أن يكون عادلًا حكيمًا، يحسن الدفاع عن ملكه، ويستعين الله في نشر دعوة الله في الممالك الأخرى، ويقوم بالأمانة في الأمة التي ائتمنه الله عليها؟ والذي يكون أخلق الناس بالملك هل يلام عثمان على توليته؟

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والْجَوَابُ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ إِنَّمَا وَلَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا مَاتَ أَخُوهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَلَّاهُ عُمَرُ مَكَانَ أَخِيهِ. وَاسْتَمَرَّ فِي وِلَايَةِ عُثْمَانَ، وَزَادَهُ عُثْمَانُ فِي الْوِلَايَةِ. وَكَانَتْ سِيرَةُ مُعَاوِيَةَ مَعَ رَعِيَّتِهِ مِنْ خِيَارِ سِيَرِ الْوُلَاةِ، وَكَانَتْ رَعِيَّتُهُ يُحِبُّونَهُ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ  عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشَرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ"، وَإِنَّمَا ظَهَرَ الْإِحْدَاثُ مِنْ مُعَاوِيَةَ فِي الْفِتْنَةِ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ، وَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ كَانْتِ الْفِتْنَةُ شَامِلَةً لِأَكْثَرِ النَّاسِ، لَمْ يَخْتَصَّ بِهَا مُعَاوِيَةُ، بَلْ كَانَ مُعَاوِيَةُ أَطْلَبَ لِلسَّلَامَةِ مِنْ كَثِيرٍ مِنْهُمْ، وَأَبْعَدَ عَنِ  الشَّرِّ مِنْ كَثِيرٍ مِنْهُمْ" (منهاج السنة).

وقال ابن تيمية في موطن آخر: "فلم يكن من ملوك المسلمين ملك خيرًا من معاوية، إذا نُسِبَتْ أيامه إلى أيام مَن بعده؛ أما إذا نسبت إلى أيام أبي بكر وعمر، ظهر التفاضل".

وقال ابن تيمية أيضًا: "واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك؛ كان ملكه ملكًا ورحمة" (منهاج السنة لابن تيمية).

وذكر ابن كثير أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال بعد رجوعه من صفين: "أيها الناس، لا تكرهوا إمارة معاوية؛ فإنكم لو فقدتموها رأيتم الرؤوس تَنْدُرُ عَنْ كَوَاهِلِهَا كَأَنَّهَا الْحَنْظَلُ".

وذُكِرَ عمر بن عبد العزيز عند الأعمش فقال: فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: في حلمه، قال: لا والله، في عدله" (السُّنَّة للخلال).

وإليك شهادة الذهبي له حيث قال: "وحَسْبُك بمَن يؤمِّره عمر ثم عثمان على إقليم فيضبطه، ويقوم به أتم قيام، ويُرضى الناس بسخائه وحلمه؛ فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله، وفَرْط حلمه، وسعة نفسه، وقوه دهائه ورأيه"؛ ولذا نال معاوية رضي الله عنه شهادة حق من الصحابة والعلماء والصالحين بأنه كان أهلًا للإمارة والخلافة معًا، ومن أجل هذه الأهلية ظل أميرًا على الشام عشرين سنة، وخليفة للمسلمين ما يقرب من عشرين سنة فلم يهجه أحدٌ في دولته، بل دانت له الأمم، وحكم على العرب والعجم، وكان ملكه على الحرمين، ومصر، والشام، والعراق، وخراسان، وفارس، والجزيرة، واليمن، والمغرب، وغير ذلك.

قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: "تَذْكُرُونَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَدَهَاءَهُمَا وَعِنْدَكُمْ مُعَاوِيَةُ!" (تاريخ الطبري).

وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:" ما رأيت أحدًا أسود من معاوية! قال: قلت: ولا عمر؟ قال: كان عمر خيرًا منه، وكان معاوية أسود منه"، وفي رواية: ما رأيت أحدًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسود من معاوية! قيل: ولا أبا بكر؟ قال: كان أبو بكر وعمر وعثمان خيرًا منه، وهو أسود منهم" (البداية والنهاية لابن كثير).

بل وكان معاوية رضي الله عنه، فقيهًا يعتد الصحابة بفقهه واجتهاده، وكانت صلاته رضي الله عنه أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرُوي عن أبي الدرداء أنه قال: "ما رأيتُ أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من أميركم هذا -يعني معاوية-".

وروى البخاري في صحيحه في كتاب المناقب عن أبي مليكة قال: "أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس؛ فأتى ابن عباس فأخبره، فقال: دعه؛ فإنه قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وفي رواية أخرى: قيل لابن عباس: "هل لك في أمير المؤمنين معاوية؛ فإنه ما أوتر إلا بواحدة، قال: أصاب؛ إنه فقيه".

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com


الكلمات الدلالية