الثلاثاء، ١٢ محرم ١٤٤٤ هـ ، ٠٩ أغسطس ٢٠٢٢
بحث متقدم

وقفات مع قصة أصحاب الأخدود (6) الغلام أحيا الله به الأمة

وقفات مع قصة أصحاب الأخدود (6) الغلام أحيا الله به الأمة
الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ - ١٨:٣٦ م
22

وقفات مع قصة أصحاب الأخدود (6) الغلام أحيا الله به الأمة

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

المقدمة:

- تذكير مجمل بما سبق من القصة، مع التذكير بطريقة التناول، وهي تقسيم القصة إلى مشاهد.

المشهد السابع:

- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَقالَ لِلْمَلِكِ: إنَّكَ لَسْتَ بقَاتِلِي حتَّى تَفْعَلَ ما آمُرُكَ به، قالَ: وَما هُوَ؟ قالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِي علَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِن كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ في كَبِدِ القَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: باسْمِ اللهِ رَبِّ الغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِنِي، فإنَّكَ إذَا فَعَلْتَ ذلكَ قَتَلْتَنِي، فَجَمع النَّاسَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَصَلَبَهُ علَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِن كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ في كَبْدِ القَوْسِ، ثُمَّ قالَ: بسْمِ اللهِ، رَبِّ الغُلَامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ في صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ في صُدْغِهِ في مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ، فَقالَ النَّاسُ: آمَنَّا برَبِّ الغُلَامِ، آمَنَّا برَبِّ الغُلَامِ، آمَنَّا برَبِّ الغُلَامِ، فَأُتِيَ المَلِكُ فقِيلَ له: أَرَأَيْتَ ما كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بكَ حَذَرُكَ، قدْ آمَنَ النَّاسُ).

وقفات مع المشهد السابع:

الأولى: أهمية فقه الدعوة في حياة الداعي:

- فقه الغلام في إظهار عجز الملك الذي يدَّعي الربوبية، حيث يتلقَّى هو الأمر من الغلام: (إنَّكَ لَسْتَ بقَاتِلِي حتَّى تَفْعَلَ ما آمُرُكَ به!).

- فقه الغلام في الوصول إلى غرضه في نشر عقيدة التوحيد في الأمة: (تَجْمَعُ النَّاسَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ)، قال تعالى: (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) (طه: 59).

- فقه الغلام في إظهار طغيان وظلم الملك، وهو مِن أسباب تعاطف الناس مع دعوته، فالناس يكرهون الظلم ويميلون إلى المظلوم عادة؛ لا سيما وأنهم يعلمون عن المظلوم حبه للخير والإحسان إلى الناس: (وَتَصْلُبُنِي علَى جِذْعٍ).

- فقه الغلام في إظهار العجز التام للملك بأمره أن يقول: (باسْمِ اللهِ، رَبِّ الغُلَامِ)، حيث أظهر الافتقار القهري والعبودية الاضطرارية لرب الغلام، ولقد كان لذلك الأثر العظيم في إيمان الناس، فمَن سبق علمه بدعوة الغلام ازداد يقينًا في قدرة الله ووحدانيته، ومَن لم يكن يعلم؛ فليسمع وليرى البرهان على قدرة الله ووحدانيته.

- وهنا تجلَّت القضية عند الجماهير مِن أن الصراع والاختلاف إنما هو التدافع بين الحق والباطل: قال تعالى: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (البروج: 8).

- كان المشهد النهائي هو انتصار العقيدة، وإحياء الأمة: (فَأُتِيَ المَلِكُ فقِيلَ له: أَرَأَيْتَ ما كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بكَ حَذَرُكَ، قدْ آمَنَ النَّاسُ).

الثانية: تساؤل؟!

- هل فِعْل الغلام يعد إهلاكًا للنفس، وقد قال الله -تعالى-: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة: 195)؟!

- الجواب: لا، من وجهين:

- الأول: لقد كان فعلُ الغلام سببًا في هداية أمة بأكملها، وهي مصلحة عامة ونفعها أعظم من المنفعة الخاصة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بكَ رَجُلًا واحِدًا، خَيْرٌ لكَ مِن أنْ يَكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ) (رواه البخاري).

- الثاني: لقد نال الغلام برحيله عن الدنيا مكانة الشهداء في أعلى المراتب: قال الله -تعالى-: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (آل عمران: 169-170)، وقال -تعالى- عن صاحب يس: (إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ . قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (يس: 25-27).

المشهد الثامن:

- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فأمَرَ بالأُخْدُودِ في أَفْوَاهِ السِّكَكِ، فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقالَ: مَن لَمْ يَرْجِعْ عن دِينِهِ فأحْمُوهُ فِيهَا، أَوْ قيلَ له: اقْتَحِمْ، فَفَعَلُوا حتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمعهَا صَبِيٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقالَ لَهَا الغُلَامُ: يا أُمَّهْ، اصْبِرِي فإنَّكِ علَى الحَقِّ).

وقفات مع المشهد الثامن:

الأولى: الله يثبِّت أولياءَه عند المحن:

- لقد أنطق اللهُ الرضيعَ كرامة لأمه حتى تثبت: (يا أُمَّهْ، اصْبِرِي فإنَّكِ علَى الحَقِّ)، قال -تعالى-: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) (إبراهيم: 27).

- ونظائر ذلك كثيرة في تثبيت الله لأوليائه المتقين بخوارق العادات: ففي يوم بدر: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) (الأنفال: 12)، وقال -تعالى- عن مريم على لسان الرضيع: (فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) (مريم: 24)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن جريج العابد: (ثُمَّ أَتَى الغُلَامَ، فَقالَ: مَن أَبُوكَ يا غُلَامُ؟ قالَ: الرَّاعِي) (متفق عليه).

- استعن بالله وتوكل عليه عند المحن، والتجأ إليه، ستجده أمامك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (تعرَّفْ إلى اللهِ في الرخاءِ يعرفُك في الشدَّةِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

الثانية: من فقه الرخصة والعزيمة:

- لقد رُخِّص في الإسلام للإنسان إذا تعرَّض للقتل أو التعذيب أن ينطق الكفر إذا كان مطمئن القلب بالإيمان: قال -تعالى-: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل: 106)، وقال الحافظ في الفتح: "والمشهور إن الآية المذكورة نزلت في عمار بن ياسر، قال: أخذ المشركون عمارًا فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكى ذلك إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال له: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان، قال: فإن عادوا فعد"، (وهذا حديث مرسل، رواه الحاكم في المستدرك: 2 / 389، والبيهقي في السنن الكبرى: 8 / 208، وإسناده ضعيف، وروي من طرق كثيرة متعددة، تدل على أن للقصة أصلًا).

- الظاهر أن فعلَ الراهب والجليس والمؤمنين عند الأخدود، كان من باب العزيمة الواجبة، حيث لم تكن الرخصة في ذلك في الأمم السابقة على قول بعض أهل العلم، أو أنهم تركوا الرخصة وأخذوا بالعزيمة، وقويت قلوبهم عند الأخدود: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أفضلُ الجهادِ: كلمةُ عدلٍ عند سُلطانٍ جائرٍ) (رواه أبو داود واللفظ له، والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني).

المشهد الأخير:

- الإشارة إلي خاتمة القصة من خلال التناول القرآني لعاقبة الفريقين: قال -تعالى-: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ . الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَ?لِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) (البروج: 8-11).

وقفات مع المشهد الأخير:

الأولى: عاقبة الكافرين:

- توعدهم الله بعذابين: قال -تعالى-: (فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ) بسبب كفرهم، (وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) بسبب فتنتهم المؤمنين والمؤمنات. (انظر: روح المعاني للألوسي)، وروي عن ابن عباس: "أن النار ارتفعت من الأخدود، فصارت فوق الملك وأصحابه أربعين ذراعًا فأحرقتهم!" (تفسير القرطبي).

- قتلوا المؤمنين بحريق الدنيا، ولكن... أين حريق مِن حريق؟ في شدته أو في مدته، فحريق الدنيا يوقدها الخلق، وحريق الآخرة بنارٍ يوقدها الخالق، وحريق الدنيا لحظات وينتهي، وحريق الآخرة آباد لا يعلمها إلا الله، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (نَارُكُمْ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن نَارِ جَهَنَّمَ) قيلَ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً، قالَ: (فُضِّلَتْ عليهنَّ بتِسْعَةٍ وسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "أُوقِدَ على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أُوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أُوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة" (رواه الترمذي وابن ماجه، وضعفه الألباني)، وقال تعالى: (‌كَلَّا ‌إِنَّهَا ‌لَظَى . نَزَّاعَةً لِلشَّوَى) (المعارج: 15-16).

الثانية: عاقبة المؤمنين:

- لما ذكر -سبحانه- مصير المجرمين أعقبه بذكر مصير المؤمنين: قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ) (لقمان: 8).

- وكيف لا يكون ذلك هو الفوز الكبير وهم الذين جعلهم الله في النعيم الذى ما رأته عين، ولا خطر على قلب بشر؟! قال -تعالى-: (مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ) (الرعد: 35)، وقال -تعالى-: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ . لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ . فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ . لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً . فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ . فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ . وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ . وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ . وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ) (الغاشية: 8-16).

وقال -تعالى-: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُولَ?ئِكَ الْمُقَرَّبُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ . وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ . عَلَى? سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ . مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ . يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ . بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ . لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ . وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ . وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ . وَحُورٌ عِينٌ . كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ . جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا . إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا . وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ . فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ . وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ . وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ . وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ . وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ . لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ . وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ . إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً . فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا . عُرُبًا أَتْرَابًا . لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ) (الواقعة: 10-38).

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ، ما أدْنَى أهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟، قالَ: هو رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ ما أُدْخِلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، فيُقالُ له: ادْخُلِ الجَنَّةَ، فيَقولُ: أيْ رَبِّ، كيفَ وقدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنازِلَهُمْ، وأَخَذُوا أخَذاتِهِمْ، فيُقالُ له: أتَرْضَى أنْ يَكونَ لكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِن مُلُوكِ الدُّنْيا؟ فيَقولُ: رَضِيتُ رَبِّ، فيَقولُ: لكَ ذلكَ، ومِثْلُهُ ومِثْلُهُ ومِثْلُهُ ومِثْلُهُ، فقالَ في الخامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ، فيَقولُ: هذا لكَ وعَشَرَةُ أمْثالِهِ، ولَكَ ما اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، ولَذَّتْ عَيْنُكَ، فيَقولُ: رَضِيتُ رَبِّ، قالَ: رَبِّ، فأعْلاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أرَدْتُ غَرَسْتُ كَرامَتَهُمْ بيَدِي، وخَتَمْتُ عليها، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، ولَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، ولَمْ يَخْطُرْ علَى قَلْبِ بَشَرٍ، قالَ: ومِصْداقُهُ في كِتابِ اللهِ -عزَّ وجلَّ-: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لهمْ مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ) (رواه مسلم).

خاتمة:

- هكذا تنتهي رواية القصة، وقد ملأت القلب إيمانًا بأن النصر الحقيقي هو انتصار العقيدة على مجرد الحياة؛ فقد كان في إمكان المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم، ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم في الدنيا قبل الآخرة: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَ?لِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) (البروج: 11).

- لقد أصبح هؤلاء الأبرار مثالًا يُحْتذَى به في كلِّ زمان ومكان، ولقد كان للقصة أثر عظيم على أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين على مرِّ الزمان.

فاللهم يا مثبِّت القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك حتى نلقاك.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

الكلمات الدلالية

تصنيفات المادة